عبدالعزيز بن عبدالله الفالح 🇸🇦
عبدالعزيز بن عبدالله الفالح 🇸🇦

@ALfalehaaa

9 تغريدة 130 قراءة Aug 04, 2024
1. اشْتُهِر عند جماعته وأهل بلدتِه بـ(ابن عيسوب)، وعُرِف بنبوغه في علم التاريخ والأنساب والفرائض والحساب والفَلَك.. إنه الشيخ عبد الله بن عبد العزيز آل مفلح رحمه الله ...
وُلِد في أوّل شعبان عام 1336هـ في مدينة ليلى بالأفلاج جنوب مدينة الرياض، ونشأ في أسرة مُتديّنة، فحِفَظ القرآن صغيرًا، ودرس علوم الشريعة على عدد مشايخ بلده آنذاك، ومنهم: الشيخ عبد اللطيف بن محمد آل الشيخ قاضي الأفلاج، والشيخ عبد العزيز ابن الشيخ العلامة حمد آل عتيق رحمهما الله، والشيخ القاضي عبدالرحمن بن سحمان رحمه الله حيث درس عليه علم الفرائض..
كما انتقل رحمه الله إلى الرياض ودرس على علمائها المشهورين آنذاك، ومنهم الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم آل الشيخ، والمفتي الأسبق الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمهما الله، كما درس على الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله عندما كان يُدرّس في الكليات الشرعية في الرياض..
ودرس أيضًا على والده الشيخ عبد العزيز رحمه الله، حيث أخذ عنه تأريخ الأفلاج - غير المُدوّن - وعلم الفلك والحساب والأنساب، حيث أخذ والدُه هذه المعلومات التاريخية عن جَدّه الشيخ القاضي سعود بن مفلح رحمه الله (ت ١٣٣٥هـ) الذي كان عالِماً بالشريعة وبالتاريخ، ومعاصرًا لكثير من أحداث نجد التاريخية وقريبَ العهد بها..
لَقَبُ (ابن عيسوب) الذي اشتُهِرَ به الشيخ عبد الله رحمه الله، هو لَقَبٌ أطلقه جَدُّه عبد الله بن سعود على ابنه عبد العزيز (والد الشيخ عبدالله)، وكان سببُ إطلاقِه عليه مُوافقةَ صفاتِه لرجُلٍ شجاعٍ كريمٍ من قحطان يقال له: محمد بن حسن آل سويدان، وكان يُلَقّب بـ(عيسوب)، فلقّبه به تيمّنًا أنْ يكون على طريقته في الكَرَم والشجاعة والإباء..
2. كان الشيخ عبد الله رحمه الله قارئًا نهِمًا، وحريصًا على اقتناء الكُتب، وكان دائمًا يُوصِي بعض حُجّاج بلده على عدد من الكتب لشرائها مِن مكة المكرمة آنذاك، فكَوّنَ مكتبة جيدة حَوَتِ العديد من المصادر العلمية في علوم وفنون مختلفة..
وكان رحمه الله مُهتمًّا بالتاريخ إلى حدٍّ كبير، يُمْضِي معظم وقته في الاطلاع على أمّهات الكتب، ويقرأ عن جميع العصور منذ عصر الأمم البائدة، والتاريخ العربي القديم إلى هذا العصر، كما قرأ عن جميع الحضارات والدول والشعوب، لاسيما في الجزيرة العربية، واليمن، والعراق، والشام، ومصر، والمغرب العربي، والأندلس..
ومِن أبرز الكتب التي قرأها وكادَ يحفظها كتاب: البداية والنهاية لابن كثير، والكامل في التاريخ لابن الأثير، وسير أعلام النبلاء للذهبي، والسيرة النبوية لابن هشام، وصفة جزيرة العرب للهمداني، وعيون الأخبار لابن قتيبة، وسبائك الذهب في معرفة قبائل العرب للسويدي، وجمهرة أنساب العرب لابن حزم الأندلسي، وعنوان المجد لابن بشر، والمنتخب في ذِكْر أنساب قبائل العرب للمغيري، وغيرها عشرات الكتب.
