١. أكتب اليوم للكلام عن موضوع يكثر الحديث عنه في مواقع التواصل الاجتماعي، و هو موضوع من المواضيع التي تشغل بال الرجال و النساء، ألا و هو موضوع الأزواج في الجنة و بعض المواضيع المتعلّقة بالنساء…
و قبل أن أشرع في تقديم الموضوع علي أن أنبّه على أمر، و هو أن هذا الموضوع سيكون طويلا لأنه كبير. و هو بلا شك موضوع حساس للرجال و شديد الحساسية بالنسبة للنساء. و سأضطر فيه إلى الصراحة و استعمال بعض الكلمات من دون الإشارة كي لا يُساء فهم آيات الكتاب العزيز و تحمل على غير محملها.
الذي يعرفني، يعرف أني لا أدخل في المهاترات بين الرجال و النساء في مواقع التواصل الاجتماعي، و ليست من عادتي الكلام في مواضيع تخص النساء أصلا، و ذلك لاهتمامي بمواضيع غيرها أحب الكتابة عنها… غير أن هذه المرة وجدتني مضطرا أن أكتب عن النساء و الحور العين إذ وجدت كثرة التحريف المقصود و غير المقصود، و التمادي من قبل الرجال و النساء على حد سواء في تحريف الكلم من بعد مواضعه فقلت لابد من أن ادلو بدلوي من باب بيان الحق الذي في القرآن العظيم و الإشارة إليه. و ذلك لأنه قد عرف عني و الحمدلله، لا أقدّم للناس فهما لا يكون مدعوما بآيات بيّنات من الكتاب العزيز، و في ذلك النفع العظيم إن شاء الله ﴿وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُواْ بِهِۦ فَتُخْبِتَ لَهُۥ قُلُوبُهُمْ ۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ﴾
و بما أن الناس قد أكثروا أسئلتهم ”الساخرة“ فيما يخص هذا الموضوع، فقلت لابد من إجابات أقدّمها عن تلك الأسئلة و إن أساءت وجوه السائلين. فمن يجد نفسه لا يتحمّل الحقيقة، فليتجنب قراءة هذا الموضوع و كل مواضيعي بشكل عام، فإني لا أجامل أحدا على حساب الحق الذي في كتاب الله تبارك و تعالى و إن كان صديقا عزيزا أو رجلا أوتي منصبا عظيما أو امرأة حسناء…
و أحب أن أبيّن للقارئ أنه سيتخلل الموضوع الكثير من المواضيع و الاستطرادات التي لها علاقة بالموضوع الرئيس. و سأنشر بعض الدقائق الخفية في المعاني الكريمة، و سألفت فيه إلى القارئ إلى عجائب من عجائب القرآن الكريم و أعلّق بتعليقات حسان على بعض الأخبار و الآثار، و سأعرض فيه أقوال من سبقونا. و سيتبيّن لك بعض بركات معرفة الاسم المبارك، الرحمن، ذو الجلال و الإكرام… وسيتخلل الموضوع أيضا الكلام عن المسيح بن مريم و أمه عليهما السلام بشيء من التفصيل… فاصبر على هذا الموضوع الذي صار بين يديك و إن كان طويلا… و اقرأه على عدة جلسات إن لزم الأمر، لكن لا تفوّت ما فيه من التدبّرات العميقة لكتاب الله تبارك و تعالى فإن هذا هو المطلب الرئيس إذ في آيات الله الإجابات الشافية الكافية عن أسئلتنا في موضوعنا هذا.
الناس مختلفين تقريبا في كل موضوع فرعي متعلّق بموضوع الأزواج في الجنة و الحور العين، و كذلك يختلفون في مواضيع تخص النساء بشكل عام، و بالتالي تكثر الأسئلة، و سأقوم بالرد على بعض تلك الأسئلة في فصول هذا الموضوع. من تلك الأسئلة، هل كلام الله في القرآن موجّه إلى الرجال خاصة أم موجّه إلى النساء أيضا؟ و هل إن كان موجّها إلى النساء فلماذا يستخدم صيغة المذكّر في أكثر الأوامر من دون ذكر صيغ المؤنث؟ مثلا إن للمتقين مفازا و لا تجد في القرآن إن للمتقين و المتقيات مفازا… هذا موضوع من المواضيع الذي سأتكلم عنه بشيء من التفصيل.
الموضوع الثاني هو فيما يتعلّق بأزواج الجنة و المتعة مع الأزواج فيها. و هو أن في عدد من آيات القرآن الذي يظهر من الآيات أن الله يخبرنا عن قاصرات الطرف و حور عين و هذا الذي عليه أصلا أكثر المسلمين و أكثر علماء التفسير قديما و حديثا.
و لكن في العقد الأخير تغيّر الوضع بعض الشيء، إذ هناك جمع كبير من الناس يرفضون هذا الفهم و يستقذرونه، و يقولون أنتم تفهمون القرآن بطريقة من به سعار جنسي. و الله سبحانه و تعالى لا يمكن أن يُغري الرجال بالنساء و المتعة البدنية التي تحصل بين الرجال و النساء و ما إلى ذلك. أظنّكم تسمعون أو تقرؤون كما أقرأ استنكارات الناس مثل: ”هل الجنة بيت دعارة ليغري الله تعالى سبحانه عباده بالحور العين؟“
بالتأكيد أكثر من أعرف من الذين يرفضون الفهم العام و الكلاسيكي للآيات التي فيها ذكر أزواج الجنة، يردون تلك الأحاديث التي وردت في هذا الموضوع من باب تنزيه الله عن ترغيب عباده بمثل هذا… أو تنزيه الجنة أن يكون فيها متعة جنسية بين الذكر و الأنثى إذ عندهم أن هذا مما يستحي منه المرء اليوم من ذكره في الدنيا فكيف بالقرآن العظيم الذي هو تنزيل ربّ العالمين، إلى غير ذلك من هذه الأقوال التي نقرؤها جميعا.
و بما أني قد وجدت أخي ”محسن الغيثي“ وضع مقالة يثبت فيها أن الله حينما يذكر النساء في الآخرة، فإنه يذكر ما يهم الرجل فيهن و هو الجنس على حدّ قوله، و و أضع بين أيديكم كلام محسن الغيثي، أنقله للقارئ ليعرف ما هو محور موضوعنا…
قال محسن الغيثي: ”لم يذكر الله الجانب الفكري عند الحور، ولا الجانب الإداري، ولا الجانب الاستشاري ولا جانب القوة والحماية ولا الصحبة المعاونة ولا المال ولا التمكين،. ولا جانب المشاركة، فلم يقل للرجال: ستكون أحسن شريكة لك في الجنة،. بل ذكر الجانب الجنسي وما يصحبه وما يتعلق به من مغريات تثير غريزة الرجل الجنسية نحو النساء كالحسن وجمال الشكل ونعت الجسم، وكلها ((مغريات جنسية))“
ثم راح محسن يذكر الأدلة على كلامه مستشهدا بآيات من القرآن، و مما استشهد به، يفهمه كفهم محسن أهل التفسير قديما و حديثا، بل هذا هو الفهم الظاهر لآيات القرآن و الذي يعرفه أكثر المسلمين. فاستشهد بقول الله تبارك و تعالى: ((فيهنَّ قاصراتُ ٱلطرفِ ((لَمۡ یَطۡمِثۡهُنَّ)) إِنسࣱ قَبۡلَهُمۡ وَلَا جاۤن)) [الرحمن 56] و استدل أيضا بهذه الآيات من سورة الواقعة: ((إِنَّآ أَنشَأۡنَٰهُنَّ إِنشَآءٗ (35) فَجَعَلۡنَٰهُنَّ أَبۡكَارًا (36) عُرُبًا أَتۡرَابٗا (37) لِّأَصۡحَٰبِ ٱلۡيَمِينِ (38))) و أيضا استدل بآيات من سورة النبأ: ((إِنَّ لِلۡمُتَّقِينَ مَفَازًا (31) حَدَآئِقَ وَأَعۡنَٰبٗا (32) وَكَوَاعِبَ أَتۡرَابٗا (33))) و ذكر أيضا أن في عدد من الآيات يذكر الله نعت للأزواج في الجنة مثل: (و أزواج مطهرة) و فسّر (مطهرة) بآية سورة الرحمن: (لم يطمثهن إنس قبلهم و لا جان).
و بعد أن استدل محسن بالآيات ختم مقالته فقال: ”فكما رأيت، نعوت الحور في القرآن، كلها كانت للحسن والجمال،. وهي متعلقة بالغريزة الجنسية للرجال، ولم يذكر أي جانب آخر غير الجانب الجنسي،،. وهذا إن دل على شيء، فهو يدل على أن الله يخاطب أعظم جانب يهتم به الرجال في النساء اللاتي يرتبط بهن كأزواج،. وهو الجنس،. فحين يخرج الشيوخ المدجنون، الذين يتكلمون من منطلق التوافقية العالية (وهي سمة أنثوية)،. فيخشون إظهار هذه الحقائق حتى لا يجرحوا مشاعر النساء، اعلم حينها أنهم جهلة في الدين، لا علم لهم لا بالقرآن ولا السنة، إنما يتكلمون في الدين بذوقهم الشخصي،. بشكل يراعي مشاعر الإناث ويرضيهن،. لهذا هم (سمبات)،.“
و السمبات جمع سمب simp و هي كلمة تستخدم في هذا الجيل و بالتحديد في مواقع التواصل الاجتماعي للدلالة على الرجل الذي يظهر تعاطفا بالغا تجاه المرأة بسعي خفي إلى الجنس و حصول القبول عندهن. و بعض العرب يستبدلون هذه الكلمة فيقولون: ”الرجل النسوي“ بدلا من ”السيمب“. هذا التوضيح الأخير وضعته لبعض الأحبة الذين لا يدخلون مواقع التواصل الاجتماعي و سأبعث إليهم بهذا المقال.
كما ترى عزيزي القارئ، ما ذكره محسن هو المتعارف عند عوام المسلمين، بشتى درجاتهم في العلم، من أهل التفسير و أهل الحديث و أهل الأثر و الأخبار و أهل الفقه و بقية المسلمين، و حتى غير المؤمنين الذين يقرؤون القرآن مترجما إلى اللغة الإنجليزية، هذا الذي يفهمونه ظاهرا من هذه الآيات بسبب المترجمين. باختصار الذي يقوله محسن هو الفهم الأشهر و المعروف عند المسلمين مع اختلاف في استخدام الكلمات فبدلا من الجنس يقولون الجماع أو المتعة أو ما إلى ذلك.
أظنّكم تعرفون كما أعرف ما الذي فعله الفكر التنويري في المسلمين اليوم، بإيجابياته و سلبياته، و كيف أن الذين تأثروا بطريقة الدكتور شحرور لهم مذاهب و آراء في مثل هذه المواضيع، أعني موضوع ما أخبرنا الله سبحانه و تعالى عن قاصرات الطرف، و حور عين و الأزواج المطهرة في القرآن العظيم بشكل عام.
فأكثر من أعرف من أهل التنوير اليوم على طريقة شحرور يُعمم الموضوع… ماذا يعني هذا؟ معنى ذلك أن الحور العين للذكور و الإناث، و منطلقهم الذي يذكرونه في هذا الباب هو من باب العدل الإلهي كما صرّح بذلك شحرور و ابنه الدكتور طارق أيضا و من ثم يستشهدون عليه ببعض الكلمات من القرآن. هؤلاء الأكثرية.
و منهم من ينكر أن يكون الموضوع أصلا له علاقة بالإناث و المتعة التي يطلبها الرجل أصلا، فقال إنما الله سبحانه يتكلّم عن العنب و ثمار أهل الجنة و فرشها و ما إلى ذلك و لا يتكلم أبدا عن هذه المخلوقات الإناث، الحسنة المنظر للرجال. و هم طبعا ضد فكرة أن يذكر الله هذه السمات لنساء الجنة و يرغّب الرجال بما لهم في الجنة من أزواج و حور عين لأن في ذلك عندهم (أي عند بعض أهل التنوير) دعاية للجنس و المتعة البدنية و بالتالي جعل الجنة بيت دعارة و ما إلى ذلك.
و بسبب التأثر بأقوالهم و خطاباتهم، كثير من المسلمين اليوم على رأي هؤلاء، و عوام الناس الذين هم على هذا الرأي، يُغلّفون تقليدهم لرموز التنوير بالدفاع عن القرآن، و ذلك من باب تنزيه القرآن عن الذي يستحي المرء من ذكره اليوم مثل الجنس. و هؤلاء القوم، يقولون أن الذي يفسّر بالتفسير التقليدي لهذه الآيات يسيؤون إلى الله و القرآن و الإسلام من حيث لا يشعرون بسبب سعارهم الجنسي، و أنّهم غُلبوا على عقولهم بالنمط الذكوري الذي كان شائعا أيام نزول القرآن و بعده إلى وقت قريب كأحد أشهر منتقدي أهل الحديث و الأخبار كالدكتور علي منصور الكيالي.
في المقابل عوام المسلمين يرون أولئك القوم، قوم مدفوعين لتحريف القرآن و بعض المسلمين يرون أن أولئك الذين يقومون بتغيير المعنى الظاهر لا يرتقون أن يكونوا رجالا بحق، إنما يحرّفون الكلم مجاملة للنساء و الغرب الذي يرى مثل هذا لا يليق أن يكون في كتاب منزّل من عند الله.
و من الإخوة الذي اختار أن لا يكون إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء هو الشاب المصري، أمين صبري… فقال هناك أزواج مطهرة و بنعوت جميلة كما في القرآن للذكور… غير أنّه لا يُفسّر الحور العين بالإناث، إنما ببلورات و كرات حجرية سحرية… و هذه الكرات السحرية تري الرجل كل ما في الجنة و ترجع إليه بما يطلبه. و قال إن الهواتف المتحركة الذكية و هذه الأجهزة الحديثة عبارة عن حور عين، و ذلك لأنك ترى من خلالها كل ما تطلبه، و ترجع إليك بما تطلبه. و يقول إن Siri و Alexa و غيرها التي نجدها في الهواتف المتحرّكة عبارة عن محاولة بشرية لمحاكاة الحور عين لكن، فما عندنا من هواتف متحرّكة و أجهزة ”آيباد“ و ما إلى ذلك عبارة عن حور عين الدنيا. و حور عين الآخرة و تلك البلورات و الأحجار السحرية أمرها أعظم.
و أيضا قام بتشبيه الحور العين (تلك البلورات و الأحجار السحرية) بكرات التنين التي تحقق الأماني Dragon Ball و هو ”أنيمي“ (رسوم متحركة يابانية) مشهور ذاع صيته في العالم. يقول تلك الكرات السحرية في الرسوم المتحركة مثل الحور العين… و يقول أن الحجر الأسود هو حور عين لكنه اسودّ بسبب ذنوب البشر.
لا أخفيك أيها القارئ إني حقا ضحكت عندما سمعت أمين صبري يقول هذا و لكن قلت أذكره لأنه يعتبر مرجع عند جمع كبير من الناس في فهم مغاير للفهم التقليدي لآيات القرآن و هذا ما يطلبه كثير من الناس اليوم و كأن كل شيء كان عليه المسلمين قديما صار موضع تهمة و شك و الله المستعان…
و من الأقوال التي قيلت في معنى الحور العين، أي الأعناب و آخرون قالوا ثمار مخصوصة ينشئها في الجنة، و آخرون قالوا خيول بيضاء و التي في أعينها حور و هي مقصورات في خيامها، كما الخيول اليوم تكون في الاسطبلات، في الآخرة لكل واحدة خيمة و حينما يقول الله: (و زوجناهم بحور عين) أي ملّك كل رجل هذه الخيول… و آخرون قالوا عبارة عن نعيم متجدد و آخرون قالوا مجال طاقي يعيد شحن طاقتك بعد أن تتمتّع بالجنة و هكذا.
المهم بعد قراءتي لمقالة محسن الغيثي، طلبت من إخوة ينتقدون أهل الحديث كثيرا و التفكير الآبائي و ما عليه علماء المسلمين قديما بشكل عام، أن يردوا على محسن الغيثي بآيات من القرآن إن كان كلامه باطلا أو على الأقل ليس في محلّه. و عندما لم أجد جوابا ذهبت أرسل لهم رسائل بشكل خاص و أطلب منهم واحدا واحدا الردّ فلم أجد ردا كذلك… و من ثم انتظرت أياما و ذكرت أسماء معروفين بشكل عام يتكلمون في القرآن، فلم أجد من يرد على محسن الغيثي بآيات من القرآن. بالرغم من أن من يُعرف عند الناس اليوم باسم ”النكراني“ (أي الذي ينكر الحديث كلّه) المتوقّع منه و هو يُخالف هذا الفهم أن يُقدّم آيات من القرآن لإبطال كلام محسن الغيثي، لكن لم أجد أحدا فعل ذلك البتة، إلا أخ كريم لي من العراق اسمه ”باسل“ ردّ على التفاسير المعروفة عند الناس لمعنى (لم يطمثهن إنس قبلهم و لا جان) و أنا شاكر له تكلّفه الرد.
أما البقية من الرجال فلم يأتني أحد بأدلة من القرآن ضد كلام محسن الغيثي و فهمه إنما ردود مثل: ”تفسير محسن خطأ“ أو ”هل الجنة بيت دعارة“ أو تذكير بشكل عام مثل الأستاذ خالد الدليمي و هو من السعودية، الذي في تَذْكرته قال: ”القرآن يمكن توظيفه من قبل الجميع“ و قال: ”فهل وصف الله نساء الجنة كنوع من الاغراء الجنسي للذكور؟ لك أن تفهم ذلك..!! ولكنك في هذه الحالة جعلت الله منحازاً للذكر غير عادل مع الأنثى..!! فإما أن يكون الله كذلك أو يكون فهمك معلول .. وفهم الداعشي معلول .. وفهم المكفراتي معلول (يقصد المكفّر، السريع إلى تكفير الآخرين).. وفهم بعض المتقدمين الذي يعتمد عليه البعض هو علة كل أمر معلول. وكُل هؤلاء أدلتهم من القرآن حتى أنت يامن جعلت الجنة لمتعة الذكور..!! لذا فهم القران بمعزل عن منطق العدالة أو حرية المكلف سيكون بالضرورة فهم اعوج.“ انتهى كلام خالد الدليمي و كما ترى عزيزي القارئ، كلامه كما ذكره بنفسه: ”من باب التذكير“ لكن هل يفي بالمطلوب الذي طلبته من الرد على محسن بآيات من القرآن؟ في واقع الأمر لم يغني هذا الكلام شيئا في مطلوبنا و إني سأعلّق على بعض ما ذكر بشكل عام لكي تعمّ الفائدة.
هذا كان موقف بعض الرجال الذين طلبت منهم ردّا على محسن بآيات من القرآن. أما النساء فلم أجد أية واحدة منهن أتتني بآية من القرآن تردّ على محسن فهمه، و الذي هو فهم عامة المسلمين. و في العادة وجدت النساء تتجنبن التعليق على منشورات محسن لسبب أجهله في الحقيقة لكن ما وصلني في صندوق رسائلي الخاصة من بعض الأخوات، تقول: ”أسلوبه همجي“ وأنه: ”ذكوري“ و هذه الأمور التي فيها شخصنة ظاهرة.
و قبل أن أشرع في تقديم الموضوع علي أن أنبّه على أمر، و هو أن هذا الموضوع سيكون طويلا لأنه كبير. و هو بلا شك موضوع حساس للرجال و شديد الحساسية بالنسبة للنساء. و سأضطر فيه إلى الصراحة و استعمال بعض الكلمات من دون الإشارة كي لا يُساء فهم آيات الكتاب العزيز و تحمل على غير محملها.
الذي يعرفني، يعرف أني لا أدخل في المهاترات بين الرجال و النساء في مواقع التواصل الاجتماعي، و ليست من عادتي الكلام في مواضيع تخص النساء أصلا، و ذلك لاهتمامي بمواضيع غيرها أحب الكتابة عنها… غير أن هذه المرة وجدتني مضطرا أن أكتب عن النساء و الحور العين إذ وجدت كثرة التحريف المقصود و غير المقصود، و التمادي من قبل الرجال و النساء على حد سواء في تحريف الكلم من بعد مواضعه فقلت لابد من أن ادلو بدلوي من باب بيان الحق الذي في القرآن العظيم و الإشارة إليه. و ذلك لأنه قد عرف عني و الحمدلله، لا أقدّم للناس فهما لا يكون مدعوما بآيات بيّنات من الكتاب العزيز، و في ذلك النفع العظيم إن شاء الله ﴿وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُواْ بِهِۦ فَتُخْبِتَ لَهُۥ قُلُوبُهُمْ ۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ﴾
و بما أن الناس قد أكثروا أسئلتهم ”الساخرة“ فيما يخص هذا الموضوع، فقلت لابد من إجابات أقدّمها عن تلك الأسئلة و إن أساءت وجوه السائلين. فمن يجد نفسه لا يتحمّل الحقيقة، فليتجنب قراءة هذا الموضوع و كل مواضيعي بشكل عام، فإني لا أجامل أحدا على حساب الحق الذي في كتاب الله تبارك و تعالى و إن كان صديقا عزيزا أو رجلا أوتي منصبا عظيما أو امرأة حسناء…
و أحب أن أبيّن للقارئ أنه سيتخلل الموضوع الكثير من المواضيع و الاستطرادات التي لها علاقة بالموضوع الرئيس. و سأنشر بعض الدقائق الخفية في المعاني الكريمة، و سألفت فيه إلى القارئ إلى عجائب من عجائب القرآن الكريم و أعلّق بتعليقات حسان على بعض الأخبار و الآثار، و سأعرض فيه أقوال من سبقونا. و سيتبيّن لك بعض بركات معرفة الاسم المبارك، الرحمن، ذو الجلال و الإكرام… وسيتخلل الموضوع أيضا الكلام عن المسيح بن مريم و أمه عليهما السلام بشيء من التفصيل… فاصبر على هذا الموضوع الذي صار بين يديك و إن كان طويلا… و اقرأه على عدة جلسات إن لزم الأمر، لكن لا تفوّت ما فيه من التدبّرات العميقة لكتاب الله تبارك و تعالى فإن هذا هو المطلب الرئيس إذ في آيات الله الإجابات الشافية الكافية عن أسئلتنا في موضوعنا هذا.
الناس مختلفين تقريبا في كل موضوع فرعي متعلّق بموضوع الأزواج في الجنة و الحور العين، و كذلك يختلفون في مواضيع تخص النساء بشكل عام، و بالتالي تكثر الأسئلة، و سأقوم بالرد على بعض تلك الأسئلة في فصول هذا الموضوع. من تلك الأسئلة، هل كلام الله في القرآن موجّه إلى الرجال خاصة أم موجّه إلى النساء أيضا؟ و هل إن كان موجّها إلى النساء فلماذا يستخدم صيغة المذكّر في أكثر الأوامر من دون ذكر صيغ المؤنث؟ مثلا إن للمتقين مفازا و لا تجد في القرآن إن للمتقين و المتقيات مفازا… هذا موضوع من المواضيع الذي سأتكلم عنه بشيء من التفصيل.
الموضوع الثاني هو فيما يتعلّق بأزواج الجنة و المتعة مع الأزواج فيها. و هو أن في عدد من آيات القرآن الذي يظهر من الآيات أن الله يخبرنا عن قاصرات الطرف و حور عين و هذا الذي عليه أصلا أكثر المسلمين و أكثر علماء التفسير قديما و حديثا.
و لكن في العقد الأخير تغيّر الوضع بعض الشيء، إذ هناك جمع كبير من الناس يرفضون هذا الفهم و يستقذرونه، و يقولون أنتم تفهمون القرآن بطريقة من به سعار جنسي. و الله سبحانه و تعالى لا يمكن أن يُغري الرجال بالنساء و المتعة البدنية التي تحصل بين الرجال و النساء و ما إلى ذلك. أظنّكم تسمعون أو تقرؤون كما أقرأ استنكارات الناس مثل: ”هل الجنة بيت دعارة ليغري الله تعالى سبحانه عباده بالحور العين؟“
بالتأكيد أكثر من أعرف من الذين يرفضون الفهم العام و الكلاسيكي للآيات التي فيها ذكر أزواج الجنة، يردون تلك الأحاديث التي وردت في هذا الموضوع من باب تنزيه الله عن ترغيب عباده بمثل هذا… أو تنزيه الجنة أن يكون فيها متعة جنسية بين الذكر و الأنثى إذ عندهم أن هذا مما يستحي منه المرء اليوم من ذكره في الدنيا فكيف بالقرآن العظيم الذي هو تنزيل ربّ العالمين، إلى غير ذلك من هذه الأقوال التي نقرؤها جميعا.
و بما أني قد وجدت أخي ”محسن الغيثي“ وضع مقالة يثبت فيها أن الله حينما يذكر النساء في الآخرة، فإنه يذكر ما يهم الرجل فيهن و هو الجنس على حدّ قوله، و و أضع بين أيديكم كلام محسن الغيثي، أنقله للقارئ ليعرف ما هو محور موضوعنا…
قال محسن الغيثي: ”لم يذكر الله الجانب الفكري عند الحور، ولا الجانب الإداري، ولا الجانب الاستشاري ولا جانب القوة والحماية ولا الصحبة المعاونة ولا المال ولا التمكين،. ولا جانب المشاركة، فلم يقل للرجال: ستكون أحسن شريكة لك في الجنة،. بل ذكر الجانب الجنسي وما يصحبه وما يتعلق به من مغريات تثير غريزة الرجل الجنسية نحو النساء كالحسن وجمال الشكل ونعت الجسم، وكلها ((مغريات جنسية))“
ثم راح محسن يذكر الأدلة على كلامه مستشهدا بآيات من القرآن، و مما استشهد به، يفهمه كفهم محسن أهل التفسير قديما و حديثا، بل هذا هو الفهم الظاهر لآيات القرآن و الذي يعرفه أكثر المسلمين. فاستشهد بقول الله تبارك و تعالى: ((فيهنَّ قاصراتُ ٱلطرفِ ((لَمۡ یَطۡمِثۡهُنَّ)) إِنسࣱ قَبۡلَهُمۡ وَلَا جاۤن)) [الرحمن 56] و استدل أيضا بهذه الآيات من سورة الواقعة: ((إِنَّآ أَنشَأۡنَٰهُنَّ إِنشَآءٗ (35) فَجَعَلۡنَٰهُنَّ أَبۡكَارًا (36) عُرُبًا أَتۡرَابٗا (37) لِّأَصۡحَٰبِ ٱلۡيَمِينِ (38))) و أيضا استدل بآيات من سورة النبأ: ((إِنَّ لِلۡمُتَّقِينَ مَفَازًا (31) حَدَآئِقَ وَأَعۡنَٰبٗا (32) وَكَوَاعِبَ أَتۡرَابٗا (33))) و ذكر أيضا أن في عدد من الآيات يذكر الله نعت للأزواج في الجنة مثل: (و أزواج مطهرة) و فسّر (مطهرة) بآية سورة الرحمن: (لم يطمثهن إنس قبلهم و لا جان).
