جاء في تاريخ ابن معين برواية ابن محرز (٢/٣٩) قال: سمعتُ يحيى بن معين يقول: «قال لي إسماعيل ابنُ عُلَيّة يومًا: كيف حديثي؟
قلت له: أنت مستقيم الحديث.
فقال لي: وكيف علمتم ذاك؟
قلت له: عارضنا بها أحاديثَ الناس؛ فرأيناها مستقيمة.
فقال: الحمد لله، فلم يزل يقول الحمد لله ويحمد ربه
قلت له: أنت مستقيم الحديث.
فقال لي: وكيف علمتم ذاك؟
قلت له: عارضنا بها أحاديثَ الناس؛ فرأيناها مستقيمة.
فقال: الحمد لله، فلم يزل يقول الحمد لله ويحمد ربه
حتى دخل دار بشر بن معروف».
قلت: وفي هذه الحكاية عدة فوائد، منها:
١- وجود سلطة نقدية مصاحبة لحركة الرواية ومراقبة لخط سيرها تحتفظ بأرشيف الراوي منذ طلبه الحديث حتى وفاته محصية عليه جميع محطات حياته والتغيرات التي طرأت عليه، فتعرف عنه كل شيء: بياناته الشخصية، تاريخ سماعه من الشيوخ،
قلت: وفي هذه الحكاية عدة فوائد، منها:
١- وجود سلطة نقدية مصاحبة لحركة الرواية ومراقبة لخط سيرها تحتفظ بأرشيف الراوي منذ طلبه الحديث حتى وفاته محصية عليه جميع محطات حياته والتغيرات التي طرأت عليه، فتعرف عنه كل شيء: بياناته الشخصية، تاريخ سماعه من الشيوخ،
البلدان التي رحل إليها، مواطن القوة والضعف في روايته، توّرطه بشيء من عيوب الرواية كالتدليس ونحوه، معرفة الأحوال الاستثنائية كطروء اختلاط ونحوه، وغير ذلك من وسائل التفتيش التام لكل راو من اللحظة التي بدأ فيها طلب الحديث وحتى وفاته.
٢- خضوع الرواة لهذه السلطة النقدية واستسلامهم لما يصدره النقادُ فيهم من جرح أو تعديل، طوعًا أو كرهًا، حتى إن الراوي كبير الشأن ربما عرض نفسه على الناقد ليعرف درجته في سلّم الجرح والتعديل! فانظر لجلالة مثلِ ابن عُلية الذي يمثل أمتن حلقة في سلسلة الإسناد البصري كيف يعرض نفسه على
إمام الجرح والتعديل يحيى بن معين ليصدر فيه حكمه النقدي، ثم يلهج لسانه بالشكر لله ويحمد ربه طول الطريق حتى دخل دار بشر بن معروف؛ لأن ابن معين قال فيه: أنت مستقيم الحديث!
ومن لا يعلم أثر هذا الحكم النقدي في نفس الراوي قد يستغرب ردة فعله أو يصفها بالمبالغة، فتخيل معي لو أن يحيى بن معين تكلّم في ابن عُلية وغمز حديثه ووصفه بعدم الاستقامة، هل تعرف ما معنى هذا؟ معناه: إهدار تاريخه الروائي الذي أنفق فيه سني عمره وشقي في تحصيله وفارق لأجله الأهل والبلاد
وكابد الجوع والمشقة وقطع آلاف الكيلو مترات لسماع فلان وفلان ..ثم بكلمة واحدة من الناقد يُهدر هذا الجهد كله! أو يغمزه على أسوء أحواله!
٣- تحديد يحيى بن معين الوسيلة التي حكم بها على ابن عُلية بأنه مستقيم الحديث، وهي عرض حديثه على مرويات الثقات والموازنة بينها من خلال عملية إحصاء
٣- تحديد يحيى بن معين الوسيلة التي حكم بها على ابن عُلية بأنه مستقيم الحديث، وهي عرض حديثه على مرويات الثقات والموازنة بينها من خلال عملية إحصاء
دقيقة لمروياته وتحديد نسبة موافقته للثقات ومخالفتهم لهم وإغرابهم عنهم، وعلى أساس هذه النسبة منحه الرتبة التي استحقها. وهي وسيلة عقلية فطرية فوق أنها موضوعية محايدة.
٤- من خصائص نقاد عصر الرواية: أنهم حفاظٌ ونقادٌ في نفس الوقت، فالناقد حافظٌ ولا بد، ومشاركٌ في الرواية ولا بد،
٤- من خصائص نقاد عصر الرواية: أنهم حفاظٌ ونقادٌ في نفس الوقت، فالناقد حافظٌ ولا بد، ومشاركٌ في الرواية ولا بد،
فابن معين عرف أن ابن عُليّة مستقيم الحديث؛ لأنه كان يحفظ حديثه وحديث أقرانه، بل الناقد أحفظ في كثير من الأحيان لحديث الراوي من الراوي نفسه، وهذا بخلاف غيرهم من نقاد العلوم الأخرى، فنقاد الشعر مثلا، قد ينقد شعرَ فلان وفلان ولا يكون حافظًا لكل أشعاره، وقد يكون ناقدًا كبيرًا لكنه
لا يعرف نظم الشعر. انتهى.
#فوائد_حديثية
#فوائد_حديثية
جاري تحميل الاقتراحات...