Joseph 🇺🇸
Joseph 🇺🇸

@atheistJoMD

26 تغريدة 20 قراءة Sep 07, 2024
ثريد :
“ وهم التفوق : لماذا البشر هم الكائنات الوحيدة العاقله “
منذ اللحظة التي بدأ فيها الإنسان بإدراك ذاته، وجد نفسه غارقاً في دوامة من الأسئلة التي لا تنتهي، أسئلة تكاد تعصف بعقله، مثل: من أين أتينا؟ ما هدفنا في هذه الحياة؟ من نحن حقاً؟ ماذا نمثل في هذا الكون الشاسع؟ وعندما بدأ الإنسان يفتح عينيه على العالم من حوله، على الطبيعة، وعلى الكائنات الأخرى، ظهرت أمامه أسئلة جديدة أكثر إثارة للحيرة:
لماذا أنا الكائن الوحيد الواعي في هذا الكون؟ لماذا أملك هذا الوعي؟ من أين جاء؟ ولماذا وجد أصلاً؟
هذه الأسئلة، التي تمزج بين الحيرة والدهشة، كانت وقوداً لإشعال نيران الخرافات التي آمنت أن هذا الوعي قد مُنح لنا كاختبار، لنُحاسب على أفعالنا في نهاية المطاف.
ولكن هل هذه الفكرة حقاً صحيحة؟ هنا سأغوص في هذا الموضوع، محاولاً الإجابة على هذه الأسئلة التي ما زالت تشغل أذهان الكثيرين.
ينبغي أن ندرك أننا كبشر لسنا منفصلين عن بقية الكائنات الحية؛ فكل صفاتنا، سواء كانت مزايا أو عيوبًا، هي نتيجة لتطورنا على مدار ملايين ومليارات السنين. نحن لسنا مميزين كما قد نتصور، والدليل على ذلك يكمن في كل جزء من أجسامنا، بل في كل خلية وعضية داخلها، مما يؤكد أننا لم نُخلق بشكل منفصل عن الحيوانات.
إن القواعد البيولوجية التي تحكم عالم الأحياء تنطبق علينا تمامًا كما تنطبق على أي كائن حي آخر. نحن كائنات عادية، تطورنا وفقًا لقوانين الطبيعة، ولم نوجد بتخطيط عبقري من إله خارج الكون.
إذا كنت تبحث عن دليل، فهناك عدد لا يحصى منها. لماذا نرضع ونلد كبقية الثدييات؟ لماذا نصنف أصلاً ضمن فصيلة الثدييات؟ ألم يكن من الممكن أن يميزنا الإله بطريقة خاصة ومميزة في الولادة والتربية؟
هناك دليل آخر على نقص الكمال في عملية التطور، حيث قد تنتج عنها خصائص عديمة القيمة أو غير وظيفية، لكنها تستمر عبر الأجيال لأنها لا تؤثر بشكل كبير على بقاء النسل.
هذه الأخطاء التصميمية موجودة في جميع الثدييات، بما في ذلك نحن البشر. على سبيل المثال، إذا كنت رجلاً، اذهب إلى المرآة وانظر إلى صدرك. ستلاحظ وجود حلمات. قد يبدو هذا طبيعيًا، ولكن هل تعلم أن الرجال لا يمتلكون فقط حلمات، بل أيضًا قنوات حليب غير مكتملة؟ في بعض الحالات، قد تتطور هذه القنوات إلى درجة يمكن أن تفرز الحليب.
وهذا ليس حال البشر فحسب، بل جميع ذكور الثدييات تشترك في هذا الخطأ التصميمي. لماذا نمتلك كذكور جزءًا عديم الفائدة؟ فنحن لا نرضع الأطفال، فلماذا لدينا حلمات وقنوات حليب ؟ ولماذا نشترك مع ذكور الثدييات الأخرى في هذا الخطأ التصميمي؟
الإجابة بسيطة: لأننا تطورنا مع تلك الكائنات، وكل خطأ ينجو من الانتقاء الطبيعي يظل قائمًا لدينا أيضً
إذا قلنا إن كل ميزاتنا وسلبياتنا هي نتاج عملية التطور البيولوجي، فهذا ينطبق أيضًا على الوعي. لكن يبقى السؤال: على أي أساس تظهر هذه الميزات؟
لماذا نمتلك نحن الوعي بينما لا يمتلكه الخفاش؟ الحقيقة أن الميزات لا تظهر عبثًا، بل تتشكل لتتناسب مع البيئة التي يعيش فيها الكائن.
