محلل إيراني : أعتقد أن الشرق الأوسط شهد العديد من التطورات والتقلبات في العقدين الماضيين منذ حرب عام 2003، حرب العراق التي أدت إلى إعادة هندسة معادلات القوة، والوضع الأمني في المنطقة، وشكل ونوع العلاقات بين الدول في تغير مستمر، وهذا أمر طبيعي، ولا شك أن الدول تراجع سياساتها 1️⃣
وتغيرها بناء على الظروف والتطورات المحيطة بها، الداخلية والخارجية، لا ينبغي لأي سياسة أن تكون ثابتة أو ساكنة، بل تتغير السياسات حسب الظروف، لقد شهدت منطقة الشرق الأوسط تطورات عديدة، وشهدت بلدانها العديد من التقلبات والفرص والتحديات، إن المواجهة الجيوسياسية أو تغيير معادلات 2️⃣
القوة في منطقة ما ليست مسألة رابحين وخاسرين، إن هذه النظرة إلى من يفوز ومن يخسر تأتي عادة من منظور أبيض وأسود أو من منطق رياضي ينظر إلى المعادلات الجيوسياسية كلعبة شطرنج حيث سيفوز شخص واحد أو يخسر، في المعادلات الجيوسياسية الإقليمية، تستمر اللعبة دائماً، بغض النظر عن النتيجة 3️⃣
المؤقتة أو الجزئية، إن الحديث عن الفوز والخسارة أمر بسيط للغاية، ويقال إن إيران خسرت في سوريا، والآن فازت تركيا، لا أعتقد ذلك على الإطلاق، بعد السابع من أكتوبر والتوترات المباشرة بين إيران وإسرائيل، أدركت طهران أن الجماعات المسلحة المتحالفة معها في المنطقة، سواء الحكومية 4️⃣
أو غير الحكومية، لا توفر ورقة ردع لإيران، وتزامن هذا الإدراك في طهران مع إضعاف موقف بشار الأسد في سوريا بعد 14 عام من الحرب الأهلية، وأضطر الرئيس السوري السابق إلى عقد صفقات مع جهات فاعلة مختلفة من أجل بقائه، وفي الأشهر الأخيرة من وجوده في السلطة، سعى إلى إبقاء جميع الأطراف 5️⃣
راضين، من إيران إلى روسيا، ومن تركيا إلى الدول العربية وحتى إسرائيل والولايات المتحدة، لقد تسببت هذه السياسة في خسارته، وتزامن هذا الوضع مع تغير عقيدة الدفاع الإيرانية، فبحسب الحسابات إرتفعت تكلفة الدفاع عن بشار الأسد بالنسبة لطهران، وبالطبع لموسكو أيضاً، فلا أعتبر إيران خاسرة 6️⃣
في الحرب السورية، في رأيي، لا يوجد رابح أو خاسر، ولكن يمكن القول إن إيران إنسحبت من سوريا في الوقت المناسب، وبالحديث عن سوريا بعد بشار الأسد، ليس من السهل التنبؤ بمستقبل سوريا، برأيي أن سوريا ستواجه مشاكل وتحديات كبيرة في المستقبل، يبدو أنه لا يمكن بسهولة الحديث عن سوريا ذات 7️⃣
إقتصاد مركزي وجيش قوي، ستبقى سوريا دولة ضعيفة، لأن من مصلحة بعض الأطراف، مثل إسرائيل والولايات المتحدة، وتركيا، أن لا تصل إلى السلطة في سوريا دولة ذات حكومة وجيش قويين، ففي الوقت الحاضر، هناك ثلاث دول تركيا، وإسرائيل، والولايات المتحدة، لديها وجود عسكري غير شرعي في سوريا، 8️⃣
بالإضافة أن هناك العديد من الإنقسامات والفجوات في سوريا مما يجعل المهمة صعبة، ومن بين المشاكل التي تواجه سوريا هو الخلاف بين الطبقة السورية العلمانية المثقفة والنخبوية من جهة، والجماعات الإسلامية من جهة أخرى، والفجوة الثانية هي فجوة الهوية بين الجماعات العرقية والدينية، 9️⃣
إن سوريا بلد يتمتع بتنوع عرقي وديني وطائفي كبير، وهي ليست فجوات يمكن للحكومة الجديدة سدها بسهولة بأي شكل من الأشكال، السنة، والعلويون، والإسماعيليون، والمسيحيون، والدروز، وحتى القبائل الكبرى في سوريا، كل منهم لديه مطالبه الخاصة، وفي سوريا التي دُمرت بنيتها التحتية على مدى 1️⃣0️⃣
14 سنة الماضية، لن يكون من السهل تلبية المطالب السياسية والإجتماعية والإقتصادية، والفجوة الثالثة هي الفجوة الوطنية، حيث تقع الحكومة المركزية حالياً في أيدي هيئة تحرير الشام، التي جاءت من خلفية إسلامية مما يولّد هذا إنقساماً، وهذا الإنقسام الوطني يعني وجود فجوة بين السلطة 1️⃣1️⃣
