دفعتني السيول للتفكير في حال البُسطاء الذين قُدرِ لهم البقاء في السودان، أولئك الذين لم تسنح لهم القدرة بمخرج أو تذكرة للعبور ولم يجدوا لمصابهم تعويذة حانية تجعلهم في المكان الآمن والصحيح. تُغنيهم فرقة «الرحلة»
Some will win some will lose
Some are born to sing the blues
Some will win some will lose
Some are born to sing the blues
البعض يفوز، البعض يخسر، البعض يُولَد فحسب ليروي حكاية بلوز حزينة. ظفر الجميع بملاذات آمنة وأوطان سعيدة وبقوا هم.
البُسطاء الذين لم يؤبه لهم في الحشود ولم يُبحث عنهم في أي ركامٍ قط. أولئك الذين كانت تُلاقينا وشوشهم الصَبوحة في الأسواق، فَنتخاصم معها على ثمار الطماطم، الذين لم تغب عن محياهم الشموس الحارقة يومًا إلا بترانيم للحوت ومصطفى سيد أحمد. بأقواتهم المحدودة من وِرش صغيرة وعصائر مُركزة.
أفكَّر في أحوالهم الآن، وهم مَأخوذون بالسيولِِ والأسقام، في بيوتٍ عارية مكشوفة، تأخذ لهم دور الخنادق، مُلخبطون ومُشتتون في غياهبَ بعيدة، متأهبونَ على الدوام وتَفوحُ منِهم رائحة الكيروسينِ المَحروق، تُحاصِرهم شياطين تفصلهم عن العالم وتكدرهم يومياً بعَشرات المصائب والحوجات.
أولئك الذين قَاطعتهم مشيئة الرب فلم يكتمل لهم أي ذهاب، فجلدتهم أياديهم القصيرة بسياط البقاء التعيس، ليكونوا شهود العيان الوحيدين، لقصة فاقة ووطن منكوب تتداعى فقط فوق رؤوسهم هم.
لم يَذكر الله كلمة الفوز الكبير إلا لأصحاب الأخدود مع إنهم ماتوا جميعًا، ففي صرح السماء؛ العدالة الإلهية لها حكمة أخرى مُنصِفة، تحكي فيها النصوص القرآنية أن الفتن تميّز الصفوف وتصطفي الأخيار، تمامًا كفتاة صغيرة لا تستبقي بجوارها إلا ورود يانعة.
الله قدر لهم هذا وهو أعلم بأحوالهم، فلم تخفى عليه يومًا أقدارهم ولا أنينهم ولا دعواهم، فكما دبر لغيرهم المنافذ والنجاة رغم قلة الحيلولة؛ قادر على أن يُدبر لهم المُؤَن والحمِاية. فهو الأعلم عن قرب بشؤون الأبرياء الأتقياء وهو القَاهِر فوق عباده الظالمين ولا حول ولا قوه الا بالله.
جاري تحميل الاقتراحات...