‏ساحة علم
‏ساحة علم

@Greatiist0ffice

8 تغريدة 73 قراءة Dec 23, 2024
أصل عائلة حافظ الأسد بالوثائق
شاب قادم من بلاد فارس و رحلة أسرة غريبة ألقت بها الأقدار في أتون الصراعات ، وصولًا إلى سدة الحكم في سوريا. ما بين أسماء متبدلة وولاءات متنقلة، تبدأ الحكاية من رجل يُدعى سليمان بهرزي.
تابع السرد 👇.. x.com
البدايات: المرتزقة وظلال التمرد .
في عام 1856 ، ثار (إسماعيل خيربك) ، زعيم الطائفة العلوية في الساحل السوري ، على الدولة العثمانية، راغبًا في انتزاع الساحل السوري من قبضتها و اقامة دولة للعلويين ، مستغلا ضعف الدولة العثمانية و انشغالها في حرب القرم ضد روسيا . كان التمرد ضعيفًا في أركانه ؛ فسارع خيربك إلى جمع المرتزقة من مختلف البقاع. وفي خضم هذه الفوضى، ظهر (سليمان بهرزي)، الذي تشير الوثائق العثمانية إلى أنه جاء من (بهرز)، بلدة تقع قرب (ديالى) شرق العراق.
غير أن قصة سليمان أعمق مما تبدو. فهو - كما يقول المؤرخون - لم يكن عربيًا ولا عراقيًا، بل كان أحد المهاجرين الفرس الذين نزحوا إلى العراق في أعقاب معاهدة السلام المبرمة بين الدولة العثمانية والدولة القاجارية الفارسية عام 1823م. تلك المعاهدة سمحت بتدفق موجات هائلة من الفرس والكاكائيين وغيرهم إلى الأراضي العثمانية، فكان سليمان وأسرته جزءًا من هذا النزوح.
من بهرزي إلى الحسنة: الاستيطان في القرداحة :
بعد انتهاء حرب القرم قررت السلطة العثمانية التخلص من إسماعيل خير بك، و بعدما قُتل هو و زعماء علويين آخرين ، انفرط عقد المرتزقة، وتفرّقوا في الجبال والقرى. وهنا، استقر سليمان بهرزي في قرية *القرداحة*، قرية علوية جبلية هادئة يقطنها الفلاحون البسطاء . لم يكن لديه أرض ولا مأوى، فتصدق عليه رجل من أهل القرية بمنزل قديم مهجور. أهل القرية، مدّوا له يد العون، فأصبح اسمه مقرونًا بأفعالهم الحسنة، لتُعرف أسرته لاحقًا بـ"عائلة الحسنة".
لكن هذا الاسم لم يدم طويلًا، إذ لم يكن سليمان مجرد غريب مسالم؛ فقد اتخذ لنفسه دورًا جديدًا كـ"شوباصي". و الشوباصي في عرف تلك الأيام هو الرجل الذي يعمل لصالح الآغاوات، يراقب الفلاحين ويجلدهم إن قصّروا، مُطبقًا أوامر السادة دون رحمة. ومن هنا، اكتسب الشاب سليمان رهبة بين الناس، حتى وإن لم تكن محبوبة.
"الوحش": اللقب الجديد في ظل الفرنسيين
بيد أن هذه الأوضاع قد تغيرت جذريا بعد سقوط الدولة العثمانية ووقوع أغلب البلاد الإسلامية تحت سلطة الاحتلال الأوروبي، فبعد سقوط الدولة العثمانية لم يعد للمسلمين السنة أي قوى سياسية ممثلة أو داعمة، في عام 1917، ومع احتلال فرنسا لسوريا، عمدت السلطات الفرنسية إلى تسجيل السكان في قوائم جديدة. وفي تلك اللحظة، تحوّل سليمان من *الشوباصي* إلى *الوحش*، اسم حمل دلالات القسوة والشدة. زعم البعثيين و القومجية العرب لاحقًا أن الاسم ارتبط بمصارعته لأحد الأتراك لتحسين صورته ، لكن الوثائق والشهادات تؤكد أن لقبه أخذه من الوحشية التي كانت سمة مهنته، إذ كان سليمان أداة للبطش في يد الآغاوات.