المركزية والشعب، بغض النظر عن طبقته أو هويته الإجتماعية، وفي الأساس، لم تتمكن سوريا خلال القرن الماضي من إستكمال عملية بناء الدولة الوطنية بنجاح، لا توجد في سوريا حالياً هوية وطنية متماسكة، كثير من الناس، بغض النظر عن العرق أو الدين أو الطبقة الإجتماعية أو التعليم، ليس لديهم 1️⃣2️⃣
الشعور بالإنتماء والولاء لسوريا، ومن المؤكد أن هذا أمر ضروري لإنشاء الدولة القومية الوطنية، والحقيقة أن عملية بناء الأمة الوطنية تتطلب عقوداً من العمل النخبوي، وخاصة في مجالات التعليم والتدريب، وفي الشؤون السياسية والثقافية، حتى تؤتي ثمارها، الفجوة الرابعة هي الفجوة 1️⃣3️⃣
بين البنية السياسية والنظام السياسي، وهذا يعني أننا نرى التنوع بين المجموعات القوية التي تمتلك السلطة أو تسعى إليها، آراء ومطالب هذه المجموعات مختلفة جداً، لدينا حالياً على الساحة جماعات إسلامية متشددة، وجماعات أكثر إعتدالاً، وجماعات علمانية، وبقايا الحكومة السورية السابقة، 1️⃣4️⃣
ومع إستمرار هذا الإتجاه فإننا سنشهد تشكيل حركات معارضة داخل سوريا وخارجها، وهو ما سيمنع تشكيل التماسك السياسي المطلوب في العاصمة، الفجوة الخامسة تنشأ من الإختلافات بين الجهات الفاعلة الإقليمية القوية مثل تركيا، وإسرائيل، وإيران، والسعودية، وسيسعى كل منهم إلى تحقيق أهدافه 1️⃣5️⃣
ومصالحه الخاصة في سوريا، كما تختلف الولايات المتحدة وإسرائيل بشأن مستقبل سوريا السياسي، ولا تتفقان بشكل كامل مع بعضهما البعض، وبعبارة بسيطة، فإننا قد نشهد صراعاً حاداً للمصالح بين الأطراف الإقليمية والعابرة للحدود في سوريا الجديدة، في الوقت الحاضر، تحتل إسرائيل الجزء الأكبر 1️⃣6️⃣
من الجولان، وتتواجد تركيا في أجزاء من شمال سوريا، وتتواجد الولايات المتحدة في مناطق شرق سوريا، دعونا لا ننسى أن باكستان رعت طالبان لعقود من الزمن، ولكن بمجرد وصول طالبان إلى السلطة في أفغانستان، إتخذت العديد من الإجراءات ضد باكستان، وصلت التوترات بين حركة طالبان الأفغانية 1️⃣7️⃣
وباكستان إلى مستويات عالية للغاية في الوقت الحالي، ومن المحتمل أن يتكرر هذا السيناريو في سوريا، على سبيل المثال، قامت تركيا برعاية هيئة تحرير الشام في إدلب لمدة عقد من الزمن تقريباً، ومن الممكن أن تتحرك هذه الجبهة ضد تركيا، والفجوة السادسة تظهر في المجال الدولي، فقد نشهد 1️⃣8️⃣
على المستوى الدولي تقلبات في العلاقات بين الدول، ومن أهمها العلاقة بين روسيا والولايات المتحدة، وستتبلور وتتجسد هذه المعادلات في سوريا، وكانت لروسيا مصالح جيوسياسية في سوريا، ولم يكن بوسع الولايات المتحدة والغرب وحلف شمال الأطلسي أن يتسامحوا مع وجود روسي قوي في ميناء طرطوس 1️⃣9️⃣
السوري على البحر الأبيض المتوسط، والآن سوف تصبح روسيا على الهامش، والسؤال هو هل تسعى الولايات المتحدة إلى إستقرار سوريا؟ وإذا كان الأمر كذلك، فمن المحتمل أن تدخل الصين أيضاً في هذه المعادلة، تسعى الصين إلى ترسيخ الإستقرار في سوريا لأنها تعتبر هذا الإستقرار شرطاً أساسياً لأي 2️⃣0️⃣
إستثمار آمن في سوريا، فهل تفضل الولايات المتحدة القتال من أجل إستقرار سوريا حتى لا يتدخل الصينيون في هذه القضية؟ برأيي، هذه الفجوات الستة هي فجوات مهمة للغاية، ومن الصعب جداً معالجتها جميعها هيكلياً، لذا أعتقد أن سوريا ستبقى دولة ضعيفة، ولن تستطيع جذب قدر كبير من الإستثمارات 2️⃣1️⃣
وأرى أن الحياة السياسية لأبو محمد الجولاني "أحمد الشرع" قصيرة جداً، وتوقعي أن العقوبات المفروضة على سوريا سوف تستمر في الوقت الحالي، وربما لن يتم تقديم سوى بعض المساعدات أو الإنفتاح التدريجي للبلاد، في حين تحتاج سوريا إلى مئات المليارات من الدولارات من التمويل لإعادة بنيتها 2️⃣2️⃣
