مهم لما تكون عايز تقرأ عن واقعة تاريخية، تبقى عارف خلفية كاتبها وإلى أي مدى ما كتبه دقيق. مثلاً أمين معلوف وهو كاتب كبير في فرنسا والغرب وأسلوبه مميز في الروايات والمقالات، كتب عن حريق القاهرة في كتابه "تائه: كيف فقد عالمنا طريقه". وكان فيه أمور ليست دقيقة. مع ذلك يستحق القراءة.
هذا مقتطف مترجم من الفقرات التي كتبها عن حريق القاهرة وهي ترجمة من النسخة الإنجليزية من كتاب أمين معلوف.
"عندما دفن جدي في المقابر المارونية بالقاهرة، في الأيام الأولى من يناير/كانون الثاني 1952، كانت الشوارع هادئة كما كانت دائماً، وإن كان التوتر ملموساً لمن استطاع أن يستشعره.
"عندما دفن جدي في المقابر المارونية بالقاهرة، في الأيام الأولى من يناير/كانون الثاني 1952، كانت الشوارع هادئة كما كانت دائماً، وإن كان التوتر ملموساً لمن استطاع أن يستشعره.
على مدى ثلاثة أشهر، كانت الأزمة تختمر بين الحكومة الوطنية والسلطات البريطانية، التي منحت البلاد الاستقلال قبل ثلاثين عاماً فقط لتجبرها لاحقاً، في عام 1936، على توقيع معاهدة تسمح للقوات البريطانية بالتمركز في المنطقة المحيطة بقناة السويس.
في ذلك الوقت، كان غزو موسوليني لإثيوبيا وصعود هتلر مبرراً لمثل هذا الترتيب. ولكن منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت السلطات المصرية تطلب من لندن وضع حد للوجود العسكري الذي لا يخدم أي غرض، ويتعارض مع سيادة البلاد، ويثير استياء مواطنيها.
وبدأت المفاوضات، وتم تبادل المقترحات والمقترحات المضادة، ولم تسفر المحادثات التي بدت أبدية عن نتيجة ملموسة. ولكن في أكتوبر/تشرين الأول 1951، صوتت الحكومة في القاهرة لصالح إلغاء المعاهدة من جانب واحد وطالبت البريطانيين بسحب وجودهم على الفور.
وقد استقبل المصريون هذا الموقف بحماس، فخرجوا إلى الشوارع للاحتفال بـ"تحرير" منطقة قناة السويس، وكأن ذلك أصبح أمراً واقعاً.
ولكن لندن لم تكن لديها أي نية للامتثال. فقد وصل رئيس وزراء جديد إلى السلطة، وهو ونستون تشرشل.
ولكن لندن لم تكن لديها أي نية للامتثال. فقد وصل رئيس وزراء جديد إلى السلطة، وهو ونستون تشرشل.
وبعد أن عانى من هزيمة انتخابية مهينة في عام 1945، في أعقاب انتصار عسكري كان هو المهندس الرئيسي له، فاز تشرشل في 1951 في انتخابات عامة وهو في سن السبعين، واستعاد زمام السلطة. وكأن هذا الرجل لم يفقد شيئاً من عناده.
فقد استاء من حزب العمال لتخليه عن المستعمرات الهندية، وكان عازماً على عدم التنازل عن متر مربع آخر من الإمبراطورية، أو ذرة من هيبتها. وبدلاً من سحب قواته من منطقة قناة السويس، أرسل تعزيزات عسكرية كبيرة.
كان نظيره المصري مصطفى النحاس سياسياً محنكاً أيضاً. ففي سن الثانية والسبعين، كان يقود الحكومة الخامسة في حياته المهنية الطويلة. وكان مالكاً ثرياً للأراضي، معتدلاً في وطنيته، ومؤيداً للديمقراطية البرلمانية على النمط الغربي، ولم يكن يروق له بشكل خاص فكرة الاشتباك مع بريطانيا العظمى
ولكن لم يكن بوسعه التراجع دون أن يفقد ماء وجهه، أو أن يُهزم أمام الوطنيين المصريين الأكثر تشدداً.
وبدأت المفاوضات، وتم تبادل المقترحات والمقترحات المضادة، ولم تسفر المحادثات التي بدت أبدية عن نتيجة ملموسة.
وبدأت المفاوضات، وتم تبادل المقترحات والمقترحات المضادة، ولم تسفر المحادثات التي بدت أبدية عن نتيجة ملموسة.
ولجأ النحاس إلى عدة استراتيجيات تهدف إلى إرهاق البريطانيين حتى يوافقوا على المغادرة من تلقاء أنفسهم. وكانت سياسة محفوفة بالمخاطر، محفوفة بالمخاطر للغاية ــ كما سنرى ــ ولكنه شعر بأن الظهور بمظهر المتعاون مع قوات الاحتلال كان يشكل مخاطرة أعظم.
وكان البعض يعتبر التدابير التي اتخذتها السلطات المصرية رمزية بحتة. ففي الإسكندرية، أعيدت تسمية الشوارع التي حملت أسماء جنرالات بريطانيين مثل اللورد كيتشنر والجنرال ألنبي.