ماذا يعني ذلك؟ يعني أن الكائن لا يطور ميزة معينة إلا إذا كانت ضرورية لبقائه في بيئته. على سبيل المثال، السمكة التي تعيش في أعماق المحيط المظلمة لم تطور عيونًا قوية لأنها لا تحتاج للرؤية في تلك البيئة، بينما الطيور التي تطير لمسافات طويلة طورت أجنحة قوية وقدرات ملاحية دقيقة لتتمكن من البقاء في بيئتها الجوية الواسعة.
وهذا ما يسمى بل الانتقاء الطبيعي وهو القوة الدافعة وراء هذه العملية. الكائنات التي تطور ميزات تساعدها على التكيف مع بيئتها تكون لها فرص أفضل للبقاء والتكاثر. بمعنى آخر، إذا كان هناك كائن يمتلك ميزة تمنحه تفوقًا في بيئته، فإن احتمالية بقائه ونقل هذه الميزة لأجياله القادمة تزداد.
لنأخذ مثالًا: الحيوان الذي يعيش في بيئة باردة قد يطور فراءً أكثر كثافة ليحميه من البرد. الكائنات التي لا تمتلك هذه الميزة قد لا تنجو، وبالتالي لا تنقل جيناتها للأجيال التالية. هكذا، بمرور الزمن، تنتشر الميزة النافعة بين الكائنات، وتصبح جزءًا أساسيًا من نوعها.
إذن، عندما نسأل لماذا نحن نمتلك وعيًا بينما الخفاش لا يمتلكه، علينا أن نفكر في كيفية تطور هذه الميزات استجابةً للتحديات البيئية. ربما لأن الوعي كان ضروريًا لبقائنا في بيئاتنا، بينما لم يكن له نفس الأهمية أو الفائدة للخفاش في بيئته، مما جعله لا يطوره بشكل مماثل.
الانتقاء الطبيعي، ببساطة، هو الذي يحدد ما إذا كانت ميزة معينة ستستمر أو تتلاشى بناءً على فائدتها في بيئة الكائن.
لنتوجه إلى شرق آسيا، وتحديدًا إلى إندونيسيا، حيث نجد شعبًا عاش معزولًا عن بقية البشر لآلاف السنين. هؤلاء لا يمكنهم البقاء إلا بفضل قدرتهم الاستثنائية على الصيد والغوص في أعماق البحار، حيث يسبحون لمسافات تصل إلى 200 قدم تحت سطح الماء.
لكن الأمور تصبح أكثر إثارة عندما نعلم أن هذا الشعب يتمتع بقدرة مذهلة: يمكنهم حبس أنفاسهم والغوص لمدة قد تصل إلى ربع ساعه تقريبا تحت الماء!
كشفت دراسة نُشرت في عام 2018 عن طفرة جينية فريدة لديهم. هذه الطفرة زادت من حجم الطحال لديهم، مما يوفر لهم مخزونًا إضافيًا من الأكسجين، يجعلهم قادرين على الغوص بقدرة تفوق بكثير الإنسان العادي. (2)
تخيل معي أن أحد أفراد هذا الشعب المميز، الذي يمتلك قدرات غوص خارقة، يرى البشر العاديين بقدرات غوص محدودة. سيطرحون على أنفسهم السؤال: "لماذا نحن فقط نمتلك هذه القدرة الفريدة؟ لا بد أن إلهًا اختارنا وفضلنا عن باقي البشر، فنحن الأفضل والمميزون"
لكنهم لا يدركون الحقيقة البسيطة: البشر العاديون لا يعيشون في البحر ولا يعتمدون على الصيد البحري كل يوم، وبالتالي لا يحتاجون إلى قدرات غوص استثنائية. نحن فقط نحتاج ما يكفي لنقوم بالغوص العرضي، وهذا يكفينا.
نفس المنطق ينطبق على موضوع الوعي. نحن لم نُصطفَ لنكون واعين لأننا مميزون أو مختارون. الوعي كان وسيلتنا للبقاء؛ لأننا لم نكن الأسرع مثل الفهود أو الأكثر رشاقة مثل الغزلان، ولا نحن عمالقة مثل الفيلة والحيتان. الوعي كان الميزة التي احتجناها للتكيف مع العالم والبقاء على قيد الحياة.
