د. عبدالعزيز الشايع
د. عبدالعزيز الشايع

@aamshaya

11 تغريدة 71 قراءة Nov 28, 2024
بهجة النفوس بفوائد #مداواة_النفوس
١- تطلبتُ غَرضا يستوي الناس كلهم فِي استحسانه وفي طلبه فَلم أَجِدهُ إلا واحدا وهو طرد الهم.
٢-بحثت عن سبيل موصلة على الحقيقة إلى طرد الهم الذي هو المطلوب النفيس، الذي اتفق جميع أنواع الإنسان.. على السعي له، فلم أَجدها إلا التوحه إِلى الله بالعمل للآخرة، فما عدا ذلك فضلال وسخف.
٣-وجدت العمل للآخرة سالماً من كل عيب خالصا من كل كدر موصلا إلى طرد الهم على الحقيقة.
٤- لا تبذل نفسك إلا فيما هو أعلى منها، وليس ذلك إلا في ذات الله عز وجل.
٥-باب عظيم من أبواب العقل والراحة، وهو طرح المبالاة بكلام الناس، واستعمال المبالاة بكلام الخالق، بل هو العقل كله، والراحة كلها.
٦-ليس بين الفضائل والرذائل، ولا بين الطاعات والمعاصي إلا نفار النفس وأنسها فقط .
فالسعيد من أنست نفسه بالفضائل والطاعات ونفرت من الرذائل والمعاصي .
والشقي من أنست نفسه بالرذائل والمعاصي ونفرت من الفضائل والطاعات .
وليس ها هنا إلا صنع الله تعالى وحفظه.
٧-طالب الصوت والغلبة متشبه بالسباع، وطالب اللذات متشبه بالبهائم، وطالب المال لعين المال لا لينفقه في الواجبات والنوافل المحمودة أسقط وأرذل من أن يكون له في شيء من الحيوان شبه.
٨-إذا نام المرء خرج عن الدنيا، ونسي كلّ سرور، وكلّ حزن، فلو رتب نفسه في يقظته على ذلك أيضاً، لسعد السعادة التامة.
٩-مَن أَسَاءَ إلى أهلهِ وجيرانه فهو أَسْقَطُهم، ومَن كَافَأ مَن أَسَاء إليه منهم، فهو مثلهم، ومَن لم يُكافئهم بإساءتِهم، فهو سيِّدهم وخَيرهم وأفضلهم.
١٠-لو لم يَكُن مِن فضلِ العلم إلا أن الجٌهال يهابونكَ ويُجِلونَكَ ، وأن العلماء يُحِبونكَ ويكرمونَكَ ، لكان ذلك سبباً إلى وجوبِ طلَبِه ، فكيف بسائرِ فضائله في الدُنيا والآخرة.
١١-لو لم يكن من فائدة العلم والاشتغال به إلا أنه يقطع المشتغل به عن الوساويس المضنية، ومطارح الآمال التي لا تفيد غير الهم وكفاية الأفكار المؤلمة للنفس؛ لكان ذلك أعظم داع إليه.. فكيف وله من الفضائل ما يطول ذكره.
١٢-لو تدبر العالم في مرور ساعاته ماذا كفاه العلم من الذل بتسلط الجهال، ومن الهم بمغيب الحقائق عنه، ومن الغبطة بما قد بان له وجهه من الأمور الخفية عن غيره، لزاد حمداً لله عز وجل، وغبطة بما لديه من العلم، ورغبة في المزيد منه.
١٣-من شغل نفسه بأدنى العلوم وترك أعلاها وهو قادر عليه = كان كزارع الذرة في الأرض التي يجود فيها البر ، وكغارس الشَّعراء [الشجر غير المثمر] حيث يزكو النخل والزيتون.
١٤-من مال بطبعه إلى علم ما وإن كان أدنى من غيره فلا يشغلها بسواه فيكون كغارس النارجيل بالأندلس وكغارس الزيتون بالهند وكل ذلك لا يُنْجِب.
١٥-أجلُّ العلوم ما قربك من خالقك تعالى، وما أعانك على الوصول إلى رضاه.
١٦-انظر في المال والحال والصحة إلى من دونك،
وانظر في الدين والعلم والفضائل إلى من فوقك.
