علي ناصر صوَّال
علي ناصر صوَّال

@ly_swal91629

6 تغريدة 47 قراءة Sep 23, 2024
دراسة تحليلية للمادة اللغوية وتراكيبها ودلالاتها. لأحد النقوش التي نشرتها في مجلة ريدان العدد (١١).
وقد أثبتت هذه الدراسة بشكل علمي ولغوي فصاحة الألفاظ والمفردات لقلم المسند وترابطها الوثيق مع اللسان اليمني واللغة الفصحى.
طبعاً النقش موسوم بالرمز (Ṣa Mārib 2).
ويُعد هذا النقش من نقوش الإهداءات والقرابين، مكان العثور عليه محافظة مأرب عاصمة مملكة سبأ، دُوِّن على واجهة لوح صخري، تتراوح أبعاده تقربياً 40 سم إرتفاعاً 45 سم عرضاً، يتألف من (4) أسطر بخط المسند حروفها غائرة، مكتوبة بطريقة خط سير المحراث وجميعها سليمة وواضحة، ويتميز النقش برمز تصويري في أسفل النقش يتوسط الحجر، كما يتميز بدقة وجمال الحروف وترتيب المسافات البينية التي تفصلها عن بعضها، أما تاريخه فمن خلال شكل الكتابة وذِكر اسم المعبود (بَلْح) والرمز المزدوج المصاحب له وهو غير مألوف في النقوش. نرجح تاريخه القرن التاسع – الثامن قبل الميلاد.
نص النقش كما يلي:
(1) ر أ ب م / ب ن / م ر د م
(2) ب ن / ق س ب ت ن / هـ ق ن
(3) ي / ب ل ح / ع ز إ ل / ب
(4) ب ل ح
محتوى النقش:
(1) رَأَب بن مُرادٍ
(2) مِنْ بني القسبة أهدى
(3) بَلْح عَزَّ إيل و(ذلك)
(4) بحق بَلْح
شرح المفردات اللغوية:
السطر (1): ر أ ب م / ب ن / م ر د م
ر أ ب م: اسم علم مفرد بمعنى (رَأَب) مشتق من الفعل (رَأَبَ)على وزن (فَعَل) في صيغة الماضي المعلوم منسوب لضمير المفرد المذكر (هو)، والاسم (رَأَب) من الأسماء الشائعة في النقوش نذكر منها (A-20-1029, CIH 379, Gr 234, Nebes 1998, RES 3946, RES 5095)، والميم في آخره حرف زائد للدلالة على تمييم التنكير دون تنوين التمكين. بمعنى أن حرف الميم هنا لا تزيد وظيفته فوق علامة التنكير، أي أن هناك فرق بين (رَأْبٌ) في حالة التنوين الذي يأتي في سياق العبارة (أصَابَهُ رَأْبٌ) أي أصابه تَصَدُّعٌ. والاسم (رَأَب) ألذي نحن بصدده المعبر في معناه عن (رَأْب الصدع) وإصلاح ما بين الناس. يُقَالُ: رَأَبَ بَيْنَ القَوْمِ يَرْأَبُ رَأْباً: أَصلحَ مَا بَيْنَهم. وقَوْلُهُمْ: اللَّهُمَّ ارْأَبْ بينَهم أَي أَصلِحْ (ابن منظور 1414هـ: جـ 1: 398)( ) بمعنى أَصلِحْ بين المتخاصمين، كذلك (الرِئابَةُ) حِرفْةُ الرَّآبِ لِلصُّدوع (المعجم الوسيط 2004 : 319)( ) ويُقال : رَأَبَ إِذا أَصْلَحَ. ورَأَبَ الصَّدْعَ والإِناءَ يَرْأَبُه رَأْباً ورَأْبةً شَعَبَه، وأَصْلَحَه (ابن منظور 1414هـ: جـ 1: 398) ويطابق القول ما أوردته النقوش بنفس الصيغة نحو: و ي و ن هـ و / ي ف ش / ع ذ ب / و ر أ ب / و م ش ش / و م و ر هـ و / ع ذ ب / و ب ر أ .. المعنى: .. وكرومه المسمى يفش أُصلِحَ وَرُمِمَ وأنجز، ومَدخَلِه أُصلِحَ وَبُنِيَ (Gajda and Bron 2017: 206-207, fig. 14)
