خفية الضوء 🌼
خفية الضوء 🌼

@sarab_sr

13 تغريدة 2 قراءة Sep 06, 2024
أضواء المدينة التي تتضاءل كلما ابتعد عنها ..
السماء التي يسطع ضياؤها كلما اقترب من كوخه ..
النجوم التي يهتدي بها في وحدته ..
جعلته يفضل السير على الأقدام دومًا ..
يرى الأشجار التي لم تزدد سوادًا غير أن اخضرارها الذي يشهده بالنهار تبدل حاله ..
والنهر الذي يعبره من خلال الجسر الخشبي وينتهي عمند شجرة عملاقه شهدها منذ صغره لا صوت له ..
وكأن النهر أيضًا سكنت جوارحه .. وانتظم نبضه ..
هدوء تام يجعله كل ليلة يرخي سمعه لأصوات مختلفة ..
صوت البومة .. حفيف الشجر في الليالي العاصفة ..
قرع المطر على زجاج النافذة ..
احتراق الحطب ..
وصرير الباب الذي توشك أن تتأكل قبضته ..
جميعها ومثلها كثير ما جعلته يفضل عُزلته ..
فصخب المدينة في أيامه التي يدخل إليها لم تحرك سواكنه ..
لهذا أطول مدة قضاها في طرقات المدينة خمس ساعات ونصف وقفل راجعًا لكوخه ..
حاملًا معه ما يحتاج إليه من أطعمه وألوان وفرش وأقمشة خشنة بيضاء يرسم بها لوحاته التي يبيعها ..
ولا يطلب لها ثمنًا أكثر من حاجته ..
وكأن لحظاته الخالدة التي يرسم بها هي الثمن الباهض الذي يقبضه ..
وما المال سوى وسيلته ليبقى على الكفاف الذي ينشده ..
كانت لوحاته حين يعرضها على المارة تدفع كثير منهم عند الوقوف أمامها ..
وهو يتأمل نظراتهم ويستمع لتعليقاتهم ولا يجيبهم سوى في ابتسامة .. إذ فرض الصمت على روحه بين الجموع حتى لا يطيل الحديث مع أحد ..
ولا ترتبط عرى مشاعره مع أحد بمرور الأيام ..
إذ يعلق عند كل لوحة ورقة فيها الثمن، ويقبضه بيديه وعينيه وهو يغمضها كتحايا الشكر ..
وفي بعض المرات يعود وليس معه سوى المال ..
ومرات أخرى يحمل بعضًا من لوحاته معه ..
وربما لفت شعوره انسان جالس يرقب اللاشيء فيهبه إحدى لوحاته وهو يقول له:
لعلها السلوى لما أقض هدوء روحك ..
ويلوح بيديه لثوان معدودة ولا يلبث طويلًا حتى يختفي بين الجموع السائرة نحو النفق ..
كريمًا بعطاء روحه ومواساته لكل أحد ..
وسخيًا بماله وهو يضع منه في أظرف ويرسلها من أسفل الأبواب المغلقة ..
كان يعلم من الفقراء من وهن أرواحهم التي تكشفها أصواتهم ونظراتهم الحائرة بين حين وآخر ..
ومن حُفاة صغارهم..
ورقع ثيابهم..
وبكاؤهم من فرط الجوع الذي مزق اصطبارهم..
فيلحق بهم إذا تفرقوا بين الجموع
وقد يترك فرصة بيع حتى لا يفقد أولئك الفقراء بين الطرقات والمباني المكتظة..
فيتبعهم بخفة..
يسمع ما تتمنى أرواحهم..
وحين يعلم عناوينهم ..يدونها في دفتر صغير يضعه في جيبه..
وقبيل انصرافه لكوخه، يبتاع ما يستطيع تحمله ويتوجه به إليهم فيضعه عند الباب ويغادر بالخفة ذاتها بعد طرق الباب..
لا يلتفت؛لأنه يشعر أن الخير الذي يفعله هو بمقدار شعوره الداخلي في العطاء..
وتمضي الأيام ويرى بعضهم قد ارتدى المعطف الذي اشتراه والوشاح الذي اختاره والحذاء الذي انتقاه..
ومرات عدة يشتري بعض الأدوات التي يحتاج إليها بعضهم ويراهم بعد مدة وقد تحسنت أحوالهم ..
فالتي كانت تتمنى الصوف أصبحت تصنع الأوشحة الشتوية وتبيعها في الطرقات ..
فيمر من جوارها ويبتاع منها ثم يمضي ليضعه معلقًا على باب أحد الفقراء ..
ويعود لكوخه محملًا بالطمأنينة والرضا ..
يسهر في الليالي الطويلة على لوحة تأخذ حيزًا من جهده الذهني والبدني ..
ويعلق معها لأيام حتى تكتمل .. وقد لا يخرج للمدينة لعدة أيام حتى تجبره حاجته على العودة ..
يرى أنه يعيش حياته البسيطة من وجهةنظر الآخرين في ترف بالغ الأثر..
إذ اكتسب الكثير من المعاني الإنسانية فيما يقدمه وما يتعلمه ليهذب بها روحه.
كان انسان بحق وإن لم يعرفه الكثير؛فقد عرف روحه وماتُحب وكفى..!
حرر جزء من حكايته حفيده في ليلة هادئة.
#إيقاع_جنوني
#نمير_البيان

جاري تحميل الاقتراحات...