تتوالى المقالات التي تتناول مسيرة تطور نماذج اللغة الكبيرة، وعلى رأسها ChatGPT، متسائلةً عما إذا كان الذكاء الاصطناعي قد بلغ ذروته. صحيح أن ChatGPT يثير الإعجاب بقدراته اللغوية، إلا أنه لا يزال بعيدًا عن مستوى الذكاء الإنساني. فما الذي ينقصه؟ وكيف يمكن سد هذه الفجوة؟
youtu.be
youtu.be
للإجابة على هذه الأسئلة، ينبغي أن ندرك أن جوهر المشكلة يكمن في افتقار ChatGPT إلى الفهم الحقيقي. فالعقل البشري قادر على استيعاب المعلومات، وتحليلها، وربطها ببعضها البعض، واستخلاص الاستنتاجات، وهي قدرات تتجاوز مجرد معالجة النصوص. قد يبدو ChatGPT أحيانًا وكأنه يفكر، لكن هذا ليس إلا وهمًا، تمامًا كالطفل الذي يحصل على إجابات امتحان الرياضيات دون أن يفهم جوهر العمليات الحسابية. فـ ChatGPT يمتلك كمًا هائلاً من المعلومات المستقاة من الإنترنت، لكنه يفتقر إلى القدرة على استيعاب المعاني الكامنة وراء هذه المعلومات.
إن الفهم الحقيقي يتطلب بنية معرفية مختلفة تمامًا عن تلك التي يعتمدها ChatGPT. فالعقل البشري يخزن المعلومات في شبكة من العقد والعلاقات، مما يسمح له بربط المفاهيم ببعضها البعض، واستنتاج المعاني، وتكوين تصورات ذهنية. فعلى سبيل المثال، عندما تسمع كلمة "كلب"، فإن عقلك يستحضر تلقائيًا مجموعة من الصور والأحاسيس المرتبطة بهذا المفهوم، بينما يتعامل ChatGPT مع الكلمة كمجرد سلسلة من الحروف. إن الفهم ليس لغة، بل هو تجريد يمكن التعبير عنه بلغات متعددة. فمعرفتك بأن الكرات تتدحرج مستقلة عن اللغة التي تستخدمها لوصف هذه الظاهرة، وقد اكتسبت هذه المعرفة قبل أن تتعلم الكلام أصلاً.
إضافة إلى ذلك، يفتقر ChatGPT إلى الكفاءة في استخدام الطاقة التي يتميز بها العقل البشري. فالدماغ البشري يستهلك طاقة أقل بكثير مما تستهلكه مراكز البيانات التي تشغل نماذج اللغة الكبيرة. ويعود هذا الفرق إلى أن الفهم أكثر كفاءة من الإحصاء. فبدلاً من تخزين آلاف الأمثلة عن الكرات المتدحرجة، يمكن للعقل البشري أن يستنتج قاعدة عامة مفادها أن الأجسام المستديرة تتدحرج. وعندما تتبنى نماذج الذكاء الاصطناعي بنية معلوماتية مماثلة للعقل البشري، فإنها ستصبح أكثر كفاءة بشكل كبير.
علاوة على ذلك، يفتقر ChatGPT إلى القدرة على التفاعل مع العالم الحقيقي، وهو أمر ضروري لتكوين فهم حقيقي للواقع. فالأطفال يتعلمون عن العالم من خلال التجربة والتفاعل، ويكتسبون مفاهيم أساسية مثل المكان والزمان والسببية. ولكي يحقق الذكاء الاصطناعي فهمًا مماثلًا، فإنه يحتاج إلى أن يكون لديه مكون مادي، مثل الروبوت، يسمح له بالتفاعل مع البيئة المحيطة به. كما يحتاج الذكاء الاصطناعي إلى امتلاك نموذج ذهني للعالم المحيط، يسمح له بتخيل الأشياء والتخطيط للمستقبل. فأنت تعرف ما هو موجود خلفك الآن دون أن تراه، لأن لديك نموذجًا ذهنيًا لمحيطك. وأخيرًا، يحتاج ChatGPT إلى الحس السليم، أي القدرة على فهم المنطق اليومي والتنبؤ بالمستقبل.
إن تزويد ChatGPT بهذه القدرات – الفهم القائم على العلاقات، والتفاعل مع العالم الحقيقي، والنموذج الذهني، والخيال، والحس السليم – سيؤدي إلى نقله نوعية نحو ذكاء يحاكي الفكر البشري. صحيح أن الطريق لا يزال طويلاً، لكن المؤشرات تدل على أن الذكاء الاصطناعي يسير في هذا الاتجاه. فهل سيصبح ChatGPT ذكيًا حقًا يومًا ما؟ الإجابة هي نعم، ولكن بعد تغييرات جوهرية في بنيته وآليات عمله. فإضافة هذه القدرات ستجعل ChatGPT أقرب إلى التفاعلات البديهية والسياقية التي تميز المحادثة البشرية.
في الختام، يمثل ChatGPT خطوة هامة في تطور الذكاء الاصطناعي، لكنه لا يزال في مرحلة الطفولة. ولكي يحقق الذكاء الاصطناعي كامل إمكاناته، فإنه يحتاج إلى تجاوز معالجة النصوص والانتقال إلى مرحلة الفهم الحقيقي. وهذا يتطلب تزويده بقدرات جديدة مستوحاة من العقل البشري، مثل القدرة على التفاعل مع العالم، وتكوين نماذج ذهنية، والتخطيط للمستقبل، واستخدام الحس السليم. وعندما يتحقق ذلك، فإننا سنشهد ثورة حقيقية في عالم الذكاء الاصطناعي، وسيكون لها تأثير عميق على حياتنا في شتى المجالات.
جاري تحميل الاقتراحات...