ب ن / م ر د م: بن هنا تفيد النسبة إلى الأب، والاسم (مـراد) اسم علم مذكر والميم حرف زائد لغرض (التنوين) وقد ورد اسم لشخص في النقوش السبئية Kamna 33، Ry 506)) وفي النقوش الحضرمية (Ja 956, Ingrams 1) وجاء في النقش القتباني (Moussaieff 17) اسم صفة للمعبود (ود) بصيغة: و د م / ذ م ر د م. بمعنى ود ذو مراد (Bron 2009 b: 48-49, figs 7) واسم لقبيلة مراد المعروفة في النقوش السبئية (ʿAbadān 1, Ja 1028, Ry 508, Ry 506) واسم مُراد هُنا اسم لشخص جاء على صيغة اسم المفعول من الفعل أراد. وهو منقول من الوصفية إلى العلمية. بمعنى المرغوب فيه، المأمول، المطلوب. ويأتي معنى اسم مراد في بعض المعاجم بمعنيين على انه المرغوب به أو المطلوب أو المأمول، وفي مواضع أخرى يُفسر بمعنى العصيان والتمرد. يقول (ابن منظور) في سياق الحديث عن نسب قبيلة مراد المذحجية. ومُرادٌ: أَبو قَبِيلَةٍ مِنَ الْيَمَنِ.. وَكَانَ اسْمُهُ يُحابِر فَتَمَرَّد فَسُمِّيَ مُراداً (1414هـ: جـ 3: 402).
السطر (2): ب ن / ق س ب ت ن / هـ ق ن
ب ن / ق س ب ت ن: بن القَسْبة أَي من بني القَسْبة، وهو اسم مذكر جاء بصيغة التأنيث والنون في آخره لغرض التعريف بـ (أل) والقَسْبة من الجذر (قسب)، جاء الاسم على صيغة الصفة المشبهة للفعل (قَسُبَ) ويَنْصرِفُ مَعْنى (القَسْبة) إلى الصَلابةِ والشِّدَّةِ. يُقَال: إِنه لقَسْبُ العِلْباء: صُلْبُ العَقَب والعَصَب (ابن منظور 1414هـ: جـ 1: 672) أيضاً جاء في اللغة أنَّ الْقَسْبُ يُفيد بمعنى التَّمْرُ اليابِسُ يتفَتَّتُ في الفَمِ صُلْبُ النَّوَاةِ (تاج العروس 1994م: الجزء 2: 318)( ) ويمكن أن يُعبر القَسْبُ عن الشِّدَّةِ والقَسوة في كلة شيء. فمثلاً عندما نقول : (قَسِبَ فلانٌ على فلان) أي قسي عليه بمعنى أنه الحق به أضرار مختلفة، وهذا ما جاء في شرح وتفسير النقش (Fa 120) دون وضع المقابل للمعنى من المعاجم العربية أو اللهجة اليمنية بشكل مباشر وفُسر بمعنى (ضرر) وهذا ما جاء فيه: و ب ذ ت / هـ ع ن / و م ت ع ن / ج ر ب ي ت / ع ب د ي هـ / ر ب ب م / ... ... ق س ب ت م / ذ ق س ب / ر ب ب م /... .../ ع د ي / ذ ر ع / إ ب ل م .. المعنى : وعندما أعـان ونجّـى شَـخصّي عَـبـدّيـه ربيب ... ... الضرر الذي أرتكبه ربيب ... ... في أرض البعير. (Fakhry 1952: I, 118, n. 169 , fig. 67).
