20 تغريدة 74 قراءة Sep 23, 2024
- ما بين "هكذا تكلم زرادشت" و"Fight Club"
- نقد نيتشه القاسي للمجتمعات المعاصرة وللمسيحية.
- سقوط الحضارة الغربية والحلول الفلسفية الراديكالية التي يطرحها نيتشه.
- حالة الاخصاء النفسي التي يعيشها الرجل المعاصر بسبب المجتمعات المساواتية.
- كيف يمكن تفسير أحداث الفلم على ضوء الفلسفة النيتشاوية.
- (الرجل المتفوق) (الرجل الأخير) (أخلاق العبيد) (قلق الموت) وأشياء أخرى.
-ثريد
يعتبر فلم نادي القتال (Fight Club) من أهم الأفلام التي سلطت الضوء على حالة تراجع الذكورة في المجتمعات المعاصرة.
الفلم الكلاسيكي الشهير الذي أُنتج عام 1999 يتناول أحد أهم أمراض الحضارة الانسانية المعاصرة، وهي حالة الاخصاء النفسي الذي يعيشه الرجل، وتحديداً الرجل الغربي.
من خلال قصة الفلم وتسلسل الأحداث، يتم عرض الحل الراديكالي لعلاج هذا المرض، ويتمثل ذلك بالمفهوم الفلسفي؛ الرجل المتفوق (Ubermensch) الذي جاء به الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه.
بطل الفلم، الذي ليس له اسم، ويشار إليه أنه الراوي في القصة (The Narrator) يمثل النموذج التقليدي للمواطن الأمريكي الغارق في الاستهلاكيات في القرن العشرين.
حياته مسخرة بالكامل لهدف تجميع الأموال ثم انفاقها على الماركات العالمية والشركات الدولية الكبرى، بلا غاية أسمى.
قهوته من ستاربكس، عشاه من ماكدونالدز، أثاث شقته من ايكيا، وهلم جراً.
النمط المساواتي التوافقي الذي يهيمن على مجتمعات ما بعد الحداثة، أدى الى اخصاءه وفقدانه للسمات الذكورية النفسية والجسدية، الأمر الذي جعله خائف، كسول، ومتوسط تماماً خال من المزايا.
العدمية أفسدت روحه لدرجة أنه لم يعد يجد معنى سامي للوجود.
الدائرة اللا نهائية من تكرار الأحداث الروتينية غير المؤثرة، ما بين المكتب ورحلات العمل والشقة المؤثثة من ايكيا، تخنق الراوي، وتسقطه في حفرة عميقة من اللا معنى، الأمر الذي يؤدي الى اصابته بالأرق المزمن.
يجد الراوي ملاذ آمن من خلال مجموعة دعم support group للناجين من سرطان الخصيتين.
هذه الصحبة من الرجال الذين تعرضوا للاخصاء الفعلي تعطي الراوي خيار الهروب من الواقع وتمثل نوع من المواساة وتعزز النظرة الايجابية للذات والترويح عن النفس، من خلال توفير العزاء لنفسه والتغذية على مآسي الآخرين!
هذا الهروب من الواقع يجعل الراوي يتغلب على الأرق المزمن ولو بشكل مؤقت.
ولكن هذا الوضع لم يدم طويلاً على أية الحال، جميع الترتيبات تتبعثر عندما تقتحم فتاة اسمها مارلا سينجر المجموعة وتبدأ بحضور اجتماعاتهم. ذلك يذكر الراوي بالعقل اللا واعي بحالة الاخصاء النفسي التي يعاني منها.
مما يساهم بتعقيد المشكلة، أن الراوي بشكل سري معجب بمارلا سينجر، ولكن يظل بحالة انكار لهذا الاعجاب حتى لا يواجه عجزه.
حالة الأرق المزمن تطفو على السطح مرة أخرى، ويدخل الراوي بحالة انفصام بالشخصية.
في هذه المرحلة من الحبكة، يتم تقديم "تايلر ديردن"، الذي هو، بدون علم الراوي، يعتبر انعكاساً لذهنه المضطرب.