وفي القاهرة، تقرر تحويل نادي الجزيرة الرياضي، النادي الخاص الحصري الذي يرتاده المغتربون البريطانيون، إلى حديقة عامة مفتوحة للجميع. وشجعت الحكومة التجار على عدم استيراد المنتجات البريطانية.
وحثت عشرات الآلاف من المصريين الذين عملوا لصالح القوات المسلحة البريطانية في منطقة القناة على ترك وظائفهم، مع وعود بالتعويض وتهديدات بالانتقام إذا استمروا في خدمة قوات الاحتلال.
والأمر الأكثر خطورة هو أن الهجمات التي شُنت على الحامية البريطانية قام بها رجال مسلحين جاءوا من حركات سياسية مختلفة، شيوعية ووطنية ومن جماعة الإخوان المسلمين. وكان بعض هؤلاء المسلحين أعضاء في قوات الشرطة.
وبالتالي، ولمنع الأمور من الانزلاق إلى ما هو خارج عن سيطرتهم، سمحت الحكومة لمساعدي الشرطة بالمشاركة في الهجمات.
وقرر البريطانيون الرد بقوة لصنع العبرة. ففي يوم الجمعة 25 يناير/كانون الثاني 1952، شنوا هجوماً على مقر الشرطة في الإسماعيلية، على الضفة الغربية للقناة.
وقرر البريطانيون الرد بقوة لصنع العبرة. ففي يوم الجمعة 25 يناير/كانون الثاني 1952، شنوا هجوماً على مقر الشرطة في الإسماعيلية، على الضفة الغربية للقناة.
واندلعت معركة ضارية أسفرت عن مقتل أربعين مصرياً وجرح المئات. وعندما انتشر الخبر في أنحاء البلاد، أثار غضب الأمة بأسرها.
وبحلول فجر اليوم التالي، كان المحتجون قد بدأوا بالفعل في التجمع في شوارع القاهرة. ومع مرور الساعات، تضخمت أعدادهم،
وبحلول فجر اليوم التالي، كان المحتجون قد بدأوا بالفعل في التجمع في شوارع القاهرة. ومع مرور الساعات، تضخمت أعدادهم،
وبدأوا في نهب وحرق أبرز الشركات البريطانية ـ بنك باركليز، وتوماس كوك، و دبليو إتش سميث، ونادي تيرف، وفندق شيبرد، الذي بُني قبل قرن من الزمان، والذي كان في السابق مقراً للجيش البريطاني وكان من بين أفخم الفنادق في البلاد.
ومع تقدم اليوم، وسع مثيرو الشغب هجماتهم لتشمل أي شركة يرتادها الغربيون أو الطبقات الحاكمة المصرية مثل الحانات، والنوادي الخاصة، ودور السينما، والمتاجر ذات الطراز الغربي ـ ومن بينها متجر سيكوريل الذي لا يُنسى والذي أحبته والدتي كثيراً.
نهب كل شيء، ونهبت ودمرت حتى أرضيات المتاجر؛ بل ووقعت عدة عمليات إعدام شنقاً. وبحلول نهاية اليوم، كان هناك ثلاثون قتيلاً، ونحو خمسمائة جريح، وأُحرق أكثر من ألف مبنى. ودُمر المركز الحديث للعاصمة بالكامل.
ولم يتم تحديد المسؤولين عن حريق القاهرة الكبير. وحتى اليوم، يعتقد بعض المؤرخين أنه كان احتجاجاً عفوياً خرج عن السيطرة، يتغذى على غضبه المدمر، في حين يعتقد آخرون أنه كان موجهاً من قبل يد غير مرئية لها أهداف سياسية محددة. وتبقى الحقيقة أنه مع مرور الساعات، ارتفعت الشعارات.
ورغم أن المتظاهرين كانوا في البداية يحتجون ضد تصرفات الجنود البريطانيين فقط، إلا أن الحشد بدأ في وقت لاحق يهتف بشعارات معادية للحكومة المصرية، التي اتهموها بالتواطؤ، وحتى الملك الشاب فاروق، الذي اتهم بأنه فاسد، وغير مبالٍ بمعاناة رعيته، وخاضع تماماً لتأثير أصدقائه الفاسدين.
ولم تفعل السلطات، التي أصابها الإرهاق والعجز، شيئاً لقمع أعمال الشغب، بل اكتفت بحماية المناطق السكنية التي يعيش فيها كبار رجال النظام. وبعد أن فقد النحاس باشا مصداقيته تماماً، اضطر إلى الاستقالة في صباح اليوم التالي.
لقد خسر رهانه ولن يلعب مرة أخرى دوراً مهماً في بلاده. ولم يكن الوحيد. فقد أُرغِمت الطبقة الحاكمة السابقة على الرحيل، ولم تعد أبداً."
للمزيد من القراءات عن حريق القاهرة يمكن قراءة كتاب الدكتور محمد أنيس المهم "حريق القاهرة" أو ما تم ذكره في كتاب أرتميس كوبر Cairo in the War
للمزيد من القراءات عن حريق القاهرة يمكن قراءة كتاب الدكتور محمد أنيس المهم "حريق القاهرة" أو ما تم ذكره في كتاب أرتميس كوبر Cairo in the War
جاري تحميل الاقتراحات...