١٧-لا آفة أضر على العلوم وأهلها من الدخلاء فيها ؛ وهم من غير أهلها.
١٨-رأيت من غمار العامة من يجري من الاعتدال وحميد الأخلاق إلى ما لا يتقدمه فيه حكيم عالم رائض لنفسه ولكنه قليل.
١٩-ورأيت ممن طالع العلوم وعرف عهود الأنبياء ووصايا الحكماء وهو لا يتقدمه في خبث السيرة وفساد العلانية والسريرة شرار الخلق وهذا كثير جدا فعلمت أنهما مواهب وحرمان من الله تعالى.
٢٠-وطِّن نفسك على ما تكره، يقل همك إذا أتاك (ما تكره)، ويعْظُم سرورك ويتضاعف إذا أتاك ما تحب مما لم تكن قدَّرته.
(يتبع)
٢١-إذا تكاثرت الهموم سقطت كلها.
٢٢-طوبى لمن علم من عيوب نفسه أكثر مما يعلم الناس منها.
٢٣-من جالس الناس لم يعدم همًا يؤلم نفسه، وإثمًا يندم عليه في معاده، وغيظًا يُنضج كبده، وذلاً ينكِّس همته، فما الظن بعدُ بمن خالطهم وداخلهم.
٢٤-والعزّ والراحة والسرور والسلامة في الانفراد عنهم، ولكن اجعلهم كالنار تدفأ بها ولا تخالطها.
٢٥-لا تحقر شيئا من عمل غدٍ أن تحققه بأن تعجله اليوم وإن قل؛ فإن من قليل الأعمال يجتمع كثيرها وربما أعجز أمرها عند ذلك فيبطل الكل.
٢٦-ولا تحقر شيئا مما ترجو به تثقيل ميزانك يوم البعث أن تعجله الآن وإن قل؛ فإنه يحط عنك كثيرا لو اجتمع لقذف بك في النار .
٢٧-الوجع والفقر والنّكبة والخوف، لا يحسّ أذاها إلا من كان فيها ولا يعلمه من كان خارجًا عنها.
٢٨-فساد الرأي والعار والإثم، لا يعلم قبحها إلا من كان خارجًا عنها، وليس يراه من كان داخلًا فيها.
٢٩-الأمن والصحة والغنى لا يعرف حقها إلا من كان خارجاً عنها ، وليس يعرف حقها من كان فيها.
٣٠-الفضائل وعمل الآخرة لا يعرف فضلها إلا من كان من أهلها ، ولا يعرفه من لم يكن منها.
٣١-أول من يزهد في الغادر من غَدر له الغادر، وأول من يمقت شاهد الزور من شهد له به، وأول من تهون الزانية في عينه الذي يزني بها.
٣٢-كثرة وقوع العين على الشخص تسهل أمره وتهونه.
٣٣-لا يغتر العاقل بصداقةٍ حادثةٍ أيام دولته، فكل أحد صديقه يومئذ.
٣٤-لا تجب عن كلام نُقل إليك عن قائل حتى توقن أنه قاله، فإن من نقل إليك كذبًا رجع من عندك بحق.
٣٥- وجدت المشاركين بأرواحهم أكثر من المشاركين بأموالهم ( يعني يسلي بالكلام دون المال)، هذا شيء طال اختباري اياه، فأعيتني معرفة العلة في ذلك حتى قدرت أنها طبيعة في البشر .
٣٦-إنّما تأنسُ النّفس بالنّفس، وأما الجسد فمستثقل مبروم منه، ودليل ذلك استعجال المرء بدفن جسد حبيبه إذا فارقته نفسُه، وأسفُه لذهاب النفس، وإن كان الجثة حاضرة بين يديه.
٣٧-لم أر لإبليس أصيد ولا أقـبح ولا أحمق من كلمتين: إحداهما: اعتذار من أساء بأن فلانا أساء قبله. والثانية: استسهال الإنسان أن يسيء اليوم؛ لأنه قد أساء أمس، أو أن يسيء في وجه ما؛ لأنه قد أساء في غيره.
٣٨-حد العفة أن تغض بصرك وجميع جوارحك عن الأجسام التي لا تحل لك، فما عدا هذا فهو عهر.