قد يتساءل أحدهم: "هل التطور والياته حقًا قادر على ايجاد شيء معقد ومذهل مثل الوعي؟" والإجابة هي: نعم، وبكل تأكيد. مع الطفرات المناسبة والعدد الكافي من السكان، يستطيع التطور بآلياته صنع كائن يمتلك وعيًا ذاتيًا وقدرة مذهلة على التفكير.
الحقيقة هي أن التطور يمتلك قوة جبارة تستطيع تشكيل الحياة كما نعرفها. إذا كنت تشكك في قوته، يكفي أن تنظر إلى البكتيريا. على الرغم من أن جينوم البكتيريا، مثل *E. coli*، يمثل فقط 0.14% من حجم جينوم الإنسان، إلا أن سرعة تكاثرها وبساطة جيناتها تجعل تأثير التطور أكثر وضوحًا وسرعةً فيها.
في تجربة مذهلة بكلية الطب بجامعة هارفارد، وُضعت بكتيريا في بيئات تحتوي على تركيزات مختلفة من المضاد الحيوي القاتل لها. وفي غضون أيام قليلة فقط، تطورت البكتيريا لتصبح مقاومة لهذا المضاد الحيوي بأكثر من ألف ضعف!
إذا كان التطور قادرًا على تحويل بكتيريا بسيطة إلى كائن مقاوم لعقاقير مصممة لقتلها في أيام معدودة، فمن غير المنطقي تمامًا أن ننكر أنه، عبر ملايين السنين، قادر على إنتاج وعي ذاتي لكائن حي. (3)
وهنا قد يتبادر إلى ذهنك سؤال: إذا كان التطور هو من أنشأ الوعي، فلماذا لم تتطور كائنات أخرى تمتلك وعيًا معقدًا أو حتى قريبًا من وعينا؟ إذ إن أكثر الحيوانات ذكاءً، مثل الشمبانزي والدلافين والكلاب، لا يتعدى وعيها القدرة على التواصل البسيط، والفهم الاجتماعي المعقد نسبيًا، والتعاطف وغيرها من القدرات. ومع ذلك، لا يوجد ما يقارب حتى ربع ذكاء البشر وقدراتهم. فما السبب في ذلك إذًا؟
والحقيقة أن جوابي سيكون بسيطًا: افتراض أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذكي بشكل استثنائي والقادر على هذه المهام هو افتراض خاطئ من الأساس. قد يعترض البعض ويقول: "هل جننت؟ من غير الإنسان يمتلك هذا الذكاء والقدرات الواعية؟" لكي أجيبك دعني اقول لك قصة بسيطه
في عام 1856، وسط الغابات الكثيفة في وادٍ عميق بمنطقة نيندرتال بألمانيا، انطلقت رحلة عادية لمجموعة من عمال المناجم بحثًا عن الحجر الجيري. كان يومًا كغيره، حتى وقع أحدهم على اكتشاف هز أركان العلم فيما بعد: بقايا عظام بشرية غريبة مدفونة في الكهوف القديمة. في البداية، لم يروا في الأمر شيئًا يثير الريبة؛ فربما كانت تلك العظام لرجل قديم ضل طريقه في هذا المكان الموحش منذ عقود.
لكن عندما استُدعي عالم الطبيعة المحلي، يوهان كارل فولروت، لفحص العظام، بدأ يلمس شيئًا غامضًا في تلك البقايا. للوهلة الأولى، بدت وكأنها عظام بشرية عادية، لكنها حملت في طياتها اختلافات دقيقة، أثارت في نفسه شعورًا غريبًا، وكأن تلك العظام تخفي وراءها قصة تتجاوز حدود معرفته.
ما لبثت أن توالت الدراسات العلمية على تلك العظام، وبدأت الشكوك تتسلل إلى عقول العلماء. فبينما كانت النظرية الأولى تشير إلى أنها تعود لإنسان قديم، كانت هناك تفاصيل لا يمكن تجاهلها: جمجمة ضخمة بشكل غير معتاد، ووجه بارز أقرب إلى القردة منه إلى الإنسان. بدأ السؤال المثير يرتسم في أذهانهم: هل نحن أمام نوع آخر من الكائنات، قريب من القردة العليا ولكنه مختلف عن الإنسان؟
ومع مرور الوقت وتزايد الاكتشافات من أماكن متعددة حول العالم، من فرنسا إلى العراق وآسيا الوسطى، بدأت تتضح الحقيقة: لم يكن هذا الكائن إنسانًا كما اعتقد العلماء في البداية. بل كان ينتمي إلى نوع آخر، نوع انقرض منذ آلاف السنين، لكنه ترك وراءه إرثًا من بقايا الماضي الغامض. هذا الكائن كان النيندرتال، الذي تم تصنيفه في نهاية المطاف ضمن القردة العليا.
