في مارس عام ١٩٠٠ ولد حسن فتحي لعائلة ثرية من الإسكندرية، معماري وأكثر.. فيلسوف و مصمم أسلوب حياة
نقد سيطرة العمارة الكلاسيكية الغربية واكتساحها لهوية المدن العربية وقتذاك و دعا إلى عمارة محلية ترتبط ببيئتها وتراثها
سعى إلى استخدام مواد الإنشاء الأكثر توافقا مع البيئة والقدرات المادية للساكن وقال: "أنظر تحت قدميك وابني".. يعني من أرضك، و في أرضك
استغنى عن أحد أهم عوامل الإنتشار التي يتمناها المعماري: علاقات عائلية مع الميسورين و أصحاب الأملاك، تركهم وذهب في الطريق الصعب
اختار الانحياز للمهمشين وقال جملته العظيمة "٨٠٠ مليون نسمة من فقراء العالم الثالث محكوم عليهم بالموت المبكر بسبب سوء السكن..هؤلاء هم زبائني"
عانى في بلده بعد إنقلاب الضباط بداية الخمسينات، لم يعجبهم الرجل، و تم منعه من خلال روتين النظام الحكومي من الاستمرار في تنفيذ مشاريعه
هرب من قيده عام ١٩٥٩ و غادر إلى اليونان.. ولأنه صاحب رسالة لم يطق البعد، فعاد إلى بلده بعد عامين، عاد إلى مساكن الفقراء
هل توهّم بأن لديه فرصة للنجاح في ظل أفكاره و مقولاته الثورية أم أنه كان متحديا عنيدا لسلطة رأس المال عن قصد؟ لا أعلم
يقول "الشعب مهان بالمباني القبيحة والتخطيطات المذلة فهي لا تخاطب وجدانه بل تخبره بأن هذه السفاهة هي قيمتك، إن العمارات الشاهقة شتيمة للمارة"
ويقول "كيف يسكن أولادنا في الدور العشرين؟
أنا أعتبر البيت الذي لا يستطيع الأطفال أن يلعبوا فيه الأستغماية ليس بيتا على الإطلاق"
أنا أعتبر البيت الذي لا يستطيع الأطفال أن يلعبوا فيه الأستغماية ليس بيتا على الإطلاق"
"عندما نتجول في أصفهان أو فينسيا يتملكنا الإعجاب لأن المثقفين وراء هذه العمارة، أما أمريكا فلا أفهم من بناها، غالبا ملوك البترول والسيارات"
لم تسلم أفكاره من الإنتقاد ولا مشاريع الإسكان التي نفذها من الفشل وما زالت أسباب ذلك مثار جدل، أقول أن السبب كان مشكلة فكر 🏃🏾
السبب الأول هو فكر الدولة.. دولة تتبنى الفكر الرأسمالي محور اهتمامها هو الشركات الإستثمار لن تسمح لمنهج إسكان كهذا أن ينضج ويزدهر
وإذا ما أضيف لبشاعة الرأسمالية تحالف صناع القرار مع أصحاب رؤوس الأموال بوجود الاستبداد فإن صلاح قطاع الإسكان يصبح بعيدا، حال أي قطاع ضخم آخر
دولة كهذه لا تهتم بمحدودي الدخل، هم فيها مجرد أرقام، ومشاريع إساكنهم التي تبنى ببطء وبتكاليف عالية ليست سوى صفقات تجارية
لا الجمال ولا البيئة ولا الأمن المجتمعي فيها يعني شيئا مقابل فائدة أعضاء شبكة متجذرة ممتدة، هم أصحاب الأراضي المحيطية والأبراج الشاهقة
و نماذج اقتصادية راقية للإسكان تهدد أعمالهم التجارية لن تُنفذ حتى وإن كان البديل هو العشوائيات والبيوت البشعة والأحياء القذرة مدنيا وأخلاقيا