٣٩-إهمال ساعة يُفسد رياضةَ سنة ( مثله: الهدم أسهل من البناء).
٤٠-لو عَلِمَ النَّاقصُ نَقصَه لكان كاملاً
٤١-العتاب للصديق كالسَّبْك للسبيكة، فإما أن تصفو وإما تطير.
٤٢-لا ترغب فيمن يزهد فيك، فتحصل على الخيبة والخزي.
٤٣-لا تزهد فيمن يرغب فيك، فإنه باب من أبواب الظلم وترك مقارضة الإحسان وهذا قبيح.
٤٤-لا تنصح على شرط القبول ، ولا تشفع على شرط الإجابة، ولاتهب على شرط الإثابة، ولكن على استعمال الفضل، وتأدية ما عليك من النصيحة ،والشفاعة وبذل المعروف.
٤٥-قد يحب الإنسان مَن يبغضه، وأكثر ذلك في الآبا مع الأبناء، وفي الإخوة مع أخوتهم، وبين الأزواج، وفيمن صارت محبّتُه عشقا.
٤٦-ليس كل صديق ناصحاً لك، ولكن كل ناصحٍ صديق فيما نصح فيه.
٤٧-أقصىٰ غاياتِ الصَّداقةِ التي لا مزيد فيها؛ من شاركك بنفسِهِ ومالهِ لغير علَّةٍ تُوجب ذلك.
٤٨-ليس في الرذائل أشبه بالفضائل من محبة المدح ..وقد جاء في الأثر في المداحين ما جاء ، إلا أنه قد يُنتفع به، في الإقصار عن الشر والتزيد من الخير ، وفي أن يَرغب في ذلك الخُلق الممدوح من سمِعَه.
٤٩-ولقد صح عندي أن بعض السائسين للدنيا لقي رجلا من أهل الأذى للناس، وقد قُلد بعض الأعمال الخبيثة، فقابله بالثناء، وبأنه قد سمع شكره مستفيضا ووصْفَه بالجميل والرفق منتشرا، فكان ذلك سببا إلى إقصار ذلك الفاسق عن كثير من شره.
٥٠-النصيحة مرّتان : فالأولى فرض وديانة ، والثانية تنبيه وتذكير ، والثالثة توبيخ وتقريع ، وليس وراء ذلك إلا الركل واللطام، اللهم إلا في معاني الديانة، فواجب المرء ترداد النصح، رضي المنصوح أو سخط.
٥١-لا تُكلِّفْ صديقكَ إلا مثل ما تبذل له من نفسك، فإنْ طلبتَ أكثرَ فأنتَ ظالمٌ.
٥٢-لا تكسب إلا على شرط الفقد. ( أي: وَطِّنْ نفسك على الفقد، وهنا تكسب الغرض والرضا والطمأنينة).
٥٣-مسامحة أهل الاستئثار والاستغنام، ليس مرؤة ولا فضيلة، بل مهانة وضعف وتضرية لهم على التنادي على ذلك الخلق المذموم، وعون لهم على ذلك الخلق السوء.
٥٤-من أردت قضاء حاجته بعد أن سألك إياها، أو أردت ابتداءهُ بقضائها، فلا تعمل له إلا ما يُريد هو، لا ما تريد أنت، وإلا فأمسك.
٥٥-لا تنقل إلى صديقك ما يؤلمُ نفسه، ولا ينتفع بمعرفته؛ فهذا فعلُ الأرذال. ولا تكتمه مايستضرُّ بجهله؛ فهذا فعل أهلِ الشر.
٥٦-لا يسرّكَ أن تُمدح بما ليس فيك، بل ليعظم غَمّك بذلك، لأنه نقصك ينبه الناس عليه ويسمعهم إياه، وسخرية منك وهزء بك، ولا يرضى بهذا إلا أحمق ضعيف العقل.
٥٧-لا تصاهر إلى صديق ولا تبايعه؛ فما رأينا هذين العملين إلا سببا للقطيعة وإن ظن أهل الجهل أن فيهما تأكيدا للصلة فليس كذلك.