وقد تسألني: ما علاقة هذه القصة بذكاء البشر وقدراتهم؟ حسنًا، صدّق أو لا تصدّق، فقد اكتشف العلماء أن إنسان النياندرتال كان قريبًا منا للغاية في القدرات العقلية والاجتماعية. لا تتعجل! لن أقدم لك مثالًا بسيطًا ككلب يجلس عند الأمر أو يعرف أين يقضي حاجته، فذلك لا يعكس سوى مستوى ذكاء محدود. إنما النياندرتال امتلك ذكاءً ووعيًا يفوق تصورك، بدرجة قد تصدمك.
دعني أُعرِّفك على ما يميزنا كبشر في ذكائنا وقدراتنا: نحن نخطط، نعم، نضع خططًا طويلة الأمد، وليس مجرد خطط بسيطة. كبشر، نبتكر أدوات، سواء كانت بسيطة أو معقدة، لنؤدي بها مهامًا تعود علينا بالفائدة. هذه القدرة على التخطيط هي من أهم ما يميز وعينا. بينما الغالبية العظمى من الحيوانات لا تمتلك هذه القدرة على التخطيط العميق ولا تهدر طاقتها في أمور قد تؤدي إلى مكاسب مستقبلية.
فالحيوانات تفتقر إلى القدرات العقلية المعقدة التي تمكنها من صنع أدوات أو التخطيط للمستقبل بطريقة استراتيجية. هذا المفهوم مرتبط بوعي متقدم، وليس مجرد وعي حيواني بسيط. لن تجد كلبًا ينحت قطعة خشب ليصطاد بها طائرًا، فهذه المهارة تميزنا نحن البشر، وتدل على تعقيد وعينا وفرادته.
حسنًا، ماذا لو أخبرتك أننا وجدنا قدرة على التخطيط المعقد، تشبه البشر بشكل كبير، لدى النياندرتال؟ نعم، لقد استخدم حجارة لنحتها على الصخور وصنع أسلحة حادة للصيد. وليس هذا فحسب، فقد صنع أيضًا عصيًا خشبية بأطوال تتراوح من أقل من ست بوصات إلى حوالي ثلاثة أقدام. كل عصا تم تقشيرها بعناية من لحائها وتجريدها من الفروع، وتم تفحيم حوالي خمسها بدقة في النار، مع ترك الطرف دون تفحيم.
هذه العصي كانت تستخدم للحفر بهدف العثور على نباتات معينة صالحة للأكل، وهي نفس الطريقة التي لا تزال بعض القبائل البدائية تستخدمها حتى اليوم!(4)(5)
لم تندهش بعد؟ إذًا، هل تعلم أن النياندرتال كان لديه القدرة على تكوين أفكار رمزية مشابهة لنا تمامًا! نعم، كانوا يرسمون على جدران الكهوف، ويزينون بيئتهم، بل وينحتون المجوهرات من الأصداف والعظام!
لكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد. النياندرتال لم يكن يكتفي بالأكل النيء؛ بل كان يطبخ طعامه. في عالم الأحياء، يعد الطبخ أحد الأسباب الرئيسية التي تجعلنا أكثر ذكاءً، لأن الطهي يسهل عملية الهضم ويحرر طاقة إضافية يمكننا استخدامها في دماغنا، مما يمنحنا قدرة ذهنية أكبر.(6)(7)
حسنا لم تقتنع بعد ؟ إذا دعني أخبرك ان اول من مارس الرعايه الصحيه او الطب بشكل بدائي كان النيندرتال اساسا وليس نحن البشر !!
تخيل هذا: قبل 50,000 سنة، اكتُشفت بقايا نياندرتالية في كهف شانيدار بالعراق، لشخص يُدعى شانيدار 1، الذي عانى من إصابات خطيرة: ضربة على وجهه، وكسور متعددة، وبتر ذراعه الأيمن، وإصابات في ساقه، بالإضافة إلى فقدان حاد للسمع بسبب نمو عظمي في أذنه.