كما قرأ كتب تاريخ نجد لعددٍ من مُؤرّخيها القدماء مثل: إبراهيم بن صالح بن عيسى، ومحمد بن ربيعة، ومحمد بن عباد، وأحمد بن منقور، ومحمد الفاخري، وابن غنام وابن بشر، وابن عبيد وغيرهم..
واهتمّ بكتابات بعض المعاصرين له وتحليلاتهم، فقرأ للشيخ حمد الجاسر، وفؤاد حمزة، وابن بسام، وعبد الله بن خميس، وسعد الجنيدل، وأبي عبد الرحمن بن عقيل، ومحمد بهجت الأثري، وغيرهم ممّن كتب عن تاريخ نجد..
3. كان رحمه الله يمتلك حافِظَةً عجيبة، وذاكرة حديديّة، وسرعة فَهْمٍ وذَكَاء، وكان يقول لمُحِبّيه:(بحمد الله، ما سَمِعْتُ شيئًا أو قرأتُه إلا حفظتُه)..
يقول ابنُه الشيخ سعود وفقه الله: كنتُ أيام الثانوية أقرأ في كتابٍ مِن كُتب المدرسة استعدادًا للاختبار النهائي، فقال لي أبي مُبتسِمًا:(يا بُنيَّ! كُتُبُكم هذه صغيرة الحجم، وتُشْرَح لكم مدةَ سنة كاملة، وفي الاختبار قد ينجح أحدُكم أو يرسب، وأنا بحمد الله قرأتُ البداية والنهاية لابن كثير في ١٤ مجلدًا منذ أكثر من عشرين سنة، ولو قيل لي ادخل الاختبار غدًا لدخلتُ بلا تردد)..
لذا لا غرابة عندما يسألُ الشيخَ سائلٌ عن حادثة تاريخية أن يُجيبه رحمه الله إجابة وافية، ثم يُحِيله على كتاب مثل البداية والنهاية، مُحَدِّدًا له الجزء ورقم الصفحة، وكان هذا منهجه رحمه الله في أيّ كتاب يُحِيلُ إليه..
ومِن قصص حافظته القويّة العجيبة، أنّ الشيخَ سعود بن محمد آل رشود رحمه الله قاضي الرياض طلَبَه مرّةً، فقال له يا شيخ عبد الله: تَذْكُر قصيدتي التي رثيتُ بها شيخي الشيخ سعد بن حمد بن عتيق رحمه الله قبل عشرين سنة، فإنّي نسيتُ بعضَ أبياتها؟
فما كان من الشيخ عبد الله إلا أنْ سَرَدَ القصيدةَ كاملةً مِن حِفْظِه، وعدد أبياتها 30 بيتًا، ومطلعها:
على الخَيْرِ بَدْرِ الحَقِّ شمسِ الفَضَائلِ
نُرِيقُ كمَاءِ المُعْصِرَاتِ الهَوَاطِلِ.
4. لقد منح اللهُ الشيخَ عبد الله عقليّة رياضيّة فذّة، مما جعَله ينبغ في علم الفرائض والحساب والمسائل الرياضيّة والفلك، حتى إنّ بعض القضاة كانوا يرجعون إليه في تقسيم بعض المواريث إذا عجزوا عنها، وكان بعض القضاة بمحاكم الأفلاج ووادي الدواسر وغيرها مِن المحاكم يُرسِلون إليه في قسمة كثيرٍ من التّرِكَات، أو يرسلون الورثةَ إليه مباشرة.. وقد كان رحمه الله مُتْقِنًا لمسائل المُنَاسخات التي تُعَدّ مِن أصعب المسائل الفَرَضِيّة، وهي:(أنْ يموتَ ورثةُ ميت أو بعضهم قبل قسمة التّرِكَة)، وكان الشيخُ رحمه الله يَقْسِمُها مَهْمَا كانت التركة دون ورقة أو قلم، سواء أكانت نقدًا أم عقارًا.
ذَكَرَ الشيخ شبيب آل فهيد أنه لما كان قاضيًا في بدر الجنوب عام ١٤٠٤هـ أرسل للشيخ عبد الله في قسمة أرض لورثةٍ هناك، فَرَدّ عليه الشيخ بأنّ هذه الأرض تتعذّر قِسْمتُها؛ لأنّ فيها إضرارًا ببعض الورثة، وإنما الحلّ أنْ تُباع الأرض ويُقْسَم الثمن بينهم.. ولكنّ الورثةَ لم يقبلوا ذلك، فأرسل الشيخُ شبيب المسألةَ إلى قضاة التمييز، وجاء الردُّ أنه لا يمكن قسمة الأرض، وإنّما الحلّ في بيعها وقسمة ثمنها كما ذكر الشيخ عبد الله رحمه الله..