٥٨-أسلم المصاهرة مغبَّة مصاهرة الأهلين بعضهم بعضًا؛ لأن القرابة تقتضي الصبر والعدل وإن كرهوه؛ لأنهم مضطرون إلى ما لا انفكاك لهم منه من الاجتماع في النسب الذي توجب الطبيعة لكل أحد الذَّبَّ عنه، والحماية له.
٥٩-من اُمتحن بقرب من يكره، كمَنْ اُمتحن ببعد من يحبّ ولا فرق.
٦٠-اقنع بمن عندك، يقنع بك من عندك.
٦١-إذا ارتفعت الغيرة فأيقن بارتفاع المحبة.
٦٢-درج المحبة خمسة: الاستحسان، ثم الإعجاب، ثم الألفة، ثم الكلف، ثم الشغف وهو امتناع النوم والأكل والشرب إلا اليسير من ذلك، وربما أدى ذلك إلى المرض أو إلى التوسوس أو إلى الموت. وليس وراء هذا منزلة في تناهي المحبة أصلًا.
٦٣-الحلاوة: دقة المحاسن، ولطف الحركات، وخفة الاشارات.
٦٤-حد العقل استعمال الطاعات والفضائل، وهذا الحد ينطوي فيه اجتناب المعاصي والرذائل.
٦٥-وحد الحمق استعمال المعاصي والرذائل. وأما التعدي وقذف الحجارة والتخليط في القول، فإنما هو جنون ومرار هائج.
٦٦- وحد السخف هو العمل والقول بما لا يحتاج إليه في دين ولا دنيا ولا حميد خلق، مما ليس معصية ولا طاعة ولا عونًا عليهما ولا فضيلة ولا رذيلة مؤذية، ولكنه من هذر القول وفضول العمل.
٦٧-ولقد كان الذين أخبرنا الله تعالى عنهم بأنهم لا يعقلون، سائسين لدنياهم مثمرين لأموالهم مدارين لملوكهم حافظين لرياستهم، لكن هذا الخلق يسمى الدهاء، وضده الغفلة والسلامة.
٦٨-أصول الفضائل [كلها] أربعة، عنها تتركب كل فضيلة وهي: العدل والفهم والنجدة والجود. وأصول الرذائل كلها أربعة، عنها تتركب كل رذيلة، وهي أضداد التي ذكرنا، وهي: الجور والجهل والجبن والشح.
٦٩-المداراة فضيلة متركبة من الحلم والصبر.
٧٠-من جاء إليك بباطل رجع من عنك بحق، وذلك أن من نقل إليك كذبًا عن إنسان حرك طبعك، فأجبته فرجع عنك بحق. فتحفظ من هذا ولا تجب إلا عن كلام صح عندك عن قائله.
٧١-لو لم يكن من التزهد في الدنيا إلا أن كل إنسان في العالم، فإنه كل ليلة إذا نام نسي كل ما يشفق عليه في يقظته، وكل ما يشفق منه، وكل ما يشره إليه، فتجده في تلك الحال لا يذكر ولدًا ولا أهلًا ولا جاهًا ولا خمولًا ولا ولاية ولا عزلة ولا فقرًا ولا غنى ولا مصيبة، وكفى بهذا واعظًا لمن عقل.
٧٢-من عجيب تدبير الله للعالم، أن كل شيء اشتدت الحاجة إليه، كان ذلك أهون له. وتأمل ذلك في الماء فما فوقه. وكل شيء اشتد الغنى عنه كان ذلك أعز له. وتأمل ذلك في الياقوت الأحمر فما دونه.
٧٣-إياك وموافقة الجليس السيئ ومساعدة أهل زمانك فيما يضرك في أخراك وفي دنياك، وإن قل، فإنك لا تستفيد بذلك إلا الندامة حيث لا ينفعك الندم. ولن يحمدك من ساعدته بل يشمت بك.
٧٤-إن لم يكن بد من إغضاب الناس أو إغضاب الله، ولم يكن لك مندوحة عن منافرة الحق ومنافرة الخلق، فأغضب الناس ونافرهم، ولا تغضب ربك ولا تنافر الحق.