الأمر المثير هو أن شانيدار 1 عاش حتى سن الأربعين، وهو عمر غير عادي لتلك الفترة. لكن هناك جانبًا آخر يجب أن نأخذه بعين الاعتبار: كان وجوده يشكل عبئًا على مجتمع الصيادين. كان يحتاج إلى رعاية مستمرة، ما يعني أن الموارد والجهود كانت مكرسة لدعمه، بينما كان هو غير قادر على المشاركة في الصيد أو المساهمة في الحصول على الغذاء.
إذًا، في الوقت الذي كانوا يصطادون فيه لتلبية احتياجاته، كانوا أيضًا يتحملون تكاليف إضافية من حيث الموارد والغذاء، دون أن يكون له دور مباشر في الصيد. هذه الرعاية غير العادية والتضحية بالموارد من أجل فرد غير قادر على العمل تعكس مستوىً عميقًا من التعاطف والرعاية الصحية البدائية وممارسه بدائية لطب وتبرز فهمًا مبكرًا لأهمية دعم كل فرد في المجتمع، حتى في أصعب الظروف.
ليس هذا فحسب، بل كان النياندرتال أيضًا يتناولون الفطر الذي ينتج البنسلين. فقد اكتشف الباحثون أن الأفراد المرضى كانوا يأكلون فطر البنسيليوم – المصدر الطبيعي للبنسلين – والذي وُجد في ترسبات الأسنان الخاصة بهم. ويشير العلماء إلى أن النياندرتال كان يستخدم هذا الفطر لتخفيف الألم، مما نرى فهمًا مبكرًا لعلاج الأمراض. !!
(8)(9)
ليس هذا فحسب، بل إن النياندرتال كانوا يمتلكون لغة! نعم، كما قرأت. النياندرتال لديهم جينات متطورة، مثل جين FOXP2 الذي يرتبط مباشرة بقدرتنا على امتلاك اللغة. الأدلة لا تقف عند الجينات فقط، بل تشمل دراسات تشريحية دقيقة باستخدام تقنيات التصوير المقطعي المحوسب ونماذج من الهندسة الصوتية الحيوية. تؤكد هذه الدراسات أن النياندرتال كانوا يتمتعون بقدرات سمعية متقدمة جدًا، شبيهة بالإنسان الحديث، مما مكنهم من تطوير نظام تواصل صوتي ولغوي معقد.
ليس هذا فحسب، فقد تم إثبات أن النياندرتال يمتلكون منطقة بروكا (Broca’s area) في الدماغ، وهي المسؤولة عن إنتاج اللغة. كما يُظهر تحليل الحنجرة وعظم اللامي لديهم تشابهًا مذهلاً مع الإنسان الحديث، مما يثبت قدرتهم على إنتاج أصوات معقدة تتجاوز بكثير أصوات الحيوانات الأخرى، مثل القرود.
(10)(11)
لماذا لا تزال متشككًا؟ دعني أقدم لك دراسة أُجريت بواسطة 11 عالمًا من 11 جامعة في إنجلترا والولايات المتحدة وأستراليا وإيطاليا، ونُشرت في مجلة **Nature** الرائدة. هذه الدراسة ركزت على دراسة الفصوص المختلفة في الدماغ لفهم الموضوع بشكل مبسط.
الدماغ البشري مقسم إلى أربعة فصوص: الفص الجبهي (Frontal Lobe)، المسؤول عن التفكير المنطقي والمعقد مثل الرياضيات والتفاعل الاجتماعي، والفص الصدغي (Temporal Lobe)، الذي يلعب دورًا حاسمًا في حفظ الذاكرة. الفص القذالي (Occipital Lobe) يعنى بمعالجة الرؤية، بينما الفص الجداري (Parietal Lobe) يساهم في دمج الإشارات الحسية التي نتلقاها.
استخدم العلماء نماذج ثلاثية الأبعاد لأدمغة مئات من الرئيسيات الحية والمنقرضة، بما في ذلك البشر والنياندرتال. بالإضافة إلى ذلك، قاموا بدراسة أدمغة القردة والبشر في مراحل نمو مختلفة لفهم كيفية تكامل أجزاء الدماغ معًا خلال الحياة.
النتائج كانت مذهلة: أدمغة البشر تظهر تكاملاً عالياً بين الأجزاء المختلفة، خاصة بين الفص الجداري والفص الجبهي. لكن الأكثر إثارة هو أن النياندرتال كان لديهم تكامل دماغي مشابه للبشر بشكل كبير !