وعلى هذا الأساس نقل المعجم السبئي من النقش (Fa 120) نوع واختصاص ذلك (الضرر) للفظ (ق س ب) بأنه (تلف، خراب) انظر (بيستون وآخرون 1982م: 107) والحقيقة عندما راجعت النص وجدت أن ضبط معنى كلمة (قسب) في العبارة يكمن في معرفة معنى كلمة (ذرع) التي فُسرت بشكل لا ينسجم مع السياق والتي كان من شأنها أن تجعل العبارة أكثر وضوحاً وتُظِهر معنى (قسب) بما يقابله في الفصحى واللهجة العامية بوضوح تام، فكلمة (ذرع) هنا بحسب السياق جاءت على صيغة مصدر(ذَرْع) لفِعل ماضٍ (ذَرَعَ). والمعروف في اللسان اليمني بمعنى (ضَرَبَ) حيث يُقَال : فلان ذَرَعَ فلان، ولايزال استعمال اللفظ (ذَرَع) في اللسان اليمني حتى اليوم، وكذلك (القَسْبُ) الذي يُعرف بمعنى (القسوة، الشدة، القوة) فعلى سبيل المثال نجد المجتمع يصف الإسهال الشديد القوي على أنه (قَسب) ويلفظ بصيغة التأنيث (قَسْبة) أو (قَصْبة) في إشارة إلى شدة وقساوة الإسهال. حيث يُقَال للشخص المصاب بالإسهال الشديد (بطنه تديه قَسبة) أي بطنه تصب إسهال شديد، كذلك تُعرف تسمية بعض مواضع الغيول التي كانت في العادة لها (جريان) بالقسبة أو القصبة. بحيث يُقَال للمفرد (قَسْبة، قَصْبة) أو (قُسيّبة) والذي يُعبر عن اسم (عين) مياه واحدة لها جَرْيه. وفي حالة الجمع يأتي على صيغة (قُسْبَات) ويُعبر عن مجموعة من العيون تلتقي في مكان واحد ثم تتجه نحو الوادي، وبنفس المعنى جاء في المعاجم العربية فيما يتعلق بالماء. حيث يُقَال: قَسَبَ الماءُ قَسْباً أي اشتدَّ جريه وسُمع خريره (المعجم الوسيط 2004م: 733) وبذلك يمكن أن نعتبر العبارة سالفة الذِكر في النقش (Fa 120) على النحو التالي : ... وعندما أعـان ونجّـى شَـخصّي عَـبـدّيـه ربيب ... ... القسوة التي قَسِيّ ربيب ... ... عند ضَرْب الإبل ...، وبهذه الطريقة أصبحت الجملة واضحة البيان بأن اللفظ (قسب) هو القسوة ونوع القسوة تكمن في اللفظ (ذَرَعَ) بمعنى (ضَرَبَ).
وخلاصة القول فيما أسلفنا ذِكره بأن استخدم هذا اللفظ في النقوش من العصور القديمة وتطابق المعنى في المعاجم العربيَّة واللهجة المحلية. يمكن القول بأنَّ اللفظ (قسب) هو أصل الكلمة المستخدمة اليوم بصيغة (قَسي، قسا، قسوة) والدالة على (الشدة، القوة، الصلابة) وقد تم إعلال اللفظ من (قَسْب) إلى (قَسْي) وذلك بإبدال حرف (الباء) إلى حرف (الياء)، وهذا ما أردنا توضيحه في معرفة معنى اسم العَلم (القَسْبة) الذي نحن بصدده في هذا النقش والذي ينصرف إلى (الشدة)، ولكي تأخذ النقوش المسندية حقها من التوضيح والتعريف كمادة تحتوى على موروث لغوي من المفردات الأصيلة والتي تعتبر مرجعاً هاما لا يقدر بثمن.
