عبداللطيف بن عبدالله آل الشيخ 🇸🇦
عبداللطيف بن عبدالله آل الشيخ 🇸🇦

@Alshaikh2

25 تغريدة 46 قراءة Aug 28, 2024
الطبقية تاريخياً في ( الهند )
لم يكن براديب راثود المزارع الهندي الفقير، يدري أن مجرد امتلاك حصان و السير به في شوارع قريته سيكون ثمنه الضرب المبرح حتى الموت، لقد قُتل الرجل في إطار تمييز عنصري ضد طبقته التي يُحرّم عليها كثير من الأمور من ضمنها امتلاك الأحصنة!
لكن ما هي طبقته ولماذا تعاني هكذا؟
ثريد
قبل العام 1750 قبل الميلاد كان يعيش في #الهند سكانها الأصليون من الدرافيديين، و هم ذوي بشرة سوداء، قبل أن يفد إليهم من الشمال الغربي للهند غزاة من القبائل الآرية بيض البشرة، حيث تمكنوا رغم عددهم القليل من السيطرة على الشمال ثم كامل بلاد الهند.
استطاع الآريون أن يصلوا إلى تلك السيطرة بفضل ما امتازوا به من معدات عسكرية متقدمة و عقلية شرهة لا ترضى بأقل من السيادة، و وسط هذا التفوق العسكري و السيطرة المطلقة و امتداد الزمن بهم على هذه الأرض؛ قرروا أن يميزوا أنفسهم و أن يضعوا ذواتهم في مرتبة عالية و البقية دونهم.
أسرف الآريون في تقسيم الناس على حسب ألوانهم و شكل أنوفهم فضلًا عن مهنهم، ذلك التقسيم لم يكن يتعد في حينذاك حدود الزواج، حيث حرموا زواج تلك الأقسام من بعضها البعض، و لم يفعلوا ذلك الأمر إلا رغبة منهم في المحافظة على عنصرهم الآري من الضياع.
في تلك الفترة كانت الهندوسية تشب على الطوق و تحاول أن تتلاقى مع نصوصها و تبلور ذاتها أكثر.
و على الرغم من انقضاء زمن الآريين و انفتاح #الهند على زمن جديد، إلا أن الكتب و المدونات #الهندوسية التي خُطت في تلك الفترة تأثرت جدا بما تركه الآريين من تقسيمات طبقية.
كرست مدونة مانو
-المقدسة لدى #الهندوس- للطبقية الإجتماعية في #الهند بشكل صارم، فصنفت المجتمع إلى أربع طبقات هم :
#البراهمة
#الكاشتر
#الويش
#الشودرا
تلك الطبقات التي امتزجت بعادات و أعراف المجتمع الهندي حتى جعلته مفككا تنخر فيه الطبقية و يزدهر فيه الحقد.
البراهمة:
يمثلون قمة الطبقات الاجتماعية في #الهند، حيث يعتقد الهندوس أن الإله خلقهم من فمه، و بالطبع يشغلون أرفع المناصب فمنهم المعلم و الكاهن، و القاضي، و لهم يلجأ الجميع في حالات الزواج و الوفاة، و لا يجوز تقديم القرابين إلى الآلهة إلا في حضرتهم، و لهم الحق حصراً في تفسير الكتب المقدسة.
الطبقة الثانية في التصنيف الهندوسي هم #الكاشتر:
حيث يعتقدون أن الإله خلقهم من ذراعيه، و يضطلع أفراد هذه الطبقة ببعض المهام المهمة مثل حمل السلاح و قيادة الجيوش وصولا إلى الحكم، أما طبقة #الفايشيا و هي الطبقة الثالثة، فمنهم التجار والزراع، و الذين يعتقد الهندوس أنهم خلقوا من فخذي الإله.
الطبقة الدنيا و الأقل شأنًا في هذا التصنيف هي طبقة الشودرا، و التي يعتقد الهندوس أنها خُلِقت من قدمي الإله، و أفراد هذه الطبقة هم العمال و ممارسي المهن اليدوية، و هؤلاء مسخرون في العادة لخدمة كل الطبقات الثلاث التي تعلوهم، لكن لحظة .. هناك ما هو أدنى من ذلك!
إذا لم تكن ضمن هذه الطبقات الأربع، فأنت خارج التصنيف و بالتالي منبوذ من العرف الاجتماعي، فيما يعرف في الهند باسم طبقة الداليت، و التي يمثل الهندوس السواد الأعظم منها، بالإضافة إلى كثير من القبائل ذات الديانات الخاصة فضلًا عن أقلية مسلمة، و هذا النبذ يترتب عليه كثير من الأشياء.
المنبوذون القذرون الأنجاس تلك هي بعض المسميات التي تطلق على طبقة #الداليت، تلك الطبقة التي يوكل إلى أفرادها أداء مجمل الوظائف البغيظة أو الأقل شأنًا، مثل تنظيف المراحيض و إزالة الفضلات و القمامة و التخلص من الحيوانات النافقة، و دبغ الجلود و التعامل مع جثث الموتى.
تلك الأحكام لم تترسخ في العقل الجمعي الهندي من فراغ، و إنما جاءت بناء على نصوص قانون منو الهندوسي المقدس، و الذي تتضمن نصوصه كثير من البنود المنظمة لعيش هذه الطبقة، فهم في هذا القانون أحط من البهائم، و أذل من الكلاب، و كفارة قتلهم تعادل تماما قتل كلب أو قطة أو ضفدعة أو وزغ.