٧٥-الاتساء بالنبي ﷺ في وعظه أهل الجهل والمعاصي والرذائل واجب، فمن وعظ بالجفاء والاكفهرار فقد أخطأ وتعدى طريقته وصار في أكثر الأمور مغريًا للموعوظ بالتمادي على أمره لجاجًا وحردًا ومغايظة للواعظ الجافي، فيكون في وعظه مسيئًا لا محسنًا. ومن وعظ ببشر وتبسم ولين وكأنه مشير برأي ومخبر عن غير الموعوظ بما يستقبح من الموعوظ فذلك أبلغ وأنجع في الموعظة.
٧٦-تأملت كل ما دون السماء وطالت فيه فكرتي فوجدت كل شيء فيه، من حي وغير حي، من طبعه عن قوي أن يخلع على غيره من الأنواع هيأته ويلبسه صفاته. فترى الفاضل يود لو كان كل الناس فضلاء، وترى الناقص يود لو كان كل الناس نقصاء.
٧٧-ومن عجيب قدرة الله تعالى كثيرة الخلق، ثم لا نرى أحدًا يشبه آخر شبهًا لا يكون بينهما فيه فرق. وقد سالت من طال عمره وبلغ ثمانين عامًا، هل رأى الصور فيما خلا مشبهة لهذه شبهًا واحدًا، فقال لي: لا بل لكل صورة فرقها.
٧٨-من عجائب الدنيا قوم غلبت عليهم آمال فاسدة لا يحصلون منها إلا على إتعاب النفس عاجلًا ثم الهم والإثم آجلًا، كمن يتمنى غلاء الأقوات التي في غلائها هلاك الناس .. فلو تمنى الخير والرخاء لتعجل الأجر والراحة والفضيلة ولم يتعب نفسه طرفة عين فما فوقها، فاعجبوا لفساد هذه الأخلاق بلا منفعة.
٧٩-من امتحن بالعجب فليفكر في عيوبه. فان اعجب بفضائله فليفتش ما فيه من الأخلاق الدنية، فان خفيت عليه عيوبه جملة حتى يظن أنه لا عيب فيه، فليعلم أنه مصيبة للأبد.
٨٠-(العجب بالعلم وهو موهبة؟!) وإن أعجبت بعلمك فاعلم أنه لا خصلة لك فيه وأنه موهبة من الله مجردة وهبك إياها ربك تعالى فلا تقابلها بما يسخطه، فلعله ينسيك ذلك بعلة يمتحنك بها .. وأنا أصابتني علة فأفقت منها، وقد ذهب ما كنت أحفظ إلا ما لا قدر له، فما عاودته إلا بعد أعوام .. واعلم أن كثيرًا من أهل الحرص على العلم يجدّون في القراءة والإكباب على الدرس والطلب ثم لا يرزقون منه حظًا، فليعلم ذو العلم أنه لو كان بالإكباب وحده لكان غيره فوقه، فصح أنه موهبة من الله تعالى، فأي مكان للعجب ها هنا، ما هذا إلا موضع تواضع وشكر لله تعالى.
٨١-وتفكر في إخلالك بعلمك، فانك لا تعمل بما علمت منه فعلمك عليك حجة حينئذ، لقد كان أسلم لك لو لم تكن عالمًا. واعلم أن الجاهل حينئذ أعقل منك وأحسن حالًا وأعذر، فليسقط عجبك بالكلية.
٨٢-ثم لعل علمك الذي تعجب بنفاذك فيه من العلوم المتأخرة التي لا كبير خصلة فيها كالشعر وما جرى مجراه، فانظر حينئذ إلى من علمه أجل من علمك في مراتب الدنيا والآخرة، فتهون نفسك عليك.
٨٣- ما رأيت العجب في طائفة أقل منه في أهل الشجاعة، فاستدللت بذلك على نزاهة أنفسهم ورفعتها وعلوها.
٨٤-وإن أعجبت بمالك، فهذه أسوأ مراتب العجب فانظر في كل ساقط خسيس فهو أغنى منك، فلا تغتبط بحالة يفوقك فيها من ذكرت. واعلم أن عجبك بالمال حمق لأنه أحجار لا تنتفع بها الا بأن تخرجها عن ملكك بنفقتها في وجهها فقط.
٨٥-وإن أعجبت بمدح إخوانك لك، ففكر في ذم أعدائك إياك، فحينئذ ينجلي عنك العجب، فان لم يكن لك عدو فلا خير فيك ولا منزلة أسقط من منزلة من لا عدو له، فليست إلا منزلة من ليس لله تعالى عنده نعمة يحسد عليها، عافانا الله.