"تايلر" يجسد الرغبة الفطرية الدفينة داخله للتغلب على حالة الإخصاء والعدمية. هنا يبدأ الصراع الحقيقي الذي يعيشه الراوي؛ شخصيته القديمة العاجزة تكافح ضد الهوية الجديدة مفرطة الذكورية التي تتوق إلى الهيمنة.
لذلك القصة عبارة عن رحلة يخوضها الراوي لمعرفته ذاته الحقيقية.
استراتيجية "تايلر" لقيادة نصفه الآخر نحو تحقيق الذات من خلال التبشير بتفسيرات معاصرة لفلسفة نيتشه.
الفلم برمته عبارة عن تجسيد للمفاهيم الفلسفية التي ذكرها نيتشه في الكتاب الشهير "هكذا تكلم زرادشت".
قصة الكتاب تدور حول شخصية "زرادشت" الذي يحذر وينذر الجموع الغفيرة بأن "الإله قد مات" وبالتالي على البشرية إما التأقلم مع هذه الحقيقة أو الفناء.
من خلال ذلك يقدم نيتشه نقد قاسي للمسيحية، حيث أنها شجعت مبدأ البحث عن الحقيقة، الأمر الذي مهد الطريق نحو عصر النهضة واكتشاف المنهجية العلمية وأن ذلك كله عاد ليرتد ويصيب المسيحية ذاتها في مقتل من خلال انسحاب مفهوم "الإله" وتقلص نفوذ الكنيسة في الحياة العامة.
مآلات ذلك كانت شديدة الوقع، دحض هذه الحقيقة العميقة المستقرة في النفوس أدى الى حالة من الشك والهلع، وزعزع مصداقية كافة الحقائق المفترضة الأخرى والقيم.
حالة من العدمية الوجودية بدأت تسيطر على المشهد في الحضارة الغربية منذ ذلك الحين.
"زرادشت" يحذر الجموع من خطورة العدمية، حيث أن غياب القيم يؤدي الى عهد (الرجل الأخير) (The Last Man).
وهي فترة يخمل فيها الرجل بسبب فقدان الغاية والهدف من الوجود وبالتالي يترك الابتكار والابداع ويتجه نحو الاستهلاك المادي واللا مبالاة.
في هذه المرحلة، نعود للفلم؛
الراوي يمثل (الرجل الأخير) المعاصر، سلوكه سلبي وبلا هدف، على الرغم من اشباع الحاجات المفترضة التي يجدها من خلال الاستهلاك، في أعماقه يعلم أن الوقت يمضي وهو عاجز عن تحقيق شيء ذي قيمة.
عدم وجود اسم له حتى الآن في القصة يعكس حالة العدمية التي يعيشها، وكأنه يمثل الجموع الغفيرة التي بلا هوية.
الرجال العظماء مثل "زرادشت" الذين يصنعون التغيير ويأخذون زمام المبادرة، هم محسودون من هذه الجموع بشكل سري ولكن بالعلن يستهزئون بهم. ينتهي المطاف بأغلب الناس بالرضا بالحال المتوسط المشابه لحال الجموع إما لكونهم يخافون الانتقاد والاستهزاء أو لمجرد كونهم كسالى لا يريدون القيام بالمطلوب.
هذا يجسد مفهوم نيتشه لـ"أخلاق العبيد" وهي عقلية الطاعة، الصبر والتواضع. والنتيجة هي مجتمعات ما بعد الحداثة كما نراها، تحث على الضعف والانكسار وتعتبرها فضائل، وترفع عقلية الضحية الى مرحلة القداسة.
الضعفاء يكرهون الأقوياء، بالتالي يهاجمون انجازاتهم الفردية بالافتراء والبهتان، وبذلك تقضي الجموع على النزعة الفردية للأفراد للتميز ويصبح الجميع نسخة من الجميع. ثم يتحول المجتمع الى كابوس من المساواة.
"تايلر دردن" يأخذ دور "زرادشت" في الحوار مع الراوي (مع الذات)، ويحذر من سقوط الحضارة.
