ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

25 تغريدة 64 قراءة Aug 03, 2024
الجحيم على الأرض
مشاهد وكأنها من أهوال يوم القيامة
الأرض تغلي بنفطها والنيران تستعر
حرائق في كل مكان، وغيوم من دخان أسود
استحال بها الكون ظلاما دامسا
إنه حريق آبار النفط الكويتية 🔥
الذي استغرق إخماده 8 أشهر
ووصل سخامه إلى الهند والصين
وشاركت في إطفاءه ٣٧ دولة!
حياكم تحت
كانت ليلة دامية تفوح منها رائحة الموت، لقد مر نحو 7 أشهر منذ الغزو، ولم تستقر الأرض بعد تحت أقدام العراقيين، بل ازدادت اضطرابا وتعقيدا، فالخناق يضيق والهزيمة تقترب، ولم يعد من اختيار أمام العراق سوى الانسحاب من الكويت، لكن ثمة خطوة أخيرة انتقامية سيلجأ لها صدام قبل الخروج!
فمنذ اليوم الأول للغزو أوكل صدام لكتيبة خاصة من المهندسين العراقيين تفخيخ آبار النفط الكويتية، حيث كانوا يجمعون كل خمسة آبار ضمن شبكة تفجير واحدة، مع إبقائها جاهزة للتفجير بمجرد توقيتها، ضمن خطة عرفت باسم "خطة التخريب المؤجلة"، وذلك تحسبًا لأي طارئ.
بلغ مجموع الآبار الكويتية التي لغمها الجيش العراقي 1037 بئرا موزعة على 11 حقلا، استخدم لتلغيمها ما يقارب 14 طنا من متفجرات "تي إن تي" بمتوسط 11 كغم للبئر الواحد، ولم يفت الملغمون وضع أكياس رمل على المتفجرات من أجل مضاعفة الضغط على رأس البئر وإحداث أقصى تخريب!
فمع بداية شروع قوات التحالف شن الهجمات الجوية وتدمير الجيش العراقي، بدأ صدام في إحراق آبار النفط، حيث شوهدت أدخنة حرائق الآبار لأول مرة بشكل لافت في 16 يناير 1991، وبلغت ذروتها بين 22 و 24 فبراير، وذلك تزامنًا مع الهجوم البري ضد الجيش العراقي.
مع بدء الهجوم البري من قوات التحالف، بدأ العراق تنفيذ خطته التخريبية، حيث دوت سلسلة تفجيرات متتالية لا مثيل لها، أسفرت عن اشتعال 727 بئرا وانطلقت على إثرها غيمة سوداء غطت سماء المنطقة، فيما نجا من التفجير 104 بئرا، بينما بقية الآبار الأخرى حدث بها تسريب للنفط دون اشتعال.
في ظل حرب قائمة ودمار وأوضاع غير مستقرة لم تتوفر الإمكانيات لإطفاء كل هذا الكم من الآبار النفطية المشتعلة والتي تحتاج حتمًا لفرق وتقنيات خاصة، وهو الأمر الذي فاقم الأزمة ووضع المنطقة والعالم أمام خطر بيئي غير مسبوق، خاصة مع استمرار الحرائق في الازدياد والاشتعال لأسابيع وشهور.
لم تتوقف السحب الدخانية شديدة السمية عن الظهور في سماء الكويت والخليج عموما حيث شاهدها ووثقها كثير من السكان حينذاك، وسط هلع وخوف شديدين، واستمرت السحب في السبح في جو السماء وصولًا إلى اليونان غربًا والهند والصين شرقًا بل تعدى سخام الحرائق كل التوقعات ووصل إلى أميركا.
السخام والجسيمات الدقيقة للحريق وصلت إلى عديد من المناطق النائية من العالم، مثل الهيمالايا، حيث شوهد السخام الأسود على قمة الجبل، هذا التلوث ساهم في امتصاص الثلوج للحرارة بشكل أكبر، مما أدى إلى تسريع عملية الذوبان، الأمر الذي أضر بدورة حياة الكائنات الحية المختلفة في تلك المناطق.
كان الظلام دامسًا تحت غيمات الدخان السخامي الممتدة، حيث انخفضت درجات الحرارة بمقدار 4-6 درجات مئوية فوق الخليج العربي على مدى شهور، الأمر الذي ترتب عليه حدوث خلل بيئي خطير لكثير من الأحياء والكائنات الحية في ذلك الجزء من الأرض.
وترتب على هذه الحرائق انخفاض خطير في جودة الهواء، نجم عنه مشكلات في الجهاز التنفسي للعديد من الكويتيين وسكان الخليج عموما، كما ازدادت بلاغات حالات الولادة المبكرة والإجهاض والعيوب الخلقية لدى حديثي الولادة، كما كانت الأمطار النفطية متهمة بعديد من الأمراض الخطيرة مثل السرطان.
في شهادته على الأجواء في المنطقة حينذاك، يتحدث أحد الجنود الأمريكان عن الوضع قائلًا: "كان الجو غائما طيلة اليوم، حيث لم نتمكن من رؤية السماء، ولم ندرك في البداية أنه دخان.. عرفنا أنه دخان عندما بدأ المخاط من أنوفنا يتحول إلى اللون الأسود ..."