ومن قصص الشيخ اللطيفة التي تدلّ على تَميّزه في المسائل الحسابية، ما حصلَ مِن اختلافٍ وجدالٍ بين مُوجِّه وزارة المعارف آنذاك (وزارة التعليم) القادم من العاصمة الرياض، وبين مُعلِّم الحساب في إحدى مدارس الأفلاج في مسألة حسابية مُعَقّدة، حيث اختَلَفَا في جوابِ المسألة، ثم خرَجَا من الفصل إلى الإدارة، فقال مدير المدرسة: عندي مَن سيحكم بينكما، فاستدعى الشيخَ عبد الله فحَلّها في ساعتها وهو واقف، فجاء الحلُّ مُوافِقًا لرأي المُوجِّه، فتَعجّب المُوجِّه من إصابةِ الحَلّ وسُرعته ودقّته، فقال: ليتك يا شيخ عبد الله تكون مُوجِّهًا لمعلمي الحساب في مدارس هذه البلدة..
5. لقد تواترت عن الشيخ عبد الله رحمه الله العديد من القصص في تحديد مواعيد الزراعة والبذر وانصراف الشمس، والمسائل الفلكية بعامّة، مما يدلّ على سعة عِلْمه ودقّةِ معرفته في هذا المجال، إذ كان يُحدِّدُ ذلك باليوم والساعة، ويَعْرِفُ ذلك المزارعون الذين عاصروه، وقد ذَكَر أحدُهم أنّه سأل الشيخ عبد الله عن موعد (قطع شجر الأثل) فقال له: إذا صَلّيتُم الظهر يوم كذا فابْدَأوا، فقال بعضهم: لنبدأ قبل الظهر، فلما بدأوا قبل الظهر وجدوا الماءَ لا يزال يجري في الأثل فتوقّفوا، وبعد صلاة الظهر بدأوا يَقْطعون، فإذا بخشب الأثل خالٍ من الماء، فعرفوا أنّ الشيخ عبد الله كان دقيقًا في حساب الوقت، فلم يَعُودوا يخالفونه بعد ذلك؛ لأنه إذا قُطِعَ شجر الأثل والماء في الخشب، فإنه يتَخَلّقُ منه دُودَةٌ تُتْلِفُه فيما بعد..
لقد كان الشيخ عبد الله رحمه الله باذلًا نفسه للناس، وكان بيتُه مفتوحًا لهم طوال اليوم، يؤنِسُهم بحديثه وعِلْمه، ويجيب على استفساراتهم التاريخية والجغرافية، والعلمية، والآثار، ومسائل المواريث، وأوقات الزراعة والحصاد، وتاريخ الأنساب والقبائل، فضلًا عن إصلاح ذات البين، وما يحدث من خلافات اجتماعية وعائلية، فكان رحمه الله يدخل بوجاهته ليصلح بينهم، ولا يُذْكَر أنه دخَلَ في مشكلة أو خصومة إلا وتمّ الصلح على يديه بتوفيق الله..
6. كان رحمه الله مقصدَ الباحثين والدارسين والإعلاميين، ولا يكاد يَمُرُّ باحثٌ أو إعلامي بالمنطقة إلا ويزور الشيخ عبد الله، ويأخذ معه جولات عديدة في ربوع المنطقة والتجوّل بين معالمها الأثرية...
وقد أُجْريتْ معه العديد من اللقاءات والحوارات الصحفية، فقد كان مصدرًا رئيسًا لعدد من التحقيقات الصحفية عن منطقة الأفلاج وتاريخها وقبائلها، ومن تلك التحقيقات الصحفية التي جرَتْ معه في عدد من الصحف والمجلات:(مجلة قافلة الزيت، ومجلة الفيصل، والمجلة العربية، ومجلة الشرق، وصحيفة الرياض، وصحيفة الجزيرة .. وغيرها)..