و بعد أن استدل محسن بالآيات ختم مقالته فقال: ”فكما رأيت، نعوت الحور في القرآن، كلها كانت للحسن والجمال،. وهي متعلقة بالغريزة الجنسية للرجال، ولم يذكر أي جانب آخر غير الجانب الجنسي،،. وهذا إن دل على شيء، فهو يدل على أن الله يخاطب أعظم جانب يهتم به الرجال في النساء اللاتي يرتبط بهن كأزواج،. وهو الجنس،. فحين يخرج الشيوخ المدجنون، الذين يتكلمون من منطلق التوافقية العالية (وهي سمة أنثوية)،. فيخشون إظهار هذه الحقائق حتى لا يجرحوا مشاعر النساء، اعلم حينها أنهم جهلة في الدين، لا علم لهم لا بالقرآن ولا السنة، إنما يتكلمون في الدين بذوقهم الشخصي،. بشكل يراعي مشاعر الإناث ويرضيهن،. لهذا هم (سمبات)،.“
و السمبات جمع سمب simp و هي كلمة تستخدم في هذا الجيل و بالتحديد في مواقع التواصل الاجتماعي للدلالة على الرجل الذي يظهر تعاطفا بالغا تجاه المرأة بسعي خفي إلى الجنس و حصول القبول عندهن. و بعض العرب يستبدلون هذه الكلمة فيقولون: ”الرجل النسوي“ بدلا من ”السيمب“. هذا التوضيح الأخير وضعته لبعض الأحبة الذين لا يدخلون مواقع التواصل الاجتماعي و سأبعث إليهم بهذا المقال.
كما ترى عزيزي القارئ، ما ذكره محسن هو المتعارف عند عوام المسلمين، بشتى درجاتهم في العلم، من أهل التفسير و أهل الحديث و أهل الأثر و الأخبار و أهل الفقه و بقية المسلمين، و حتى غير المؤمنين الذين يقرؤون القرآن مترجما إلى اللغة الإنجليزية، هذا الذي يفهمونه ظاهرا من هذه الآيات بسبب المترجمين. باختصار الذي يقوله محسن هو الفهم الأشهر و المعروف عند المسلمين مع اختلاف في استخدام الكلمات فبدلا من الجنس يقولون الجماع أو المتعة أو ما إلى ذلك.
أظنّكم تعرفون كما أعرف ما الذي فعله الفكر التنويري في المسلمين اليوم، بإيجابياته و سلبياته، و كيف أن الذين تأثروا بطريقة الدكتور شحرور لهم مذاهب و آراء في مثل هذه المواضيع، أعني موضوع ما أخبرنا الله سبحانه و تعالى عن قاصرات الطرف، و حور عين و الأزواج المطهرة في القرآن العظيم بشكل عام.
فأكثر من أعرف من أهل التنوير اليوم على طريقة شحرور يُعمم الموضوع… ماذا يعني هذا؟ معنى ذلك أن الحور العين للذكور و الإناث، و منطلقهم الذي يذكرونه في هذا الباب هو من باب العدل الإلهي كما صرّح بذلك شحرور و ابنه الدكتور طارق أيضا و من ثم يستشهدون عليه ببعض الكلمات من القرآن. هؤلاء الأكثرية.
و منهم من ينكر أن يكون الموضوع أصلا له علاقة بالإناث و المتعة التي يطلبها الرجل أصلا، فقال إنما الله سبحانه يتكلّم عن العنب و ثمار أهل الجنة و فرشها و ما إلى ذلك و لا يتكلم أبدا عن هذه المخلوقات الإناث، الحسنة المنظر للرجال. و هم طبعا ضد فكرة أن يذكر الله هذه السمات لنساء الجنة و يرغّب الرجال بما لهم في الجنة من أزواج و حور عين لأن في ذلك عندهم (أي عند بعض أهل التنوير) دعاية للجنس و المتعة البدنية و بالتالي جعل الجنة بيت دعارة و ما إلى ذلك.
و بسبب التأثر بأقوالهم و خطاباتهم، كثير من المسلمين اليوم على رأي هؤلاء، و عوام الناس الذين هم على هذا الرأي، يُغلّفون تقليدهم لرموز التنوير بالدفاع عن القرآن، و ذلك من باب تنزيه القرآن عن الذي يستحي المرء من ذكره اليوم مثل الجنس. و هؤلاء القوم، يقولون أن الذي يفسّر بالتفسير التقليدي لهذه الآيات يسيؤون إلى الله و القرآن و الإسلام من حيث لا يشعرون بسبب سعارهم الجنسي، و أنّهم غُلبوا على عقولهم بالنمط الذكوري الذي كان شائعا أيام نزول القرآن و بعده إلى وقت قريب كأحد أشهر منتقدي أهل الحديث و الأخبار كالدكتور علي منصور الكيالي.
في المقابل عوام المسلمين يرون أولئك القوم، قوم مدفوعين لتحريف القرآن و بعض المسلمين يرون أن أولئك الذين يقومون بتغيير المعنى الظاهر لا يرتقون أن يكونوا رجالا بحق، إنما يحرّفون الكلم مجاملة للنساء و الغرب الذي يرى مثل هذا لا يليق أن يكون في كتاب منزّل من عند الله.
و من الإخوة الذي اختار أن لا يكون إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء هو الشاب المصري، أمين صبري… فقال هناك أزواج مطهرة و بنعوت جميلة كما في القرآن للذكور… غير أنّه لا يُفسّر الحور العين بالإناث، إنما ببلورات و كرات حجرية سحرية… و هذه الكرات السحرية تري الرجل كل ما في الجنة و ترجع إليه بما يطلبه. و قال إن الهواتف المتحركة الذكية و هذه الأجهزة الحديثة عبارة عن حور عين، و ذلك لأنك ترى من خلالها كل ما تطلبه، و ترجع إليك بما تطلبه. و يقول إن Siri و Alexa و غيرها التي نجدها في الهواتف المتحرّكة عبارة عن محاولة بشرية لمحاكاة الحور عين لكن، فما عندنا من هواتف متحرّكة و أجهزة ”آيباد“ و ما إلى ذلك عبارة عن حور عين الدنيا. و حور عين الآخرة و تلك البلورات و الأحجار السحرية أمرها أعظم.
و أيضا قام بتشبيه الحور العين (تلك البلورات و الأحجار السحرية) بكرات التنين التي تحقق الأماني Dragon Ball و هو ”أنيمي“ (رسوم متحركة يابانية) مشهور ذاع صيته في العالم. يقول تلك الكرات السحرية في الرسوم المتحركة مثل الحور العين… و يقول أن الحجر الأسود هو حور عين لكنه اسودّ بسبب ذنوب البشر.
لا أخفيك أيها القارئ إني حقا ضحكت عندما سمعت أمين صبري يقول هذا و لكن قلت أذكره لأنه يعتبر مرجع عند جمع كبير من الناس في فهم مغاير للفهم التقليدي لآيات القرآن و هذا ما يطلبه كثير من الناس اليوم و كأن كل شيء كان عليه المسلمين قديما صار موضع تهمة و شك و الله المستعان…
و من الأقوال التي قيلت في معنى الحور العين، أي الأعناب و آخرون قالوا ثمار مخصوصة ينشئها في الجنة، و آخرون قالوا خيول بيضاء و التي في أعينها حور و هي مقصورات في خيامها، كما الخيول اليوم تكون في الاسطبلات، في الآخرة لكل واحدة خيمة و حينما يقول الله: (و زوجناهم بحور عين) أي ملّك كل رجل هذه الخيول… و آخرون قالوا عبارة عن نعيم متجدد و آخرون قالوا مجال طاقي يعيد شحن طاقتك بعد أن تتمتّع بالجنة و هكذا.
المهم بعد قراءتي لمقالة محسن الغيثي، طلبت من إخوة ينتقدون أهل الحديث كثيرا و التفكير الآبائي و ما عليه علماء المسلمين قديما بشكل عام، أن يردوا على محسن الغيثي بآيات من القرآن إن كان كلامه باطلا أو على الأقل ليس في محلّه. و عندما لم أجد جوابا ذهبت أرسل لهم رسائل بشكل خاص و أطلب منهم واحدا واحدا الردّ فلم أجد ردا كذلك… و من ثم انتظرت أياما و ذكرت أسماء معروفين بشكل عام يتكلمون في القرآن، فلم أجد من يرد على محسن الغيثي بآيات من القرآن. بالرغم من أن من يُعرف عند الناس اليوم باسم ”النكراني“ (أي الذي ينكر الحديث كلّه) المتوقّع منه و هو يُخالف هذا الفهم أن يُقدّم آيات من القرآن لإبطال كلام محسن الغيثي، لكن لم أجد أحدا فعل ذلك البتة، إلا أخ كريم لي من العراق اسمه ”باسل“ ردّ على التفاسير المعروفة عند الناس لمعنى (لم يطمثهن إنس قبلهم و لا جان) و أنا شاكر له تكلّفه الرد.
أما البقية من الرجال فلم يأتني أحد بأدلة من القرآن ضد كلام محسن الغيثي و فهمه إنما ردود مثل: ”تفسير محسن خطأ“ أو ”هل الجنة بيت دعارة“ أو تذكير بشكل عام مثل الأستاذ خالد الدليمي و هو من السعودية، الذي في تَذْكرته قال: ”القرآن يمكن توظيفه من قبل الجميع“ و قال: ”فهل وصف الله نساء الجنة كنوع من الاغراء الجنسي للذكور؟ لك أن تفهم ذلك..!! ولكنك في هذه الحالة جعلت الله منحازاً للذكر غير عادل مع الأنثى..!! فإما أن يكون الله كذلك أو يكون فهمك معلول .. وفهم الداعشي معلول .. وفهم المكفراتي معلول (يقصد المكفّر، السريع إلى تكفير الآخرين).. وفهم بعض المتقدمين الذي يعتمد عليه البعض هو علة كل أمر معلول. وكُل هؤلاء أدلتهم من القرآن حتى أنت يامن جعلت الجنة لمتعة الذكور..!! لذا فهم القران بمعزل عن منطق العدالة أو حرية المكلف سيكون بالضرورة فهم اعوج.“ انتهى كلام خالد الدليمي و كما ترى عزيزي القارئ، كلامه كما ذكره بنفسه: ”من باب التذكير“ لكن هل يفي بالمطلوب الذي طلبته من الرد على محسن بآيات من القرآن؟ في واقع الأمر لم يغني هذا الكلام شيئا في مطلوبنا و إني سأعلّق على بعض ما ذكر بشكل عام لكي تعمّ الفائدة.
هذا كان موقف بعض الرجال الذين طلبت منهم ردّا على محسن بآيات من القرآن. أما النساء فلم أجد أية واحدة منهن أتتني بآية من القرآن تردّ على محسن فهمه، و الذي هو فهم عامة المسلمين. و في العادة وجدت النساء تتجنبن التعليق على منشورات محسن لسبب أجهله في الحقيقة لكن ما وصلني في صندوق رسائلي الخاصة من بعض الأخوات، تقول: ”أسلوبه همجي“ وأنه: ”ذكوري“ و هذه الأمور التي فيها شخصنة ظاهرة.
٢. الآن بعد هذا العرض، و كما هي العادة في مواضيعي، أقدّم ما أفهمه أنا (عبدالعزيز) من القرآن و أقدّم لكم اجابات عن أسئلة تتكرر على ألسنة الناس عند طرح هذه المواضيع. لن أذكر الأحاديث و الأخبار الواردة في هذا الموضوع كاستدلال أولي على كلامي إنما لبيان أنه الفهم الموافق لظاهر الآيات حسب ما أرى، و لن أذكر الآثار عن الصحابة فهي تدعم بما لا يدع مجالا للشك الفهم العام عند المسلمين فيما يخص الأزواج في الجنة و الحور العين، و لكن هذا الموضوع ليس فقط للذين يأخذون بالكتاب و الحديث الصحيح، إنما لأولئك الذين يكتفون بالقرآن وحده و لهذا و لكي لا أدخل في نقاش هل هذا الحديث صحيح أم ضعيف؟ لأنه هذه هي العادة عندما يحاول أحد الأطراف التعذّر من الكلام في الموضوع… فلهذا سأتكلم مستشهدا بالقرآن العظيم و أدلة آياته الكريمة…
أول سؤال، هل محسن الغيثي مصيب في مقالته؟ أي هل الله وعد المؤمنين بالنساء في الجنة؟ وحين ذكرهن للرجال، ذكر الجانب الذي يهم الرجال ويغريهم فيهن وهو الجنس على حسب كلام محسن؟ هل هذا الكلام صحيح أم خطأ؟
للاجابة عن هذا السؤال و بدون أية مراوغة، أقول إن الذي يقصده محسن صحيح و لا غبار عليه عندي البتة، غير أن العبارة ممكن أن تكون أدق و أحسن من عبارته، و إليك التفصيل لِمَ أقول ذلك.
هل الله سبحانه وعد المؤمنين بالنساء في الجنة؟ الإجابة ”لا“! لا يوجد في القرآن كلّه من سورة الفاتحة إلى سورة الناس وعد بالنساء في الجنة! أنا أعرف أنّك مصدوم أو مستغرب، و قد تقول كيف ذلك؟ نعم هو كذلك… ابحث في القرآن كلّه، لن تجد وعد (بالنساء) في الجنة. إنما هناك وعد بالأزواج و هذه هي العبارة الأدقّ… و سأقول فيما بعد لماذا هذا الكلام أدق لكن قبل ذلك إليك الأدلة من القرآن على كلامي…
قال سبحانه في سورة البقرة: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ انتبه لقوله سبحانه (أزواج). و في سورة آل عمران قال سبحانه: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ و في سورة النساء قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ [النساء: 57]
و في سورة الرعد: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾ [الرعد: 23] و في سورة الزخرف: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾ [الزخرف: 70]
و حتى في الآيات التي فيها ذكر حور عين لا نجد ”وعد بالنساء“ إنما نجد ”زوجناهم“. قال الله في سورة الدخان: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ و قال في سورة الطور: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾.
إذن كما ترى، لا تجد في القرآن كلمة النساء مع الجنة من سورة الفاتحة إلى سورة الناس هذه واحدة. و سأفصّل فيها في أواخر هذا المقال فتذكّر هذه النقطة و لا تنساها.
أما الثانية لماذا أقول كلام محسن صحيح و لا غبار عليه إلا في التعبير؟ أقول ذلك لأن الله قال: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾ فأزواجنا في الدنيا نساء بلا شك و إناث. فلهذا قلت كلامه صحيح لكن العبارة ممكن أن تكون أحسن كما سأبين في أواخر هذا المقال بشيء من التفصيل إن شاء الله…
و بناء على ما سبق، فإن قاصرات الطرف عين، و حور عين من الأزواج المطهرة للمتقين في الجنة، أليس كذلك؟ و بما أن المتقين ذكور إذن زوجهم لابد أن يكونوا إناثا، و الدليل على كلامي من القرآن هو التالي:
أولا في سورة الذاريات قال سبحانه ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ثم نجد في سورة النجم كلامه سبحانه: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ و في سورة القيامة: ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ إذن نفهم من مجموع هذه الآيات أن الأزواج المطهرة إناث بالنسبة للمتقين و المقربين.
الآن هل الله رغّب المؤمنين بحور عين كما قال محسن الغيثي أم لا؟ الحقيقة و الظاهر من معاني آيات القرآن، أنّه سبحانه قد رغّبنا و الأدلة من القرآن العظيم ظاهرة ظهور الشمس، مثلا في سورة الرحمن قال: ((فيهنَّ قاصراتُ ٱلطرفِ لَمۡ یَطۡمِثۡهُنَّ إِنسࣱ قَبۡلَهُمۡ وَلَا جاۤن)) و المقصود بهن نفسهن في سورة الصافات: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ و هن اللاتي في سورة ص: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾ و هن من قال الله عنهن في سورة الواقعة: ((إِنَّآ أَنشَأۡنَٰهُنَّ إِنشَآءٗ (35) فَجَعَلۡنَٰهُنَّ أَبۡكَارًا (36) عُرُبًا أَتۡرَابٗا (37) لِّأَصۡحَٰبِ ٱلۡيَمِينِ (38))) و هن المقصودات في سورة النبأ ((وَكَوَاعِبَ أَتۡرَابٗا)) و هن (حور عين)
من الآيات نعرف أن هناك مخلوقات أنشأها الله إنشاء، من سماتها: (قاصرات الطرف) (حور) (عين) (عربا) (أترابا) و (مطهّرات) (لم يطمثهن إنس قبلهم و لا جان). هذه المخلوقات حسب ما أفهمه أنا غير أزواج الدنيا، هذه الأزواج أنشأها لأصحاب اليمين، و الدليل من القرآن: ((إِنَّآ أَنشَأۡنَٰهُنَّ إِنشَآءٗ (35) فَجَعَلۡنَٰهُنَّ أَبۡكَارًا (36) عُرُبًا أَتۡرَابٗا (37) لِّأَصۡحَٰبِ ٱلۡيَمِينِ (38)))
قد يقول قائل و لكن في سورة الواقعة قبل أن يذكر الله سبحانه و تعالى: ((إِنَّآ أَنشَأۡنَٰهُنَّ إِنشَآءٗ)) قد ذكر: ((وَفَٰكِهَةٖ كَثِيرَةٖ (32) لَّا مَقۡطُوعَةٖ وَلَا مَمۡنُوعَةٖ (33) وَفُرُشٖ مَّرۡفُوعَةٍ (34) إِنَّآ أَنشَأۡنَٰهُنَّ إِنشَآءٗ (35) )) فهذا الإنشاء ليس للحور العين، إنما هو للفرش المرفوعة. و هذا من أقوى الشُبَه على الفهم السائد… فيقولون إن الله تعالى تكلّم عن الفاكهة و الفرش ثم ذكر الإنشاء قبل أن يذكر ما بعدها (فَجَعَلۡنَٰهُنَّ أَبۡكَارًا) و عليكم أيها الناس مراعاة السياق و أنتم لم تراعوا السياق و بالتالي فهمكم خاطئ و قد صحّ ما قد قيل عنكم، أنت كائنات لكم أفهام ذكورية مريضة بالسعار الجنسي…الخ كثيرون هم الذين تأثروا بمثل هذا فألغوا الفكرة العامة للحور العين و رفضوها تماما مثل بنعكراش خليد إن لم تخني الذاكرة.
و من أجل هذا أعيد و أكرر، نعم مهم جدا أن تراعي السياق، لكن مهم أيضا أن تراعي النظم و النمط و النسق في القرآن العظيم. و في واقع الأمر لا أجد أحدا في تويتر يذكر هذا غيري و قد نشرت مقالة من قبل عن هذا، و لهذا في كثير من الآيات فهمي للآيات يكون مختلفا بعض الشيء عن فهم أهل التفسير من السلف أو أهل التنوير، لأني أراعي النمط أو النسق في الآيات التي تشبه بعضها بعضا إضافة إلى السياق. و دونك عزيزي القارئ التفصيل:
في نفس السورة، ذكر الله لنا: ((وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلسَّٰبِقُونَ (10) أُوْلَٰٓئِكَ ٱلۡمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ (12) ثُلَّةٞ مِّنَ ٱلۡأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٞ مِّنَ ٱلۡأٓخِرِينَ (14) عَلَىٰ سُرُرٖ مَّوۡضُونَةٖ (15) مُّتَّكِـِٔينَ عَلَيۡهَا مُتَقَٰبِلِينَ (16) يَطُوفُ عَلَيۡهِمۡ وِلۡدَٰنٞ مُّخَلَّدُونَ (17) بِأَكۡوَابٖ وَأَبَارِيقَ وَكَأۡسٖ مِّن مَّعِينٖ (18) لَّا يُصَدَّعُونَ عَنۡهَا وَلَا يُنزِفُونَ (19) وَفَٰكِهَةٖ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20) وَلَحۡمِ طَيۡرٖ مِّمَّا يَشۡتَهُونَ (21) وَحُورٌ عِينٞ (22) كَأَمۡثَٰلِ ٱللُّؤۡلُوِٕ ٱلۡمَكۡنُونِ (23) جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ (24) لَا يَسۡمَعُونَ فِيهَا لَغۡوٗا وَلَا تَأۡثِيمًا (25) إِلَّا قِيلٗا سَلَٰمٗا سَلَٰمٗا (26)))
ما الذي جعله الله للمقربين من الآيات؟ مقام كريم، سرر متكئين عليها، ولدان، شراب، طعام، حور عين.
و في نفس السورة، ذكر الله لنا ما لأصحاب اليمين: ((وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡيَمِينِ مَآ أَصۡحَٰبُ ٱلۡيَمِينِ (27) فِي سِدۡرٖ مَّخۡضُودٖ (28) وَطَلۡحٖ مَّنضُودٖ (29) وَظِلّٖ مَّمۡدُودٖ (30) وَمَآءٖ مَّسۡكُوبٖ (31) وَفَٰكِهَةٖ كَثِيرَةٖ (32) لَّا مَقۡطُوعَةٖ وَلَا مَمۡنُوعَةٖ (33) وَفُرُشٖ مَّرۡفُوعَةٍ (34) إِنَّآ أَنشَأۡنَٰهُنَّ إِنشَآءٗ (35) فَجَعَلۡنَٰهُنَّ أَبۡكَارًا (36) عُرُبًا أَتۡرَابٗا (37) لِّأَصۡحَٰبِ ٱلۡيَمِينِ (38)))
ما الذي جعله الله لأصحاب اليمين من الآيات؟ مقام كريم، شراب، طعام، فرش و من ثم الأبكار.
في سورة الدخان: (( إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٖ (51) فِي جَنَّٰتٖ وَعُيُونٖ (52) يَلۡبَسُونَ مِن سُندُسٖ وَإِسۡتَبۡرَقٖ مُّتَقَٰبِلِينَ (53) كَذَٰلِكَ وَزَوَّجۡنَٰهُم بِحُورٍ عِينٖ (54) يَدۡعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَٰكِهَةٍ ءَامِنِينَ (55) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلۡمَوۡتَ إِلَّا ٱلۡمَوۡتَةَ ٱلۡأُولَىٰۖ وَوَقَىٰهُمۡ عَذَابَ ٱلۡجَحِيمِ (56) فَضۡلٗا مِّن رَّبِّكَۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ (57)))
ما الذي جعله الله للمتقين؟ مقام أمين، جنات و عيون، لباس، حور عين، فاكهة و أمان.
و في سورة الطور: (( إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي جَنَّٰتٖ وَنَعِيمٖ (17) فَٰكِهِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ وَوَقَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ عَذَابَ ٱلۡجَحِيمِ (18) كُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ هَنِيٓـَٔۢا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ (19) مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ سُرُرٖ مَّصۡفُوفَةٖۖ وَزَوَّجۡنَٰهُم بِحُورٍ عِينٖ (20) وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱتَّبَعَتۡهُمۡ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَٰنٍ أَلۡحَقۡنَا بِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَمَآ أَلَتۡنَٰهُم مِّنۡ عَمَلِهِم مِّن شَيۡءٖۚ كُلُّ ٱمۡرِيِٕۭ بِمَا كَسَبَ رَهِينٞ (21) وَأَمۡدَدۡنَٰهُم بِفَٰكِهَةٖ وَلَحۡمٖ مِّمَّا يَشۡتَهُونَ (22) يَتَنَٰزَعُونَ فِيهَا كَأۡسٗا لَّا لَغۡوٞ فِيهَا وَلَا تَأۡثِيمٞ (23) ۞وَيَطُوفُ عَلَيۡهِمۡ غِلۡمَانٞ لَّهُمۡ كَأَنَّهُمۡ لُؤۡلُؤٞ مَّكۡنُونٞ))
مقام كريم، فواكه و طعام و شراب، سرر، و حور عين و غلمان يخدمونهم.
و في سورة النبأ: ((إِنَّ لِلۡمُتَّقِينَ مَفَازًا (31) حَدَآئِقَ وَأَعۡنَٰبٗا (32) وَكَوَاعِبَ أَتۡرَابٗا (33) وَكَأۡسٗا دِهَاقٗا (34) لَّا يَسۡمَعُونَ فِيهَا لَغۡوٗا وَلَا كِذَّٰبٗا (35)))
ما الذي جعله الله للمتقين؟ المقام الكريم، كواعب أترابا، و الشراب.
