بيت الهراوي 🎵
كان اليوم ينبض بشيء مختلف، وكأن الزمن يمنحنا فرصة للهرب من رتابة الحياة. في لحظة عفوية، اقترحت على صديقي أسامه ، أن نذهب إلى بيت الهراوي لحضور حفلة على العود. لكن كعادته، لم يقبل بالفكرة كما هي، بل أضاف إليها لمسة من جنونه المعتاد: “تيجي نروح مشي !”
كان اليوم ينبض بشيء مختلف، وكأن الزمن يمنحنا فرصة للهرب من رتابة الحياة. في لحظة عفوية، اقترحت على صديقي أسامه ، أن نذهب إلى بيت الهراوي لحضور حفلة على العود. لكن كعادته، لم يقبل بالفكرة كما هي، بل أضاف إليها لمسة من جنونه المعتاد: “تيجي نروح مشي !”
لم أصدق ما سمعته، كيف لنا أن نقطَع المسافة مشيًا؟ ثلاث ساعات أو أكثر! ولكن شيئًا في عينيه، تلك النظرة المغامرة، جعلني أوافق دون تردد.
انطلقنا من جامعه القاهره عند الثالثه عصرًا، في وقت كان الجو فيه نسمه خريفية، الشمس متعلقة في الأفق كأنها تنتظر الحدث الذي كنا نمضي نحوه
انطلقنا من جامعه القاهره عند الثالثه عصرًا، في وقت كان الجو فيه نسمه خريفية، الشمس متعلقة في الأفق كأنها تنتظر الحدث الذي كنا نمضي نحوه
سرنا عبر حديقة الأورمان وعبرنا الدقي ورغم المسافة الطويلة التي تنتظرنا، شعرت بأن كل خطوة تقربنا أكثر من مغامرة لم نختبرها من قبل. شارع مراد، ، ثم دار الأوبرا التي بدت كالقلعة الصامتة في انتظار أن تُحييها الموسيقى، كلها مرت أمامنا كفصول من رواية نكتبها بخطواتنا.
اللحظة الحقيقية جاءت عندما وقفنا على كوبري قصر النيل، هناك، تحتنا، كان النهر يتلألأ بألوان الشمس الأخيرة. لحظة هدوء غريبة تغلغلت فينا، وكأن المدينة نفسها كانت تأخذ نفسًا عميقًا. كنت أشعر أننا نسير نحو شيء غامض، شيء ينتظرنا في نهاية الطريق
واصلنا السير عبر ميدان التحرير، حيث كانت الحياة تسير بوتيرة لا ترحم، وكلما توغلنا في شوارع القاهرة، كان الشعور بالمغامرة يتصاعد. كنا نقترب من وجهتنا، والطريق أصبح أكثر ضيقًا، وكأن المدينة القديمة كانت تفتح أبوابها لنا ببطء، تهمس بأسرارها وتدعونا للدخول
بعد ثلاث ساعات من السير الذي لم يخلُ من لحظات تشويق وصمت ممزوج برهبة الوصول، وصلنا أخيرًا إلى بيت الهراوي، وكأنه بوابة إلى عالم آخر. المكان بدا لي أشبه بمسرح قديم، كل زاوية فيه تحكي قصة. ما هذه الرهبه. المكان له هيبه تشعر بها في جسدك فور النظر حولك
بيت الهراوي، وبيت العود العربي الذي يعود تاريخه إلى القرن الثامن عشر، كان يحتضن بين جدرانه أصداء الماضي، وأنتَ حين تدخل إليه تشعر وكأن الزمن قد توقف ليتركك تعيش في سحره
دقائق من السكون قبل الحفلة بوقت قصير، وكنت أراقب المكان بانبهار؛ الجدران التي تحمل ذاكرة القرون، الابواب الخشبيه التي تعيدك إلى عصر بعيد. ومع أولى نغمات العود، شعرت أن شيئًا غريبًا يحدث في داخلي. كان العزف يأخذني بعيدًا، إلى عالم لا يمكن لمجرد الكلمات أن تصفه.
احنا طلاب آثار قلنا ذلك للحراس ، وقد دخلنا مجانًا😅 ، لكن ما شعرنا به في تلك اللحظات كان أكبر من أي مقابل مادي. أسامة، بحديثه الساحر وروحه الخفيفة، لم يكن بعيدًا عن جذب انتباه الجميع، خاصة الفتيات اللواتي أصبحن يسترقن السمع إلى كلماته وانا التصق بجانبه علني آخذ قليلا من الحظ 😍
بينما أنا غارق في سحر الموسيقى، كنت أراقب الحاضرين، شعرت وكأننا جزء من قصة تكتب في هذا المكان العريق. الألحان كانت تتصاعد، وقلبي ينبض معها، حتى أنني لم أعد أدرك إن كان الوقت يمر أم أننا أصبحنا جزءًا من تلك اللحظة التي لا تنتهي
بعد الحفلة، لم تنتهِ مغامرتنا. توجهنا إلى زقاق ضيق، دخلنا مطعمًا بسيطًا حيث تناولنا العشاء وسط همسات القاهرة القديمة. كانت الأنوار خافتة، وكأنها تتآمر مع الليل لتجعل الليلة أكثر غموضًا. وبعد ذلك، جلسنا في مقهى بلدي،لا يقل جمالا بقدمه وبساطته
جلسنا نشرب الشاي ببطء مقصود على أنغام أم كلثوم، التي كانت تتسرب إلينا من راديو قديم يلفه بعض الموجات الاستاتيكيه مما يجعل التشويش هذا سحرا اضافيا . في تلك اللحظة، كان هناك شيء ساحر في الهواء، مزيج من التاريخ والموسيقى والليل الذي بدا وكأنه لن ينتهي
عندما عدنا، كنا نغرق في صمت مليء بالرضا. تلك الرحلة، التي بدأت كمغامرة عابرة، تحولت إلى ذكرى لن تُنسى. عقارب الساعة كانت تشير إلى الثالثة فجرًا. لكنني لم أشعر بالتعب، بل عشت يومًا من تلك الأيام التي تشعر فيها بأن الزمن قد توقف، وأن شيئًا ما في داخلك قد تغيّر إلى الأبد،
جاري تحميل الاقتراحات...