هذا يوضح أن النياندرتال لم يكن مجرد كائن بدائي، بل كان يمتلك ذكاءً قريباً جداً من الذكاء البشري. فالنياندرتال كان يمتلك وعيًا وقدرة على التفكير واستخدام الأدوات. فهل بعد كل هذه الأدلة، ما زلت متمسكًا بوهم التفوق البشري (12)
في النهاية، تطورنا لنتكيف مع بيئتنا، وهذا الوعي ناتج عن الحاجة التي فرضتها علينا البيئة. النيندرتال انقرض، وكثير من العلماء يعتقدون أن سبب انقراضه وبقاء الإنسان ليس بسبب ضعف النيندرتال أو قلة ذكائه، بل لأن النيندرتال كان يعيش في مجموعات صغيرة ومتفرقة. بينما نحن كنا نعيش في مجموعات أكبر وأكثر ترابطًا، وشاركنا المعلومات بشكل أكبر بيننا. هذه الفروقات البسيطة ساهمت في بقائنا كنوع حي، بينما لم يبقَ النيندرتال. في الواقع، نحن نرى أنفسنا كمميزين ونظن أن كل شيء يدور حولنا، لكن الحقيقة هي أن الظروف لعبت دورًا كبيرًا في تطورنا.
الآن، ومع اكتشاف الأدلة في كهف إسباني تشير إلى ممارسات دينية عند النياندرتال، قد نبدأ في التأمل: ربما كان من الممكن أن يكون الحظ في صالحهم بدلاً منا، وبدلاً من أن يكونوا هم من انقرضوا، قد يكونوا هم من يتواجدون اليوم. وقد يجدون أنفسهم في ذات الوضع الذي نحن فيه الآن، يتساءلون عن سبب تميزهم ويشيرون إلى آلهتهم الخاصة، تمامًا كما فعلنا نحن.
في النهاية، قد تكون الحقيقة أن الحضارة والنجاح ليسا فقط نتاج القوة أو الذكاء، بل هما ثمرة تفاصيل دقيقة وحظ غير متوقع. وبينما نطرح أسئلة عن سبب كوننا الكائنات الوحيدة العاقلة، قد يأتي يوم يكون فيه النياندرتال، لو حالفهم الحظ، هم من يطرحون نفس الأسئلة عنا.
المراجع :
Moscova, M. (2019, September 20.-1. Whydo men have nipples? UNSW Sydney. unsw.edu.au
2- Physiological and Genetic Adaptations to Diving in Sea Nomads Melissa A Ilardo et al. Cell. 2018 pubmed.ncbi.nlm.nih.gov
3 - The Evolution of Bacteria on a "Mega-Plate"Petri Dish (Kishony Lab) youtu.be
4 - Lahaye C, Ortega I. The intrusive nature of the Châtelperronian in the Iberian Peninsula. PLoS One. 2022 Mar 30;17(3):e0265219. doi:10.1371/journal.pone.0265219 PMID: 35353845; PMCID:PMC8967055
5- Wooden tools and fire technology in the early Neanderthal site of Poggetti Vecchi (Italy) Biancamaria Aranguren et al. Proc Natl Acad Sci U S A. 2018 10.1073/pnas.1716068115
6 - Antiquity , Volume 97 , Issue 391 ,February 2023 , pp. 12 - 28 DOI: doi.org
7 - U-Th dating of carbonate crusts reveals Neandertal origin of Iberian cave art D L Hoffmann et al. Science. 2018. pubmed.ncbi.nlm.nih.gov
8 -Calculated or caring? Neanderthal healthcare in social context Penny Spikins, Andy Needham, Lorna Tilley & doi.org
9 - Neanderthal behaviour, diet, and disease inferred from ancient DNA in dental calculus Laura S Weyrich et al. Nature. 2017. 10.1038/nature21674
10 - Neanderthals and Homo sapiens had similar auditory and speech capacities Mercedes Conde-Valverde et al. Nat Ecol Evol.2021 May. 10.1038/s41559-021-01391-6
11 - Neanderthal language revisited: not only us doi.org
12 - Homo sapiens and Neanderthals share high cerebral cortex integration into adulthood Gabriele Sansalone et al. Nat Ecol Evol. 2023 Jan. nature.com
ايضا تم اخذ افكار من كتاب how to think like a Neanderthal by Thomas G. Wynn
Oxford University Press google.com.sa

جاري تحميل الاقتراحات...