٨٦-واعلم أن فضائلك لا خصلة لك فيها وأنها منح من الله تعالى لو منحها غيرك لكان مثلك، وأنك لو وكلت إلى نفسك لعجزت وهلكت، فاجعل بدل عجبك بها حمدًا لواهبك إياها وإشفاقًا من زوالها.
٨٧-وإن أعجبت بنسبك، فهذه أسوأ من كل ما ذكرنا، لأن هذا الذي أعجبت به لا فائدة له أصلًا في دنيا ولا آخرة. وانظر هل يدفع عنك جوعة أو يستر لك عورة أو ينفعك في آخرتك.
٨٨-وإن أعجبت بولادة الفضلاء اياك، فما أخلى يدك من فضلهم إن لم تكن أنت فاضلًا، وما أقل غناءهم عنك في الدنيا والآخرة ان لم تكن محسنًا.
٨٩-وإذا فكر العاقل في أن فضائل آبائه لا تقربه من ربه تعالى ولا تكسبه وجاهة لم يحزها هو بسعده أو بفضله في نفسه ولا ماله، فأي معنى للإعجاب بما لا منفعة فيه وهل المعجب بذلك إلا كالمعجب بمال جاره، وبجاه غيره، وبفرس لغيره سبق كان على رأسه لجامه [ يُذكر أن الخيل أجريت للرهان فسبق فرس، فجعل رجل من النظارة يكبر ويثب، فقيل له: أكان الفرس لك. قال: لا ولكن اللجام لي].
٩٠-وقد كان ابن نوح وأبو إبراهيم وأبو لهب، عم النبي صلى الله عليه وعلى نوح وابراهيم وسلم، أقرب الناس من أفضل خلق الله تعالى من ولد آدم وممن الشرف كله في اتباعهم، فما انتفعوا بذلك. وقد كان فيمن ولد لغير رشدة، من كان الغاية في رئاسة الدنيا كزياد وأبي مسلم.
٩١-(مدح النفس) إياك والامتداح، فإن كل من يسمعك، لا يصدقك وإن كنت صادقًا، بل يجعل ما سمع منك من ذلك من أول معايبك.
٩٢-ولتعلم أن التعسف وسوء الملكة لمن خولك الله أمره من رقيق أو رعية يدلان على خساسة النفس ودناءة الهمة وضعف العقل، لان العاقل الرفيع النفس العالي الهمة، انما يغالب أكفاءه في القوة ونظراءه في المنعة.
٩٣- وأقل مراتب العجب أن تراه يتوقر عن الضحك في مواضعه وعن خفة الحركات وعن الكلام إلا فيما لابد له منه من أمور دنياه، وعيب هذا أقل من عيب غيره، ولو فعل هذه الأفاعيل على سبيل الاقتصار على الواجبات وترك الفضول لكان ذلك فضلًا وموجبًا لحمدهم، ولكنهم إنما يفعلون ذلك احتقارًا للناس وإعجابًا بأنفسهم.
٩٤-(نقص العقل) كلما نقص العقل توهم صاحبه أنه أوفر الناس عقلا وأكمل ما كان تمييزًا، ولا يعرض هذا في سائر الفضائل، فإن العاري منها جملة يدري أنه عار منها.
٩٥-قد يكون العجب كمينًا في المرء حتى إذا حصل على أدنى جاه ومال ظهر ذلك عليه، وعجز عقله عن قمعه وستره.
٩٦-ومن طريف ما رأيت في بعض أهل الضعف أن منهم من يغلبه ما يضمر من محبة ولده الصغير وامرأته حتى يصفها بالعقل في المحافل، وحتى إنه يقول هي أعقل مني، وأنا أتبرك بوصيتها.
٩٧-من بديع ما يقع في الحسد قول الحاسد إذا سمع إنسانًا يغرب في علم ما: «هذا شيء بارد، إذ لم يتقدم إليه ولا قاله قبله أحد». فإن سمع من يبين ما قد قاله غيره قال: «هذا بارد وقد قيل قبله». وهذه طائفة سوء قد نصبت أنفسها للقعود على طريق العلم يصدون الناس عنها ليكثر نظراؤهم من الجهال.