و في سورة البقرة اقرأ هذه الآية: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾
ما الذي جعله الله للذين آمنوا و عملوا الصالحات؟ مقام كريم، رزق، و أزواج مطهرة. و كذلك في سورة الرحمن تجد مثل هذا النمط…
إذن هناك نمط متكرر و نسق متسّق في القرآن لأحوال أهل الجنة… عندهم مقام كريم، رزق من طعام و شراب، و زوجة و خدم… هذا ما يرجوه كل رجل، أليس كذلك؟ هذه هي قمة المتعة و الراحة و الهناء و الحياة الطيبة الكريمة، أليس كذلك؟ كما تجد في كثير من الأساطير و الكتب و الأفلام و الرسوم المتحرّكة من أحوال المعبودات التي يعبدها المشركون من دون الله و الملوك عندهم، يصوّرونهم في مقام كريم، يأكلون ما لذّ و طاب، و من حولهم الحسناوات. هذا ما وجدناه منذ صغرنا في كثير من المنشورات المرئية و المسموعة و المقروءة و هذه الصورة للحياة الطيبة الكريمة يخبرنا الله بأحسن منها بعبارة لا أجمل منها في القرآن العظيم و لهذا يفهمها أكثر الناس بظاهرها…
هل ستكمُل السعادة و المتعة من دون زوجة إن كنت في هذا المقام الكريم؟ لا لن تكمل… تخيل تكون عندك زوجة لكن ليس عندك طعام و شراب هل ستبقى حيا؟ لا ستحتاج إلى رزق يمدّك بالحياة! لنقل عندك طعام و شراب و زوجة و لكن ليس عندك فرش و لا مقام كريم إنما تائه أو من أبناء السبيل، هل ستكون سعيدا كسعادتك إن كان لديك المقام الكريم؟ اسأل نفسك و لا تكابر! ستقول بلا شك أن السعادة أكمل باكتمال ما ذكرت…
الحمدلله، في سورة يس ما يثبت كلامي بشكل لا يمكن ردّه، قال سبحانه: ((إِنَّ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ ٱلۡيَوۡمَ فِي شُغُلٖ فَٰكِهُونَ (55) هُمۡ وَأَزۡوَٰجُهُمۡ فِي ظِلَٰلٍ عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِ مُتَّكِـُٔونَ (56) لَهُمۡ فِيهَا فَٰكِهَةٞ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ (57) سَلَٰمٞ قَوۡلٗا مِّن رَّبّٖ رَّحِيمٖ (58)) وجه الدليل أن في الآيات التي استشهدت بها، و فيها ذكر قاصرات الطرف، أو حور عين يذكرهن الله مع السرر الذي يتكئ عليها المتقي، إذن، نفهم منها أن حور عين من الزوجات و ليس ما يقوله بعض أهل التنوير أنها فاكهة أو أنها فرش، أو بلورات و أحجار كريمة و أشياء هذا القبيل. أظن فيما ذكرت الكفاية في الاستدلال على كلامي و الحمدلله…
الآن عودة إلى سورة واقعة و قوله سبحانه و تعالى: ((إِنَّآ أَنشَأۡنَٰهُنَّ إِنشَآءٗ (35) فَجَعَلۡنَٰهُنَّ أَبۡكَارًا (36) عُرُبًا أَتۡرَابٗا (37) لِّأَصۡحَٰبِ ٱلۡيَمِينِ (38))) و قد قلت المقصود بقوله سبحانه: ((إِنَّآ أَنشَأۡنَٰهُنَّ إِنشَآءٗ)) الزوجات، و أظنّك الآن بعد أن قرأت الآيات عرفت المناسبة بين الآية: ((وَفُرُشٖ مَّرۡفُوعَةٍ)) و الآيات التي بعدها: ((إِنَّآ أَنشَأۡنَٰهُنَّ إِنشَآءٗ (35) فَجَعَلۡنَٰهُنَّ أَبۡكَارًا (36) عُرُبًا أَتۡرَابٗا (37))) لأننا وجدنا كلما ذكر الأرائك و السرر و الفرش جاء ذكر ما نعرفه من الحور العين.
و الدليل أيضا في استعمال العرب قديما، من ذلك ما نجده في حديث البخاري: أنَّ عَبْدَ بنَ زَمْعَةَ، وسَعْدَ بنَ أبِي وقّاصٍ، اخْتَصَما إلى النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في ابْنِ أمَةِ زَمْعَةَ، فقالَ سَعْدٌ: يا رَسولَ اللَّهِ، أوْصانِي أخِي إذا قَدِمْتُ أنْ أنْظُرَ ابْنَ أمَةِ زَمْعَةَ، فأقْبِضَهُ، فإنَّه ابْنِي، وقالَ عبدُ بنُ زَمْعَةَ: أخِي وابنُ أمَةِ أبِي، وُلِدَ علَى فِراشِ أبِي، فَرَأَى النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ شَبَهًا بَيِّنًا بعُتْبَةَ، فقالَ: هو لكَ يا عبدُ بنَ زَمْعَةَ، الوَلَدُ لِلْفِراشِ، واحْتَجِبِي منه يا سَوْدَةُ… موضع الشاهد في الرواية (ولد على فراش أبي) و موضع الشاهد الثاني قول الرسول صلى الله عليه: (الولد للفراش).
فإن فهمت ما سبق لوجدت كلامي صحيحا بإذن الله، و لفهمت المناسبة العجيبة بين الفرش المرفوعة و الأبكار.
الموضوع الثاني المتعلّق بالحور العين، قول بعض أهل التنوير أن الجنة ليست بيت دعارة أو ماخورا، و ما إلى ذلك، و الله يتنزه أن يرغّب عباده بالنساء و ما إلى ذلك لأنه لا يليق به سبحانه.
أقول لهذا الإنسان الذي عقله ليس في صدره و لا في رأسه، هل أنت أحمق إلى هذه الدرجة؟ هل تسمي بيتك الآن بيت دعارة لأنك تأتي زوجتك مثلا؟ أم تسمي بيت ابنك الذي يسكنه مع زوجته ماخورا؟ من كذب عليك فقال جماع الزوجة أو إتيانها (الزوجة) عمل نجس و قذر و عيب أو حرام؟ هل قال الله لك هذا؟ أين دليلك من القرآن؟ لا تفتري على الله كذبا…
أنت بنفسك دائما تقول لأهل الحديث الذي تنتقدهم، الله وحده هو الذي يُحرّم، لماذا تُحرّم من عند نفسك و تريد أن تتحكّم فيما يُرغّب به الله تبارك و تعالى وفيما يخوّف؟ هل هو بمزاجك و هواك و رغباتك النفسية أم أن الأمر كله بيد الله؟
ثم ما مشكلتك بالضبط؟ الله تبارك و تعالى ذكر من الحياة الطيبة في الجنة، فذكر الطعام و الشراب، و العسل و اللبن و غير ذلك، لماذا لا تقول لماذا يرغّب الله بالطعام؟ و تعالى الله أن يرغّب عباده عن الطعام؟ الطعام و الشراب يتمتّع الإنسان بها و يتلذذ وهي قبل ذلك رزقه أصلا. ألسنا نقول طعام لذيذ؟ لماذا نقول لذيذ؟ هل فكّرت فيها يوما؟ كذلك إتيان الزوجة، شيء يلتذ به الرجل؟ فلماذا تريد أن تُحرّم عليه شيئا أحلّه الله له في الدنيا و الآخرة؟ لماذا تريد منه أن يستقذر هذا من دون بقية الأشياء من الطعام و الشراب و التمتع بالأنهار التي تجري من تحته و المقام الكريم؟
الله تبارك و تعالى ليس ربا لك وحدك أو لجماعتك أو لأهل التنوير فحسب، الله رب العالمين… رب أهل الحديث و أهل التنوير، ربّ المسلمين و غير المسلمين، رب العرب و ربّ العجم… لم ينزل القرآن على جماعة من الناس في آخر الزمان فحسب، إنما أنزله على رسوله ليكون للعالمين نذيرا… فإن كنت أنت مثلا لا تتلذذ من إتيان زوجتك فلا يعني هذا أن بقية الرجال لا يتمتعون بإتيان زوجاتهم. و إن كنت تستقذر من هذا، فأكثر البشر لا يستقذرون من هذا. تخيّل مثلا أنت تستقذر تأكل التفاحة، و تشعر بالعيب أن تأكله ثم تتهم من يأكل التفاحة أنه حيوان شره! عجيب أمرك يا رجل…
و أما إن قلت كما قال الأخ باسل العراقي الذي ذكرته من قبل في هذه المقالة، أنه ليس هناك جنس في الآخرة بدليل حسب إحدى أقواله: ”أن العملية الجنسية متعبة نوعا ما فانت تبذل جهد للحصول على اللذة جهد بدني وعقلي ونفسي بينما الثابت ان الاخرة لا يوجد فيها نصب ولا تعب“ فأقول له كما أن قطف الثمار عملية متعبة في الدنيا، و كما أن تحلية الماء قد تكون متعبة و كما أن تصفية اللبن أو العسل متعبة لن تكون كذلك في الآخرة. و كذلك ما يكون بين الذكر و الأنثى في الأخرة. أما أن نكتفي و نقول يحصل على اللذة و أضعافها بمجرّد النظر، فتماما قولك كأن تنظر إلى الفاكهة و تتنعّم و تتلذذ بها من دون أن تأكلها، فكذلك تتلذذ بالجماع و ما إلى ذلك مع الحور العين بالنظر إليها… أترى كم هو ضعيف هذا القول؟ ثم إن كثيرا من الناس لا يجدون تعبا في الجماع إنما يتعبون بعد أن يخرج منهم الماء المهين. الذي يتعب و هو يجامع زوجته لا تدري هل يلعب معها الجمباز أم شجار أم ماذا؟ فقول باسل: ”أن العملية الجنسية متعبة نوعا ما“ قول لا يُسلّم له و لا يمكن أن يعتبر حقيقة عامة فتعمم…
ثم أنت يا عزيزي القارئ، إن كنت قارئا في التاريخ، لعرفت أن أكثر ما يطلبه الناس و يسعون له هو الرزق، و هو ما لا يستطيعون العيش من دونه و هو الشراب و من ثم الطعام، و أكثر متعة يطلبونها هو الجنس. هذا يعرفه الباحث و غير الباحث. اسأل المتزوجين، لماذا تأتي أهلك أصلا؟ يأتيها لأنه يشتهيها… حتى الزاني، لماذا يزني؟ لأنه يشتهي الزانية. و المغتصب لماذا يغتصب؟ لأنه يشتهي من يغتصب و يريد قضاء حاجته.
قديما كانوا يغيرون على القرى و المدن من أجل ماذا؟ من أجل الطعام و الشراب و النساء و الأموال… اقرأ في الأساطير الشرقية و الغربية، اقرأ في الأساطير الشمالية، اقرأ في الأديان، اقرأ في الحروب اقرأ ثم اقرأ. بل حتى في واقعنا المعاصر، يحارب الجندي و يغتصب الضحية، لماذا يغتصبها و هو في حرب بين الحياة و الموت و هي قد تكون في أسوء حالاتها؟ ألم تقرأ في التاريخ عن سبايا المعارك و الحروب؟ عدد الاغتصابات في الحروب الحديثة؟ لماذا كل هذا؟ لأنه (ببساطة) أكثر ما يشتهيه الرجل من المرأة الجنس و من ثم بقية الأشياء.
لا تحاول خداعي و خداع الناس و خداع نفسك أنك تأتي زوجتك فقط من أجل الولد! لا تكذب على نفسك و الناس، إن كان الأمر كذلك، فبعد أن عرفت أن زوجتك حامل، لماذا تجامعها؟ أتريد أن تفهمنا أنك تنتظر و لا تجامعها مدة ٩ أشهر حتى تلد؟ هل هذا ما تريد إفهام الرجال حول العالم؟ أترى كم هذا الإدعاء سخيف و يكذبه الواقع؟
حتى الغرب بشياطينهم الذين أوحوا إلى المسلمين أن جماع الرجل زوجته في الآخرة شيء معيب، انظر إلى أحوالهم في الدنيا؟ كم من فيلم إباحي ينتجونه في اليوم الواحد؟ اقرأ في احصائياتهم كم حالة زنى تقع في الدقيقة الواحدة؟ بل اقرأ عدد الاغتصاب في السنة الواحدة! و أما عن حالات الجماعة فأكثر و أكثر. أتريد أن تفهمني أن هذا يقع لأن الرجل يبحث عن الصداقة و الرفيقة التي يشاطرها أفكاره؟ أم أنه يفعل ذلك لأنه يريد أن يقضي حاجته و شهوته؟
فالله تبارك و تعالى عندما يذكر من نعيم الجنة، فإنه يذكر أكثر ما تشتهيها الأنفس. هو أعلم بما خلق و بمن خلق. قال سبحانه في سورة النجم: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ۚ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ۖ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ﴾
و من هذا الباب أقول كلام محسن الغيثي صحيح و ليس بخطأ… فالله تبارك و تعالى يذكر من نعيم الجنة ما تشتهيه أنفسنا من طعام و شراب و مقام كريم و زوجة و ملك. و ليس في هذا ما يعيبه سبحانه و تعالى، بل يثبت رحمته و فضله و علمه و أنه هو اللطيف الخبير و يثبت أنه الواحد القهار و أنه أحد و ليس كمثله شيء و هو السميع البصير…
و أما من استنقص من الرجال الذين يعبدون الله رجاء هذا النعيم في الآخرة و يسعون إلى لقاء قاصرات الطرف عين، أقول لهم من أنتم؟ أتظنون أنّكم أحسن حالا من الأنبياء عليهم السلام؟ أليس ما يتمناه الأنبياء أن يغفر الله لهم خطيئتهم يوم الدين و يدخلهم الجنة؟ لماذا دعا إبراهيم: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ و لماذا عباد الله الصالحين ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: 16] و ماذا يطمعون أن يدخلوا هؤلاء؟﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾ [المائدة: 84] أتعرفون ما الذي يطمعون له؟ ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ [المعارج: 38] فالجنة جعلها الله رحمة منه سبحانه يرغّب بها عباده و يطمع فيها الناس، و نجاة من الذي يرهبون منه، جهنّم، التي يخافون العذاب فيها.
الرجال قبل بعثة الرسول صلى الله عليه، كانوا يشاركون في المعارك و يخاطرون بحياتهم بين الموت و الحياة من أجل ماذا؟ طلبا للرزق و النساء و الملك و المقام الكريم.
أول سؤال، هل محسن الغيثي مصيب في مقالته؟ أي هل الله وعد المؤمنين بالنساء في الجنة؟ وحين ذكرهن للرجال، ذكر الجانب الذي يهم الرجال ويغريهم فيهن وهو الجنس على حسب كلام محسن؟ هل هذا الكلام صحيح أم خطأ؟
للاجابة عن هذا السؤال و بدون أية مراوغة، أقول إن الذي يقصده محسن صحيح و لا غبار عليه عندي البتة، غير أن العبارة ممكن أن تكون أدق و أحسن من عبارته، و إليك التفصيل لِمَ أقول ذلك.
هل الله سبحانه وعد المؤمنين بالنساء في الجنة؟ الإجابة ”لا“! لا يوجد في القرآن كلّه من سورة الفاتحة إلى سورة الناس وعد بالنساء في الجنة! أنا أعرف أنّك مصدوم أو مستغرب، و قد تقول كيف ذلك؟ نعم هو كذلك… ابحث في القرآن كلّه، لن تجد وعد (بالنساء) في الجنة. إنما هناك وعد بالأزواج و هذه هي العبارة الأدقّ… و سأقول فيما بعد لماذا هذا الكلام أدق لكن قبل ذلك إليك الأدلة من القرآن على كلامي…
قال سبحانه في سورة البقرة: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ انتبه لقوله سبحانه (أزواج). و في سورة آل عمران قال سبحانه: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ و في سورة النساء قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ [النساء: 57]
و في سورة الرعد: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾ [الرعد: 23] و في سورة الزخرف: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾ [الزخرف: 70]
و حتى في الآيات التي فيها ذكر حور عين لا نجد ”وعد بالنساء“ إنما نجد ”زوجناهم“. قال الله في سورة الدخان: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ و قال في سورة الطور: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾.
إذن كما ترى، لا تجد في القرآن كلمة النساء مع الجنة من سورة الفاتحة إلى سورة الناس هذه واحدة. و سأفصّل فيها في أواخر هذا المقال فتذكّر هذه النقطة و لا تنساها.
أما الثانية لماذا أقول كلام محسن صحيح و لا غبار عليه إلا في التعبير؟ أقول ذلك لأن الله قال: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾ فأزواجنا في الدنيا نساء بلا شك و إناث. فلهذا قلت كلامه صحيح لكن العبارة ممكن أن تكون أحسن كما سأبين في أواخر هذا المقال بشيء من التفصيل إن شاء الله…
و بناء على ما سبق، فإن قاصرات الطرف عين، و حور عين من الأزواج المطهرة للمتقين في الجنة، أليس كذلك؟ و بما أن المتقين ذكور إذن زوجهم لابد أن يكونوا إناثا، و الدليل على كلامي من القرآن هو التالي:
أولا في سورة الذاريات قال سبحانه ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ثم نجد في سورة النجم كلامه سبحانه: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ و في سورة القيامة: ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ إذن نفهم من مجموع هذه الآيات أن الأزواج المطهرة إناث بالنسبة للمتقين و المقربين.
الآن هل الله رغّب المؤمنين بحور عين كما قال محسن الغيثي أم لا؟ الحقيقة و الظاهر من معاني آيات القرآن، أنّه سبحانه قد رغّبنا و الأدلة من القرآن العظيم ظاهرة ظهور الشمس، مثلا في سورة الرحمن قال: ((فيهنَّ قاصراتُ ٱلطرفِ لَمۡ یَطۡمِثۡهُنَّ إِنسࣱ قَبۡلَهُمۡ وَلَا جاۤن)) و المقصود بهن نفسهن في سورة الصافات: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ و هن اللاتي في سورة ص: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾ و هن من قال الله عنهن في سورة الواقعة: ((إِنَّآ أَنشَأۡنَٰهُنَّ إِنشَآءٗ (35) فَجَعَلۡنَٰهُنَّ أَبۡكَارًا (36) عُرُبًا أَتۡرَابٗا (37) لِّأَصۡحَٰبِ ٱلۡيَمِينِ (38))) و هن المقصودات في سورة النبأ ((وَكَوَاعِبَ أَتۡرَابٗا)) و هن (حور عين)
من الآيات نعرف أن هناك مخلوقات أنشأها الله إنشاء، من سماتها: (قاصرات الطرف) (حور) (عين) (عربا) (أترابا) و (مطهّرات) (لم يطمثهن إنس قبلهم و لا جان). هذه المخلوقات حسب ما أفهمه أنا غير أزواج الدنيا، هذه الأزواج أنشأها لأصحاب اليمين، و الدليل من القرآن: ((إِنَّآ أَنشَأۡنَٰهُنَّ إِنشَآءٗ (35) فَجَعَلۡنَٰهُنَّ أَبۡكَارًا (36) عُرُبًا أَتۡرَابٗا (37) لِّأَصۡحَٰبِ ٱلۡيَمِينِ (38)))
قد يقول قائل و لكن في سورة الواقعة قبل أن يذكر الله سبحانه و تعالى: ((إِنَّآ أَنشَأۡنَٰهُنَّ إِنشَآءٗ)) قد ذكر: ((وَفَٰكِهَةٖ كَثِيرَةٖ (32) لَّا مَقۡطُوعَةٖ وَلَا مَمۡنُوعَةٖ (33) وَفُرُشٖ مَّرۡفُوعَةٍ (34) إِنَّآ أَنشَأۡنَٰهُنَّ إِنشَآءٗ (35) )) فهذا الإنشاء ليس للحور العين، إنما هو للفرش المرفوعة. و هذا من أقوى الشُبَه على الفهم السائد… فيقولون إن الله تعالى تكلّم عن الفاكهة و الفرش ثم ذكر الإنشاء قبل أن يذكر ما بعدها (فَجَعَلۡنَٰهُنَّ أَبۡكَارًا) و عليكم أيها الناس مراعاة السياق و أنتم لم تراعوا السياق و بالتالي فهمكم خاطئ و قد صحّ ما قد قيل عنكم، أنت كائنات لكم أفهام ذكورية مريضة بالسعار الجنسي…الخ كثيرون هم الذين تأثروا بمثل هذا فألغوا الفكرة العامة للحور العين و رفضوها تماما مثل بنعكراش خليد إن لم تخني الذاكرة.
و من أجل هذا أعيد و أكرر، نعم مهم جدا أن تراعي السياق، لكن مهم أيضا أن تراعي النظم و النمط و النسق في القرآن العظيم. و في واقع الأمر لا أجد أحدا في تويتر يذكر هذا غيري و قد نشرت مقالة من قبل عن هذا، و لهذا في كثير من الآيات فهمي للآيات يكون مختلفا بعض الشيء عن فهم أهل التفسير من السلف أو أهل التنوير، لأني أراعي النمط أو النسق في الآيات التي تشبه بعضها بعضا إضافة إلى السياق. و دونك عزيزي القارئ التفصيل:
في نفس السورة، ذكر الله لنا: ((وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلسَّٰبِقُونَ (10) أُوْلَٰٓئِكَ ٱلۡمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ (12) ثُلَّةٞ مِّنَ ٱلۡأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٞ مِّنَ ٱلۡأٓخِرِينَ (14) عَلَىٰ سُرُرٖ مَّوۡضُونَةٖ (15) مُّتَّكِـِٔينَ عَلَيۡهَا مُتَقَٰبِلِينَ (16) يَطُوفُ عَلَيۡهِمۡ وِلۡدَٰنٞ مُّخَلَّدُونَ (17) بِأَكۡوَابٖ وَأَبَارِيقَ وَكَأۡسٖ مِّن مَّعِينٖ (18) لَّا يُصَدَّعُونَ عَنۡهَا وَلَا يُنزِفُونَ (19) وَفَٰكِهَةٖ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20) وَلَحۡمِ طَيۡرٖ مِّمَّا يَشۡتَهُونَ (21) وَحُورٌ عِينٞ (22) كَأَمۡثَٰلِ ٱللُّؤۡلُوِٕ ٱلۡمَكۡنُونِ (23) جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ (24) لَا يَسۡمَعُونَ فِيهَا لَغۡوٗا وَلَا تَأۡثِيمًا (25) إِلَّا قِيلٗا سَلَٰمٗا سَلَٰمٗا (26)))
ما الذي جعله الله للمقربين من الآيات؟ مقام كريم، سرر متكئين عليها، ولدان، شراب، طعام، حور عين.
و في نفس السورة، ذكر الله لنا ما لأصحاب اليمين: ((وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡيَمِينِ مَآ أَصۡحَٰبُ ٱلۡيَمِينِ (27) فِي سِدۡرٖ مَّخۡضُودٖ (28) وَطَلۡحٖ مَّنضُودٖ (29) وَظِلّٖ مَّمۡدُودٖ (30) وَمَآءٖ مَّسۡكُوبٖ (31) وَفَٰكِهَةٖ كَثِيرَةٖ (32) لَّا مَقۡطُوعَةٖ وَلَا مَمۡنُوعَةٖ (33) وَفُرُشٖ مَّرۡفُوعَةٍ (34) إِنَّآ أَنشَأۡنَٰهُنَّ إِنشَآءٗ (35) فَجَعَلۡنَٰهُنَّ أَبۡكَارًا (36) عُرُبًا أَتۡرَابٗا (37) لِّأَصۡحَٰبِ ٱلۡيَمِينِ (38)))
ما الذي جعله الله لأصحاب اليمين من الآيات؟ مقام كريم، شراب، طعام، فرش و من ثم الأبكار.
في سورة الدخان: (( إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٖ (51) فِي جَنَّٰتٖ وَعُيُونٖ (52) يَلۡبَسُونَ مِن سُندُسٖ وَإِسۡتَبۡرَقٖ مُّتَقَٰبِلِينَ (53) كَذَٰلِكَ وَزَوَّجۡنَٰهُم بِحُورٍ عِينٖ (54) يَدۡعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَٰكِهَةٍ ءَامِنِينَ (55) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلۡمَوۡتَ إِلَّا ٱلۡمَوۡتَةَ ٱلۡأُولَىٰۖ وَوَقَىٰهُمۡ عَذَابَ ٱلۡجَحِيمِ (56) فَضۡلٗا مِّن رَّبِّكَۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ (57)))
ما الذي جعله الله للمتقين؟ مقام أمين، جنات و عيون، لباس، حور عين، فاكهة و أمان.
و في سورة الطور: (( إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي جَنَّٰتٖ وَنَعِيمٖ (17) فَٰكِهِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ وَوَقَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ عَذَابَ ٱلۡجَحِيمِ (18) كُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ هَنِيٓـَٔۢا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ (19) مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ سُرُرٖ مَّصۡفُوفَةٖۖ وَزَوَّجۡنَٰهُم بِحُورٍ عِينٖ (20) وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱتَّبَعَتۡهُمۡ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَٰنٍ أَلۡحَقۡنَا بِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَمَآ أَلَتۡنَٰهُم مِّنۡ عَمَلِهِم مِّن شَيۡءٖۚ كُلُّ ٱمۡرِيِٕۭ بِمَا كَسَبَ رَهِينٞ (21) وَأَمۡدَدۡنَٰهُم بِفَٰكِهَةٖ وَلَحۡمٖ مِّمَّا يَشۡتَهُونَ (22) يَتَنَٰزَعُونَ فِيهَا كَأۡسٗا لَّا لَغۡوٞ فِيهَا وَلَا تَأۡثِيمٞ (23) ۞وَيَطُوفُ عَلَيۡهِمۡ غِلۡمَانٞ لَّهُمۡ كَأَنَّهُمۡ لُؤۡلُؤٞ مَّكۡنُونٞ))
مقام كريم، فواكه و طعام و شراب، سرر، و حور عين و غلمان يخدمونهم.
و في سورة النبأ: ((إِنَّ لِلۡمُتَّقِينَ مَفَازًا (31) حَدَآئِقَ وَأَعۡنَٰبٗا (32) وَكَوَاعِبَ أَتۡرَابٗا (33) وَكَأۡسٗا دِهَاقٗا (34) لَّا يَسۡمَعُونَ فِيهَا لَغۡوٗا وَلَا كِذَّٰبٗا (35)))
ما الذي جعله الله للمتقين؟ المقام الكريم، كواعب أترابا، و الشراب.
