1-هذه سلسة تغريدات متتالية خلاصة لعدة أبحاث أكاديمية قدمتها في عدد من المؤتمرات، عرضت فيها أسس بناء الدولة من منظور إسلامي اقتباسا من حديث عبد الله بن سلام، مستدلا على كل خلاصة بعدد من الأدلة لعلها تساهم في وضع نظرية إسلامية سياسية متكاملة لبناء الدولة بصورة واقعية، ولفظ الحديث:
2- لما قدم النبي ﷺ المدينة، انجفل الناس قبله، وقيل ثلاثا: قد قدم رسول ﷺ، فجئت في الناس لأنظر، فلما تبينت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، فكان أول شيء سمعته تكلم به، أن قال: يا أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل، والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام
3- أهمية المظهر الخارجي للقيادة، والهوية البصرية، وكيفية الظهور الإعلامي، لا سيما في بداية أمرها، المظهر الذي يعكس الصدق والخير والإيجابية (فجئت في الناس، لأنظر، فلما تبينت وجهه، عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب)
4- لا بد للقيادة السياسية للدولة من رؤية واضحة المعالم، ولا بد من إعلانها لعموم الناس بطريقة فعالة وفي الوقت المناسب، ومن أنسب الأوقات لذلك ترقب الناس لها، ولا بد من مراعاتها للأولويات البشرية، لا سيما في ذلك الوقت، وتلك الظروف.
5- الأمن هو أهم أولويات الدولة (أفشوا السلام)، لأنه أهم أولويات عموم البشر، ولذا نجد في دعاء إبراهيم عليه السلام عند بناء الكعبة، وهو أول دعاء في القرآن بعد دعاء طلب الهداية في سورة الفاتحة: x.com
6- وفي حديث عبيد الله بن محصن عنه ﷺ أنه قال (من أصبح منكم آمنا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا) تأكيد آخر لنظرية الأولويات هذه، وهي أقدم بأكثر من ألف سنة، وأكثر عمقا وواقعية من سلم الأولويات الذي وضعه أبراهم ماسلو 1943 Maslow’s hierarchy of needs
7- فأهم أولويات القيادة العليا للدولة، هو الأمن. وهو ما يمكن أن يسمى في المصطلح الحديث بأمن الدولة، أو الأمن القومي، ولا يمكن لأي دولة أن تقوم مع ضعف الأمن القومي، لا سيما في هذا الزمان، بل ولا يمكن للدعوة أن تنتشر بدون أمن قومي ينعم به الجميع.
8- لا بد من تفعيل جميع مكونات المجتمع للمشاركة في نهضة البلاد، وتجنب تحميل الدولة جميع المسؤولية، لا سيما فيما يتعلق بالأمن والاقتصاد والأمن الاجتماعي ولهذا حث ﷺ الجميع على المشاركة بقوله (أيها الناس أفشوا، أطعموا، صلوا) وفي ذلك كسب للجميع وتلبية شيء من حاجاتهم النفسية والسياسية
9- حينما يفعل المجتمع كله بهذه القضايا، تصبح حديث الناس، والشغل الشاغل لهم وبهذا يوجه الإعلام لهذه القضايا بدلا من تجاهلها والحديث فيما لا ينفع، وهذا يؤكد دور الأعلام في المساهمة في بناء الدولة، وتجنب المخاطر المحدقة بها.
10- الأمن الغذائي، أو الأمن الاقتصادي هو الأولوية الثانية (أطعموا الطعام)، وتحقيق هذا الأمن مسؤولية مشتركة بين جميع مكونات المجتمع، ومن المعجز في هذا الحديث أنه ﷺ لم يشر إلى مصدر الطعام، وكأن النظرية الاقتصادية الإسلامية تقوم على أن الانفاق (الشرعي) هو سبب الإنتاج، وليس العكس!