يجنون ربح مشاريعهم سويا ويسعد الجميع، حتى الشعب المسحوق الذي حصل مئات منه على مسْكن وبقيّته على مسكّن، ليهتف الجميع بحياة العهده الزاهر
ما علينا، السبب الثاني للفشل كان بأن تحولت عمارة الفقراء خاصته لعمارة الأثرياء بشكل مبتذل وساخر.. ما الذي حدث؟
في الأربعينات بنى قرية القرنة الجديدة من اللبن، مصنفة الآن كمنطقة تراث إنساني لدى اليونسكو.. من أرقى ما شيّد العرب من معمار، فشل المشروع
كانت القرنة القديمة تقع في وادي الملوك الغني بالآثار التي كانت تتعرض للتنقيب والتهريب، فقررت الحكومة نقلهم منها ببناء قرية جديدة لهم
رفض الفلاحون الانتقال منقريتهم لبيوتهم الجديدة، ربما لم يعجبهم فرض مساكن وأسلوب حياة معين عليهم، وربما لم يدرك فتحي فجوة الفكر بينهم
بنى مساكن بغرف خاصة لأفراد العائلة ولم يعجب ذلك شريحة ماتزال غير واعية بفكرة خصوصية الفرد في منزله واستقلال أفراده في حجراتهم
أُعجب الأثرياء بعمارة الفقراء وأخذوا يستعملون مفرداتها في مساكنهم في أمر يشبه تحول الجينز من لباس للبروليتاريا إلى مظهر من مظاهر البرجوازية
سُلبت كمفردات مفرّغة من مضمونها، كانت ظاهرة نزوات الأثرياء تلك من سمات مرحلة ما بعد الحداثة التي تستلهم هويتها من مفردات الفقر والبدائية
الأصل في بيوت الفقراء أنها بسيطة لكنها ليست بيوتا قذرة أبدا.. شاهدوا الفكر والفكر المضاد.. مقطع مصور للقرنة
youtu.be
youtu.be
إذا فشلت مشاريع فتحي بسبب فكر الدولة والمنظومة الحكومية + فكر الفئة المستهدفة من البسطاء المنعزلين ثقافيا واجتماعيا عن الطبقة المثقفة والنخب
مات فتحي عام ١٩٨٩ وظل الفقراء على حالهم بلامساكن لائقة وظلت مساكنهم سلعة بيد الإقطاعيين..
لكنه علمنا بأن الحل سيكون موجودا حولنا حين نؤمن به
لكنه علمنا بأن الحل سيكون موجودا حولنا حين نؤمن به
واليوم، نتباهى باستيراد العمارة الخضراء و المستدامة كمناهج بناء مع أننا لفظناها عندما نادى لها رجل عربي.. كلمة قرين بلدنقز و ساستينبلتي أكشخ
في أعماله اجتمعت عِظمة الإنجاز مع بؤس المصير، أظنه عاش في المكان غير المناسب والزمان غير المناسب، وأظنه غفل عن عوائق فرضها الواقع العام عليه
لم يفتقد حسن فتحي التقدير في حياته و جنى عدة جوائز معمارية رفيعة، عاش حرا مؤمنا بالعدالة مخلصا لمن انحاز لهم..
يحيرني أمره وأمثاله و أتساءل:
يحيرني أمره وأمثاله و أتساءل:
ما الذي يدفع شخصا إلى النضال لصالح مجتمعات مهددة ومنجزاتها بالفناء وكيف للإنسان أن يقضي عمره يوقد شموعا وسط الرياح..
أعجز عن فهم سر العظماء
أعجز عن فهم سر العظماء
نسيت أقول شغلتين: عمل فتحي مع الأمم المتحدة في الستينات كخبير لمشاريع التنمية في السعودية، و أنتجت الجزيرة وثائقيا جميلا عنه
رحم الله حسن فتحي والسلام عليه يوم ولد ويوم مات ويوم يبعث حيا
جاري تحميل الاقتراحات...