التحتية إلى وضعها الطبيعي، وأعتقد أنه من غير المحتمل أن تكون الدول العربية والغربية راغبة في الإستثمار في مثل هذه البيئة، في نفس الوقت لا يمكن أن نتجاهل أن سوريا تعلّمت من دروس حالات الماضي في أفغانستان والعراق، ففي العراق كان أحد الأخطاء الكبيرة بعد سقوط صدام هو حل الجيش، 2️⃣3️⃣
الأمر الذي خلق فراغاً أمنياً هائلاً في البلاد وتسبب في إنعدام الأمن والإستقرار بشكل كبير، ولم يحدث هذا في سوريا، وهذا برأيي كانت الخطوة الصحيحة، ثانياً، إن عملية إجتثاث البعث التي تمت في العراق بعد صدام لم يتم تنفيذها بنفس الطريقة في سوريا، وقد أدى هذا الإجراء في العراق 2️⃣4️⃣
إلى عزل جزء كبير من النخبة العراقية، وخاصة العرب السنة، وإنضمامهم إلى الجماعات المسلحة التي تقاتل ضد الحكومة المركزية، النقطة الثالثة هي الدرس الذي تعلموه من أفغانستان، "الهبوط الحاد" بمعنى أن يغير أحد الأطراف الميدان من الصفر إلى المائة من خلال الإستيلاء على السلطة، 2️⃣5️⃣
لم يحدث في سوريا، حتى أن هيئة تحرير الشام عملت مع أشخاص عملوا في نظام بشار الأسد وقد غيروا إلى حد ما شكل وطريقة تعاملهم، وحافظت هيئة تحرير الشام على مظهر الحكومة الحديثة أو ما يسمى بالحكومة التفاعلية، في سوريا الجديدة سيكون من الأفضل إشراك إيران في عملية إعادة البناء السياسي 2️⃣6️⃣
في سوريا بدلاً من محاولة إقصائها، فإن مثل هذه الإقصاء قد يترتب عليه تكاليف أيضاً، ما يحدث حالياً هو أنه مع تغير قطع الشطرنج في المنطقة تتغير أيضاً وظيفة كل قطعة وأهميتها، وقد يكون الآن بإمكان إيران والسعودية، أن تتفق في وجهات النظر بشأن سوريا، ومن المثير للإهتمام أن هناك 2️⃣7️⃣
جهات فاعلة في سوريا على خلاف مع بعضها البعض بشأن أزمة السودان، ولكنها تتحرك جنباً إلى جنب في سوريا، وهذه هي طبيعة الحروب الجيوسياسية، في عالم السياسة، كل شيء يتغير بسلاسة، ولذلك يمكن القول إن التطورات في سوريا يمكن أن تقرب بين إيران والسعودية، وربما تخلق تقارب بين إيران 2️⃣8️⃣
والأكراد السوريين، وتشكل المخاوف بشأن النفوذ التركي في سوريا مصدر قلق للعديد من الجهات الفاعلة الإقليمية، لقد بدأ الاضطراب في الشرق الأوسط في القرن الحادي والعشرين عندما إنتهجت الولايات المتحدة سياسة ما يسمى "إقامة الديمقراطية" في الشرق الأوسط، ويرتكز هذا الإضطراب الإقليمي 2️⃣9️⃣
الجديد على حكومات ضعيفة وشعوب قوية، في العالم النظري، لدينا مصطلح يسمى الدولة الضعيفة والمجتمع القوي، وهذا لا يعني أن هذه الحكومات لا تمتلك قوات عسكرية أو جيش، لا، لديها كل هذا، لكنها ضعيفة للغاية من حيث الشرعية، إن المجتمعات القوية لا تعني أنها قوية أو أنها حددت الأهداف 3️⃣0️⃣
الصحيحة، بل تعني أن هويتها أصبحت مسيسة إلى حد كبير وتعتمد على الأمن، الأمن يعني أنهم يرون أنفسهم دائماً معرضين للخطر وبالتالي يختارون دائماً آلية الدفاع، مما يضطروا في كثير من الحالات إلى تحالفات خارجية، نحن نعيش في منطقة تتطلب بالتأكيد صيغة جديدة من الأمن، 3️⃣1️⃣
ويبدو أن الشرق الأوسط، سواء عن قصد أو بشكل طبيعي، محكوم عليه بأن يظل غير آمن، ومنظور دولة مثل الولايات المتحدة أو النظام الإسرائيلي لا يرتكز بالضرورة على المسؤولية والمحافظة على الإستقرار والأمن في المنطقة، ليسا مهمين بالنسبة لهم، 3️⃣2️⃣
وبطبيعة الحال، لا بد من القول إن بعض الجهات الفاعلة الأخرى في المنطقة كانت ولا تزال لديها نفس وجهة النظر، لكن الفرق هنا أن أميركا قادرة على حل بعض المشاكل في المنطقة التي تسببت فيها سياسة عدم الحفاظ على الإستقرار، بعكس تلك الجهات الأخرى 3️⃣3️⃣
جاري تحميل الاقتراحات...