و في سورة البقرة اقرأ هذه الآية: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾
ما الذي جعله الله للذين آمنوا و عملوا الصالحات؟ مقام كريم، رزق، و أزواج مطهرة. و كذلك في سورة الرحمن تجد مثل هذا النمط…
إذن هناك نمط متكرر و نسق متسّق في القرآن لأحوال أهل الجنة… عندهم مقام كريم، رزق من طعام و شراب، و زوجة و خدم… هذا ما يرجوه كل رجل، أليس كذلك؟ هذه هي قمة المتعة و الراحة و الهناء و الحياة الطيبة الكريمة، أليس كذلك؟ كما تجد في كثير من الأساطير و الكتب و الأفلام و الرسوم المتحرّكة من أحوال المعبودات التي يعبدها المشركون من دون الله و الملوك عندهم، يصوّرونهم في مقام كريم، يأكلون ما لذّ و طاب، و من حولهم الحسناوات. هذا ما وجدناه منذ صغرنا في كثير من المنشورات المرئية و المسموعة و المقروءة و هذه الصورة للحياة الطيبة الكريمة يخبرنا الله بأحسن منها بعبارة لا أجمل منها في القرآن العظيم و لهذا يفهمها أكثر الناس بظاهرها…
هل ستكمُل السعادة و المتعة من دون زوجة إن كنت في هذا المقام الكريم؟ لا لن تكمل… تخيل تكون عندك زوجة لكن ليس عندك طعام و شراب هل ستبقى حيا؟ لا ستحتاج إلى رزق يمدّك بالحياة! لنقل عندك طعام و شراب و زوجة و لكن ليس عندك فرش و لا مقام كريم إنما تائه أو من أبناء السبيل، هل ستكون سعيدا كسعادتك إن كان لديك المقام الكريم؟ اسأل نفسك و لا تكابر! ستقول بلا شك أن السعادة أكمل باكتمال ما ذكرت…
الحمدلله، في سورة يس ما يثبت كلامي بشكل لا يمكن ردّه، قال سبحانه: ((إِنَّ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ ٱلۡيَوۡمَ فِي شُغُلٖ فَٰكِهُونَ (55) هُمۡ وَأَزۡوَٰجُهُمۡ فِي ظِلَٰلٍ عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِ مُتَّكِـُٔونَ (56) لَهُمۡ فِيهَا فَٰكِهَةٞ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ (57) سَلَٰمٞ قَوۡلٗا مِّن رَّبّٖ رَّحِيمٖ (58)) وجه الدليل أن في الآيات التي استشهدت بها، و فيها ذكر قاصرات الطرف، أو حور عين يذكرهن الله مع السرر الذي يتكئ عليها المتقي، إذن، نفهم منها أن حور عين من الزوجات و ليس ما يقوله بعض أهل التنوير أنها فاكهة أو أنها فرش، أو بلورات و أحجار كريمة و أشياء هذا القبيل. أظن فيما ذكرت الكفاية في الاستدلال على كلامي و الحمدلله…
الآن عودة إلى سورة واقعة و قوله سبحانه و تعالى: ((إِنَّآ أَنشَأۡنَٰهُنَّ إِنشَآءٗ (35) فَجَعَلۡنَٰهُنَّ أَبۡكَارًا (36) عُرُبًا أَتۡرَابٗا (37) لِّأَصۡحَٰبِ ٱلۡيَمِينِ (38))) و قد قلت المقصود بقوله سبحانه: ((إِنَّآ أَنشَأۡنَٰهُنَّ إِنشَآءٗ)) الزوجات، و أظنّك الآن بعد أن قرأت الآيات عرفت المناسبة بين الآية: ((وَفُرُشٖ مَّرۡفُوعَةٍ)) و الآيات التي بعدها: ((إِنَّآ أَنشَأۡنَٰهُنَّ إِنشَآءٗ (35) فَجَعَلۡنَٰهُنَّ أَبۡكَارًا (36) عُرُبًا أَتۡرَابٗا (37))) لأننا وجدنا كلما ذكر الأرائك و السرر و الفرش جاء ذكر ما نعرفه من الحور العين.
و الدليل أيضا في استعمال العرب قديما، من ذلك ما نجده في حديث البخاري: أنَّ عَبْدَ بنَ زَمْعَةَ، وسَعْدَ بنَ أبِي وقّاصٍ، اخْتَصَما إلى النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في ابْنِ أمَةِ زَمْعَةَ، فقالَ سَعْدٌ: يا رَسولَ اللَّهِ، أوْصانِي أخِي إذا قَدِمْتُ أنْ أنْظُرَ ابْنَ أمَةِ زَمْعَةَ، فأقْبِضَهُ، فإنَّه ابْنِي، وقالَ عبدُ بنُ زَمْعَةَ: أخِي وابنُ أمَةِ أبِي، وُلِدَ علَى فِراشِ أبِي، فَرَأَى النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ شَبَهًا بَيِّنًا بعُتْبَةَ، فقالَ: هو لكَ يا عبدُ بنَ زَمْعَةَ، الوَلَدُ لِلْفِراشِ، واحْتَجِبِي منه يا سَوْدَةُ… موضع الشاهد في الرواية (ولد على فراش أبي) و موضع الشاهد الثاني قول الرسول صلى الله عليه: (الولد للفراش).
فإن فهمت ما سبق لوجدت كلامي صحيحا بإذن الله، و لفهمت المناسبة العجيبة بين الفرش المرفوعة و الأبكار.
الموضوع الثاني المتعلّق بالحور العين، قول بعض أهل التنوير أن الجنة ليست بيت دعارة أو ماخورا، و ما إلى ذلك، و الله يتنزه أن يرغّب عباده بالنساء و ما إلى ذلك لأنه لا يليق به سبحانه.
أقول لهذا الإنسان الذي عقله ليس في صدره و لا في رأسه، هل أنت أحمق إلى هذه الدرجة؟ هل تسمي بيتك الآن بيت دعارة لأنك تأتي زوجتك مثلا؟ أم تسمي بيت ابنك الذي يسكنه مع زوجته ماخورا؟ من كذب عليك فقال جماع الزوجة أو إتيانها (الزوجة) عمل نجس و قذر و عيب أو حرام؟ هل قال الله لك هذا؟ أين دليلك من القرآن؟ لا تفتري على الله كذبا…
أنت بنفسك دائما تقول لأهل الحديث الذي تنتقدهم، الله وحده هو الذي يُحرّم، لماذا تُحرّم من عند نفسك و تريد أن تتحكّم فيما يُرغّب به الله تبارك و تعالى وفيما يخوّف؟ هل هو بمزاجك و هواك و رغباتك النفسية أم أن الأمر كله بيد الله؟
ثم ما مشكلتك بالضبط؟ الله تبارك و تعالى ذكر من الحياة الطيبة في الجنة، فذكر الطعام و الشراب، و العسل و اللبن و غير ذلك، لماذا لا تقول لماذا يرغّب الله بالطعام؟ و تعالى الله أن يرغّب عباده عن الطعام؟ الطعام و الشراب يتمتّع الإنسان بها و يتلذذ وهي قبل ذلك رزقه أصلا. ألسنا نقول طعام لذيذ؟ لماذا نقول لذيذ؟ هل فكّرت فيها يوما؟ كذلك إتيان الزوجة، شيء يلتذ به الرجل؟ فلماذا تريد أن تُحرّم عليه شيئا أحلّه الله له في الدنيا و الآخرة؟ لماذا تريد منه أن يستقذر هذا من دون بقية الأشياء من الطعام و الشراب و التمتع بالأنهار التي تجري من تحته و المقام الكريم؟
الله تبارك و تعالى ليس ربا لك وحدك أو لجماعتك أو لأهل التنوير فحسب، الله رب العالمين… رب أهل الحديث و أهل التنوير، ربّ المسلمين و غير المسلمين، رب العرب و ربّ العجم… لم ينزل القرآن على جماعة من الناس في آخر الزمان فحسب، إنما أنزله على رسوله ليكون للعالمين نذيرا… فإن كنت أنت مثلا لا تتلذذ من إتيان زوجتك فلا يعني هذا أن بقية الرجال لا يتمتعون بإتيان زوجاتهم. و إن كنت تستقذر من هذا، فأكثر البشر لا يستقذرون من هذا. تخيّل مثلا أنت تستقذر تأكل التفاحة، و تشعر بالعيب أن تأكله ثم تتهم من يأكل التفاحة أنه حيوان شره! عجيب أمرك يا رجل…
و أما إن قلت كما قال الأخ باسل العراقي الذي ذكرته من قبل في هذه المقالة، أنه ليس هناك جنس في الآخرة بدليل حسب إحدى أقواله: ”أن العملية الجنسية متعبة نوعا ما فانت تبذل جهد للحصول على اللذة جهد بدني وعقلي ونفسي بينما الثابت ان الاخرة لا يوجد فيها نصب ولا تعب“ فأقول له كما أن قطف الثمار عملية متعبة في الدنيا، و كما أن تحلية الماء قد تكون متعبة و كما أن تصفية اللبن أو العسل متعبة لن تكون كذلك في الآخرة. و كذلك ما يكون بين الذكر و الأنثى في الأخرة. أما أن نكتفي و نقول يحصل على اللذة و أضعافها بمجرّد النظر، فتماما قولك كأن تنظر إلى الفاكهة و تتنعّم و تتلذذ بها من دون أن تأكلها، فكذلك تتلذذ بالجماع و ما إلى ذلك مع الحور العين بالنظر إليها… أترى كم هو ضعيف هذا القول؟ ثم إن كثيرا من الناس لا يجدون تعبا في الجماع إنما يتعبون بعد أن يخرج منهم الماء المهين. الذي يتعب و هو يجامع زوجته لا تدري هل يلعب معها الجمباز أم شجار أم ماذا؟ فقول باسل: ”أن العملية الجنسية متعبة نوعا ما“ قول لا يُسلّم له و لا يمكن أن يعتبر حقيقة عامة فتعمم…
ثم أنت يا عزيزي القارئ، إن كنت قارئا في التاريخ، لعرفت أن أكثر ما يطلبه الناس و يسعون له هو الرزق، و هو ما لا يستطيعون العيش من دونه و هو الشراب و من ثم الطعام، و أكثر متعة يطلبونها هو الجنس. هذا يعرفه الباحث و غير الباحث. اسأل المتزوجين، لماذا تأتي أهلك أصلا؟ يأتيها لأنه يشتهيها… حتى الزاني، لماذا يزني؟ لأنه يشتهي الزانية. و المغتصب لماذا يغتصب؟ لأنه يشتهي من يغتصب و يريد قضاء حاجته.
قديما كانوا يغيرون على القرى و المدن من أجل ماذا؟ من أجل الطعام و الشراب و النساء و الأموال… اقرأ في الأساطير الشرقية و الغربية، اقرأ في الأساطير الشمالية، اقرأ في الأديان، اقرأ في الحروب اقرأ ثم اقرأ. بل حتى في واقعنا المعاصر، يحارب الجندي و يغتصب الضحية، لماذا يغتصبها و هو في حرب بين الحياة و الموت و هي قد تكون في أسوء حالاتها؟ ألم تقرأ في التاريخ عن سبايا المعارك و الحروب؟ عدد الاغتصابات في الحروب الحديثة؟ لماذا كل هذا؟ لأنه (ببساطة) أكثر ما يشتهيه الرجل من المرأة الجنس و من ثم بقية الأشياء.
لا تحاول خداعي و خداع الناس و خداع نفسك أنك تأتي زوجتك فقط من أجل الولد! لا تكذب على نفسك و الناس، إن كان الأمر كذلك، فبعد أن عرفت أن زوجتك حامل، لماذا تجامعها؟ أتريد أن تفهمنا أنك تنتظر و لا تجامعها مدة ٩ أشهر حتى تلد؟ هل هذا ما تريد إفهام الرجال حول العالم؟ أترى كم هذا الإدعاء سخيف و يكذبه الواقع؟
حتى الغرب بشياطينهم الذين أوحوا إلى المسلمين أن جماع الرجل زوجته في الآخرة شيء معيب، انظر إلى أحوالهم في الدنيا؟ كم من فيلم إباحي ينتجونه في اليوم الواحد؟ اقرأ في احصائياتهم كم حالة زنى تقع في الدقيقة الواحدة؟ بل اقرأ عدد الاغتصاب في السنة الواحدة! و أما عن حالات الجماعة فأكثر و أكثر. أتريد أن تفهمني أن هذا يقع لأن الرجل يبحث عن الصداقة و الرفيقة التي يشاطرها أفكاره؟ أم أنه يفعل ذلك لأنه يريد أن يقضي حاجته و شهوته؟
فالله تبارك و تعالى عندما يذكر من نعيم الجنة، فإنه يذكر أكثر ما تشتهيها الأنفس. هو أعلم بما خلق و بمن خلق. قال سبحانه في سورة النجم: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ۚ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ۖ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ﴾
و من هذا الباب أقول كلام محسن الغيثي صحيح و ليس بخطأ… فالله تبارك و تعالى يذكر من نعيم الجنة ما تشتهيه أنفسنا من طعام و شراب و مقام كريم و زوجة و ملك. و ليس في هذا ما يعيبه سبحانه و تعالى، بل يثبت رحمته و فضله و علمه و أنه هو اللطيف الخبير و يثبت أنه الواحد القهار و أنه أحد و ليس كمثله شيء و هو السميع البصير…
و أما من استنقص من الرجال الذين يعبدون الله رجاء هذا النعيم في الآخرة و يسعون إلى لقاء قاصرات الطرف عين، أقول لهم من أنتم؟ أتظنون أنّكم أحسن حالا من الأنبياء عليهم السلام؟ أليس ما يتمناه الأنبياء أن يغفر الله لهم خطيئتهم يوم الدين و يدخلهم الجنة؟ لماذا دعا إبراهيم: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ و لماذا عباد الله الصالحين ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: 16] و ماذا يطمعون أن يدخلوا هؤلاء؟﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾ [المائدة: 84] أتعرفون ما الذي يطمعون له؟ ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ [المعارج: 38] فالجنة جعلها الله رحمة منه سبحانه يرغّب بها عباده و يطمع فيها الناس، و نجاة من الذي يرهبون منه، جهنّم، التي يخافون العذاب فيها.
الرجال قبل بعثة الرسول صلى الله عليه، كانوا يشاركون في المعارك و يخاطرون بحياتهم بين الموت و الحياة من أجل ماذا؟ طلبا للرزق و النساء و الملك و المقام الكريم.
٣. و الآن دعونا ننتقل إلى آية من آيات الله، فيها دلالة صريحة على ما ذكرنا (من كون أن الله تبارك و تعالى رغّب عباده بالأزواج)و هي في سورة الرحمن: ﴿ فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ اسأل نفسك، لماذا ذكر الله تبارك و تعالى لم يطمثهن إنس قبلهم و لا جان؟ التفسير الظاهر المعروف عند الناس من غير لفّ أو دوران، لأن هذا ما يحبّه الرجل أصلا بفطرته… يحب المرأة التي يجامعها أن تكون طاهرة، لم يطمثها أحد من قبله. و لكن لأن الكلمة غير معروفة اليوم، ضلّ بعض أهل التنوير و من أسمّيهم أنا بمفسري ”تويتر“ عن المعنى، فقالوا هذه الآية لا تدلّ على ما تذهبون إليه، و قد لخّص أخونا باسل الذي ذكرته في بداية المقال، بعض الاعتراضات على التفسير السائد و المشهور للآية و أنا الآية ليس فيها ما يدل على الجماع، و أنا أنسخ لكم اعتراضاته و من ثم أعقّب، قال:
”١. لم ترد كلمة الطمث كتعبير عن الجنس في الدنيا
٢. الاية نافية جازمة وليس فيها ادات اثبات
٣. الطمث هو الحيض عند النساء والذي فيه يُحرم جماع النساء! فهل في ذلك إشارة إلى عدم وجود جنس في الاخرة ؟! والا لماذا استخدم الله هذه اللفظة بالذات ؟!
٤. من معاني الطمث اللغوية هو المس او اللمس فيقال ما طمَث هذا البعيرَ عِقالٌ: اي ما مَسَّه حَبْلٌ ويمكن ان يكون المقصود منها انه لم يمسها ( اي الحور العين ) او يطلع عليها احد قبلهم وليس بالضرورة تعني الجنس
٥. القول ان ( يطمثهن ) تعني الجماع قول شاذ وقبيح لان الاية سيكون معناها لم ينكحهن احد قبلهم من الجن او الإنس !! وكأن ذلك كان ممكن ان يكون او ان يجيزه الله ولكن من رحمته منع ذلك !! بينما الفعل في حد ذاته مقزز لا يمكن ان يجيزه به الله في جميع الحالات!
٦. لو كانت هناك اية اخرى فيها لفظ مغاير من ألفاظ الجماع الواردة في القران لاهل الجنة لقبلنا بذلك وأقررنا به ولكنها ايتين استخدمتا نفس اللفظ الشاذ الذي لم يستخدم في الدنيا وكلتا الايتين تمنعان ولا تثبتان!“
الاعتراض الأول، قوله: (لم ترد كلمة الطمث كتعبير عن الجنس في الدنيا) فأقول له و لغيره من على هذا الرأي، أين تقصد بالضبط؟ أتقصد أنها لم ترد في القرآن؟ أم لم ترد في استعمالات العرب؟ فإن كان الأول، فإنها وردت في سورة الرحمن و المعنى هو الظاهر الذي فهمه أكثر المسلمين و غير المسلمين، الذي يقرؤون العربية و الذي لا يتقنونها. و سآتي على بيان هذا بالتفصيل فيما بعد و سأعرض أقوال أهل التفسير في الآية.
أما في استعمالات العرب فكثير. يقولون في معناها من لسان العرب: ”طَمَثْتُ الجاريةَ إِذا افْتَرَعْتَها“ و قولهم: ”وطَمَثَها يَطْمِثُها ويَطْمُثُها طَمْثاً: اقْتَضَّها“ و قولُ الفرزدق: ”وَقَعْنَ إِليَّ، لم يُطْمَثْنَ قبلي، فهنَّ أَصَحُّ من بَيْضِ النَّعامِ“ أَي هُنَّ عذارَى غير مُفْتَرَعاتٍ. هذا نجده في استعمال العرب و في معاجم العربية.
و أما الاعتراض الثاني: (الاية نافية جازمة وليس فيها ادات اثبات) فلم أفهم وجه الاعتراض جيدا، نعم الله ينفي ذلك، و هذا النفي ماذا يعني و ماذا يلزم منه؟ يعني أنها لم تُطمث من قبل، و ماذا يعني هذا و ما الحكمة أن يقول هذا أصلا؟ الفوائد و الحِكَم كثيرة جدا لكن يكفي ما يعرفه الرجال عن رغباتهم، سواء أبدوها أم أخفوها… فهل يُفضّل أكثر الرجال زوجة مسّها أحد من قبله أم أنّهم يفضّلون مجامعة زوجة لم يمسّها أحد من قبل؟ الأكثرية من الرجال يحبّون التي لم يمسّها أحد و هذه الحكمة وحدها كافية أن تأتي الآية بالنفي.
بالمثال يتضّح المقال… سيارة أُهديتها، ثم قيل لك أنها غير مستعملة، ماذا يعني هذا؟ أنّك أوّل من سيستعملها و يستفيد منها و يتمتّع بها و غير مستهلكة… الإنسان العربي لا يحتاج مع مثل هذا النفي أي تأكيد أصلا لن تكون بنفس البلاغة و القول الحسن في الآية. و هذا الذي يجعل أصلا عوام المسلمين يفهمون ما يفهمون من هذه الآية، لأنها عربية سهلة ميسّرة و ليست معقّدة ولا تحتاج إلى فلسفة.
أما الاعتراض الثالث و الرابع فأظن أنه جاء به لأن هذا ما قيل في معاجم العربية ليس إلا… و هو من التفسير باللازم عندي. فإحدى المعاني المذكورة التي لا ينبغي أن يغفل عنها القارئ في المعاجم و هو ما اختاره كثير من أهل التفسير أن معنى الطمث: ”الاقتضاض“ كناية عن النكاح الذي يفسد يعني كما يقال بالعامية: ”خربها“ أو ”لطّخها“ و اليوم يقولون كما يقول محسن و غيره من الرجال: ”مستعملة“.
غير أن الأقرب عندي في معنى (يطمثهن) أي لم يُدميهن إنس بالنكاح و لا جان. و لهذا أصلا يُقال عن الحائض أحيانا طمثت أي حاضت و طامث يعني حائض. المعنى المشترك خروج الدم من فرجها، و هو الذي يفسدهن و لا يجعلهن طاهرات و الدليل من القرآن: ((وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ)) و موضع الشاهد (حتى يطهرن) و هذا يلزم منه قبل أن تطهرن لم تكن كذلك و هذه يفقه من له أدنى علم بالعربية.
إذن، حور عين، أبكار، أزواج مطهّرة (لا تحضن) و (لم يدميهن) إنس و لا جان، بالنكاح أو المس. و لهذا لا يوجد أحسن من هذه الكلمة لتعطي هذا المعنى الذي يتوافق مع بقية الآيات توافقا عجيبا مذهلا…
و هنا سؤال قد وجدت أناسا يسألونه، كيف لم يطمثهن إنس من قبلهم و لا جان؟ و لماذا؟ فإن الأزواج في الدنيا قد تزوجن و تم طمثهن فكيف قال سبحانه (لم يطمثهن)؟
الرد أيضا في القرآن، في آيات ذكرتها من قبل و ركّزت عليها وهي: ((إِنَّآ أَنشَأۡنَٰهُنَّ إِنشَآءٗ (35) فَجَعَلۡنَٰهُنَّ أَبۡكَارًا (36) عُرُبًا أَتۡرَابٗا (37) لِّأَصۡحَٰبِ ٱلۡيَمِينِ (38))) عجيب أليس كذلك؟ نعم حور العين أنشأهن الرحمن، تبارك اسمه… و بما أن الجنة تحت عرش الرحمن، و من أسماء الرحمن هو القدوس، كما فصّلت في هذا من قبل في مقالات عن اسم الرحمن، فلا ينبغي أن يكون في الجنة أحد أو شيء ليس بطاهر أصلا. و ذلك لأنك يا عزيزي القارئ، إن فهمت معنى الرحمن و ما أفهمه أنا من هذا الاسم الأعلى، و ما أقوله عن الملأ الأعلى، و فهمت ما كتبته هنا، ستجد الرابط العجيب بين هذه الآيات و موضعها في سورة الرحمن.
الاعتراض الخامس، نقول للأخ و من على رأيه، ما قلتم أنه شاذ في واقع الأمر ليس بقول شاذ إذ فهم ذلك أهل التخصص في العربية و التفسير أصلا، بل هو مستعمل في النكاح بالتدمية أصلا ثم استعملت لغيرها فرعا فكيف صار شاذا؟ الشاذ الذي هو مختلف عن البقية. أما بمعنى ”الشاذ“ بناء على ما هو مستخدم و متداول على ألسنة الناس اليوم فلا عبرة بذلك البتة.
و أما القبح، فأين الدليل من القرآن إن كان معنى الطمث مثلا النكاح بالتدمية، أن يكون المعنى قبيحا؟ أين لازم ذلك في القرآن؟ الإنسان مثلا عندما يأتي زوجته و يفضّها هل هذا عمل قبيح منه أو عمل شاذ؟ و أما أن الله يجيزه فليس له علاقة بالآية أصلا. لأن الله عندما يعطينا هذه المعلومة لكي يؤكد معنى و هذا المعنى قد يكون مؤكدا أو غير مؤكد في الأذهان، مثلا زوجتي في الجنة، هل ستكون بكرا أم ثيبا؟ هل مسّها إنسي أو جني؟ نظرة خاطفة في التاريخ بل في القصص الشعبية يكفي أن يؤكد الله المعنى ليزول كل وهم. فالآية ليس في معرض الأحكام إنما خبر من أخبار الآخرة فانتفى أي شذوذ من أصله و من أصرّ غير ذلك عليه أن يتعلّم العربية ثم يجادلنا في فهم الآية.
أما الاعتراض السادس فمردود أصلا، فإن الله سبحانه لم يذكر (لامستم النساء) إلا في موضعين و في نفس الموضوع ألا و هو الوضوء و الغسل، و لكن الناس فهموا ما فهمه أكثر المسلمين. و كذلك في معنى الطمث لم تذكر إلا في سورة واحدة في موضعين، و الناس فهموا ما فهمه أكثر المسلمين. و الأمر الثاني، قوله: (لم تستخدم في الدنيا) هذا خطأ و قول ليس بصحيح و قد أكدت ذلك في هذا المقال فقط من معجم لسان العرب و سأعرض أقوال أهل التفسير فيما بعد. و الأمر الثالث الآيات تنفي أن يمسّها، لكن ليس في الآيات نفي أنها ممنوعة لأصحاب اليمين بل القرآن يكذّب هذا بصريح العبارة في آيات أخرى.
و هنا أضيف أيضا اعتراضا من الاعتراضات و هو للدكتور علي منصور الكيالي، ذكره في مقطع له و قال بأن هذه الآية تثبت أن قاصرات الطرف لم و لن يطمثها أي أحد. لماذا؟ قال لأن الآية مثل هذه الآية: ((وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍۢ مِّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ ۖ أَفَإِيْن مِّتَّ فَهُمُ ٱلْخَٰلِدُونَ)) ثم ربط الآية: ((فَجَعَلْنَٰهُنَّ أَبْكَارًا)) و هذا يدل على الاستمرارية إلى الأبد. فبالتالي الحور المقصورات في الخيام ستبقى أبكارا و لن يمسّها صاحب اليمين لماذا لأن الله قال فجعلناهن أبكارا! تخيّلوا… و هذا إنسان يتصدّر الناس و يتكلم في القرآن… كيف جعل في آية فيها كلام الله: ”أفأين مت فهم الخلدون“ مثل: (فجعلناهن أبكارا) و (لم يطمثهن إنس من قبلهم و لا جان) الفرق ظاهر و بيّن والله… ففي الأولى هناك صيغة الاستنكار الواضحة و في الثانية لا توجد و لكن فيه تأكيد لم يطمثهن أحد من قبل و ليس فيها دلالة على استمرارية ذلك بدليل قوله: (من قبلهم). الجعل في القرآن لا تدلّ بشكل دائم على الاستمرارية الأبدية إنما الصيرورة، أي صيّره من شيء إلى شيء. مثلا جعل من النطفة الذكر و الأنثى أي صيّره و هكذا… بصراحة أشعر بالأسى من أجل الناس الذين يتأثرون بمثل هذا الكلام، لأنّهم يُضَلون بغير علم…
و هناك سؤال آخر يرد قارئ هذه الآية من سورة الرحمن، و قد ورد على خواطر الناس منذ القدم و إلى اليوم و هو: هل ينكح الجني؟ أو على الأقل هل يستطيع أن يطمث؟ المتقدّمين بعضهم استشهد بهذه الآية على جواز ذلك، و بعضهم لم يستشهد، و كذلك من المتأخرين و حتى عوام المسلمين فمن عوام المسلمين من يقول فلانة نكحها جني أو جامعها جني أو فلانة يعشقها جني. نجد مثل هذه القصص في كثير من شعوب الأرض. لكن ليس علي شيء من هذا الآن.
