Khalid Osman Alfeel
Khalid Osman Alfeel

@KhAlfeel

14 تغريدة 10 قراءة Dec 11, 2024
سورة الحجرات من أهم سور القرآن تفصيلاً وإرشاداً في العلاقات البشرية سواء على مستوي الأفراد أو المجتمع، وقد ارشدتني كثيراً في تحديد القواعد التي اتعامل بها مع البشر في حياتي اليومية.
ومما قدح في ذهني من التدبر في هذه الآية وسورة الحجرات ككل، أن القرآن يعلمنا بأن العلاقات البشرية x.com
في كثير من الأوقات هي "نبوءات ذاتية التحقق"؛بمعنى أن ما "نعتقده" حول الناس، كثيراً ما قد يصبح هو "حقيقة علاقتنا" مع هؤلاء الناس! فالآية الكريمة تأمر المؤمنين باجتناب كثير من الظنون السيئة المتعلقة بالناس لأن الظن السيء، كما يقول السعدي رحمه الله: "لا يقتصر صاحبه على مجرد ذلك،بل
لا يزال به، حتى يقول ما لا ينبغي، ويفعل ما لا ينبغي". لذلك فإن باقي الآية من النهي عن التجسس وعن الغيبة هو شديد الصلة ببدايتها من النهي عن اجتناب الظن السيء في الناس، لأن الإنسان لا يمكن أن يبدأ في التجسس على الناس أو يغتابهم وراء ظهورهم، إلا بعد أن يكون قد ظن فيهم الشر.
والخطير في مسلك التجسس أو التتبع ليس هو فقط التركيز على أخطاء الناس وسقطاتهم، ولكن في أنه يصبح "العقلية" في التعامل مع الناس، وتصبح هذه العقلية هي المفسرة لكل أقوالهم وأفعالهم، حتى لو لم يقصدوا ذلك، لكن لأنك متحيز ضدهم ولديك تصور مسبق (سببه الظن السيء) فإنك ستفسر كل قول وفعل
صادر عنهم بما يدعم ظنك السيء فيهم. وبالتالي، يصبح تقييمك للناس والعلاقات هو "نبوءة ذاتية التحقق"، حيث إن تصوراتك وظنونك السيئة عن الناس، تدفعك لتجسس عليهم وتتبع ورصد أخطائهم، وهذه السلوك ينتج عقلية تجعلك تفسر كل أفعالهم وأقوالهم بحسب الظن السيء الأول،
فتكون المحصلة النهائية تحول "الظن إلى حقيقة" وفساد علاقتك مع ذلك الشخص. يقول الطاهر بن عاشور في تفسير "ولا تجسسوا" مقولة جميلة جداً تربط بين التجسس وبين الظن فقال: "التجسس من آثار الظن لأن الظن يبعث عليه حين تدعو الظانَّ نفسُه إلى تحقيق ما ظنه سراً فيسلك طريق التجسس فحذرهم الله
من سلوك هذا الطريق للتحقق ليسلكوا غيره إن كان في تحقيق ما ظن فائدة". ولعل هذا التعليل هو الذي جعل ابن كثير في تفسيره للآية يذكر الحديث العظيم للنبي صلي الله عليه وسلم حين قال: "إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم "، والحديث الآخر عن النبي صلي الله عليه وسلم حين قال:
"إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس، أفسدهم ". فإذا واصل الإنسان في تتبع آثار الظن السيء عن الناس والتجسس عليهم وفسدت تصوراته عنهم تماماً، ينتقل مباشرة إلى مرحلة أخرى من السوء، وذلك بممارسة الغيبة والبهتان عنهم.
ولذلك يندر جداً أن تجد في بيئات العمل أو الحياة شخص يُكثر الغيبة في الناس، إلا وهو صاحب "ظنون سيئة" فيهم. في المقابل، يأمر القرآن المسلم/المؤمن أن يكون صاحب ظن حسن في غالب الناس (وليس ذلك سذاجة بالضرورة) وأن يكون سليم القلب تجاههم، ويكون عفيفاً عن التجسس عليهم
لأنه ابتداءً إذا طرأت عليه خاطرة الظن السيء فهو لا يجاريها إلا بيقين مقنع وبطرق تحقق لا تتضمن التجسس أو تتبع أخطائهم وسقطاتهم. بل إن المسلم يغلب الظن الحسن تجاه من تنتشر الشائعات السيئة عنهم، وتأمل قول الله تعالي في حادثة الإفك لائماً الذين خاضوا بألسنتهم في حديث الإفك
ومبيناً الأصل الصحيح الذي ينبغي على كل مسلم/مؤمن أن يتبعه إذا سمع خبراً غير سار أو فاحشاً عن أحد إخوته/أخواته: "لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين". ونفس هذا المعنى تجده في سورة الحجرات في قول الله تعالي:
"يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين". وبشكل عام، فإن هذه الآية (آية الظن)، وآية التحقيق من الأخبار، وآية الإصلاح بين ذات البين ورد الظالم المعتدي، وعدم السخرية من الناس وعدم التنابذ بالألقاب، والدعوة إلى التعارف =
كل هذه الآيات العظيمة تجعل المرء يقول بأن أحد أهم الموضوعات الرئيسية في سورة الحجرات هو توضيح كيف يمكننا أن نأسس مجتمعاً يقوم على "الثقة" بين أعضاءه. الجانب العملي المباشر من هذه الآية هو أنك إذا انزعجت من تصرف أخ لك، وبدأت تدور في ذهنك كل أفكار الظن السيء (مثل أنه أصبح متكبراً،
أو لا يحب لي الخير، أو يريد أن يتنافس معي، أو أنه شخص مفتري)، فاقطع التفكير مباشرة، ولا تسترسل في الظن السيء ولا في تتبع ورصد أفعال عن ذلك الشخص مستقبلاً، وأحمل تصرفه على أحسن المحامل ما لم تظهر لك بينة قاطعة بغير ذلك.
وربنا يهدينا ويصلح حالنا، والله أعلم وأحكم

جاري تحميل الاقتراحات...