كما كانت له رحمه الله مراسلات علمية وتاريخية مع عدد العلماء والباحثين البارزين في وقته، كالشيخ حمد الجاسر والشيخ عبد الله بن خميس والشيخ سعد الجنيدل (رحمهم الله) والدكتور إبراهيم المجادعة، والدكتور عبد الرحمن النشوان، وغيرهم كثير..
7. قال عنه الشيخُ العلامة حمد الجاسر رحمه الله:(صاحب الفضيلة الشيخ عبد الله بن عبدالعزيز آل مفلح من علماء منطقة الأفلاج، وهو ذو منزلة ومكانة بين أهلها يرجعون إليه في استشارته والاستفادة من عِلْمِه في كثير مِن أمورهم، وكنتُ ممّن رجع إليه في معرفة أنسابهم، واستفدتُ من عِلْمه ما أضَفْتُه في الطبعة الأخيرة من كتابي:"جمهرة أنساب الأسر المتحضرة في نجد")..
وقال عنه الشيخ عبد الله بن خميس رحمه الله:(التقيتُ الشيخَ عبد الله بن عيسوب في فترة إعدادي "معجم اليمامة" آنذاك، واستفدتُ منه كثيرًا فيما يتعلق بالأفلاج وأهل الأفلاج، وما فيها من آثار وأخبار وأماكن، وتحديد تلك الأماكن وما قيل فيها، ودوّنتُ كلّ ذلك في كتابي "معجم اليمامة"، وهو عَالِمٌ له شهرتُه وله مكانتُه، وله أثرُه في معرفة منطقة الأفلاج وتاريخها؛ ولذلك توجهتُ إليه واستفدتُ منه، ولا شكّ أنّه من البارزين في مجال التاريخ، وهو معروفٌ له شهرتُه ومكانتُه عند أهل الأفلاج وعند غيرهم)..
8. صدر للشيخ عبد الله رحمه الله كتاب:(تاريخ الأفلاج وحضارتها)، وكتاب عن قبيلته:(الجذالين: نسبهم وموجز تاريخهم)، وكان قد شَرَع في تأليفِ كتابٍ أسماه:(أحداث المئة الرابعة الهجرية بعد الألف)، فتوفِّي رحمه الله قبل إتمامه..
9. كان رحمه الله عابدًا تقيًّا عفيف اليد كريم النفس، وكان حافظاً لكتاب الله يجيد تلاوته بترتيل وفصاحة، محمود السيرة طيّب السريرة متواضعاً في شؤونه كلها، وقد أمضى عشرين سنة من عمره إمامًا لمسجد الرفيعة بمدينة ليلى، ثم إمامًا لمسجد آل فالح قرابة ثماني عشرة سنة، وقد استمرّ على هذا النهج في الإمامة والتعليم وإفادة الناس إلى أنْ توفّاه الله..
سُئل رحمه الله مَرّةً في لقاء صحفي: ماذا تتمنّى لك شخصيًّا؟ فأجاب: حسن الخاتمة...
لعل الله تعالى استجاب دعوته، ففي يوم الأربعاء الثاني عشر من شهر صفر عام ١٤١٥هـ استيقظ رحمه الله كعادتِه قبل الفجر لصلاة التهجّد، وصَلّى ما تيسّر له، وبعد أذان الفجر ذهب للمسجد وكان إماماً له، وأدّى السنّة الراتبة، ثم جلس ينتظر الصلاة يستغفر ويُسبّح ربه، وفي هذه الأثناء سقط على جنبه فهَبَّ جماعةُ المسجد لإسعافه، وبعد الوصول للمستشفى، تبيّن للأطبّاء أنّه توفِّي قبل وصوله إليهم..
كان يوم وفاته يومًا حزينًا عند أهل المنطقة كلها، لما يُكنّون له مِن محبّة وتقدير، وكانت جنازته جنازة مشهودة حضرها علماء البلد وقضاتها، وحشد كبير من الناس رجالاً ونساء..
رحمه الله رحمة واسعة..
= للاستزادة عن سيرة الشيخ يرجع لكتاب: المؤرّخ الفرضي النسّابة الشيخ عبد الله بن عبد العزيز آل مفلح الجذالين.

جاري تحميل الاقتراحات...