السطر (3): ي / ب ل ح / ع ز إ ل / ب
ب ل ح: بَلْح هو اسم المعبود الذي قُدم له الإهداء ورد ذِكره هنا في هذا النقش الذي نحن بصدده للمرة الثانية بعد النقش السابق (Ṣa Mārib 1) في مجموعتنا هذه، وكما اسلفنا الذِكر فقد خصصنا مساحة لتحليل الاسم من الناحية اللغوية والعقائدية بالإضافة إلى تحليل الرمز التصويري المرسوم أسفل النقش.
واسم (ب ل ح) مفرد مذكر، جاء على وزن (فَعْل) مصدر للفِعل (بَلَحَ) وينصرف المعنى إلى (القوي، الغالبُ، المُعجز) يُقَال : أَبْلَحَ الأمرُ فلاناً أي (أَعجزه)، والبالِحُ والمُبالِحُ: الممتنع الغالبُ، وبَلَحَ الرجل بُلُوحاً أَي أَعيا؛ قال الأَعشى: واشْتَكى الأَوْصالَ منه وبَلَحْ (ابن منظور جـ 2: 414-415) وفي اللهجة المحلية يُقَال: بَلّح الثوب، أو القميص باَلح أي تغير لونه وذهب بريقة، ويُفهم من هذه العبارة أن الثوب أو القميص أصبح شبه (دَامر) أو (تالف ومنتهي) وهنا يمكن القول أن التسمية لهذا المعبود جاءت من المعنى الحرفي لكلمة (بلح) المعبرة لغوياً بحسب معتقداتهم عن صافته كونه الإله (الغالب) و(المدمر) و(القوي) وهو من بيده القدرة على (الإعياء) أو (حبس ومنع نزول المطر)، ومن أجل ذلك كان حقاً عليهم عبادة وطاعته حتى لا يصيبهم ببطشه وأن ينجيهم من الأمراض ويمنحهم الصحة ونزول المطر.
أما الرمز التصويري الذي جاء في أسفل النص ويتوسط الحجر فقد جاء على شكل حرف الحاء لكن بصيغة مزدوجة ⵣ)) واستخدام هذا الرمز لم يمكن مجرد رسمة عادية إنما كان عبارة عن شعار ديني مقدس يمثل كل صفات المعبود التي من خلالها كان يعتقد الناس أنها تعويذة مباركة تجلب لهم الصحة والخير وتجنبهم المخاطر بكل أنواعها، ومن المهم في الموضوع أن هذا الرمز يكشف عن سبب انتشاره في أنحاء متفرقة من اليمن والجزيرة العربية وحتى شمال أفريقيا كرمز يُعبر عن اسم الإله (بَلْح) ومن الواضح أنه استمر عقود طويلة في شمال أفريقيا كشعار ديني مقدس حتى أصبح فيما بعد شعاراً قومياً يمثل الفئة التي كانت مرتبطة بهذا الرمز ارتباط ديني وعقائدي. ومن الدلائل التي تشير إلى انتشار هذا الرمز في اليمن وشبه الجزيرة العربية كان لنا نصيب في العثور على بعض الرسومات التي كان يرسمها العامة بشكل بسيط لكنها واضحة من حيث الشكل أنها امتداد لنفس الرمز والعقيدة وبعضها رُسمت بصيغة ثنائية إحداهما فوق الآخر على شكل عمودي وأفقي، ورموز أخرى متنوعة وهذه الصيغة في الزيادة أو حتى المختصرة قد ربما لها بعض الخصائص الطقوسية إلا أنها ذات دلالات تجسد فِكر وعقيدة واحدة يختص بها المعبود (بَلْح)، ليس هذا وحسب، بل أن هذا الرمز أيضاً أصبح في فترة من الزمن أحد الحروف الهجائية في كتابة النصوص وبصيغته المزدوجة في المناطق الشرقية الواقعة بين اليمن وعُمان انظر (اللوحة المرفقة: 3) وهو الأمر نفسه الذي لا يزال حتى اليوم أحد الحروف الكتابية في شمال أفريقيا وهذا لم يكن مصادفة إنما يؤكد الترابط التاريخي والاجتماعي والثقافي والديني، لكن السؤال هنا من يكون هذا المعبود (بَلْح) هل هو المعبود السبئي الرئيسي (إلمقه) وهذا أحد أسمائه التي يُلقب بها كصفة ؟ للإجابة على ذلك نحتاج إلى بعض التوضيحات حتى تكون الإجابة أكثر منطقية فيما يلي: من المعلوم بأن اسم المعبود السبئي الرئيسي المعروف باسم (إلمقه) كان يُعرف بعدة أسماء فعلى سبيل المثال ورد في النقوش السبئيَّة بالصيغة (ودم أبم) ينظر (Grjaznevič 1978: 50, fig. 55) أي (ود أب) وهو اسم مكون من (ود+ أب) بمعنى (ود الأب) كما جاء بصيغة (ود أب) دون إلحاق حرف الميم انظر (Jamme 1954 e: 42-43, pl. 1/507) أما مملكة معين فكان يُعرف باسم (ود) وهو الاسم الرئيسي انظر (Arbach and Schiettecatte 2006: 61-62) وفي قتبان كذلك كان الاسم الرئيسي (عم) انظر (Arbach, Bāṭāyiʿ and al-Zubaydī 2013: 67-68, fig. 92 (12)) وحضرموت (سين) انظر (Pirenne 1979: 216, pl. XII) للمزيد ينظر (الصلوي 1989م: 159) و(بَلْح) هنا في هذا النقش الذي نحن بصدده يُعتبر واحد من تلك الأسماء التي عُرف بها اسم (إلمقه) بمعنى أن اسم (بَلْح) هو ذاته اسم (إلمقه) ولعل اسم (بَلْح) كان الأقدم في التسمية من اسم (إلمقه) لكن حصل تغيير ربما نتيجة ظروف دينية وسياسية وأصبح اسم (إلمقه) هو الرسمي بدل اسم (بَلْح).
أما بالنسبة لمجيء الرمز الخاص بالمعبود (بَلْح) بهذه الصيغة فقد كان اختيار حرف الحاء كرمز تصويري بصيغة مزدوجة على اعتبار أن حرف الحاء أحد حروف اسم (بَلْح) وهو الترتيب الثالث والأخير من الاسم، والذي يرمز إلى اسم (بَلْح) وصفاته المتعددة.
وهنا يتضح لنا تماماً تفسير الرمز الذي يأتي في بداية النصوص السبئيَّة من المرحلة القديمة، فمثلما جاء الرمزⵣ)) للمعبود (بَلْح) الحرف الثالث من الاسم (ب ل ح) كذلك جاء اختيار الحرف الثالث من اسم (مقه) كونه اسم مركب من لفظين (إ ل + م ق هـ) كرمز يختص به المعبود (إلمقه) والمتمثل في حرف الهاء مع بعض التعديلات في شكل الحرف بحيث يشبه في شكله قرون الثور التي كانت أحد الرموز الهامة للمعبود (إلمقه) وكما هو معلوم فقد كانت رسومات (رؤوس الثيران) من الأمور الشائعة لدى السبئيين والتي كان يحرص النحات عند تنفيذ عمل مجسم لرأس الثور بأن يكون شبيه بصورة الهلال كصورة مباشرة للمعبود (إلمقه) كونه إله القمر، ويُفهم من ذلك أن حرف الهاء عبارة مزيج متكامل بحيث يرمز إلى اسم (إلمقه) لفظاً ورسماً، ورأس الثور إلى القوة والخصوبة التي يتمتع بها المعبود بحسب معتقد الإنسان القديم آنذاك، ولهذا السبب يأتي حرف الهاء بصيغته المعدلة كرمز في بداية النصوص خصوصاً العصور القديمة أنظر (Müller, Walter W. 1982 b: 130-131, pl. 55/b) لكن يبدو أن الرمز لم يتغير إلا بعد فترة بدليل وجود نفس الرمز (بَلْح) مع اسم (إلمقه) في النقش (RES 4813) مع تعديل الصيغة المزدوجة للرمز وإضافة حرف اللام إلى جانب الحاء في إشارة إلى اسم (بَلْح) كون اللام أحد حروف الاسم، وقد أشار الباحثان Jamme, Wissmann في دراستهما لهذا النقش بأن الرمز يُمثل الشعار الملكي القتباني انظر(Jamme 1976: 34-35, pl. 3 facsimile، Wissmann 1982: 283-284, fig. 75 facsimile) والحقيقة أن الرمز يشير إلى اسم (بَلْح) كما أسلفنا الذِكر، ثم بعد ذلك تم إعادة النظر في تغيير الرمز إلى حرف الهاء وإلى جانبه رمز آخر شبيه بحرف الذال، كما هو واضح من خلال نقش النصر الأول (DAI Ṣirwāḥ 2005-50) بعد ذلك استقر الحال على الحرف الشبيه بحرف الذال المائل كما هو واضح في كثير من نقوش المرحلة الأخيرة.