الذي علي، أن الفهم الذي عرضته لكم بموضوع الحور العين و معنى الطمث يجيب عن هذا السؤال باجابة غير مسبوقة و سيطمئن لها القلب بإذن الله…
أولا: استحضر كل ما قلته عن اسم الرحمن… و من ذلك علاقة الاسم بالغيب و الآخرة و الملأ الأعلى و الجن…الخ
ثانيا: الكلام في سورة الرحمن موجّه إلى الجن و الإنس، و بالتالي ناسب ذكر الإنس و الجن في الآية. و العجيب يا عزيزي القارئ قوله سبحانه: (لم يطمثهن إنس قبلهم و لا جان) قد ذكرت مرتّان في السورة نفسها، فهل هذا عبث!؟ لا يمكن ذلك إنما هو مقصود…
ثالثا: كما قلت في هذا المقال، الحور المقصورات في الخيام أنشأهن الرحمن إنشاء و قد استشهدت بالآية من سورة الواقعة على هذا (إنا أنشأناهن إنشاء). فهي إذن نشأة خاصة، نشأة في الجنة أو في الملأ الأعلى، غير النشأة الأرضية المعروفة، و بالتالي فهن أزواج مطهّرة للمتقين و أصحاب اليمين، لأن الرحمن هو الملك القدوس و الجنة تحت عرش الرحمن فلابد أن تكون مطهّرة و لا يصح أن تكون غير ذلك. و بما أنها نشأة في السماوات إن صحّ التعبير، بمعنى هي أقرب إلى ما يسمّيه الناس (بالأرواح) أو كما يسميه بعض أهل الغرب (مخلوقات شفافة) و هذا يعني أنها نشأة مختلفة عن النشأة الأرضية و كون الجني مخلوق لا يرى فهو يعتبر عند الناس من المخلوقات الشفافة، حسب الفهم الشائع للأشباح و الحور كذلك كونها من الجنة و بالتالي ناسب أن يذكر الإنس و الجن في الآية. كل هذا الذي ذكرته في النقطة الثالثة من أدلتي.
رابعا: إبليس له ذرية، بدليل من القرآن، قال الله تبارك و تعالى في سورة الكهف: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ موضع الشاهد (ذريّته) فإذن الشيطان له ذريّة… المعروف عند الناس أن الذرية تخرج من الأنثى و لن أكثر الكلام في هذا لأنه سيدخلني في مواضيع بحاجة إلى عمق و ربط عميق بأشياء كثيرة هي أشد عمقا من الذي سأذكره في هذا الموضوع، فلا تصلح أن تذكر الآن. إنما أكتب هذا أني لا أقول هذا الكلام عبثا إنما لأدلة لاحت لي قد لا تلوح للناس عادة.
خامسا: في سورة آل عمران، و التي دائما أقول لها علاقة باسم الرحمن و الجن، نجد فيها آية مهمة و هي قول أم مريم: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ موضع الشاهد (و إني أعيذها بك و ذريتها من الشيطان الرجيم) الناس يفهمون هذه الإعاذة من الوسوسة فحسب، و بلا شك أن هذا داخل في الموضوع، لكن هل هذا كل ما يمكن فهمه من الآية؟ أنا أرى أن الآية تعطي معانٍ إضافية، منها أنه (أي الشيطان) قد يفعل شيء حقيقة بالمولود (مثل أن يمسّه) ما يجعله (يذنب) و (يموت) طبعا تحت مشيئة الله المحيط بكل شيء، ما الذي أريد أن أقوله باختصار، أن الشيطان (يطمث) و هذا يقودني إلى النقطة السادسة، فأقول…
سادسا: نجد في حديث البخاري و مسلم: ”سَمِعْتُ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: ما مِن بَنِي آدَمَ مَوْلُودٌ إلَّا يَمَسُّهُ الشَّيْطَانُ حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِن مَسِّ الشَّيْطَانِ، غيرَ مَرْيَمَ وابْنِهَا. ثُمَّ يقولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}“. و معروف عند الناس ليس المؤمنين فحسب من هي مريم و ابنها، اقرأ ما قاله سبحانه في سورة المؤمنون: ((وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُۥٓ ءَايَةً وَءَاوَيْنَٰهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍۢ ذَاتِ قَرَارٍۢ وَمَعِينٍۢ)). الآن ما العجيب؟ لقد ذكرت في النقطة الخامسة بعد طمث الشيطان ما يجعله يذنب و يموت، و إن أنت بحثت في القرآن كلّه من أول سورة الفاتحة إلى سورة الناس، و إن قرأت في الأحاديث و الأخبار، و إن قرأت في أناجيل النصارى من عند آخرها، لن تجد ذنبا مذكورا لمريم و ابنها عيسى عليهما السلام! لماذا؟ لأن الله أجاب دعاء أم مريم: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾…
سابعا: فإن ربطت كل النقاط التي ذكرتها، و كون الشيطان من الجن كما علّمنا الله في سورة الكهف: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ موضع الشاهد (كان من الجن) و أنه لم يستطع أن يمس مريم و ابنها عند الولادة كما تدلّ عليه آية سورة آل عمران و ما أثبته رسول الله صلى الله عليه صراحة، فالشيطان إذن لم يطمثها أي مريم و ابنها عيسى عليهما السلام، أي لم يفسدهما و يلطخهما…الخ و بالتالي هناك خاصية في الطهر عندهما ليست عند البشر.
الآن العجيب ماذا؟ أقول العجيب أنّك تجد في القرآن عن مريم عليها السلام: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ موضع الشاهد (طهّرك) هذا عن مريم عليها السلام… و أما عن ابنها عيسى عليه السلام فاقرأ: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ موضع الشاهد: (رافعك إلي و مطهّرك) و العجيب كلا الآيتين في سورة آل عمران! سبحان الله شيء عجيب، أليس كذلك؟ كتاب لا تنقضي عجائبه…
إذن بناء على ما سبق، مريم عليها السلام لم يطمثها إنس و لا جان، قد تقول أثبتَّ لنا من سورة آل عمران أن الله أعاذ مريم و ذريتها من الشيطان و لكن ماذا عن الإنس، هل نكحها بشر؟ أقول اقرأ هذه الآية من سورة مريم: ((قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَٰمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا)) إذن مريم عليها السلام قد تكون والله أعلم الوحيدة من نساء الدنيا من لم يطمثها إنس و لا جان…
ثامنا: و بناء على النقاط التي قبلها، و قولي أن الشيطان لم يطمث مريم و ابنها فبالتالي لم يذنبا و لم يموتا، فهما من الأحياء، هل في السماء أو غير ذلك هذا ليس موضوعي، لكن هذا الذي يترجّح عندي… أنهما أحياء… و طبعا لا أدّعي شيئا هكذا من عندي من دون ما أجد له دليلا في القرآن العظيم… و دليلي من القرآن آيتان…
الآية الأولى في سورة المائدة: (( لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ ۚ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُۥ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا ۗ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ)) و موضع الشاهد قوله سبحانه: (يهلك المسيح ابن مريم و أمه) و ذلك لأن كلمة يهلك جاءت بصيغة المضارع، و لازم ذلك أن قبل هذه الجملة المسيح و ابن مريم لم يكونا من الهالكين… و بناء على هذا فالمسيح بن مريم و أمه من الأحياء…
الآية الثانية و هو دليلي الثاني نجده في سورة المؤمنون: ((وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُۥٓ ءَايَةً وَءَاوَيْنَٰهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍۢ ذَاتِ قَرَارٍۢ وَمَعِينٍۢ)) موضع الشاهد الأول (وَءَاوَيْنَٰهُمَآ) و موضع الشاهد الثاني: (ذات قرار). الآن قد تقول في نفسك؟ سبحان الله! كيف كل هذا في القرآن و لم أنتبه له من قبل؟ نعم و هو كذلك و هذا فائدة من فوائد تدبّر كتاب الله باستمرار…
تاسعا: بناء على ما سبق، و كون الحور العين أبكار، مطهّرات (أزواج مطهرة) لم يطمثهن إنس و لا جان و خالدات في الجنة. قال سبحانه: ((وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ ۖ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍۢ رِّزْقًا ۙ قَالُواْ هَٰذَا ٱلَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَأُتُواْ بِهِۦ مُتَشَٰبِهًا ۖ وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ ۖ وَهُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ)) إذن أشبه النساء بالحور العين من الدنيا هي مريم عليها السلام.
فإذا فهمت هذا تفهم إحدى الأسباب لِمَ كانت مريم عليها السلام خير نساء الدنيا… ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ و العجيب من ألقاب مريم عليها السلام عند النصارى: ”العذراء“ أو ”البتول“… و العجيب عن الحور في بعض الروايات المنسوبة إلى الرسول صلى الله عليه: ”و إنَّ مما يُغنِّين به : نحن الخالداتُ فلا يَمُتْنَه نحن الآمِناتُ فلا يخَفْنَه نحن المقيماتُ فلا يَظَعْنَه“ موضع الشاهد (الخالدات) و هذا يوافق (و لهم فيها أزواج مطهرة و هم فيها خالدون).
عاشرا: و في مزيد معنى في طمث الجان، لقد ذكرت أن هذه الكلمة وردت في سورة الرحمن و التي لها علاقة بالغيب و الجن، فإن قلنا عرفنا معنى طمث الإنسي فكيف يكون طمث الجني؟ فأقول إن لم تكتفي بكل تلك النقاط التي ذكرتها، فإليك المزيد. ماذا إن قلنا إن الحيض من إحدى أسبابه الخفية الشيطان! بمعنى أن الجان عندما يمس المرأة قد يفسد طهرهن بالحيض!
في قصة حمنة بنت جحش أو فاطمة بنت أبي حبيث كما في بعض الروايات التي ليست بذاك: ”كُنتُ أُستحاضُ حَيضةً كبيرةً شديدةً، فأتيتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فوجَدتُه في بيتِ زَينبَ، فقُلتُ: يا رسولَ اللهِ، إني أُستحاضُ حيضةً كبيرةً شديدةً، فما ترى فيها؟ قد منعَتْني الصَّومَ والصَّلاةَ فقال: أنعَتُ لك الكُرسُفَ؛ فإنَّه يُذهِبُ الدَّمَ، قُلتُ: هو أكثَرُ من ذلك، قال: فاتَّخِذي ثوبًا، قُلتُ: هو أكثَرُ من ذلك، إنَّما أثُجُّ ثجًّا. قال: سآمُرُك بأمرينِ فأيَّهما فعَلْتِ أجزأ عنكِ من الآخَرِ، وإن قَوِيتِ عليهما فأنت أعلَمُ. قال: إنَّما هي ركضةٌ من ركَضاتِ الشَّيطانِ فتَحيَّضي في عِلمِ اللهِ سِتَّةَ أيَّامٍ أو سبعةً، ثمَّ اغتَسِلي، فإذا رأيتِ أنَّكِ قد طهُرْتِ واستنقَأْتِ فصَلِّي ثلاثًا وعشرينَ ليلةً وأيَّامَها، فإنَّ ذلك يُجزِئُكِ، وكذلك فافعَلي في كُلِّ شَهرٍ كما تحيضُ النِّساءُ، وكما يَطهُرْنَ؛ لميقاتِ حَيضِهنَّ وطُهرِهنَّ، فإن قَوِيتِ على أن تؤخِّري الظُّهرَ، وتُعَجِّلي العَصرَ فتغتَسِلينَ وتجمَعينَ -وكذلك ذَكَر في المَغرِبِ والعِشاءِ- وتغتَسِلينَ مع الفَجرِ فافعَلي، وصومي إن قدَرْتِ على ذلك. قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: وهو أعجَبُ الأمرَينِ إليَّ“. و في بعض الأخبار الشعبية القديمة في بعض الثقافات أنّهم ينصبون خيمة للحائض أو يبعدونها و السبب أن هذا الدم يجذب الشياطين و بالتالي يفسد أخلاق المرأة و ما إلى ذلك… طبعا هذه الأمور لا يُعتمد عليها و فيما ذكرت من القرآن العظيم الكفاية و الحمدلله.
الحادي عشر: سأعرض لك أكثر من ٢٠ قولا من أقوال أهل التخصص و التفسير في معنى (لم يطمثهن إنس قبلهم و لا جان)، كي لا يكون لأولئك القوم حجة، أعني أولئك الذين يقولون: ”اسألوا أهل الاختصاص“ فدونك عزيزي القارئ اقرأ ما قاله أهل الاختصاص لتعرف أنه هو المعنى المعروف لدى المسلمين بشتى فرقهم و طوائفهم لتعرف أن هذه التفاسير الحديثة التي يأتي بها المجاملون للغرب ليس بشيء له وزن…
١.عن ابن عباس: ”لم يُدْمِهنّ إنس ولا جانّ“ و في رواية ضعيفة عن علي: ”منذ خلقهن“
٢.عن عكرمة: ”لا تقل للمرأة طامث، فإن الطَّمْث هو الجماع“
٣.عن ابن زيد: ”لم يَمَسَّهنّ شيء إنس ولا غيره“
٤.عن مجاهد: ”لم يَمَسَّهنّ“
٥.عن أبو العالية: ”حائض“
٦.قال مقاتل بن سليمان: ”لم يدميهن“
٧.قال الفراء: ”الطمث: الافتضاض، وهو النكاح بالتدمية.“
٨.قال أبو الهيثم: ”يقال للمرأة طمثت تطمث، إذا أدميت بالافتضاض“
٩.قال الطبري: ” لم يمسهنّ بنكاح فيدميهن إنس قبلهم ولا جانّ“
١٠.قال القرطبي: ”أي لم يصبهنّ بالجماع قبل أزواجهن هؤلاء أحد.“
١١.قال ابن كثير: ”أي بل هن أبكار، عرب أتراب، لم يطأهن أحد قبل أزواجهن من الإنس والجن“
١٢.قال السيوطي: ” يفتضهنّ“
١٣.قال الواحدي: ”قال المفسرون لم يطأهن ولم يغشهنّ ولم يجامعهنّ قبلهم أحد.“
١٤.قال الطبراني: ”أي لم يَفْضُضْهُنَّ، والطَّمْثُ: هو النكاحُ بالتدميةِ“ و قال: ”لم يَغْشَهُنَّ ولا يُجامِعهُنَّ إنسٌ قبلَهم ولا جانّ“.
١٥.قال الفخر الرازي: ”أولها: لم يفرعهن ثانيها: لم يجامعهن ثالثها: لم يمسسهن“ و قال أيضا: ”الطمث أدل من الجماع والوقاع لأنهما من الجمع والوقوع إشارة إلى خلوه عن وجوه القبح“.
١٦.قال الزمخشري: ”يطمث الإنسيات منهنّ أحد من الإنس، ولا الجنيات أحد من الجن“
١٧.قال البيضاوي: ”لم يمس الإِنسيات إنس ولا الجنيات جن، وفيه دليل على أن الجن يطمثون“
١٨.قال ابن عاشور: ”والطمْث بفتح الطاء وسكون الميم مسيس الأنثى البِكر، أي من أبكار. وعُبِّر عن البكارة بــــ { لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان } إطناباً في التحسين، وقد جاء في الآية الأخرى {فجعلناهن أبكاراً}“
١٩.قال ابن عثيمين: ”عني: لم يجماعهنّ أحد، بل هي باقية على بكارتها إلى أن يغشاها زوجها إذا دخل الجنّة جعلنا الله وإيّاكم منهم، لم يطمثهنّ إنس ولا جانّ“
٢٠.قال ابن عجيبة الصوفي: ”الجماع بالتدمية“
٢١.قال الجيلاني الصوفي: ”لم يتلذذ معهن“
٢٢.قال الطبطبائي الشيعي: ”الطمث الافتضاض والنكاح بالتدمية، والمعنى لم يمسسهن بالنكاح إنس ولا جان قبل أزواجهن“
٢٣.قال الجنابذي الشيعي: ”الطّمث الافتضاض والمسّ“
٢٤.قال البحراني الشيعي: ”أي لم يمسسهن أحد“
٢٥.قال أطفيش الإباضي: ”أي لم يطمث الانسيات انس ولا جان ولا الجنيات جن“
الثاني عشر: أقول لأولئك القوم من أهل التنوير أنه لا داعي لتحريف معنى الآية عن ظاهره، ألستم تقولون بأن الجن ليست مخلوقات خارقة للعادة، إنما هم من البشر، و المقصود بهم علية القوم، أو الرجال الذين يعملون لصالح الحكومة الخفية أو الـDeep State أو الذين يخفون هويّاتهم في الـDark Web و مواقع التواصل الاجتماعي، فإذن لا ينبغي أن يكون عندكم إشكال بالمعنى الظاهر من الآية، فالجن عندكم من بني آدم أو من البشر و هؤلاء يجامعون كالبشر، فلماذا تحرّفون المعنى الظاهر إلى معنى يخالف الظاهر؟
الثالث عشر: و أنا أظن أن الناس الذين شككوا في موضوع أزواج الجنة و التمتّع بهن، تأثروا بكلام ذلك المستشرق، أعني لوكسمبورغ الذي فسّر الحور العين بالثمار أو بالعنب مستدلا باللغة السريانية، و لم يعرف ذاك و أتباعه من المسلمين الذين أشربوا الهزيمة الفكرية في قلوبهم تجاه الغرب أن اللغة السريانية هي لغو في العربية، و الأصل اللسان العربي المبين. الله تبارك و تعالى ذكر العنب في القرآن و ذكر الثمار فما كان ليعجزه أن يجعل بدلا من حور عين عنب أو ثمرة…الخ فلا يستدل علينا بإنسان يلغو و في لسانه عجمة و استشهاده و منطقه في غير محلّه ثم نجعله قاضيا على آيات جعلها الله بلسان عربي مبين.
تخيّل يقولون لم يطمثهن إنس قبلهم و لا جان أي بمعنى أن هذه الثمار و العنب لم يمسها إنس من قبل و لا جان. لا بأس أيها المقلّد الذي تتذاكى علينا بمنطقك الذي توهمته عقلا، الثمار أو الفاكهة إن مسّها الإنسان يستطيع غسلها و يعيدها نظيفة، و لا يسوء الإنسان معنويا أي شيء.
فمثلا إنسان قدّم لك ثمرة من الثمرات بيده، الإنسان الطبيعي لا ينفر من هذا، و إن هو يتقزز بسرعة فإنه يغسلها أو يمسحها. لكن عندما يطمث الرجل الأنثى فهنا الموضوع مختلف تماما عند الرجل. الرجل بل حتى الأنثى نفسها تشعر حقيقة أنها ليست جديدة و طاهرة كما كانت قبل أن يفتضها رجل و إن اغتسلت ألف ألف مرة. هي تعرف أنها لم تعد بكرا بعدها… و لهذا أصلا هناك في العربية كلمات مثل ”بكر“ و ”ثيّب“ و ”عذراء“ و ما إلى ذلك… هذا لا يمكن أن ينكره الرجل و لا تنكره المرأة، لأن مع هذا الموضوع بالذات، هناك طهارة معنوية و ليس طهارة حسية فحسب.
و المثير في الأمر أن أهل الكتاب و بالتحديد اليهود يعرفون هذا، و يسمون المرأة الغير طاهرة ”طمح“ أو ”طمه“ بدلا من ”الطمث“ أو ”الطامث“ و يقابلون كلمة طمث بكلمة طهر. فأين قوله سبحانه: ((لم يطمثهن إنس قبلهم و لا جان)) و دلالاتها بالنسبة للثمار و العنب و معناها و دلالاتها بالأزواج… فإن فهمت هذا ستفهم لماذا في آيات عدة قال سبحانه: ((أزواج مطهّرة))…
مرة أخرى أذكّرك لعلّك تتذكّر رجولتك، لا تكابر نفسك أيها الرجل، لنفترض كنت مع إنسان طاهر، معروف اهتمامه بالنظافة و هو بعيد عن الذنوب و المعاصي و ما يسوء المرء، و قدّم لك فاكهة، ستأخذها منه و لن تنفر. و لكن تخيّل هذا الرجل نفسه عنده أنثى، افتضها و أدماها بالنكاح، ثم قال لك خذها زوجة لك، صدقا ما الذي ستشعر به؟ طبعا هذا الكلام ليس للزناة من الرجال و النساء إنما للأسوياء من بني آدم… و أخيرا لم نجد في استعمالات العرب يستعملون الطمث و طمثهن بالنسبة للثمار و العنب.
”١. لم ترد كلمة الطمث كتعبير عن الجنس في الدنيا
٢. الاية نافية جازمة وليس فيها ادات اثبات
٣. الطمث هو الحيض عند النساء والذي فيه يُحرم جماع النساء! فهل في ذلك إشارة إلى عدم وجود جنس في الاخرة ؟! والا لماذا استخدم الله هذه اللفظة بالذات ؟!
٤. من معاني الطمث اللغوية هو المس او اللمس فيقال ما طمَث هذا البعيرَ عِقالٌ: اي ما مَسَّه حَبْلٌ ويمكن ان يكون المقصود منها انه لم يمسها ( اي الحور العين ) او يطلع عليها احد قبلهم وليس بالضرورة تعني الجنس
٥. القول ان ( يطمثهن ) تعني الجماع قول شاذ وقبيح لان الاية سيكون معناها لم ينكحهن احد قبلهم من الجن او الإنس !! وكأن ذلك كان ممكن ان يكون او ان يجيزه الله ولكن من رحمته منع ذلك !! بينما الفعل في حد ذاته مقزز لا يمكن ان يجيزه به الله في جميع الحالات!
٦. لو كانت هناك اية اخرى فيها لفظ مغاير من ألفاظ الجماع الواردة في القران لاهل الجنة لقبلنا بذلك وأقررنا به ولكنها ايتين استخدمتا نفس اللفظ الشاذ الذي لم يستخدم في الدنيا وكلتا الايتين تمنعان ولا تثبتان!“
الاعتراض الأول، قوله: (لم ترد كلمة الطمث كتعبير عن الجنس في الدنيا) فأقول له و لغيره من على هذا الرأي، أين تقصد بالضبط؟ أتقصد أنها لم ترد في القرآن؟ أم لم ترد في استعمالات العرب؟ فإن كان الأول، فإنها وردت في سورة الرحمن و المعنى هو الظاهر الذي فهمه أكثر المسلمين و غير المسلمين، الذي يقرؤون العربية و الذي لا يتقنونها. و سآتي على بيان هذا بالتفصيل فيما بعد و سأعرض أقوال أهل التفسير في الآية.
أما في استعمالات العرب فكثير. يقولون في معناها من لسان العرب: ”طَمَثْتُ الجاريةَ إِذا افْتَرَعْتَها“ و قولهم: ”وطَمَثَها يَطْمِثُها ويَطْمُثُها طَمْثاً: اقْتَضَّها“ و قولُ الفرزدق: ”وَقَعْنَ إِليَّ، لم يُطْمَثْنَ قبلي، فهنَّ أَصَحُّ من بَيْضِ النَّعامِ“ أَي هُنَّ عذارَى غير مُفْتَرَعاتٍ. هذا نجده في استعمال العرب و في معاجم العربية.
و أما الاعتراض الثاني: (الاية نافية جازمة وليس فيها ادات اثبات) فلم أفهم وجه الاعتراض جيدا، نعم الله ينفي ذلك، و هذا النفي ماذا يعني و ماذا يلزم منه؟ يعني أنها لم تُطمث من قبل، و ماذا يعني هذا و ما الحكمة أن يقول هذا أصلا؟ الفوائد و الحِكَم كثيرة جدا لكن يكفي ما يعرفه الرجال عن رغباتهم، سواء أبدوها أم أخفوها… فهل يُفضّل أكثر الرجال زوجة مسّها أحد من قبله أم أنّهم يفضّلون مجامعة زوجة لم يمسّها أحد من قبل؟ الأكثرية من الرجال يحبّون التي لم يمسّها أحد و هذه الحكمة وحدها كافية أن تأتي الآية بالنفي.
بالمثال يتضّح المقال… سيارة أُهديتها، ثم قيل لك أنها غير مستعملة، ماذا يعني هذا؟ أنّك أوّل من سيستعملها و يستفيد منها و يتمتّع بها و غير مستهلكة… الإنسان العربي لا يحتاج مع مثل هذا النفي أي تأكيد أصلا لن تكون بنفس البلاغة و القول الحسن في الآية. و هذا الذي يجعل أصلا عوام المسلمين يفهمون ما يفهمون من هذه الآية، لأنها عربية سهلة ميسّرة و ليست معقّدة ولا تحتاج إلى فلسفة.
أما الاعتراض الثالث و الرابع فأظن أنه جاء به لأن هذا ما قيل في معاجم العربية ليس إلا… و هو من التفسير باللازم عندي. فإحدى المعاني المذكورة التي لا ينبغي أن يغفل عنها القارئ في المعاجم و هو ما اختاره كثير من أهل التفسير أن معنى الطمث: ”الاقتضاض“ كناية عن النكاح الذي يفسد يعني كما يقال بالعامية: ”خربها“ أو ”لطّخها“ و اليوم يقولون كما يقول محسن و غيره من الرجال: ”مستعملة“.