لم يقف الأمر على الحرائق، حيث تسبب تعمد القوات العراقية فتح صنابير النفط في ميناء الأحمدي، من تلوث مياه الخليج حيث تشكلت ما يقارب 128 بقعة زيتية قبالة سواحل الكويت والسعودية، لتمثل أكبر حادثة تسرب نفطي بالتاريخ، حيث حيث بلغ طول البقعة حوالي 130 كم وعرضها 25 كم.
مع كل هذا النفط في مياه الخليج، تأثرت الأحياء المائية بشدة ، وأدى هذا الأمر إلى نقص حاد في المخزون السمكي على مدى سنوات أخرى تالية، كما أدى تدفق النفط كثير من الآبار إلى تكون بحيرات نفطية على مسافات واسعة، الأمر الذي كان له تأثير لا يزال مستمر حتى اليوم على التربة والمياه الجوفية
في بداية الأمر ومع مباشرة عمليات الإطفاء في 11 أبريل، قدر المتخصصون الوقت اللازم للانتهاء من إطفاء الحرائق بعدة سنوات، وذلك بالنطر إلى الكم الهائل من الآبار المشتعلة فضلًا عن معوقات أخرى عديدة مثل الألغام المنتشرة في كل مكان بالإضافة إلى الدمار الشامل الذي طال البنية التحتية.
كانت الكويت قد تعاقدت لإطفاء تلك الحرائق مع أربعة شركات عالمية هي ريد أدير، وبوتس آند كوتس، ووايلد ويل كنترول، وسيفتي بوس، حيث باشرت هذه الشركات الأربع جهود الإطفاء على مدى خمسة شهور، لكن مع استمرارية الحرائق والضرر البيئي والاقتصادي الناجم عنها تعاقدت الكويت مع مزيد من الشركات.
بحلول أغسطس من نفس العام، وصل عدد الشركات القائمة على إطفاء الآبار إلى 15 شركة متخصصة في مكافحة الحرائق النفطية شكلت 26 فريقًا بالإضافة إلى الفريق الكويتي، بمجموع أفراد بلغ أكثر من 10 آلاف رجل إطفاء قادمين من 37 دولة، وبهذه الزيادة المطردة تغير نمط إطفاء الحرائق بشكل إيجابي جدا
ففي حين كان يتم إطفاء 3 آبار يوميًا في مايو، وصل العدد في أكتوبر إلى 8 آبار، وذلك راجع لزيادة عدد الفرق وتمرسها الذي يزداد يومًا بعد آخر واستخدامها لتقنيات حديثة لإطفاء الآبار، فضلًا عن اكتمال التمديدات المائية لنقل مياه البحر.
لم يكن عملًا يسيرًا بل كان بمثابة أن يلقي أحدهم نفسه في النار، كان لزامًا على العاملين أن يقتربوا من فوهة البئر المستعر بنار حرارتها أكثر من 2000 درجة مئوية، كي ينفذوا بعض المهمات، محتمين داخل بذات خاصة وخلف دروع عاسكة للحرارة، فيما فوهات مياه موجهة نحوهم على طول اقترابهم.
استخدمت للإطفاء تقنيات عديدة أكثرها غرابة المراوح النفاثة التي استخدمها الفريق المجري، وكانت عبارة عن محركين نفاثين لطائرة ميغ 21 مثبتين فوق دبابة من نوع تي-35، حيث كان لهذين المحركين قوة فائقة في ضخ الماء والمواد الكيماوية المستخدمة في الإطفاء، بحيث يطفئ البئر في غضون 12 ثانية
قذائف الدبابات، نعم هي الأخرى استخدمت في التمهيد لعمليات الإطفاء، على الأخص قذائف الدبابة إم-60 باتون، حيث استخدمت في إزالة فحم الكوك المتصلب فوق رؤوس الآبار، حيث اختصرت وقتًا قدره 3 أيام فيما لو جرى استخدام الطرق التقليدية لإزالته.
استخدمت بعض الشركات النيتروجين السائل عند قاعدة البئر، حيث يتبخر على الفور نتيجة للحرارة العالية ومن ثم يقوم بحجب الأكسجين عن النيران فتنطفئ، واستخدمت كذلك الرغاوي الكيماوية، والتي كان من شأنها إطفاء البئر في دقيقة واحدة.
بلغ مجموع ما خسرته الكويت من نفط في هذه الحرائق التي استمرت 8 أشهر، ما بين 1.5 إلى 2 مليار برميل من النفط، وهو ما يعادل نحو 2% من الاحتياطي النفطي لدولة الكويت، وهو يوازي استهلاك العالم للنفط لمدة 3 أشهر خلال تلك الفترة، كما كلفت عمليات الإطفاء نحو 2.2 مليار دولار.
اكتسب الفريق الكويتي للإطفاء خلال هذه المرحلة خبرات واسعة حيث استطاع وحده إطفاء 41 بئرًا، المفارقة أتت مع الغزو الأمريكي للعراق 2003، حيث قام نظام صدام بإشعال بعض حقول النفط العراقية لإعاقة الغزو، حينها شارك الفريق الكويتي في إطفاء تلك الآبار.
في فبراير 2022 سدد العراق آخر دفعة من التعويضات المفروضة عليه جراء غزوه الكويت، حيث بلغ إجمالي المبلغ المدفوع نحو 52 مليار دولار، من بينها 14.7 مليار دولار دفعتها الحكومة العراقية لمؤسسة البترول الكويتية نظير ما سببته حرائق آبار النفط الكويتية من خسائر وأضرار.

جاري تحميل الاقتراحات...