يرفض فكرة أن تجميع الأموال من خلال القيام بوظائف لا غاية لها، قد يعطي معنى للحياة. بل لربما أن ذلك يشتت تركيزك عن أمور أكثر أهمية.
في حدث مفاجئ، تتعرض شقة الراوي الى انفجار. مما يؤدى الى تسريع عملية التحول في شخصيته. وهذا يجعله يعيد ضبط تركيزه إلى تحقيق الذات من خلال مفهوم (تدمير الذات).
ثم يقوم "تايلر" بتشجيع الراوي على ضربه في مقابلة بينهم في أحد الحانات، الأمر يتطور سريعاً الى اشتباك كامل بالأيدي، هذا النمط من اللعب العنيف يكسر نمط (الرجل الأخير) السلبي والضعيف.
وفقاً لنيتشه، ظهور العدمية الوجودية يتزامن مع ظهور قلق الموت (Death Anxiety). الرجل الغربي فقد الثقة بمرحلة ما بعد الحياة، وبذلك تتضاعف المعاناة التي يتعرض لها خلال حياته لعدم وجود خلاص أخروي يخففها.
مجتمعات ما بعد الحداثة، مصممة للعمل على تخدير هذا النوع من الألم تحديداً. فهي تنفي المعاناة كعنصر أساسي من التجربة البشرية، تشيطن جميع أنواع العنف، وتوفر الملذات للهروب من عدمية الواقع.
إن الرغبة في بناء مجتمع ينفي قيمة الألم والمعاناة، هي رغبة طوباوية عميقة تتعارض مع الطبيعة البشرية، مما يؤدي الى التوسع المستمر لدور الدولة الرعوي في الحياة العامة.
تقوم الدولة بحماية رعاياها من المخاطر وتوفر لهم الملذات، وهذه الفكرة تثير قرف نيتشه لأنه يعتقد أن الدولة بذلك تقوم بتحويل الناس الى ماشية وقطيع ليس إلا، يعيشون وهم جاهلين لطبيعتهم الفانية وبلا غاية.
وبدلاً من ذلك، يقترح نيتشه أن يتصالح المرء مع طبيعته الفانية ويتصدى لها وجهاً لوجه، حتى يتغلب على قلق الموت.
الاشتباك مع "تايلر" يجعل الراوي يتعرف على هذا الجانب، فكرة تقبل الألم والمعاناة واعتبارهما جزء أساسي من التجربة البشرية شأنهما بذلك شأن اللذة والراحة.
مجموعات الدعم التي كان يحضر فيها الراوي في البداية كانت تمثل هروب من الواقع، الاشتباك والقتال والدم بالمقابل يجعلونه يتقبل طبيعته الفانية.
هذا النوع من إعادة البرمجة يعتبر مشوق ومثير وجذاب لعدد كبير من الرجال من نموذج (الرجل الأخير) الذين يشهدون البطل يقاتل نفسه، ويقررون الانضمام.
هم أيضاً تم اخصاءهم نفسياً من المجتمعات المساواتية التي تنكر المعاناة وتوفر الملذات.
خلال أسابيع قليلة، يتم تأسيس نادي القتال حيث يلتقى الرجال بشكل أسبوعي لممارسة القتال.
في سرداب احدى الحانات، يجتمع الرجال الساخطون ويجدون الخلاص الروحي من خلال تجربة الاشتباك الجسدي، ويعيدوا التعرف على الهوية الذكورية.
كمية التستسترون الكبيرة في الذكر ليست صدفة، من مزايا الرجل الطبيعية القوة والعنف. هذه المزايا كنت ضرورية لتوفير الموارد وحماية للأسرة والذرية، وأدوار لولاها لما كانت الحضارة ممكنة.
المجتمعات المعاصرة تكبح هذه النزعة الغريزية للذكر وتحتكر هذه الأدوار للدولة، الأمر الذي يؤدي الى تأنيث الذكور.