٩٨-الحكيم لا تنفعه حكمته عند الخبيث الطبع، بل يظنه خبيثًا مثله. وقد شاهدت أقوامًا ذوي طبائع ردية، وقد تصور في أنفسهم الخبيثة أن الناس كلهم على مثل طبائعهم لا يصدقون أصلًا بأن أحدًا هو سالم من رذائلهم بوجه من الوجوه.
٩٩-لا عيب على من مال بطبعه إلى بعض القبائح .. ما لم يظهره بقول أو فعل، بل يكاد يكون أحمد ممن أعانه طبعه على الفضائل، ولا تكون مغالبة الطبع الفاسد إلا عن قوة عقل فاضل.
١٠٠-(صفة مذمومة واستعمالها محمود) من عجائب الأخلاق أن الغفلة مذمومة واستعمالها محمود.. والمتيقظ لا يضعها إلا في موضعها حيث يذم التقصي والتغافل فهم للحقيقة وإضراب عن الطيش، واستعمال للحلم وتسكين للمكروه، فلذلك حمدت حالة التغافل وذمت الغفلة.
١٠١-الاستهانة بالمتاع دليل على الاستهانة برب المتاع.
١٠٢-القياس في أحوال الناس قد يكذب في أكثر الأمور ويبطل في الأغلب.
١٠٣-من جهل معرفة الفضائل فليعتمد على ما أمر به الله تعالى ورسوله ﷺ فإنه يحتوي على جميع الفضائل.
١٠٤-رب مخوف كان التحفظ منه سبب وقوعه. ورب سر كانت المبالغة في طيه علة انتشاره .. واصل ذلك كله الإفراط الخارج عن حد الاعتدال.
١٠٥-الخطأ في الحزم خير من الخطأ في التضييع.
١٠٦-من العجائب ان الفضائل مستحسنة ومستثقلة، والرذائل مستقبحة ومستخفة.
١٠٧-من أراد الإنصاف فليتوهم نفسه مكان خصمه، فإنه يلوح له وجه تعسفه.
١٠٨-حد الحزم معرفة الصديق من العدو. وغاية الخرق والضعف جهل العدو من الصديق.
١٠٩-قلما رأيت امرًا أمكن فضُيّع إلا فات فلم يمكن بعد.
١١٠-كم رأينا من فاخر بما عنده من المتاع، كان ذلك سببًا لهلاكه، فإياك وهذا الباب الذي هو ضر محض لا منفعة فيه أصلًا.
١١١-كم شاهدنا ممن أهلكه كلامه ولم نر قط أحدًا بلغنا أنه أهلكه سكوته، فلا تتكلم إلا بما يقربك من خالقك، فإن خفت ظالمًا فاسكت.
١١٢-الغالب على الناس النفاق، ومن العجب أنه لا يجوز مع ذلك عندهم إلا من نافقهم.
١١٣-كل من غلب عليه طبيعة ما، فإنه وإن بلغ الغاية من الحزم والحذر، فإنه مصروع إذا كويد من قبلها.
١١٤-اشد الناس استعظامًا للعيوب بلسانه هو أشدهم استهلالًا لها بفعله.
١١٥-أشد الأشياء على الناس الخوف والهم والمرض والفقر. وأشدها كلها إيلامًا للنفس الهم للفقد من المحبوب وتوقع المكروه، ثم المرض، ثم الخوف ثم الفقر.
١١٦-ينبغي للعاقل أن لا يحكم بما يبدو له من استرحام الباكي المتظلم وتشكيه وكثرة تلومه وتقلبه وبكائه، فقد وقفت من بعض من يفعل هذا على يقين أنه الظالم المعتدي المفرط في الظلم. ورأيت بعض المظلومين ساكن الكلام معدوم التشكي مظهرًا لقلة المبالاة، فيسبق إلى نفس بعض من لا يحقق النظر انه ظالم، وهذا مكان ينبغي التثبت فيه.
١١٧-إذا حضرت مجلس علم، فلا يكن حضورك إلا حضور مستزيد علمًا وأجرًا لا حضور مستغن بما عندك طالب عثرة تشنعها أو غريبة تشيعها، فهذه أفعال الأرذال الذين لا يفلحون في العالم أبدًا.