📷11-وهذه النظرية تحتاج إلى مزيد بحث، ومما يدل عليها هذا الحديث العظيم المتفق عليه، أنه ﷺ قال: (قال الله تبارك وتعالى: يا ابن آدم أنفق، أنفق عليك وقال يمين الله ملأى، [سحاء -لا يغيضها شيء- الليل والنهار)، وفي معناه عدة أحاديث، وفي سورة الأعراف: x.com
12–وثالث الأولويات: الأمن الاجتماعي (وصلوا الأرحام) وكلما كثر التواصل، أصبح المجتمع دوائر متقاطعة، هذا رحم لهذا وهذا رحم لذك، فتتكون كتلة صلبة غالبة في العدد والكيف هي عماد المجتمع وأس استقراره، وفي الحديث الصحيح(صلة الرحم، وحسن الخلق، وحسن الجوار، يعمرن الديار، ويزدن في الأعمار)
13- ورابع الأولويات وربما آخرها، الأمن الروحي (وصلوا بالليل والناس نيام)، وذكره في آخر الأولويات قد يثير الدهشة، لكن شواهد الآيات والأحاديث التي تقدمت تؤكد على ذلك، ومما ينبغي التأكيد عليه أن الأمن الروحي لا يتحقق إلا بالاتصال بالخالق جل وعلا، وليس له عوض حقيقي.
14- وهنا ترد أسئلة: فلم يتعرض النبي ﷺ لنظام الحكم، وكأنه قضية ثانوية إذا ما تحققت الحاجات البشرية الآنف ذكرها ولذلك فإن على القيادة الواعية أن لا تنشغل بها حتى وإن وجدت من الأصوات والقوى الداخلية والخارجية من يطالب بها أو يستخدمها للتشويش، فاستقرار المجتمع أولى من طريقة استقراره
15- وعليه فإن إثارة قضية تطبيق الشريعة قبل استقرار المجتمع ليس من الحكمة، وليس من الهدي النبوي في شيء، ومما يؤكد ذلك حديث عائشة (أن أول ما نزل سورة من المفصل، فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام) ولم تشرع الحدود وما في حكمها إلا في مرحة متأخرة.
16- ومن الأسئلة: وماذا عن الدعوة إلى الله؟ الحديث لم يتعرض لها صراحة، وكأنما جعلها أمرا عرضيا لا يثير حفيظة أحد في مرحلة التأسيس، قبل وجود النواة المسلمة، فلم يأمر النبي ﷺ هنا بتوحيد الله، بخلاف العهد المكي الذي لم يكن المقصود منه إقامة الدولة، بقدر ما هو دعوة الناس للإسلام.
17- فعرّض النبي ﷺ بالدعوة إلى الله بقوله (وصلوا بالليل والناس نيام) ثم بقوله (تدخلوا الجنة بسلام)، وقد يكون التعريض بالدعوة إلى الله دون التصريح بها في بداية تأسيس الدولة، أو من قبل قيادة الدولة، التي يتوقع الناس منها تلبية حاجات أولية لهم جميعا، هو الأنسب.
18- والملاحظ أنه ﷺ استخدم عبارة أيها الناس، وليس أيها المسلمون، لأنه يعلم أنه يخاطب مجتمعا متعدد الديانات، فراوي الحديث على سبيل المثال، عبد الله بن سلام، كان يهوديا، وبهذا يبعث رسائل مزدوجة، منها تأكيد ولايته على الجميع وليس على المسلمين فقط، وفيها من جهة أخرى طمأنة وتهدئة لهم.
19- وعليه فإن قيادة الدولة متعددة الثقافات والديانات لا بد أن تراعي هذا لا سيما في مرحلة التأسيس، وأن لا تدخل معهم في صراع جانبي يمس هويتهم، وديانتهم، ولا بد من تأكيد القيادة أنها تقف على مسافة متساوية من الجميع فيما يتعلق بحقوق المواطنة الأساسية من أمن، وصحة، وتعليم وغيرها.
20- وعلى قيادة الدولة أن تتجنب التركيز على النتائج والأهداف الدنيوية، بل يكون التركيز على النتائج الأخروية (تدخلوا الجنة بسلام) من جهة، وعلى ما يجب فعله (أفشوا، أطعموا، صلوا) من جهة أخرى، فالنتائج الدنيوية قد لا تتحقق عمر البعض، وليست هي الأهم في معادلة الدنيا والآخرة.
21- وبعد، فتلك عشرون تغريدة، هي خلاصة أبحاث طويلة وتأمل في سنوات، وحوارات عديدة، لم تأت على عجل، أسأل الله أن ييسر لي إخراج أصلها، أهديها للقيادة السورية الجديدة سائلا الله جل وعلا لهم، ولكل قائد مخلص غيور على دينه، ومصالح أمته التوفيق والسداد.
جاري تحميل الاقتراحات...