لا يجوز للداليت أن يسكنوا في القرى، بل يجب أن يعيشوا على أطرافها و في تجمعات خاصة بهم، بحيث لا يلوث وجودهم المادي القرية، ليس هذا فحسب، بل يجب أن تكون منازلهم أدنى شأنًا من الجميع، حيث كان الأمر قانونياً في القرن الماضي حرمان تلك البيوت من المرافق العامة مثل الماء و الكهرباء !!!!
يتجنب المجتمع الهندي بطبقاته المصنفة الداليت أو المنبوذين بكل الصور الممكنة، فهو ينظر لهم على أنهم نجس، لذلك لا يقبل ذهابهم إلى المعابد، و يحظر عليهم في الأماكن الريفية الذهاب للحلاق أو استخدام نفس البئر الذي يستخدمه المصنفون.
يحظر على الداليت كذلك استخدام طرق القرية العامة، إذ تخصص لهم طرق فرعية، كما يحظر عليهم تناول الطعام في المطاعم التي يتواجد فيها أي من أفراد الطبقات العليا، أما المقاهي العامة فيخصص لهم مقاعد منفصلة، كما تخصص لهم أكواب و أدوات لا تتعداهم لغيرهم.
من المحظورات التي تتم بحق الداليت كذلك تربية الشارب، و ارتداء الأحذية و استخدام المظلات أمام أي من أفراد الطبقات الأخرى.
و يخصص للداليت أراض منفصلة عن بقية الطبقات لدفن موتاهم أو بالأحرى حرقهم، كما أن من حق الجميع التعامل مع المنبوذين على سبيل السخرة و دفع أقل الأجور.
حين حل البريطانيون في الهند و احتلوها عام 1858 نظروا في المجتمع الهندي فوجدوه على تقسيماته المجحفة، فما كان منهم إلا أن كرسوا لتلك التقسيمات ضمن التشريعات و القوانين، حيث أصبحت المناصب العليا في الدولة من نصيب البراهمة، أما الداليت فقد زادت مهانتهم بشكل غير مسبوق.
مع استقلال #الهند، و مع بزوغ شمس الحرية، حظر مؤسسوا الهند الجديدة التمييز الطبقي و اعتبروه من آثار الماضي، و من أجل دفع المجتمع لتقبل هذا الحظر و مجافاة الماضي، أقر الدستور الهندي الذي صدر عام 1950 التمييز الإيجابي و الذي يخصص نسب من الوظائف و المناصب لكل الطبقات.
كان هذا التشريع محموداً في كونه واجه ذلك التمييز المتفشي بين أبناء المجتمع، و من ثماره أنه فتح المجال لاعتلاء أحد الداليت قمة هرم السلطة في الهند، نعني هنا انتخاب كوشريل رامان نارايانان، رئيسا للبلاد بين 1997 – 2002، لكن لم يغير هذا الكثير بالنسبة للمجتمع.
لا تزال قطاعات من المجتمع الهندي حتى اليوم متمسكة بتلك الطبقية المقيتة، التي لا تجيز زواج تصنيفاته المختلفة من بعضها البعض، و لا سبيل فيها أبدًا للتواضع، فيما تصب الطبقات العليا جام غضبها على المنبوذين، فيتعرضون لانتهاكات و فضائع و مذابح لا تنتهي، لكن لماذا؟!
تعتقد الهندوسية بتناسخ الأرواح، و تعتقد كذلك بأن الأرواح الشريرة و المتمردة التي اقترفت من الذنوب و الآثام ما لا يحصى في حيواتها الأولى، قد عوقبت بالحلول في أجساد هؤلاء المنبوذين، لذا فمن وجهة النظر الهندوسية المنبوذين حقيقين بما هم فيه من عذابات نتيجة لما كان منهم سابقًا.
لذلك لا استغراب الآن من ذاك التعامل البشع الذي يلاقيه المنبوذين من قبل الطبقات الأخرى، فهم يعاملونهم هكذا على سبيل التقرب للآلهة، و لا استغراب كذلك من خلو التاريخ تقريبا من ثورات من قبل هؤلاء الداليت، فهم يرون دينيًا أنهم يستحقون ما هم فيه من عذاب.
يقدر عدد المنبوذين في #الهند بنحو 200 مليون نسمة، يتعرضون لأبشع جرائم العنف يوميًا، فاثنين من #الداليت يعتدى عليهم كل ساعة، و 3 نساء من الداليت يتعرضن للاغتصاب كل يوم، و يقتل اثنين منهم، و يُحرق بيتين من بيوتهم يوميًا، و هذا ما يتم الإبلاغ عنه فقط، و ذلك بحسب #ناشونال_جيوغرافيك.
تعرف تلك الظاهرة التمييزية ضد الداليت باسم حظر المساس، و المفاجأة أنها كظاهرة لا ينحصر إتيانها على المجتمع الهندي، بل تعمد بعض المجتمعات إليها بنسب أقل مثل المجتمع الياباني ضد البوراكومين و المجتمع الفرنسي ضد الكاجوت و المجتمع اليمني ضد طبقة الأخدام.
ختاما :
التمييز و الطبقية لعنة إنسانية.. يجب علينا جميعا أن نرفضها.. أتذكر في هذا المقام كيف آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين أتباعه، فذاك فارسي و ذاك رومي و ذاك حبشي و هذا عربي، كلهم يتلاقون على الإسلام دون أي تفريق أو ترتيب.

جاري تحميل الاقتراحات...