١١٨-من اكتفى بقليله عن كثير ما عندك، فقد ساواك في الغنى ولو أنك قارون، حتى اذا تصاون في الكسب عما تشره أنت اليه فقد حصل أغنى منك بكثير. ومن ترفع عما تخضع اليه من أمور الدنيا فهو أعز منك بكثير.
١١٩-قد صح عن الحسن أنه سمع انسانًا يقول: لا يجب أن ينهى عن الشر إلا من لا يفعله، فقال الحسن: ود ابليس لو ظفر منها بهذه حتى لا ينهى أحد عن منكر ولا يأمر بمعروف.
١٢٠-اللقاء يُذهب بالسخائم (الضغائن)؛ فكأن نظر العين إلى العين يُصلح القلوب.
١٢١-(تطلع النفس إلى معرفة ما تستر به عنها من كلام مسموع أو شيء مرئي وإلى المدح وبقاء الذكر) هذان أمران لا يكاد يسلم منهما أحد إلا ساقط الهمة جدًا أو من راض نفسه الرياضة التامة وقمع قوة نفسه الغضبية قمعًا كاملًا.
١٢٢-مداواة شره النفس إلى سماع كلام تستر به عنها أو رؤية شيء اكتتم به دونها أن يفكر فيما غاب عنها من هذا النوع في غير موضعه الذي هو فيه، بل في أقطار الأرض المتباينة، فإن اهتم بكل ذلك فهو مجنون تام الجنون عديم العقل البتة. وأن لم يهتم لذلك فهل هذا الذي اختفى عنه إلا كسائر ما غاب عنه منه سواء بسواء ولا فرق ثم ليزدد احتجاجًا على هواه فليقل بلسان عقله لنفسه: يا نفس أرأيت لو لم تعلمي أن ها هنا شيئًا أخفي عنك أكنت تطلعين إلى معرفة ذلك فلا بد من لا، فليقل لنفسه: فكوني الآن كما كنت تكونين لو لم تعلمي بأن ها هنا شيئًا ستر عنك، فتربحي الراحة وطرد الهم وألم القلق وقبح صفة الشره.
١٢٣-(لا فائدة ولا سرور بثناء بعد الموت أو لم يُسمع في الحياة) وأما من علق على وهمه وفكره بأن يبعد اسمه في البلاد ويبقى ذكره على الدهور، فليتفكر في نفسه وليقل لها: يا نفس أرأيت لو ذكرت بأفضل الذكر في جميع أقطار المعمور أبد الأبد إلى انقضاء الدهور ثم لم يبلغني ذلك ولا عرفت به أكان لي في ذلك سرور وغبطة أصلًا فلا بد من «لا» ولا سبيل إلى غيرها البتة، فإذا صح ذلك وتيقن فليتعلم يقينًا أنه إذا مات فلا سبيل له إلى علم أنه يذكر أو أنه لا يذكر، وكذلك وأن كان حيًا إذا لم يبلغه. ( مثل تكريم العلماء الأموات بالاحتفاء والهدايا ؟!).
١٢٤-ليتفكر الإنسان فيمن ذكر بخير أو بشر، هل يزيده ذلك عند الله تعالى درجة أو يكسبه فضيلة لم يكن حازها بفعله أيام حياته. فإذا هذا كما قلنا فالرغبة في الذكر رغبة في غرور ، ولا معنى له ولا فائدة فيه أصلا، لكن إنما ينبغي أن يرغب العاقل في الاستكثار من الفضائل وأعمال البر التي يستحق من هي فيه الذكر الجميل والثناء والحسن والمدح وحميد الصفة، فهي التي تقربه من بارئه تعالى وتجعله مذكورًا عنده عز وجل الذكر الذي ينفعه ويحصل على بقاء فائدته ولا يبيد أبد الأبد.
جعلنا الله ممن يوفق لفعل الخير والعمل به، وممن يبصر رشد نفسه، فما أحد إلا له عيوب، إذا نظرها شغلته عن غيره، وتوفانا على سنة محمد ﷺ آمين رب العالمين.
تم بحمد الله وفضله.

جاري تحميل الاقتراحات...