في ذلك الزمن، كانت فرنسا تتّبع سياسة "دعم الأقليات" و تهميش السنة ؛ استراتيجية استعمارية تهدف إلى خلق كيانات ضعيفة تدين لها بالولاء. وهكذا، كان سليمان الوحش من أوائل الموقعين على الوثيقة الشهيرة التي تطالب بفصل الساحل السوري العلوي عن بقية سوريا، وهي وثيقة كشفت عنها الخارجية الفرنسية عام 2012.
التحوّل إلى الأسد: التجمّل باسم القوة
بعد سنوات قليلة، وتحديدًا في عام 1927، قرر (علي سليمان الوحش)، ابن سليمان، تغيير كنية العائلة إلى (الأسد). في ظاهر الأمر، بدا الاسم أكثر فخرًا وقوة، لكنه كان أيضًا محاولة لطمس ماضي الأسرة المرتبط بالفقر والبطش. وهكذا أصبح اسم "الأسد" جاهزًا ليُحمل لاحقًا على لسان التاريخ مع (حافظ الأسد) ، الرئيس الانقلابي الذي حكم سوريا بالحديد والنار ابتداءً من عام 1971.
لكن المثير أن حافظ الأسد نفسه لم يكن يملك إجابات واضحة عن أصول أسرته. في كتاب *"الأسد: الصراع على الشرق الأوسط"* للكاتب *باتريك سيل*، وهو الكتاب الذي أُشرف عليه حافظ الأسد، توقّف الحديث عن جذور العائلة عند (سليمان الوحش). فلا ذكر لجدّ أو أب قبله، كأنما تُرك الماضي في ظلمات النسيان.
شهادة التاريخ: جميل الأسد واعتراف الكاكائية :
إذا كان حافظ قد آثر الصمت، فإن شقيقه (جميل الأسد) قد أطلق تصريحًا يعيد خيوط القصة إلى أصلها؛ حيث قال إن عائلتهم "كاكائية" من بلدة (خانقين) قرب بهرز. والكاكائية طائفة تعود جذورها إلى إيران، لا تزال حتى اليوم متواجدة في مناطق فارس.
لم يكن هذا التصريح تفصيلًا عابرًا؛ فهو يعيد بناء الرواية حول ولاء العائلة. ولعل أبرز الشواهد على ذلك تأسيس جميل الأسد (جمعية المرتضى الشيعية) في أوائل الثمانينات بدعم إيراني، إضافةً إلى سياسة حافظ الأسد الداعمة لإيران في حربها ضد العراق (1980-1988)، وما تبع ذلك من دور إيران في حماية النظام السوري بعد اندلاع الثورة عام 2011.
هكذا يتبدّى المشهد جليًا؛ أسرة بدأت رحلتها من الغربة إلى السلطة، مارةً بأسماء متعددة: من *بهرزي* إلى *الحسنة*، من *الشوباصي* إلى *الوحش*، ثم أخيرًا إلى *الأسد*. مسيرة أُلقي عليها ستار من القوة، لكن الوثائق والاعترافات ظلّت تكشف عن فراغ في الجذور، وولاءً يتجه شرقًا، حيث بلاد فارس.
وفي النهاية، يبقى التاريخ قاضيًا لا يرحم، يسجّل الحقائق مهما حاول الحكّام طمسها.
** المصادر:
1) الأسد ؛ الصراع على الشرق الأوسط، باتريك سيل
2) الارشيف العثماني، وثيقة تعهد سكان القرداحة عام 1854م
3) شهادة المؤرخ عز الدين رسول حول مقابلة مع جميل الأسد شقيق حافظ الأسد
4) Global Chronology of Conflict, Spencer C. Tucker
4) المؤرخ تامر الزغاري

جاري تحميل الاقتراحات...