خالد العويمري
خالد العويمري

@xraykh_

8 تغريدة 12 قراءة Feb 06, 2025
سأجيب على سؤال قد يثير تساؤلاتكم، وهو سؤال ربما لم تتأملوا البحث عن إجابته منذ صغركم.
لماذا من أقل صدمة في الدماغ يحدث صداع وانتفاخ، وفي بعض الأحيان قد تؤدي ضربة واحدة إلى وفاة الشخص، بينما يقوم نقار الخشب – في أقل يومٍ من حياته – حين يرغب في تحميه منقاره صباحًا بضرب الأشجار حوالي 12 ألف مرة يوميًا، بمعدل 20 نقرة في الثانية، دون أن يتعرض لارتجاج في دماغه، أو يصيبه صداع خفيف، أو يتلف دماغه؟
لقد حير هذا الأمر العلماء لسنوات طويلة، وقد نشرت أوراق بحثية بعنوان: “لماذا لا يُصاب نقار الخشب بارتجاج الدماغ؟”
كما تعلمون، بلغت قوة ضربة منقار نقار الخشب عند قياسها حوالي 1,400 جرام، بينما تبلغ القوة اللازمة لإحداث ارتجاج في دماغ الإنسان حوالي 60 جرامًا فقط. والأمر اللافت أن دماغ نقار الخشب لا يتأثر بالضغط الهائل إلا بنسبة 0.1%.
أعتقد أن المقاطع التي تراها توضح جزءًا كبيرًا من إجابة السؤال؛ إذ يتعلق الأمر بالتشريح الداخلي لدماغ طائر نقار الخشب، الذي يختلف تمامًا عن دماغ الإنسان. فإذا نظرنا داخل جمجمة الطائر، سنجد أن:
الجمجمة تتألف من جزأين؛ فهناك جمجمة خارجية معقدة وصلبة، وأخرى داخلية مرنة مصممة لتحمل الصدمات، إذ تشبه إسفنجًا مخصصًا لهذا الغرض.
لو دققنا، سنلاحظ عدم وجود فجوة أو فراغ بين الجمجمة ودماغ الطائر
إذ يبدو دماغه وكأنه محاط بوسائد تمتص الصدمات. وبالتالي، عند بدء عملية النقر على الأشجار، تكون قوة الارتداد معدومة التأثير على الدماغ، نظراً لامتصاص الجمجمة للصدمات. وهذا على النقيض من دماغ الإنسان الذي يحتوي على فجوة كبيرة بين الجمجمة والدماغ، مما يجعله عرضةً للإغماء فور التعرض للصدمة، فضلاً عن أن جزءًا منه ليس إسفنجيًا
دعوني أضيف معلومة أخرى؛ إذ إن لسان نقار الخشب يؤدي دور الوسادة التي نضعها خلف رأسنا عند الاتكاء على شيء صلب. فسبحان من خلقه، يمتد اللسان من الفم والمنقار ويلتف حول المخ والجمجمة بأكمله بشكل مميز ليشكل وسادة طبيعية تتلقى الصدمات وتعمل كحزام أمان لدماغ الطائر.
وقد استنتج الباحثون أيضًا أن جسم الطائر قادر على امتصاص حوالي 99.7٪ من طاقة تأثير ضرب الشجرة، فيما تنتقل نسبة 0.3٪ فقط من الطاقة إلى الجمجمة والدماغ على شكل حرارة
أي تأثير لا يُذكر ولهذا السبب، تلاحظون أن نقار الخشب بعد ضرب الشجرة يستريح قليلاً ليسمح للدماغ بالتبريد، حفاظًا على درجة حرارته وتجنبًا لأي ضرر، ثم يعود لمواصلة النقر – بمعنى أنه يوزع جهده بعبقرية.
وقبل أن أختتم الثريد، يطرأ سؤال قد يخطر على البال: بما أن الجسم يمتص معظم طاقة التأثير ويتعرض الدماغ لجزء ضئيل منها، فلماذا لا تتأثر عيون الطائر بقوة النقر الشديدة التي قد تُفكك العين أو تتسبب في انفجارها، وتظل سالمة دون أي ضرر؟
إن هذا السؤال شجعني على الاستمرار في تسليط الضوء على ميزات طائر نقار الخشب، إذ إن هذا الطائر قد أُعِدَّ جسديًا بالكامل لمواجهة قوة النقر. فهو يعتمد على الجفن الثالث السميك في العين، الذي يُغلق تمامًا أثناء النقر، مما يشكل حزام أمان إضافيًا للعين، ويحمي كذلك الغشاء النابض من الحطام المتطاير والشظايا.
وبحسب دراسة بحثية نُشرت عام 2007 على يد طبيب العيون إيفان، فإنه بدون إغلاق العين بواسطة الجفن الداخلي السميك، قد يحدث تمزق في شبكية العين، وربما تخرج العين من تجويفها أو تتعرض لانفجار داخل جسم الطائر.
إن عظمة ورعاية ولطف تدبير الله تعالى الذي تجلّى في تصميم طائر نقار الخشب تستدعي منا تأملًا عميقًا في خلقه.

جاري تحميل الاقتراحات...