غير أن الأقرب عندي في معنى (يطمثهن) أي لم يُدميهن إنس بالنكاح و لا جان. و لهذا أصلا يُقال عن الحائض أحيانا طمثت أي حاضت و طامث يعني حائض. المعنى المشترك خروج الدم من فرجها، و هو الذي يفسدهن و لا يجعلهن طاهرات و الدليل من القرآن: ((وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ)) و موضع الشاهد (حتى يطهرن) و هذا يلزم منه قبل أن تطهرن لم تكن كذلك و هذه يفقه من له أدنى علم بالعربية.
إذن، حور عين، أبكار، أزواج مطهّرة (لا تحضن) و (لم يدميهن) إنس و لا جان، بالنكاح أو المس. و لهذا لا يوجد أحسن من هذه الكلمة لتعطي هذا المعنى الذي يتوافق مع بقية الآيات توافقا عجيبا مذهلا…
و هنا سؤال قد وجدت أناسا يسألونه، كيف لم يطمثهن إنس من قبلهم و لا جان؟ و لماذا؟ فإن الأزواج في الدنيا قد تزوجن و تم طمثهن فكيف قال سبحانه (لم يطمثهن)؟
الرد أيضا في القرآن، في آيات ذكرتها من قبل و ركّزت عليها وهي: ((إِنَّآ أَنشَأۡنَٰهُنَّ إِنشَآءٗ (35) فَجَعَلۡنَٰهُنَّ أَبۡكَارًا (36) عُرُبًا أَتۡرَابٗا (37) لِّأَصۡحَٰبِ ٱلۡيَمِينِ (38))) عجيب أليس كذلك؟ نعم حور العين أنشأهن الرحمن، تبارك اسمه… و بما أن الجنة تحت عرش الرحمن، و من أسماء الرحمن هو القدوس، كما فصّلت في هذا من قبل في مقالات عن اسم الرحمن، فلا ينبغي أن يكون في الجنة أحد أو شيء ليس بطاهر أصلا. و ذلك لأنك يا عزيزي القارئ، إن فهمت معنى الرحمن و ما أفهمه أنا من هذا الاسم الأعلى، و ما أقوله عن الملأ الأعلى، و فهمت ما كتبته هنا، ستجد الرابط العجيب بين هذه الآيات و موضعها في سورة الرحمن.
الاعتراض الخامس، نقول للأخ و من على رأيه، ما قلتم أنه شاذ في واقع الأمر ليس بقول شاذ إذ فهم ذلك أهل التخصص في العربية و التفسير أصلا، بل هو مستعمل في النكاح بالتدمية أصلا ثم استعملت لغيرها فرعا فكيف صار شاذا؟ الشاذ الذي هو مختلف عن البقية. أما بمعنى ”الشاذ“ بناء على ما هو مستخدم و متداول على ألسنة الناس اليوم فلا عبرة بذلك البتة.
و أما القبح، فأين الدليل من القرآن إن كان معنى الطمث مثلا النكاح بالتدمية، أن يكون المعنى قبيحا؟ أين لازم ذلك في القرآن؟ الإنسان مثلا عندما يأتي زوجته و يفضّها هل هذا عمل قبيح منه أو عمل شاذ؟ و أما أن الله يجيزه فليس له علاقة بالآية أصلا. لأن الله عندما يعطينا هذه المعلومة لكي يؤكد معنى و هذا المعنى قد يكون مؤكدا أو غير مؤكد في الأذهان، مثلا زوجتي في الجنة، هل ستكون بكرا أم ثيبا؟ هل مسّها إنسي أو جني؟ نظرة خاطفة في التاريخ بل في القصص الشعبية يكفي أن يؤكد الله المعنى ليزول كل وهم. فالآية ليس في معرض الأحكام إنما خبر من أخبار الآخرة فانتفى أي شذوذ من أصله و من أصرّ غير ذلك عليه أن يتعلّم العربية ثم يجادلنا في فهم الآية.
أما الاعتراض السادس فمردود أصلا، فإن الله سبحانه لم يذكر (لامستم النساء) إلا في موضعين و في نفس الموضوع ألا و هو الوضوء و الغسل، و لكن الناس فهموا ما فهمه أكثر المسلمين. و كذلك في معنى الطمث لم تذكر إلا في سورة واحدة في موضعين، و الناس فهموا ما فهمه أكثر المسلمين. و الأمر الثاني، قوله: (لم تستخدم في الدنيا) هذا خطأ و قول ليس بصحيح و قد أكدت ذلك في هذا المقال فقط من معجم لسان العرب و سأعرض أقوال أهل التفسير فيما بعد. و الأمر الثالث الآيات تنفي أن يمسّها، لكن ليس في الآيات نفي أنها ممنوعة لأصحاب اليمين بل القرآن يكذّب هذا بصريح العبارة في آيات أخرى.
و هنا أضيف أيضا اعتراضا من الاعتراضات و هو للدكتور علي منصور الكيالي، ذكره في مقطع له و قال بأن هذه الآية تثبت أن قاصرات الطرف لم و لن يطمثها أي أحد. لماذا؟ قال لأن الآية مثل هذه الآية: ((وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍۢ مِّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ ۖ أَفَإِيْن مِّتَّ فَهُمُ ٱلْخَٰلِدُونَ)) ثم ربط الآية: ((فَجَعَلْنَٰهُنَّ أَبْكَارًا)) و هذا يدل على الاستمرارية إلى الأبد. فبالتالي الحور المقصورات في الخيام ستبقى أبكارا و لن يمسّها صاحب اليمين لماذا لأن الله قال فجعلناهن أبكارا! تخيّلوا… و هذا إنسان يتصدّر الناس و يتكلم في القرآن… كيف جعل في آية فيها كلام الله: ”أفأين مت فهم الخلدون“ مثل: (فجعلناهن أبكارا) و (لم يطمثهن إنس من قبلهم و لا جان) الفرق ظاهر و بيّن والله… ففي الأولى هناك صيغة الاستنكار الواضحة و في الثانية لا توجد و لكن فيه تأكيد لم يطمثهن أحد من قبل و ليس فيها دلالة على استمرارية ذلك بدليل قوله: (من قبلهم). الجعل في القرآن لا تدلّ بشكل دائم على الاستمرارية الأبدية إنما الصيرورة، أي صيّره من شيء إلى شيء. مثلا جعل من النطفة الذكر و الأنثى أي صيّره و هكذا… بصراحة أشعر بالأسى من أجل الناس الذين يتأثرون بمثل هذا الكلام، لأنّهم يُضَلون بغير علم…
و هناك سؤال آخر يرد قارئ هذه الآية من سورة الرحمن، و قد ورد على خواطر الناس منذ القدم و إلى اليوم و هو: هل ينكح الجني؟ أو على الأقل هل يستطيع أن يطمث؟ المتقدّمين بعضهم استشهد بهذه الآية على جواز ذلك، و بعضهم لم يستشهد، و كذلك من المتأخرين و حتى عوام المسلمين فمن عوام المسلمين من يقول فلانة نكحها جني أو جامعها جني أو فلانة يعشقها جني. نجد مثل هذه القصص في كثير من شعوب الأرض. لكن ليس علي شيء من هذا الآن.
الذي علي، أن الفهم الذي عرضته لكم بموضوع الحور العين و معنى الطمث يجيب عن هذا السؤال باجابة غير مسبوقة و سيطمئن لها القلب بإذن الله…
أولا: استحضر كل ما قلته عن اسم الرحمن… و من ذلك علاقة الاسم بالغيب و الآخرة و الملأ الأعلى و الجن…الخ
ثانيا: الكلام في سورة الرحمن موجّه إلى الجن و الإنس، و بالتالي ناسب ذكر الإنس و الجن في الآية. و العجيب يا عزيزي القارئ قوله سبحانه: (لم يطمثهن إنس قبلهم و لا جان) قد ذكرت مرتّان في السورة نفسها، فهل هذا عبث!؟ لا يمكن ذلك إنما هو مقصود…
ثالثا: كما قلت في هذا المقال، الحور المقصورات في الخيام أنشأهن الرحمن إنشاء و قد استشهدت بالآية من سورة الواقعة على هذا (إنا أنشأناهن إنشاء). فهي إذن نشأة خاصة، نشأة في الجنة أو في الملأ الأعلى، غير النشأة الأرضية المعروفة، و بالتالي فهن أزواج مطهّرة للمتقين و أصحاب اليمين، لأن الرحمن هو الملك القدوس و الجنة تحت عرش الرحمن فلابد أن تكون مطهّرة و لا يصح أن تكون غير ذلك. و بما أنها نشأة في السماوات إن صحّ التعبير، بمعنى هي أقرب إلى ما يسمّيه الناس (بالأرواح) أو كما يسميه بعض أهل الغرب (مخلوقات شفافة) و هذا يعني أنها نشأة مختلفة عن النشأة الأرضية و كون الجني مخلوق لا يرى فهو يعتبر عند الناس من المخلوقات الشفافة، حسب الفهم الشائع للأشباح و الحور كذلك كونها من الجنة و بالتالي ناسب أن يذكر الإنس و الجن في الآية. كل هذا الذي ذكرته في النقطة الثالثة من أدلتي.
رابعا: إبليس له ذرية، بدليل من القرآن، قال الله تبارك و تعالى في سورة الكهف: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ موضع الشاهد (ذريّته) فإذن الشيطان له ذريّة… المعروف عند الناس أن الذرية تخرج من الأنثى و لن أكثر الكلام في هذا لأنه سيدخلني في مواضيع بحاجة إلى عمق و ربط عميق بأشياء كثيرة هي أشد عمقا من الذي سأذكره في هذا الموضوع، فلا تصلح أن تذكر الآن. إنما أكتب هذا أني لا أقول هذا الكلام عبثا إنما لأدلة لاحت لي قد لا تلوح للناس عادة.
خامسا: في سورة آل عمران، و التي دائما أقول لها علاقة باسم الرحمن و الجن، نجد فيها آية مهمة و هي قول أم مريم: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ موضع الشاهد (و إني أعيذها بك و ذريتها من الشيطان الرجيم) الناس يفهمون هذه الإعاذة من الوسوسة فحسب، و بلا شك أن هذا داخل في الموضوع، لكن هل هذا كل ما يمكن فهمه من الآية؟ أنا أرى أن الآية تعطي معانٍ إضافية، منها أنه (أي الشيطان) قد يفعل شيء حقيقة بالمولود (مثل أن يمسّه) ما يجعله (يذنب) و (يموت) طبعا تحت مشيئة الله المحيط بكل شيء، ما الذي أريد أن أقوله باختصار، أن الشيطان (يطمث) و هذا يقودني إلى النقطة السادسة، فأقول…
سادسا: نجد في حديث البخاري و مسلم: ”سَمِعْتُ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: ما مِن بَنِي آدَمَ مَوْلُودٌ إلَّا يَمَسُّهُ الشَّيْطَانُ حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِن مَسِّ الشَّيْطَانِ، غيرَ مَرْيَمَ وابْنِهَا. ثُمَّ يقولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}“. و معروف عند الناس ليس المؤمنين فحسب من هي مريم و ابنها، اقرأ ما قاله سبحانه في سورة المؤمنون: ((وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُۥٓ ءَايَةً وَءَاوَيْنَٰهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍۢ ذَاتِ قَرَارٍۢ وَمَعِينٍۢ)). الآن ما العجيب؟ لقد ذكرت في النقطة الخامسة بعد طمث الشيطان ما يجعله يذنب و يموت، و إن أنت بحثت في القرآن كلّه من أول سورة الفاتحة إلى سورة الناس، و إن قرأت في الأحاديث و الأخبار، و إن قرأت في أناجيل النصارى من عند آخرها، لن تجد ذنبا مذكورا لمريم و ابنها عيسى عليهما السلام! لماذا؟ لأن الله أجاب دعاء أم مريم: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾…
سابعا: فإن ربطت كل النقاط التي ذكرتها، و كون الشيطان من الجن كما علّمنا الله في سورة الكهف: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ موضع الشاهد (كان من الجن) و أنه لم يستطع أن يمس مريم و ابنها عند الولادة كما تدلّ عليه آية سورة آل عمران و ما أثبته رسول الله صلى الله عليه صراحة، فالشيطان إذن لم يطمثها أي مريم و ابنها عيسى عليهما السلام، أي لم يفسدهما و يلطخهما…الخ و بالتالي هناك خاصية في الطهر عندهما ليست عند البشر.
الآن العجيب ماذا؟ أقول العجيب أنّك تجد في القرآن عن مريم عليها السلام: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ موضع الشاهد (طهّرك) هذا عن مريم عليها السلام… و أما عن ابنها عيسى عليه السلام فاقرأ: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ موضع الشاهد: (رافعك إلي و مطهّرك) و العجيب كلا الآيتين في سورة آل عمران! سبحان الله شيء عجيب، أليس كذلك؟ كتاب لا تنقضي عجائبه…
إذن بناء على ما سبق، مريم عليها السلام لم يطمثها إنس و لا جان، قد تقول أثبتَّ لنا من سورة آل عمران أن الله أعاذ مريم و ذريتها من الشيطان و لكن ماذا عن الإنس، هل نكحها بشر؟ أقول اقرأ هذه الآية من سورة مريم: ((قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَٰمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا)) إذن مريم عليها السلام قد تكون والله أعلم الوحيدة من نساء الدنيا من لم يطمثها إنس و لا جان…
ثامنا: و بناء على النقاط التي قبلها، و قولي أن الشيطان لم يطمث مريم و ابنها فبالتالي لم يذنبا و لم يموتا، فهما من الأحياء، هل في السماء أو غير ذلك هذا ليس موضوعي، لكن هذا الذي يترجّح عندي… أنهما أحياء… و طبعا لا أدّعي شيئا هكذا من عندي من دون ما أجد له دليلا في القرآن العظيم… و دليلي من القرآن آيتان…
الآية الأولى في سورة المائدة: (( لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ ۚ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُۥ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا ۗ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ)) و موضع الشاهد قوله سبحانه: (يهلك المسيح ابن مريم و أمه) و ذلك لأن كلمة يهلك جاءت بصيغة المضارع، و لازم ذلك أن قبل هذه الجملة المسيح و ابن مريم لم يكونا من الهالكين… و بناء على هذا فالمسيح بن مريم و أمه من الأحياء…
الآية الثانية و هو دليلي الثاني نجده في سورة المؤمنون: ((وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُۥٓ ءَايَةً وَءَاوَيْنَٰهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍۢ ذَاتِ قَرَارٍۢ وَمَعِينٍۢ)) موضع الشاهد الأول (وَءَاوَيْنَٰهُمَآ) و موضع الشاهد الثاني: (ذات قرار). الآن قد تقول في نفسك؟ سبحان الله! كيف كل هذا في القرآن و لم أنتبه له من قبل؟ نعم و هو كذلك و هذا فائدة من فوائد تدبّر كتاب الله باستمرار…
تاسعا: بناء على ما سبق، و كون الحور العين أبكار، مطهّرات (أزواج مطهرة) لم يطمثهن إنس و لا جان و خالدات في الجنة. قال سبحانه: ((وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ ۖ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍۢ رِّزْقًا ۙ قَالُواْ هَٰذَا ٱلَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَأُتُواْ بِهِۦ مُتَشَٰبِهًا ۖ وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ ۖ وَهُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ)) إذن أشبه النساء بالحور العين من الدنيا هي مريم عليها السلام.
فإذا فهمت هذا تفهم إحدى الأسباب لِمَ كانت مريم عليها السلام خير نساء الدنيا… ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ و العجيب من ألقاب مريم عليها السلام عند النصارى: ”العذراء“ أو ”البتول“… و العجيب عن الحور في بعض الروايات المنسوبة إلى الرسول صلى الله عليه: ”و إنَّ مما يُغنِّين به : نحن الخالداتُ فلا يَمُتْنَه نحن الآمِناتُ فلا يخَفْنَه نحن المقيماتُ فلا يَظَعْنَه“ موضع الشاهد (الخالدات) و هذا يوافق (و لهم فيها أزواج مطهرة و هم فيها خالدون).
عاشرا: و في مزيد معنى في طمث الجان، لقد ذكرت أن هذه الكلمة وردت في سورة الرحمن و التي لها علاقة بالغيب و الجن، فإن قلنا عرفنا معنى طمث الإنسي فكيف يكون طمث الجني؟ فأقول إن لم تكتفي بكل تلك النقاط التي ذكرتها، فإليك المزيد. ماذا إن قلنا إن الحيض من إحدى أسبابه الخفية الشيطان! بمعنى أن الجان عندما يمس المرأة قد يفسد طهرهن بالحيض!
في قصة حمنة بنت جحش أو فاطمة بنت أبي حبيث كما في بعض الروايات التي ليست بذاك: ”كُنتُ أُستحاضُ حَيضةً كبيرةً شديدةً، فأتيتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فوجَدتُه في بيتِ زَينبَ، فقُلتُ: يا رسولَ اللهِ، إني أُستحاضُ حيضةً كبيرةً شديدةً، فما ترى فيها؟ قد منعَتْني الصَّومَ والصَّلاةَ فقال: أنعَتُ لك الكُرسُفَ؛ فإنَّه يُذهِبُ الدَّمَ، قُلتُ: هو أكثَرُ من ذلك، قال: فاتَّخِذي ثوبًا، قُلتُ: هو أكثَرُ من ذلك، إنَّما أثُجُّ ثجًّا. قال: سآمُرُك بأمرينِ فأيَّهما فعَلْتِ أجزأ عنكِ من الآخَرِ، وإن قَوِيتِ عليهما فأنت أعلَمُ. قال: إنَّما هي ركضةٌ من ركَضاتِ الشَّيطانِ فتَحيَّضي في عِلمِ اللهِ سِتَّةَ أيَّامٍ أو سبعةً، ثمَّ اغتَسِلي، فإذا رأيتِ أنَّكِ قد طهُرْتِ واستنقَأْتِ فصَلِّي ثلاثًا وعشرينَ ليلةً وأيَّامَها، فإنَّ ذلك يُجزِئُكِ، وكذلك فافعَلي في كُلِّ شَهرٍ كما تحيضُ النِّساءُ، وكما يَطهُرْنَ؛ لميقاتِ حَيضِهنَّ وطُهرِهنَّ، فإن قَوِيتِ على أن تؤخِّري الظُّهرَ، وتُعَجِّلي العَصرَ فتغتَسِلينَ وتجمَعينَ -وكذلك ذَكَر في المَغرِبِ والعِشاءِ- وتغتَسِلينَ مع الفَجرِ فافعَلي، وصومي إن قدَرْتِ على ذلك. قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: وهو أعجَبُ الأمرَينِ إليَّ“. و في بعض الأخبار الشعبية القديمة في بعض الثقافات أنّهم ينصبون خيمة للحائض أو يبعدونها و السبب أن هذا الدم يجذب الشياطين و بالتالي يفسد أخلاق المرأة و ما إلى ذلك… طبعا هذه الأمور لا يُعتمد عليها و فيما ذكرت من القرآن العظيم الكفاية و الحمدلله.
الحادي عشر: سأعرض لك أكثر من ٢٠ قولا من أقوال أهل التخصص و التفسير في معنى (لم يطمثهن إنس قبلهم و لا جان)، كي لا يكون لأولئك القوم حجة، أعني أولئك الذين يقولون: ”اسألوا أهل الاختصاص“ فدونك عزيزي القارئ اقرأ ما قاله أهل الاختصاص لتعرف أنه هو المعنى المعروف لدى المسلمين بشتى فرقهم و طوائفهم لتعرف أن هذه التفاسير الحديثة التي يأتي بها المجاملون للغرب ليس بشيء له وزن…
١.عن ابن عباس: ”لم يُدْمِهنّ إنس ولا جانّ“ و في رواية ضعيفة عن علي: ”منذ خلقهن“
٢.عن عكرمة: ”لا تقل للمرأة طامث، فإن الطَّمْث هو الجماع“
٣.عن ابن زيد: ”لم يَمَسَّهنّ شيء إنس ولا غيره“
٤.عن مجاهد: ”لم يَمَسَّهنّ“
٥.عن أبو العالية: ”حائض“
٦.قال مقاتل بن سليمان: ”لم يدميهن“
٧.قال الفراء: ”الطمث: الافتضاض، وهو النكاح بالتدمية.“
٨.قال أبو الهيثم: ”يقال للمرأة طمثت تطمث، إذا أدميت بالافتضاض“
٩.قال الطبري: ” لم يمسهنّ بنكاح فيدميهن إنس قبلهم ولا جانّ“
١٠.قال القرطبي: ”أي لم يصبهنّ بالجماع قبل أزواجهن هؤلاء أحد.“
١١.قال ابن كثير: ”أي بل هن أبكار، عرب أتراب، لم يطأهن أحد قبل أزواجهن من الإنس والجن“
١٢.قال السيوطي: ” يفتضهنّ“
١٣.قال الواحدي: ”قال المفسرون لم يطأهن ولم يغشهنّ ولم يجامعهنّ قبلهم أحد.“
١٤.قال الطبراني: ”أي لم يَفْضُضْهُنَّ، والطَّمْثُ: هو النكاحُ بالتدميةِ“ و قال: ”لم يَغْشَهُنَّ ولا يُجامِعهُنَّ إنسٌ قبلَهم ولا جانّ“.
١٥.قال الفخر الرازي: ”أولها: لم يفرعهن ثانيها: لم يجامعهن ثالثها: لم يمسسهن“ و قال أيضا: ”الطمث أدل من الجماع والوقاع لأنهما من الجمع والوقوع إشارة إلى خلوه عن وجوه القبح“.
١٦.قال الزمخشري: ”يطمث الإنسيات منهنّ أحد من الإنس، ولا الجنيات أحد من الجن“
١٧.قال البيضاوي: ”لم يمس الإِنسيات إنس ولا الجنيات جن، وفيه دليل على أن الجن يطمثون“
١٨.قال ابن عاشور: ”والطمْث بفتح الطاء وسكون الميم مسيس الأنثى البِكر، أي من أبكار. وعُبِّر عن البكارة بــــ { لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان } إطناباً في التحسين، وقد جاء في الآية الأخرى {فجعلناهن أبكاراً}“
١٩.قال ابن عثيمين: ”عني: لم يجماعهنّ أحد، بل هي باقية على بكارتها إلى أن يغشاها زوجها إذا دخل الجنّة جعلنا الله وإيّاكم منهم، لم يطمثهنّ إنس ولا جانّ“
٢٠.قال ابن عجيبة الصوفي: ”الجماع بالتدمية“
٢١.قال الجيلاني الصوفي: ”لم يتلذذ معهن“
٢٢.قال الطبطبائي الشيعي: ”الطمث الافتضاض والنكاح بالتدمية، والمعنى لم يمسسهن بالنكاح إنس ولا جان قبل أزواجهن“
٢٣.قال الجنابذي الشيعي: ”الطّمث الافتضاض والمسّ“
٢٤.قال البحراني الشيعي: ”أي لم يمسسهن أحد“
٢٥.قال أطفيش الإباضي: ”أي لم يطمث الانسيات انس ولا جان ولا الجنيات جن“
الثاني عشر: أقول لأولئك القوم من أهل التنوير أنه لا داعي لتحريف معنى الآية عن ظاهره، ألستم تقولون بأن الجن ليست مخلوقات خارقة للعادة، إنما هم من البشر، و المقصود بهم علية القوم، أو الرجال الذين يعملون لصالح الحكومة الخفية أو الـDeep State أو الذين يخفون هويّاتهم في الـDark Web و مواقع التواصل الاجتماعي، فإذن لا ينبغي أن يكون عندكم إشكال بالمعنى الظاهر من الآية، فالجن عندكم من بني آدم أو من البشر و هؤلاء يجامعون كالبشر، فلماذا تحرّفون المعنى الظاهر إلى معنى يخالف الظاهر؟
الثالث عشر: و أنا أظن أن الناس الذين شككوا في موضوع أزواج الجنة و التمتّع بهن، تأثروا بكلام ذلك المستشرق، أعني لوكسمبورغ الذي فسّر الحور العين بالثمار أو بالعنب مستدلا باللغة السريانية، و لم يعرف ذاك و أتباعه من المسلمين الذين أشربوا الهزيمة الفكرية في قلوبهم تجاه الغرب أن اللغة السريانية هي لغو في العربية، و الأصل اللسان العربي المبين. الله تبارك و تعالى ذكر العنب في القرآن و ذكر الثمار فما كان ليعجزه أن يجعل بدلا من حور عين عنب أو ثمرة…الخ فلا يستدل علينا بإنسان يلغو و في لسانه عجمة و استشهاده و منطقه في غير محلّه ثم نجعله قاضيا على آيات جعلها الله بلسان عربي مبين.
تخيّل يقولون لم يطمثهن إنس قبلهم و لا جان أي بمعنى أن هذه الثمار و العنب لم يمسها إنس من قبل و لا جان. لا بأس أيها المقلّد الذي تتذاكى علينا بمنطقك الذي توهمته عقلا، الثمار أو الفاكهة إن مسّها الإنسان يستطيع غسلها و يعيدها نظيفة، و لا يسوء الإنسان معنويا أي شيء.
فمثلا إنسان قدّم لك ثمرة من الثمرات بيده، الإنسان الطبيعي لا ينفر من هذا، و إن هو يتقزز بسرعة فإنه يغسلها أو يمسحها. لكن عندما يطمث الرجل الأنثى فهنا الموضوع مختلف تماما عند الرجل. الرجل بل حتى الأنثى نفسها تشعر حقيقة أنها ليست جديدة و طاهرة كما كانت قبل أن يفتضها رجل و إن اغتسلت ألف ألف مرة. هي تعرف أنها لم تعد بكرا بعدها… و لهذا أصلا هناك في العربية كلمات مثل ”بكر“ و ”ثيّب“ و ”عذراء“ و ما إلى ذلك… هذا لا يمكن أن ينكره الرجل و لا تنكره المرأة، لأن مع هذا الموضوع بالذات، هناك طهارة معنوية و ليس طهارة حسية فحسب.