نيتشه يقول "كل انشاء يتطلب نوع من التدمير". (الرجل المتفوق) يعلم أن حياته تنتهي بالفناء لذلك يتغلب على مجرد الرغبة الى الحياة، ويتبنى الرغبة الى القوة (Will to Power).
يأخذ زمام المبادرة ويشكل بيئته بالقوة ليصنع شيئاً يتجاوز فترة وجوده القصيرة، ولكن حتى يستطيع فعل ذلك عليه تقبل وتحمل الألم والمعاناة والدمار كجزء من العملية.
الرجال الساخطون من نموذج (الرجل الأخير) يكتشفون حقيقتين من خلال نادي القتال: أولاً يجب مواجهة الصعوبات لتقبل حتمية الموت. ثانياً يجب تدمير مفاهيمهم العصرية عن ذواتهم قبل التغلب على حالة الإخصاء وبناء مفاهيم ذاتية جديدة.
هنا يتم الكشف أن "تايلر" وضع الراوي في طريق التحول من خلال تفجير شقته. وهذا يفصل الراوي عن حالة الهوس المادي التي كان يعيشها، ويعتبر أولى خطوات تدمير المفهوم العصري الذاتي للراوي.
"تايلر" لا يزال يعتقد أن رفض المادية والالتحاق بنادي القتال ليس كافياً لعملية تحول كاملة للراوي.
جزء من الراوي لا يزال متعلق بشخصيته القديمة، وذلك يجعله متردداً، وهذا يمنعه من اتخاذ زمام المبادرة.
يبدأ "تايلر" بالحديث عن التضحية البشرية باعتبارها التعبير الأسمى عن البطولة في مواجهة الفناء الحتمي. تقبل الألم في سبيل ذلك من سمات الرجال العظماء.
من خلال مشهد حرق "تايلر" ليد الراوي واقناعه بالتضحية، يقوم بإلقاء الضوء على المعضلة الوجودية. "اذا كان الإله انسحب من المشهد، وتراجع نفوذ الكنيسة، أمامنا خيارين؛ إما الهروب من الواقع أو مواجهة حقيقة ألا أحد يستطيع انقاذنا باستثناء أنفسنا". لاختيار الخيار الثاني يجب أن يكون المرء شجاع وصافي الذهن، بالمقابل الخوف يدفع الانسان للخيار الأول.
نيتشه يعتقد أن المرء يجب أن ينحدر حتى يضرب القاع (Hitting bottom) حتى يستطيع أن يستوعب بشكل كامل محدودية وجوده. حينها فقط يستطيع أن يتبنى بشكل ايجابي حياته القصيرة ويتحول للرجل المتفوق الذي يضع معنى لحياته ويتخذ الاجراءات اللازمة لتحقيق هذا المعنى.
يستمر "تايلر" باقناع باقي الرجال أعضاء نادي القتال أنهم ينتمون لجيل (الرجل الأخير) الذين تم تحويلهم لقطيع من المستهلكين ويعيشون بلا غاية. ثم ينسب اليهم امكانيات كبيرة لا زالت غير محققة، مما يعكس فكرة نيتشه عن "النخبة".
نيتشه تنبأ أن تراجع المسيحية سيمهد الطريق لظهور حركات مساواتية على نطاق واسع في العالم الغربي. جميع هذه الحركات لها ارتباط بسلفها المسيحي باعتبار أن المسيحية شجعت فكرة "اللوح الفارغ" وأن البشر جميعهم يولدون متساوين لا فرق بينهم، نيتشه يرى عقيدة المساواة هذه بمثابة السم للبشرية لأنها تُستخدم من الجموع والقطيع لفرض أخلاق العبيد. لذلك يمقت كلاً من الشيوعية والليبرالية الديموقراطية ويراهم أيدولوجيات لا تتوافق مع الطبيعة البشرية وتؤدي إلى سيادة القطيع العدمي على المجتمع.