طبعاً ما أسلفنا الحديث عنه كان البداية لفتح المجال في معرفة بقية الرموز الدينية بدون عنا فعلى سبيل المثال لو تأملنا النقش (SW-BA/I/6) الذي كتبه ملك (نشان) في وادي الجوف، يتضح أن الشعار الديني لهذا الكيان كان يرمز للمعبود (بَلْح) لكن بشكل مختلف حيث كان الشعار عبارة عن حرف باء وهو أول حرف من اسم (بَلْح) يظهر ذلك من خلال الرموز المرسومة أعلى النص والمكونة من حرف الباء وفي اليمين واليسار اثنان من رؤوس الثيران، ثم طغراء وتحتها اسم (سمه يفع) بن لبأن ملك نشان (Avanzini 2011: 50, fig. 116).
ع ز إ ل: اسم علم مركب على صيغة الجملة الفعلية والمؤلفة من (ع ز + إ ل) واللفظ (عز) هنا من الفعل (عَزَّ، عزَّز) بمعنى: (قَوى، غَلب، قَهر) ولهذا اللفظ اشتقاقات متنوعة في اللهجة المحلية حيث اشتق لفظ العزاء والمعزاة المعبر عن الصبر في المصيبة والقهر على المتوفي، وجاء في اللغة (عَزِىَ عَزَاءً) أي صَبَرَ على ما نابَهُ. و(عَزَّاهُ) بمعنى صَبَّرَهُ (المعجم الوسيط 2004م: 559)، الاسم (إل = إيل) بمعنى (إله، الإله، الله)، وهنا يُفهم أن (عز إيل) بمعنى (عَزَّ الإله، قَوى الإله) أو (غَلب الإله، قَهر الإله) كما يُفهم أيضاً من خلال السياق أن (عَزَّ إيل) هو التقدمة أو الإهداء الذي قدمه صاحب النقش للمعبود (بَلْح) وقد ورد اسم شبيه لهذا الاسم كقربان في النقش المعيني (GOAM 317) والذي جاء فيه: ث و ب إ ل / ذ ظ ر ب / سَ ل أ / ذ ر ص ف م / م ص ر ب ن / و و ل د س / ش ل ن / و أ ش هـ ر م / و ع ز إ ل .. المعنى: ثوب أيل ذو ظرب أهدى ذي رصف مائدة قرابين وولده شلن وأشهر وعز إيل انظر (Avanzini 2011: 48, photo) طبعاً المقصود من تقديم الأشخاص أو الأبناء كنذور للمعبود ما هو إلا للعمل في المعبد خدمة للمعبود لا أكثر.
ب ب ل ح: جملة دعوية مكونه من حرف الباء والذي يعبر عن كلمة (بحق) أو (بجاه)، و(ب ل ح) اسم المعبود (بَلْح) أشرنا إليه سابقاً، ويكون معنى الجملة (بحق بَلْح).
#علي_ناصر_صوال
تحياتي.

جاري تحميل الاقتراحات...