و المثير في الأمر أن أهل الكتاب و بالتحديد اليهود يعرفون هذا، و يسمون المرأة الغير طاهرة ”طمح“ أو ”طمه“ بدلا من ”الطمث“ أو ”الطامث“ و يقابلون كلمة طمث بكلمة طهر. فأين قوله سبحانه: ((لم يطمثهن إنس قبلهم و لا جان)) و دلالاتها بالنسبة للثمار و العنب و معناها و دلالاتها بالأزواج… فإن فهمت هذا ستفهم لماذا في آيات عدة قال سبحانه: ((أزواج مطهّرة))…
مرة أخرى أذكّرك لعلّك تتذكّر رجولتك، لا تكابر نفسك أيها الرجل، لنفترض كنت مع إنسان طاهر، معروف اهتمامه بالنظافة و هو بعيد عن الذنوب و المعاصي و ما يسوء المرء، و قدّم لك فاكهة، ستأخذها منه و لن تنفر. و لكن تخيّل هذا الرجل نفسه عنده أنثى، افتضها و أدماها بالنكاح، ثم قال لك خذها زوجة لك، صدقا ما الذي ستشعر به؟ طبعا هذا الكلام ليس للزناة من الرجال و النساء إنما للأسوياء من بني آدم… و أخيرا لم نجد في استعمالات العرب يستعملون الطمث و طمثهن بالنسبة للثمار و العنب.
٤. كثير من الناس الذين يعترضون على الفهم السائد لموضوع الحور، يقولون أنتم تحرّفون من عندكم لأنكم كائنات شهوانية، الله لم يقل الحور العين، إنما قال حور عين، و لم يعرّفها بأل التعريف، و بالتالي ليست إناثا إنما فواكه و ثمار و فرش و هذه الأمور.
للأسف هؤلاء قوم لا يفقهون العربية، لا يميّزون حينما الكلام عن أسماء يقصد منها النعوت و السمات (ما نسميه نحن بالأوصاف) و حينما يكون الكلام عن الاسم و يراد به الجنس أو الذات. الله تبارك و تعالى عندما ذكر لنا ما نسميه نحن اليوم بالحور العين، ذكر من أخبارهن و سماتهن أو تسهيلا لك (أوصافهن) و لم يذكر أسماءهن أو جنسهن. اقرأ كل الآيات التي هي عن الحور: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ لاحظ لم يذكر أسماء تدل على الجنس إنما على سمتهن، فلم يقل مثلا: (و زوجناهم بالنساء) أو (بالإناث)..الخ إنما ذكر نعتهن (بحور عين) و أيضا في سورة الرحمن: ((حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ)) لاحظ نكّر مرة أخرى و أيضا في سورة الواقعة: ((وَحُورٌ عِينٌ (22) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (23))) و قس على هذا بقية الآيات التي فيها مثل: (كواعب أترابا) و (عربا أترابا) و (بيض مكنون) فالقرآن ليس فيه عجمة و سوء صياغة ليقول (و الكواعب الأتراب) أو (العرب الأتراب) و هكذا، فإن كانت في عربيتك لغو و عجمة فلماذا تفترض أن هذه العجمة و الركاكة ينبغي أن تكون في القرآن كذلك؟
و الرازي صاحب التفسير الكبير المعروف له كلام جيد في الحكمة من ذلك، مع تحفظّي على بعض الكلمات التي استعملها للعبارة عن الذي يقصده، قال الرازي: ”قاصرات الطرف صفة لموصوف حذف، وأقيمت الصفة مكانه، والموصوف النساء أو الأزواج كأنه قال فيهن نساء قاصرات الطرف وفيه لطيفة: فإنه تعالى لم يذكر النساء إلا بأوصافهن ولم يذكر اسم الجنس فيهن، فقال تارة:{ وَحُورٌ عِينٌ } [الواقعة: 22] وتارة:{ عُرُباً أَتْرَاباً } [الواقعة: 37] وتارة:{ قَـٰصِرٰتُ ٱلطَّرْفِ } [الرحمٰن: 56] ولم يذكر نساء كذا وكذا لوجهين أحدهما: الإشارة إلى تخدرهن وتسترهن، فلم يذكرهن باسم الجنس لأن اسم الجنس يكشف من الحقيقة مالا يكشفه الوصف فإنك إذا قلت المتحرك المريد الآكل الشارب لا تكون بينته بالأوصاف الكثيرة أكثر مما بينته بقولك: حيوان وإنسان وثانيهما: إعظاماً لهن ليزداد حسنهن في أعين الموعودين بالجنة فإن بنات الملوك لا يذكرن إلا بالأوصاف“. انتهى كلام الرازي.
هناك من الناس من يُغيّر المعنى فيقول معنى حور عين يعني النعيم المتجدد و الذي يدور و يعود و لا ينقض و ينتهي. فالحور يعني المتجدد و الذي يدور و يتجدد، و العين الذي لا ينضب و لا ينتهي و يبقى جاريا… و يقولون انظروا إلى العيون المتفجرة و هكذا. فكيف الرد عزيزي القارئ؟
الرد بسهولة نقول لهم، و ما الذي جعلكم تخصصون النعيم بالفواكه و الثمار من دون الأزواج؟ فإن قالوا لأنه ذكر الثمار فبالتالي الحور العين من نعيم الثمار و هذه الأمور. و هؤلاء تجاهلوا السياق في عدد من الآيات، ما ذكرته في هذا المقال من موضوع الفرش المرفوعة و السرر الذي يتكئون عليها. و الأمر الثاني غفلوا عن أمر، ألا و هو أن الله تبارك و تعالى في الآية الواحدة يبيّن أصنافا من النعيم منها مثلا في سورة البقرة: ((وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ ۖ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍۢ رِّزْقًا ۙ قَالُواْ هَٰذَا ٱلَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَأُتُواْ بِهِۦ مُتَشَٰبِهًا ۖ وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ ۖ وَهُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ)) موضع الشاهد أنه في الآية ذكر الأنهار و ذكر الرزق و الثمرة و ذكر (أوتوا به) يعني هناك من يخدمهم و هم الولدان و الغلمان حسب ما أفهم أنا، و من ثم ذكر (و لهم فيها أزواج مطهرة) فإذا كان هذا أيضا للثمار و الرزق فهناك تكرار لذكر النعيم و يبقى الرجل سيشعر بأن هناك ما ينقصه، قرينته، زوجته، الأنثى التي يتمتّع بها و ما كان كذلك لا يسمى نعيما كاملا و كذلك ذكر (هم فيها خالدون) تخيّل يكون عندك كل شيء لكنك تموت، لن تدوم سعادتك مهما كان. فإن فهمت كلامي ستفهم كيف أن استدلالي بالآية قوي جدا و في محلّه و لا عبرة لمن جعل الحور العين فقط في الرزق من ثمار و شراب.
و أيضا في الرد عليهم، أعني أولئك القوم الذين جعلوا الحور العين فاكهة و ثمار و عنب. أقول لهم إن كان الأمر كذلك كيف تفهمون هذه الآية: ((حور مقصورات في الخيام)) فهل هذه الثمار و النعيم الذي يتجدد و يدور و يرجع مقصورة في الخيام أم في كل نعيم من نعيم الجنة؟ أم ستقولون أن هذه الثمار مقصورات في الخيام أي قشرتها كبيرة كالخيام؟ أترون كيف أنّكم بالتحريف تقعون في مصائب تجعلكم محل ضحك عند العقلاء أنتم في غنى عنها…
الآيات في القرآن واضحة، و دلالاتها واضحة، و فهمها عوام المسلمين قبل أن يتأثروا بالموجات الفكرية الغربية الحديثة و الموجات النسوية… فقوله (حور مقصورات في الخيام) جميع أهل التفسير ربطوها بالحور و ليس بالفواكه و هذه الأمور. فقالوا مقصورات الطرف على أزواجهن فلا يبغين بهم بدلاً، ولا يرفعن طرفاً إلى غيرهم من الرجال و قالوا هن المحبوسات في الحجال لسن بالطوافات في الطرق و قالوا المقصود بهن المخدرات المصونات، ولا متعطلات ولا متشوِّفات وقالوا أنهن المسكنات في القصور. فعلى أي تفسير منهم أخذت توافق ما عليه الحور العين، و ليست الثمار و الفواكه و العنب. بل حتى هناك رواية عن أسماء بنت يزيد الأشهلية أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إننا معشر النساء محصورات مقصورات قواعد بيوتكم وحوامل أولادكم، فهل نشارككم في الأجر؟ فقال عليه السلام: " نَعَم إِذَا أَحْسَنْتُنَّ تَبَعُّلَ أَزَوَاجِكُنَّ وَطَلَبْتُنَّ مَرْضاتُهُم“ الاستدلال ليس بخصوص صحة الحديث من ضعفه، إنما لاستعمال العرب قديما للكلمات… و موضع الشاهد (محصورات مقصورات)…
و أما من يستشهد فيقول، إن الله تبارك و تعالى لم يقل: (و زوجناهم حور عين) و لهذا فلا يدل على النكاح أو ما إلى ذلك، إنما قال سبحانه (و زوجناهم بحور عين) أقول نعم صحيح، يعني قرنهم بالأزواج… و مفهوم مآله عند كل إنسان عادي يفقه من العربية أظهرها و أيسرها، فهل مثلا قرينتك في البيت أو زوجتك تكون فقط أنيستك و تشاطرك الكلام و تشاركك الطعام؟ إن كانت هذه حالتك فهل تستطيع أن تثبت أن هذا حال الغالبية من البشر عبر الأزمان أم أن الواقع يكذبّك؟ ثم هل هذه هي المتعة القصوى عند البشر؟ أم أن اللذة و الشيء الذي تشتهيه أنفسهم ما تعلمون و تضمرون الإعراب عنه؟
و في هذا رد على الذي يقول في الجنة تحصل على لذة الجماع بالنظر مستشهدا بهذه الآية: ((يُطَافُ عَلَيۡهِم بِصِحَافٖ مِّن ذَهَبٖ وَأَكۡوَابٖۖ وَفِيهَا مَا تَشۡتَهِيهِ ٱلۡأَنفُسُ وَتَلَذُّ ٱلۡأَعۡيُنُۖ وَأَنتُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ)) نعم الجنة فيها ما تشتهيها الأنفس و تلذ الأعين، تخيّل تشتهي زوجتك و تتلذذ بها بالعين فحسب، و ليس فيها لذة الجماع باللمس. قل هذا لأي إنسان سهل بسيط (بمصطلحنا) سينفر من قولك. تخيّل تنظر إلى الثمار فتشتهيها نفسك و تشبع بالنظر إليها كأنك أكلتها و ليس فيها مباشرة تذوّق الشرب أو قضم الثمرة! هل سيرضى بمثل هذا الكلام الناس (البسطاء) كما نقول؟ اسأل المزارع عندكم، أو العاملة المنزلية عندك في البيت هل سيعجبها هذا أم سيعجبها المباشرة أكثر؟
القرآن نزل بلسان عربي، يفهمه الغني و الفقير، العالم و غير العالم. فأنت بتفسيرك هذا جعلت الناس يبتعدون عن أكثر شيء يتمتّعون به. و الجنة حسب مفهومنا فيها النعيم الأكمل، فالأكمل لا يكون فقط لذة بالنظر و الشهوة النفسية، إنما بالمباشرة أيضا، لذة الحواس كلّها و هذا ما فهمه عوام البشر أصلا و لم يقل أحدا أنكا بالنظر ستنتهي من الأمر كلّه. فهل على كلامي دليل أن في الجنة كذلك، أقول نعم غير الآيات التي ذكرتها في هذا المقال، اقرأ هذه الآية: ((مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ۖ فِيهَآ أَنْهَٰرٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍۢ وَأَنْهَٰرٌ مِّن لَّبَنٍۢ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُۥ وَأَنْهَٰرٌ مِّنْ خَمْرٍۢ لَّذَّةٍۢ لِّلشَّٰرِبِينَ وَأَنْهَٰرٌ مِّنْ عَسَلٍۢ مُّصَفًّى ۖ وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ ۖ كَمَنْ هُوَ خَٰلِدٌ فِى ٱلنَّارِ وَسُقُواْ مَآءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ)) موضع الشاهد: (لذة للشاربين) أي هي لذة لمن يشرب و ليس لذة فقط لأعينهم أو لذة معنوية.
يقولون معنى (و زوجناهم بحور عين) لا يعني عقد النكاح، و أما عقد النكاح فالله يقول:(زوجناكها) و لم يقل سبحانه للرسول: (زوجناك بها) إذن الصيغة المستخدمة للنكاح زوجناكها و هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون العربية، في موضوع الآية التي فيها ذكر زيد هناك امرأة مخصوصة و معروفة و غير منكّرة بخلاف الآخرة إذ هي أكثر من واحده (حور مقصورات في الخيام) و نكّرهم بذكر نعوتهم فناسب أن يقول (و زوجناهم بحور عين) هذه واحدة. الثانية: قال ابن قتيبة: يقال: زوَّجتُه امرأة، وزوَّجتُه بامرأة يريد أن يقول كلاهما لا بأس بهما و لكن أن كلام ابن قتيبة خاطئ و لنفترض أن كلامكم صحيح لا بأس، أنا أقول بذلك و الحقيقة أدقّ لكن تعرفون الفرق؟ أن الله ذكر في آيات (و لهم فيها أزواج مطهرة) بمعنى هناك أزواج أصلا فإن أخذنا بالمعنى الذي تريدون ما أنتم فاعلون ببقية الآيات.
و الثالثة أقول لأن المتقي قد يكون مع زوجته في الدنيا و التي قد تصحبه في الجنة و عندما، يزوّجهم الله بحور عين فهي إضافة فضل على فضل و ليس فيها عقد نكاح كما تقولون بل هي زوجات معرّفة للمقربين و المتقين و أهل اليمين، بمعنى هي مصاحبات قرينات إضافيات مع الزوجة الرئيسة إن كانت معه في الجنة! ﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ أرأيتم كيف انقلب عليكم ما أردتم؟
أردتم مجاملة المرأة و الحفاظ على عواطف بعض اللاتي تأثرن معكم بالمنطق الغربي فتجاوزتم الحد بالتحريف فزاد الأمر سوء عندكم، بأن هناك قرائن. فإن تفلسفت واحدة و أعنتموها على فلسفتها و قالت لكن الجنة لا ينبغي أن تكون فيها ما يثير الغيرة عند النساء فهناك نعيم و قرة عين… أقول لها و لكم، مهلا يا أختي، فالله تبارك و تعالى قال: ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾ أهل الجنة ليس في صدورهم غل، و الغيرة و الحسد و ما إلى ذلك من الأمور من أبناء و بنات الغل، فاطمئني، حتى إن وجدت مع الرجل عدد من الحور العين فلن يكون في صدرك غل و لا يصح ذلك للرجل لأن ذلك يكون نقصا في ملكه في الجنة. ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾…
و الآن دعونا نستعرض ذكرا و سمات زوجات الجنة و نرى هل كلام محسن الغيثي صحيح أن الله ذكر لنا ما تشتهيه أنفس الرجال أم لا؟ و لن أحقق أي المعاني هي أصح، إنما سأثبت أنها بجميع معانيها و اختلاف أهل التفسير توافق ما تشتيه أنفس الرجال و تثيرهم.
أولا قوله سبحانه ((وَحُورٌ عِينٌ))
قالوا أصل الحور الرجوع عن الشيء إلى الشيء و الدور مستدلين بالآية: ((إنه ظن أن لن يحور)) و من حديث رسول الله صلى الله عليه: ”ومنَ الحوْرِ بعدَ الْكورِ“ و في رواية: ”من دعا رجلاً بالكفر وليس كذلك حارَ عليه“ و في رواية هانئ المخزومي عن ولادة الرسول صلى الله عليه في بعض الكتب التاريخية: ” فلم يحر سطيحٌ جوابًا“ موضع الشاهد ليس صحة الرواية أو ضعفها إنما استعمال الناس للكلمة، فقوله: ”فلم يحر“ أي لم يرجع و كذلك المحاورة بين شخصين كل منهما يرجع إلى صاحبه بكلام و هكذا. فإن أخذنا بهذا المعنى فالحور العين ترجع و تدور إلى زوجها، منه و إليه هكذا و فيه من معاني الملازمة. و المناسبة الأخرى الملائمة لهذا المعنى، أنها كلما جامعها زوجها عادت و رجعت بكرا ((فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا)). و المناسبة الثالثة أن الحور ترجع إليه بما تقر عينه و لهذا هي حور عين. دائما ترجع إليه بما تقر عينه من المتعة و اللذة و ما تشتهيه نفسه.
المعنى الثاني لحور أي البيض سُمين بالحور لبياضهن و نقاوتهن و هذا مما لا شك فيه، يستحسنه الرجال عادة، فالرجل يفضّل الأنثى البيضاء النقية التي ليس في جسمها ألوان عدة مختلفة فلون صدرها أبيض و يديها أسمر قليلا و أقدامها لون مختلف و هكذا. إنما يحبها نقية بيضاء أنا أتكلم عن العادة عبر الأزمان لا أتكلّم عن بعض الأذواق الشخصية و الأحوال الشاذة التي لا عبرة بها.
و المعنى الثاني لعين أنهن كبار الأعين و هو بلا شك في نظر الرجل أجمل من صغيرة العيون. حتى الآسيويين و أهل اليابان بالتحديد في أفلامهم و ألعابهم و رسومهم المتحركة و قصصهم المصوّرة، بالرغم من أنّهم قصار و ضيقي الأعين أصلا يجعلون الأنثى بيضاء، كبيرة العيون، أليس كذلك؟ و نفس الشيء تجد في المنشورات الآسيوية بشكل عام سواء المنشورات الصينية أو الكورية و ما إلى ذلك. بل يدفعون مبالغ باهظة اليوم لتوسيع أعينهم. و كذلك تفعلن النساء في الغرب. لأن ذلك سمة جمال ”عالمية/كونية“ عند الرجال. لن يأتيك رجل يقول أنا أشتهي أن تكون امرأتي صغيرة العيون أكثر من أشتهي أن تكون كبيرة العين، إن وجدت مثل هذه الحالات فلا تعمم فإنها شاذة و الشاذ لا يأخذ حكما عاما كما هو معلوم لديكم.
المعنى الثالث للحور العين أنهن اللاتي سواد أعينهن حالك، وبياض أعينهن نقي و لا تقل أيها الرجل هذه ليست سمة جمال عندك، كثير من النساء تتمنى مثل هذه الأعين أليس كذلك؟ هل سألتهن يوما لماذا تحبن ذلك؟ لماذا تأخذن الأدوية إن وجدن أن بياض أعينهن بدت تظهر فيه عروق حمراء و ما إلى ذلك؟ و هذا في العادة يحدث عند من تقدم في السن من الرجال و النساء، و لا أحد من الرجال أو النساء لا يعترف بأنها سمة جمال في الأعين إلا مكابر. خذ لفة في مواقع التواصل الاجتماعي، انظر عدد النساء اللاتي تظهرن أعينهن و تتباهين بجمال أعينهن؟ هل وجدت منهن من وضعن صورة لعيون فيها عروق و غير نقية و ما إلى ذلك؟ النساء لا تفعلن ذلك لأن الرجال لا يطلبون ذلك و ينفرون منه أصلا…
المعنى الرابع للحور ”المخلصات“ بمعنى فلانة مخلصة لفلان، و فلان هو صديقي المخلص الذي اصطفيته لنفسي من بين الناس لأنه ينصرني في كل حين و يقف معي في كل حال و يؤنسني فلا أشعر بالوحدة معه. و هذا من المعاني المعروفة حتى عند النصارى و يُقولون أن هذا هو سبب تسمية الحواريين أتباع المسيح أصلا بهذا الاسم. لأنّهم أخلصوا لله بنصرة المسيح، و صاروا من المصطفين عنده و من أخصّ أتباعه عليه السلام. و هذا المعنى أيضا يتواءم تماما مع الحور العين في الجنة، لماذا؟ لأن الله تبارك و تعالى نعتهم (و لهم فيها أزواج مطهّرة) و بما أن الله جعل الحور أزواج مطهّرة فهي لا تكون زوجة مشتركة يأتيها الرجال إنما مخلصة لرجل واحد.
المعنى الخامس للحور ”الملازمات“ يعني التي تكون ملازمة لزوجها، يعني مثلا يمشي في الجنات فتكون معه، يكون على فراش فتكون معه، و هذا من باب أن لا يملّ الرجل لوحده. و من يعرف الأخبار الشعبية عند أهل الكتاب، يفسّرون خلق الله تبارك و تعالى لحوّاء من ضلع آدم لكي تكون رفيقته و لا يملّ بوحدته، و أن تلازمه، فتحنّ هي إليه لأنها من ضلعه، و يطلبها هو لأنها بضعة منه. وانظر كيف يتواءم هذا المعنى مع ما نجد عن الحور العين.
لا تنظر إلى حالتك أنت اليوم و قد أغناك الله و عندك أنواع من الملذّات و أنت في ضيق الوقت و ضيق من المكان و الاتساع فتقول أريد أن أبقى وحيدا! فالرجل يرغب بالوحدة لمحدودية أمور كثيرة حوله، و لكن في الجنة الأمر مختلف. اسأل مثلا رجالا من غير بلدك، من الذين لا يصارعون الوقت و المكان و الشغل الذي هم فيه، هل يسّرهم أن تلازمهم حسناء أم يكونوا وحيدين لتعرف بنفسك و تكتشف أن هذا يتوافق مع ما يرجوه الرجال من متعة و حياة طيبة كريمة…
المعنى السادس للحور العين أي الجلود البيضاء الرقيقة أو الناعمة و هذا المعنى أيضا يتناسب مع الحور العين و يتمتع به الرجل. فالرجل حينما يلمس زوجه يحب ملمسها أن تكون ناعمة و رقيقة أليس كذلك، أم هناك رجال سيقولون بل نحبّ الجلد الخشن؟ لا يمكن لأي رجل انكار ذلك فيقول بل أنا أحب الخشونة، فإن وجدتم رجلا فاعلموا أنه مكابر يريد المعاندة و الرد فحسب. ألا ترى كمية المرطبات التي تستخدمها المرأة على جلدها ليكون رقيقا ناعما، لا أظن أن هناك امرأة عاقلة تقول لا أريد أن يكون جلدي رقيقا ناعما.
المعنى السابع للحور العين أي التي ترجع ببصرها إلى زوجها يعني تطرف له، و لن أطيل في هذا، انظر ما يحدث للرجل إن فعلت ذلك امرأة و انظر كيف تثيره و تجعله في حبالها إن صحّ التعبير.
للأسف هؤلاء قوم لا يفقهون العربية، لا يميّزون حينما الكلام عن أسماء يقصد منها النعوت و السمات (ما نسميه نحن بالأوصاف) و حينما يكون الكلام عن الاسم و يراد به الجنس أو الذات. الله تبارك و تعالى عندما ذكر لنا ما نسميه نحن اليوم بالحور العين، ذكر من أخبارهن و سماتهن أو تسهيلا لك (أوصافهن) و لم يذكر أسماءهن أو جنسهن. اقرأ كل الآيات التي هي عن الحور: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ لاحظ لم يذكر أسماء تدل على الجنس إنما على سمتهن، فلم يقل مثلا: (و زوجناهم بالنساء) أو (بالإناث)..الخ إنما ذكر نعتهن (بحور عين) و أيضا في سورة الرحمن: ((حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ)) لاحظ نكّر مرة أخرى و أيضا في سورة الواقعة: ((وَحُورٌ عِينٌ (22) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (23))) و قس على هذا بقية الآيات التي فيها مثل: (كواعب أترابا) و (عربا أترابا) و (بيض مكنون) فالقرآن ليس فيه عجمة و سوء صياغة ليقول (و الكواعب الأتراب) أو (العرب الأتراب) و هكذا، فإن كانت في عربيتك لغو و عجمة فلماذا تفترض أن هذه العجمة و الركاكة ينبغي أن تكون في القرآن كذلك؟
و الرازي صاحب التفسير الكبير المعروف له كلام جيد في الحكمة من ذلك، مع تحفظّي على بعض الكلمات التي استعملها للعبارة عن الذي يقصده، قال الرازي: ”قاصرات الطرف صفة لموصوف حذف، وأقيمت الصفة مكانه، والموصوف النساء أو الأزواج كأنه قال فيهن نساء قاصرات الطرف وفيه لطيفة: فإنه تعالى لم يذكر النساء إلا بأوصافهن ولم يذكر اسم الجنس فيهن، فقال تارة:{ وَحُورٌ عِينٌ } [الواقعة: 22] وتارة:{ عُرُباً أَتْرَاباً } [الواقعة: 37] وتارة:{ قَـٰصِرٰتُ ٱلطَّرْفِ } [الرحمٰن: 56] ولم يذكر نساء كذا وكذا لوجهين أحدهما: الإشارة إلى تخدرهن وتسترهن، فلم يذكرهن باسم الجنس لأن اسم الجنس يكشف من الحقيقة مالا يكشفه الوصف فإنك إذا قلت المتحرك المريد الآكل الشارب لا تكون بينته بالأوصاف الكثيرة أكثر مما بينته بقولك: حيوان وإنسان وثانيهما: إعظاماً لهن ليزداد حسنهن في أعين الموعودين بالجنة فإن بنات الملوك لا يذكرن إلا بالأوصاف“. انتهى كلام الرازي.