في كتاب نيتشه، "زرادشت" يصل لقناعة نهائية أن الجموع والقطيع غير قادرين على استيعاب وتقبل أهمية (الرجل المتفوق) كحل جذري لانقاذ حضارة من العدمية والانحلال الأخلاقي التي تسبب بها (الرجل الأخير)، وبالمقابل يجمع نخبة من الرجال يرى فيهم امكانيات كامنة لتحقيق أمور عظيمة والقدرة على تجاوز قبضة القطيع.
"تايلر" يطبق هذه المفاهيم من خلال استقطاب مجموعة من التابعين الأوفياء يضعون على عاتقهم هدف الاطاحة بالمجتمعات المساواتية.
هنا يتحول "نادي القتال" الى "مشروع الفوضى" وحركة تهدف بالإطاحة بالنظام القائم.
في "مشروع الفوضى" المجندون الجدد يجب أن يثبتوا مثابرتهم من خلال التخلي عن كافة صور الاستهلاكية المزيفة والمادية التي كانوا يعيشون فيها.
ما يجمع هؤلاء الرجال احساسهم أن حياتهم بلا معنى لذلك قرروا التضحية بأنفسهم من أجل قضية أعظم وأسمى من ذواتهم.
"تايلر" يقوم بتجهيزهم لحرب روحانية للاطاحة بالنظام غير الطبيعي لمجتمعات ما بعد الحداثة.
الهدف النهائي؛ القضاء على عقلية (الرجل الأخير) التي تسببت بالسقوط الحضاري وسيادة القطيع.
المجموعة تبدأ باستهداف وتخريب مشاريع تجارية تجسد العقلية الاستهلاكية المعاصرة. هنا يبدأ الراوي بالقلق من التطورات الأخيرة والتضخم المستمر لـ"مشروع الفوضى" ونفوذ "تايلر". وهذا يعكس أنه لايزال مرتبط عاطفياً بالنظام القديم غالباً لأنه يخاف من الآثار المترتبة على اسقاطه. في تصوّره، نادي القتال كان يجب أن يستمر كمجموعة دعم عالية المستوى وألا يتطور الوضع أكثر من ذلك. ولكن هذا يعني أن اللقاءات الاسبوعية في نادي القتال ليست إلا هروباً من الواقع.
بالنسبة لـ"تايلر"، "نادي القتال" ليس إلا مقدمة تمهد الطريق للعقلية الانشقاقية التي تهدف بنهاية المطاف لنظام حضاري جديد. لذلك تخريب المشاريع المالية المركزية يعجل من السقوط الحتمي للنظام القائم. والهدف الآخر لـ"نادي القتال" هو تشكيل شبكة من المقاتلين الروحانيين النخب الذين سيشكلون العامود الفقري للطبقة الارستقراطية الحاكمة للنظام الجديد الذي سينشأ كنتيجة لحالة الفوضى بعد سقوط النظام القائم.
إعادة تقييم القيم التقليدية: حسب وجهة نظر نيتشه يجب تحدي أخلاق العبيد السائدة، وعلى الرجل المتفوق ايجاد قيم جديدة لسد الفراغ الهائل الذي نشأ بعد "موت الإله" افتراضياً، قيم الاستهلاكية والمساواة يجب اقصاءها لطبيعتها غير العفوية والمضادة للنفس البشرية.
الراوي يمر بتجربة حياة أو موت بشكل حادث مروري، يتخلى عنه القدوة والأب الروحي "تايلر" ويتركه وحيداً في هذه التجربة الصعبة. ذلك يفسح المجال للراوي بأن يشهد بنفسه تطور مشروع الفوضى، وذلك يرعبه لأنه يرى كيف يضحي الناس بحياتهم من أجل القضية.
بعد مزيد من التحقيق، يستنتج الراوي أن هذا النادي السري منتشر في كل أنحاء البلاد. ثم يستوعب أخيراً أن "تايلر دردن" لا وجود له على أرض الواقع، يتواجد فقط في خياله وأنه انعكاس لذهنه المضطرب وحالة الانفصام بالشخصية التي يعيشها.
هنا تبدأ مرحلة "تحقيق الذات" كما يصفها نيتشه، من خلال رفض نموذج الرجل المعاصر الذي تم تعريفه من خلال النظام السائد، وتبني النموذج العفوي للطبيعة البشرية. اما أن يفعل ذلك الراوي أو سيجد نفسه فرد من ضمن قطيع (الرجل الأخير).
الصراع لتقبل فكرة أن "تايلر" يمثل الشخصية الحقيقة للراوي، هو الغاية من الفلم. وذلك لا يحدث إلا من خلال تحطيم الهوية غير العفوية التي تم فرضها من المجتمع. وهذا الصراع بطبيعة الحال ينتج عنه مقاومة من الذات القديمة التي لا تزال تتعلق بالماضي.
كنتيجة لهذا الصراع، يقوم الراوي بتسليم نفسه الى الشرطة ويبلغ عن مشروع الفوضى والنادي السري، في محاولة لايقاف خطط التخريب واستهداف بعض المؤسسات التجارية. يتضح لاحقاً أن حتى الشرطة تم اختراقها من قبل مشروع الفوضى.
بعد القاء القبض عليه، يحاول أعضاء المشروع المتخفون كعناصر شرطة اخصاء الراوي بشكل فعلي، ولكنه ينجح بالدفاع عن نفسه ضد أتباعه ثم يهرب.
الانقلاب على الحركة التي انتزعت الراوي من حالة الخمول والعدمية لحماية الأوضاع الراهنة دليل على أن الراوي لا يزال عاجز عن احداث التغيير وعاجز عن تجاوز النظام القائم.
في مشهد درامي، الصراع الداخلي بين الراوي و"تايلر" يتم تجسيده ويتحول لاشتباك فعلي، ينتهي بأن الراوي يسقط من السلم ويضرب القاع (Hitting Bottom) بالأسلوب النيتشوي.
أخيراً، يجد الراوي نفسه في الحوار الأخير مع "تايلر".
في هذه المرحلة، تحمل الراوي أقصى درجات الألم والمعاناة. لا يستطيع ايقاف تسلسل الأحداث ولكنه لأول مرة يأخذ زمام المبادرة بإرادة حرة، ويطلق النار على نفسه. مشهد رمزي يشير الى التخلص من الشخصية القديمة نموذج (الرجل الأخير) الاستهلاكي الذي يعيش بلا غاية التحول الى الذات الجديدة (الرجل المتفوق) الذي يصنع التغيير ولا يخضع لضغوطات القطيع. يتقبل الألم والموت كجزء أصيل من التجربة الانسانية لا تكتمل لولاه ويفعل ذلك بلا خوف وبحالة صفاء ذهني. من خلال سحب الزناد، قام بإرادته الكاملة بفك الارتباط العاطفي بالماضي تماماً وتخلص من الحاجة لتلبية توقعات مجتمعات ما بعد الحداثة مع تقبل كامل للفناء الحتمي.
في هذه اللحظة، بعد تدمير الشخصية القديمة، يستعيد ذكورته بشكل كامل من خلال اتخاذ زمام المبادرة والتضحية بالنفس لأجل قضية أسمى. يتخلى عن كافة أوهام الأمل المزيف، لأنها كانت سبب تخديره. يستعيد "تايلر" حرية اعطاء حياته معنى، لأن جميع مشتتات التركيز تتبخر عندما يتصادم مع طبيعته الفانية وجهاً لوجه.
الراوي يصبح "تايلر" الآن، وشخصية "تايلر" تختفي لانتفاء الحاجة لها بالنسبة للراوي.
من خلال قتل القدوة ومن كان بمثابة الأب الذي يقود الطريق، "تايلر" أصبح حراً ومستقلاً بشكل كامل ليتخذ قراراته.
تايلر لا يتقبل هويته الجديدة فحسب، بل يتقبل أيضاً فك ارتباطه مع مجتمعات ما بعد الحداثة، ويتم تجسيد ذلك من خلال مشهد تساقط الأبراج التجارية.
تغريدات مهمة للأخ حديد 👇🏻
انتهى.

جاري تحميل الاقتراحات...