هناك من الناس من يُغيّر المعنى فيقول معنى حور عين يعني النعيم المتجدد و الذي يدور و يعود و لا ينقض و ينتهي. فالحور يعني المتجدد و الذي يدور و يتجدد، و العين الذي لا ينضب و لا ينتهي و يبقى جاريا… و يقولون انظروا إلى العيون المتفجرة و هكذا. فكيف الرد عزيزي القارئ؟
الرد بسهولة نقول لهم، و ما الذي جعلكم تخصصون النعيم بالفواكه و الثمار من دون الأزواج؟ فإن قالوا لأنه ذكر الثمار فبالتالي الحور العين من نعيم الثمار و هذه الأمور. و هؤلاء تجاهلوا السياق في عدد من الآيات، ما ذكرته في هذا المقال من موضوع الفرش المرفوعة و السرر الذي يتكئون عليها. و الأمر الثاني غفلوا عن أمر، ألا و هو أن الله تبارك و تعالى في الآية الواحدة يبيّن أصنافا من النعيم منها مثلا في سورة البقرة: ((وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ ۖ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍۢ رِّزْقًا ۙ قَالُواْ هَٰذَا ٱلَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَأُتُواْ بِهِۦ مُتَشَٰبِهًا ۖ وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ ۖ وَهُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ)) موضع الشاهد أنه في الآية ذكر الأنهار و ذكر الرزق و الثمرة و ذكر (أوتوا به) يعني هناك من يخدمهم و هم الولدان و الغلمان حسب ما أفهم أنا، و من ثم ذكر (و لهم فيها أزواج مطهرة) فإذا كان هذا أيضا للثمار و الرزق فهناك تكرار لذكر النعيم و يبقى الرجل سيشعر بأن هناك ما ينقصه، قرينته، زوجته، الأنثى التي يتمتّع بها و ما كان كذلك لا يسمى نعيما كاملا و كذلك ذكر (هم فيها خالدون) تخيّل يكون عندك كل شيء لكنك تموت، لن تدوم سعادتك مهما كان. فإن فهمت كلامي ستفهم كيف أن استدلالي بالآية قوي جدا و في محلّه و لا عبرة لمن جعل الحور العين فقط في الرزق من ثمار و شراب.
و أيضا في الرد عليهم، أعني أولئك القوم الذين جعلوا الحور العين فاكهة و ثمار و عنب. أقول لهم إن كان الأمر كذلك كيف تفهمون هذه الآية: ((حور مقصورات في الخيام)) فهل هذه الثمار و النعيم الذي يتجدد و يدور و يرجع مقصورة في الخيام أم في كل نعيم من نعيم الجنة؟ أم ستقولون أن هذه الثمار مقصورات في الخيام أي قشرتها كبيرة كالخيام؟ أترون كيف أنّكم بالتحريف تقعون في مصائب تجعلكم محل ضحك عند العقلاء أنتم في غنى عنها…
الآيات في القرآن واضحة، و دلالاتها واضحة، و فهمها عوام المسلمين قبل أن يتأثروا بالموجات الفكرية الغربية الحديثة و الموجات النسوية… فقوله (حور مقصورات في الخيام) جميع أهل التفسير ربطوها بالحور و ليس بالفواكه و هذه الأمور. فقالوا مقصورات الطرف على أزواجهن فلا يبغين بهم بدلاً، ولا يرفعن طرفاً إلى غيرهم من الرجال و قالوا هن المحبوسات في الحجال لسن بالطوافات في الطرق و قالوا المقصود بهن المخدرات المصونات، ولا متعطلات ولا متشوِّفات وقالوا أنهن المسكنات في القصور. فعلى أي تفسير منهم أخذت توافق ما عليه الحور العين، و ليست الثمار و الفواكه و العنب. بل حتى هناك رواية عن أسماء بنت يزيد الأشهلية أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إننا معشر النساء محصورات مقصورات قواعد بيوتكم وحوامل أولادكم، فهل نشارككم في الأجر؟ فقال عليه السلام: " نَعَم إِذَا أَحْسَنْتُنَّ تَبَعُّلَ أَزَوَاجِكُنَّ وَطَلَبْتُنَّ مَرْضاتُهُم“ الاستدلال ليس بخصوص صحة الحديث من ضعفه، إنما لاستعمال العرب قديما للكلمات… و موضع الشاهد (محصورات مقصورات)…
و أما من يستشهد فيقول، إن الله تبارك و تعالى لم يقل: (و زوجناهم حور عين) و لهذا فلا يدل على النكاح أو ما إلى ذلك، إنما قال سبحانه (و زوجناهم بحور عين) أقول نعم صحيح، يعني قرنهم بالأزواج… و مفهوم مآله عند كل إنسان عادي يفقه من العربية أظهرها و أيسرها، فهل مثلا قرينتك في البيت أو زوجتك تكون فقط أنيستك و تشاطرك الكلام و تشاركك الطعام؟ إن كانت هذه حالتك فهل تستطيع أن تثبت أن هذا حال الغالبية من البشر عبر الأزمان أم أن الواقع يكذبّك؟ ثم هل هذه هي المتعة القصوى عند البشر؟ أم أن اللذة و الشيء الذي تشتهيه أنفسهم ما تعلمون و تضمرون الإعراب عنه؟
و في هذا رد على الذي يقول في الجنة تحصل على لذة الجماع بالنظر مستشهدا بهذه الآية: ((يُطَافُ عَلَيۡهِم بِصِحَافٖ مِّن ذَهَبٖ وَأَكۡوَابٖۖ وَفِيهَا مَا تَشۡتَهِيهِ ٱلۡأَنفُسُ وَتَلَذُّ ٱلۡأَعۡيُنُۖ وَأَنتُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ)) نعم الجنة فيها ما تشتهيها الأنفس و تلذ الأعين، تخيّل تشتهي زوجتك و تتلذذ بها بالعين فحسب، و ليس فيها لذة الجماع باللمس. قل هذا لأي إنسان سهل بسيط (بمصطلحنا) سينفر من قولك. تخيّل تنظر إلى الثمار فتشتهيها نفسك و تشبع بالنظر إليها كأنك أكلتها و ليس فيها مباشرة تذوّق الشرب أو قضم الثمرة! هل سيرضى بمثل هذا الكلام الناس (البسطاء) كما نقول؟ اسأل المزارع عندكم، أو العاملة المنزلية عندك في البيت هل سيعجبها هذا أم سيعجبها المباشرة أكثر؟
القرآن نزل بلسان عربي، يفهمه الغني و الفقير، العالم و غير العالم. فأنت بتفسيرك هذا جعلت الناس يبتعدون عن أكثر شيء يتمتّعون به. و الجنة حسب مفهومنا فيها النعيم الأكمل، فالأكمل لا يكون فقط لذة بالنظر و الشهوة النفسية، إنما بالمباشرة أيضا، لذة الحواس كلّها و هذا ما فهمه عوام البشر أصلا و لم يقل أحدا أنكا بالنظر ستنتهي من الأمر كلّه. فهل على كلامي دليل أن في الجنة كذلك، أقول نعم غير الآيات التي ذكرتها في هذا المقال، اقرأ هذه الآية: ((مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ۖ فِيهَآ أَنْهَٰرٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍۢ وَأَنْهَٰرٌ مِّن لَّبَنٍۢ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُۥ وَأَنْهَٰرٌ مِّنْ خَمْرٍۢ لَّذَّةٍۢ لِّلشَّٰرِبِينَ وَأَنْهَٰرٌ مِّنْ عَسَلٍۢ مُّصَفًّى ۖ وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ ۖ كَمَنْ هُوَ خَٰلِدٌ فِى ٱلنَّارِ وَسُقُواْ مَآءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ)) موضع الشاهد: (لذة للشاربين) أي هي لذة لمن يشرب و ليس لذة فقط لأعينهم أو لذة معنوية.
يقولون معنى (و زوجناهم بحور عين) لا يعني عقد النكاح، و أما عقد النكاح فالله يقول:(زوجناكها) و لم يقل سبحانه للرسول: (زوجناك بها) إذن الصيغة المستخدمة للنكاح زوجناكها و هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون العربية، في موضوع الآية التي فيها ذكر زيد هناك امرأة مخصوصة و معروفة و غير منكّرة بخلاف الآخرة إذ هي أكثر من واحده (حور مقصورات في الخيام) و نكّرهم بذكر نعوتهم فناسب أن يقول (و زوجناهم بحور عين) هذه واحدة. الثانية: قال ابن قتيبة: يقال: زوَّجتُه امرأة، وزوَّجتُه بامرأة يريد أن يقول كلاهما لا بأس بهما و لكن أن كلام ابن قتيبة خاطئ و لنفترض أن كلامكم صحيح لا بأس، أنا أقول بذلك و الحقيقة أدقّ لكن تعرفون الفرق؟ أن الله ذكر في آيات (و لهم فيها أزواج مطهرة) بمعنى هناك أزواج أصلا فإن أخذنا بالمعنى الذي تريدون ما أنتم فاعلون ببقية الآيات.
و الثالثة أقول لأن المتقي قد يكون مع زوجته في الدنيا و التي قد تصحبه في الجنة و عندما، يزوّجهم الله بحور عين فهي إضافة فضل على فضل و ليس فيها عقد نكاح كما تقولون بل هي زوجات معرّفة للمقربين و المتقين و أهل اليمين، بمعنى هي مصاحبات قرينات إضافيات مع الزوجة الرئيسة إن كانت معه في الجنة! ﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ أرأيتم كيف انقلب عليكم ما أردتم؟
أردتم مجاملة المرأة و الحفاظ على عواطف بعض اللاتي تأثرن معكم بالمنطق الغربي فتجاوزتم الحد بالتحريف فزاد الأمر سوء عندكم، بأن هناك قرائن. فإن تفلسفت واحدة و أعنتموها على فلسفتها و قالت لكن الجنة لا ينبغي أن تكون فيها ما يثير الغيرة عند النساء فهناك نعيم و قرة عين… أقول لها و لكم، مهلا يا أختي، فالله تبارك و تعالى قال: ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾ أهل الجنة ليس في صدورهم غل، و الغيرة و الحسد و ما إلى ذلك من الأمور من أبناء و بنات الغل، فاطمئني، حتى إن وجدت مع الرجل عدد من الحور العين فلن يكون في صدرك غل و لا يصح ذلك للرجل لأن ذلك يكون نقصا في ملكه في الجنة. ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾…
و الآن دعونا نستعرض ذكرا و سمات زوجات الجنة و نرى هل كلام محسن الغيثي صحيح أن الله ذكر لنا ما تشتهيه أنفس الرجال أم لا؟ و لن أحقق أي المعاني هي أصح، إنما سأثبت أنها بجميع معانيها و اختلاف أهل التفسير توافق ما تشتيه أنفس الرجال و تثيرهم.
أولا قوله سبحانه ((وَحُورٌ عِينٌ))
قالوا أصل الحور الرجوع عن الشيء إلى الشيء و الدور مستدلين بالآية: ((إنه ظن أن لن يحور)) و من حديث رسول الله صلى الله عليه: ”ومنَ الحوْرِ بعدَ الْكورِ“ و في رواية: ”من دعا رجلاً بالكفر وليس كذلك حارَ عليه“ و في رواية هانئ المخزومي عن ولادة الرسول صلى الله عليه في بعض الكتب التاريخية: ” فلم يحر سطيحٌ جوابًا“ موضع الشاهد ليس صحة الرواية أو ضعفها إنما استعمال الناس للكلمة، فقوله: ”فلم يحر“ أي لم يرجع و كذلك المحاورة بين شخصين كل منهما يرجع إلى صاحبه بكلام و هكذا. فإن أخذنا بهذا المعنى فالحور العين ترجع و تدور إلى زوجها، منه و إليه هكذا و فيه من معاني الملازمة. و المناسبة الأخرى الملائمة لهذا المعنى، أنها كلما جامعها زوجها عادت و رجعت بكرا ((فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا)). و المناسبة الثالثة أن الحور ترجع إليه بما تقر عينه و لهذا هي حور عين. دائما ترجع إليه بما تقر عينه من المتعة و اللذة و ما تشتهيه نفسه.
المعنى الثاني لحور أي البيض سُمين بالحور لبياضهن و نقاوتهن و هذا مما لا شك فيه، يستحسنه الرجال عادة، فالرجل يفضّل الأنثى البيضاء النقية التي ليس في جسمها ألوان عدة مختلفة فلون صدرها أبيض و يديها أسمر قليلا و أقدامها لون مختلف و هكذا. إنما يحبها نقية بيضاء أنا أتكلم عن العادة عبر الأزمان لا أتكلّم عن بعض الأذواق الشخصية و الأحوال الشاذة التي لا عبرة بها.
و المعنى الثاني لعين أنهن كبار الأعين و هو بلا شك في نظر الرجل أجمل من صغيرة العيون. حتى الآسيويين و أهل اليابان بالتحديد في أفلامهم و ألعابهم و رسومهم المتحركة و قصصهم المصوّرة، بالرغم من أنّهم قصار و ضيقي الأعين أصلا يجعلون الأنثى بيضاء، كبيرة العيون، أليس كذلك؟ و نفس الشيء تجد في المنشورات الآسيوية بشكل عام سواء المنشورات الصينية أو الكورية و ما إلى ذلك. بل يدفعون مبالغ باهظة اليوم لتوسيع أعينهم. و كذلك تفعلن النساء في الغرب. لأن ذلك سمة جمال ”عالمية/كونية“ عند الرجال. لن يأتيك رجل يقول أنا أشتهي أن تكون امرأتي صغيرة العيون أكثر من أشتهي أن تكون كبيرة العين، إن وجدت مثل هذه الحالات فلا تعمم فإنها شاذة و الشاذ لا يأخذ حكما عاما كما هو معلوم لديكم.
المعنى الثالث للحور العين أنهن اللاتي سواد أعينهن حالك، وبياض أعينهن نقي و لا تقل أيها الرجل هذه ليست سمة جمال عندك، كثير من النساء تتمنى مثل هذه الأعين أليس كذلك؟ هل سألتهن يوما لماذا تحبن ذلك؟ لماذا تأخذن الأدوية إن وجدن أن بياض أعينهن بدت تظهر فيه عروق حمراء و ما إلى ذلك؟ و هذا في العادة يحدث عند من تقدم في السن من الرجال و النساء، و لا أحد من الرجال أو النساء لا يعترف بأنها سمة جمال في الأعين إلا مكابر. خذ لفة في مواقع التواصل الاجتماعي، انظر عدد النساء اللاتي تظهرن أعينهن و تتباهين بجمال أعينهن؟ هل وجدت منهن من وضعن صورة لعيون فيها عروق و غير نقية و ما إلى ذلك؟ النساء لا تفعلن ذلك لأن الرجال لا يطلبون ذلك و ينفرون منه أصلا…
المعنى الرابع للحور ”المخلصات“ بمعنى فلانة مخلصة لفلان، و فلان هو صديقي المخلص الذي اصطفيته لنفسي من بين الناس لأنه ينصرني في كل حين و يقف معي في كل حال و يؤنسني فلا أشعر بالوحدة معه. و هذا من المعاني المعروفة حتى عند النصارى و يُقولون أن هذا هو سبب تسمية الحواريين أتباع المسيح أصلا بهذا الاسم. لأنّهم أخلصوا لله بنصرة المسيح، و صاروا من المصطفين عنده و من أخصّ أتباعه عليه السلام. و هذا المعنى أيضا يتواءم تماما مع الحور العين في الجنة، لماذا؟ لأن الله تبارك و تعالى نعتهم (و لهم فيها أزواج مطهّرة) و بما أن الله جعل الحور أزواج مطهّرة فهي لا تكون زوجة مشتركة يأتيها الرجال إنما مخلصة لرجل واحد.
المعنى الخامس للحور ”الملازمات“ يعني التي تكون ملازمة لزوجها، يعني مثلا يمشي في الجنات فتكون معه، يكون على فراش فتكون معه، و هذا من باب أن لا يملّ الرجل لوحده. و من يعرف الأخبار الشعبية عند أهل الكتاب، يفسّرون خلق الله تبارك و تعالى لحوّاء من ضلع آدم لكي تكون رفيقته و لا يملّ بوحدته، و أن تلازمه، فتحنّ هي إليه لأنها من ضلعه، و يطلبها هو لأنها بضعة منه. وانظر كيف يتواءم هذا المعنى مع ما نجد عن الحور العين.
لا تنظر إلى حالتك أنت اليوم و قد أغناك الله و عندك أنواع من الملذّات و أنت في ضيق الوقت و ضيق من المكان و الاتساع فتقول أريد أن أبقى وحيدا! فالرجل يرغب بالوحدة لمحدودية أمور كثيرة حوله، و لكن في الجنة الأمر مختلف. اسأل مثلا رجالا من غير بلدك، من الذين لا يصارعون الوقت و المكان و الشغل الذي هم فيه، هل يسّرهم أن تلازمهم حسناء أم يكونوا وحيدين لتعرف بنفسك و تكتشف أن هذا يتوافق مع ما يرجوه الرجال من متعة و حياة طيبة كريمة…
المعنى السادس للحور العين أي الجلود البيضاء الرقيقة أو الناعمة و هذا المعنى أيضا يتناسب مع الحور العين و يتمتع به الرجل. فالرجل حينما يلمس زوجه يحب ملمسها أن تكون ناعمة و رقيقة أليس كذلك، أم هناك رجال سيقولون بل نحبّ الجلد الخشن؟ لا يمكن لأي رجل انكار ذلك فيقول بل أنا أحب الخشونة، فإن وجدتم رجلا فاعلموا أنه مكابر يريد المعاندة و الرد فحسب. ألا ترى كمية المرطبات التي تستخدمها المرأة على جلدها ليكون رقيقا ناعما، لا أظن أن هناك امرأة عاقلة تقول لا أريد أن يكون جلدي رقيقا ناعما.
المعنى السابع للحور العين أي التي ترجع ببصرها إلى زوجها يعني تطرف له، و لن أطيل في هذا، انظر ما يحدث للرجل إن فعلت ذلك امرأة و انظر كيف تثيره و تجعله في حبالها إن صحّ التعبير.
٥. و هنا أحب أن أستطرد قليلا و أعود إلى ما ذكرت من المناسبة بين الحور العين و مريم عليها السلام و موضوع الطمث. فأقول من العجائب أن يكون اسم المسيح بن مريم بالذات هو ”عيسى“. قد تقول و ما المثير في الموضوع؟ تابع القراءة لتعرف ما المثير…
اختلفت أقوال الناس في معنى اسم ”عيسى“ و أصل الكلمة، و من دون الدخول في الاختلافات لأن هذا سيطول جدا و ليس هو موضوعي الرئيس، غير أني أحاول أن أضيف قيمة حقيقة للقارئ العزيز فأقول لعلّ والله أعلم أن أصله ”عِيس“ من البياض و النقاء و الفرس الأبيض الصافي و النقي يسمى عيس إلى اليوم عند بعض القبائل العربية. و كأن معنى اسم ”عيسى“ أي الذي وصل المنتهى (الذي يليق به) في البياض و النقاء و الطهارة! عليه السلام…
ارجع إلى هذا الموضوع مرة أخرى و اقرأه من البداية بتأنٍ كي تفقه ما أقول… لقد ذكرت لك سابقا أن الجان لم يطمث أمّه مريم أو يمسّها أو يخنسها و هي مولودة و كذلك ابنها و هو يولد لم يمسّه الشيطان أو يخنسه، فلهذا لم يفسُد… فهو أبيض طاهر نقي، لا نجد له ذنب مذكور في القرآن أو في أي كتاب آخر و لا في أي خبر من الأخبار و الآثار…
لا يحمل في قلبه حقدا و غلا و غشا، فهو أبيض نقي مُخْلِص لله مُخلَّص و من أسمائه المعروفة عند شعوب الأرض المخلّص بمعنى المسيح و من معاني المسيح المطهّر بالزيت و في بعض الروايات أنه سينزل آخر الأمر و شعره يقطر و كان أصلا مؤيدا بروح ”القُدُس“! فهل كل هذه الأمور صدفة و عبث!؟ العجيب أنّك تجد بالذات الآية التي أتكلّم عنها أعني: ((و حور عين)) في قراءة تُروى عن ابن مسعود قرأها: (و عيس عين)! أي (بيض عين)! سبحان الله! شيء عجيب فعلا…
و تعال معي إلى مزيد من العجائب فيما يخصّ التناسب بين مريم و ابنها و الحور العين. ذكرت من معاني الحور غير البيضاء النقية، أنها المخلصة و الملازمة. الآن انظر كيف كانت حياة مريم عليها السلام و ابنها. فمنذ البداية مريم عليها السلام كانت مهيأة لكي تكون مخلصة لله تبارك و تعالى إذ نذرت أمها ما في بطنها لله، (اقرأ كتابي بين الإلهام و الوسواس للتفاصيل) و كانت أنثى. ألم تكن مريم مخلصة لله ملازمة العبادة؟ اقرأ الآية من سورة آل عمران: ((فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍۢ وَأَنۢبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ)) موضع الشاهد: (كلما دخل عليها زكريا المحراب) و بيّنت في كتابي (بين الإلهام و الوسواس) أن المحراب المقصود هو ما يعرف جيدا عند أهل الكتاب: ((قدس الأقداس)) أطهر بقعة و لا ينبغي أن يدخله إلا إنسان طاهر مطهّر و كذلك كانت مريم عليها السلام.
أريدك أن تعود إلى الآية و تقرأ فيها، موضع الشاهد الثاني: (وجد عندها رزقا) و هذا يتناسب تماما مع حال الحور العين كما ذكرت في المعنى الأوّل من الدور و الرجوع، أي الذي ترجع إلى زوجها بما يسرّه و تقر عينه و ما إلى ذلك. انظر حال مريم، يقول الله: (كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا) يعني ليس مرة واحدة، بل كل ما دخل عليها وجد هذا الرزق! انظر كيف يتوافق هذا المعنى مع معنى حور عين! رزق لا ينفد. و إن أنت قرأت عن نعيم أهل الجنة مع الحور العين، تذكر بعد ذكر الرزق من الثمار و ما إلى ذلك! سبحان الله…
إليك المزيد، قال سبحانه: ((وَمَرْيَمَ ٱبْنَتَ عِمْرَٰنَ ٱلَّتِىٓ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَٰتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِۦ وَكَانَتْ مِنَ ٱلْقَٰنِتِينَ)) من هو القانت؟ أليس المخلص لله، المنقطع عن غيره، عبدالله… اقرأ الآية: ((أَمَّنْ هُوَ قَٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ سَاجِدًا وَقَآئِمًا يَحْذَرُ ٱلْءَاخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِۦ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلْأَلْبَٰبِ)). فبناء على ما سبق، فمريم عليها السلام إذن كانت نقية، طاهرة، مخلصة لله و ملازمة لعبادته و ملازمة هذا المحراب ثم انظر حالها بعد حملها كيف انقطعت عن قومها و عن الكلام و نذرها للرحمن صوما. سبحان الله كيف كل معنى ذكرته في الحور العين يتوافق مع حال مريم عليها السلام طبقا و مثلا…
ثم انظر إلى ابنها عيسى، المسيح، و انظر هل يتوافق حاله مع أحوال الحور العين أم لا؟
ذكرت من معاني الحور غير كونها بيضاء نقية، أنها المخلصة و الملازمة صحيح؟ انظر حال عيسى عليه السلام، كيف كان مخلصا لله، فمنذ كان في المهد قال كلمته الباقية ببقاء القرآن: ((قَالَ إِنِّي عَبۡدُ ٱللَّهِ ءَاتَىٰنِيَ ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلَنِي نَبِيّٗا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيۡنَ مَا كُنتُ وَأَوۡصَٰنِي بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ مَا دُمۡتُ حَيّٗا (31) وَبَرَّۢا بِوَٰلِدَتِي وَلَمۡ يَجۡعَلۡنِي جَبَّارٗا شَقِيّٗا (32) وَٱلسَّلَٰمُ عَلَيَّ يَوۡمَ وُلِدتُّ وَيَوۡمَ أَمُوتُ وَيَوۡمَ أُبۡعَثُ حَيّٗا (33) )) سمى نفسه (عبدالله) انتهى الموضوع… بيّن اخلاصه بشكل كامل و تام…
ثم انظر ماذا قال: (و جعلني مباركا أينما كنت) و هذا مثل حال (العين) راجع المعاني التي ذكرتها لتفهم. و أوصاني بالصلاة و الزكاة ما دمت حيا، أي قانت لله. و لاحظ قوله: (و برا بوالدتي و لم يجعلني جبارا شقيا) و لازم هذا الكلام و تحقيقه أنه عليه السلام لازم أمّه و كان معها ليكون بارا بها و لا يكون جبارا و شقيا و من كان هكذا مع أمه كان قرية عين لأمه بلا شك، اقرأ في سورة الفرقان: ((وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَٰجِنَا وَذُرِّيَّٰتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍۢ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا))… سبحان الله مثل الحور العين حينما قلت في المعاني أنها التي تلازم زوجها و قرة عين له. و أخيرا قوله: (و السلام علي يوم ولدت و يوم أموت و يوم يبعث حيا) و قارنها بدار السلام و قوله سبحانه في سورة الحجر: ((ٱدْخُلُوهَا بِسَلَٰمٍ ءَامِنِينَ)) و حال المتقين مع أزواجهم.
أحب أن ألفت نظرك إلى شيء آخر، عيسى الذي أخبرتك أن معنى اسمه قد يكون من البياض و النقاوة، ماذا كانت ميزته غير كل هذه الخصائص التي ذكرتها و التي تتوافق مع حال الحور العين؟ الحواريون، أليس كذلك؟ الذين نصروه! و قلت في هذا الموضوع من قبل أن الحواريون سمووا بذلك لأنّهم لازموا المسيح و نصروه. و ليس هذا فحسب بل من معاني التي قيلت في الحواريين أنّهم سمووا بذلك لأنّهم كانوا قصارين أي يعملون في تنقية القماش من الأوساخ و الدنس! ثم زد على الذي ذكرته، أن مريم كلّمتها الملائكة، و كذلك عيسى بن مريم كلمته سبحانه و روح منه و كان مؤيدا بروح القدس، و أيضا لا تنسى أن الحواريين أوحى الله إليهم، اقرأ: ((وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّۦنَ أَنْ ءَامِنُواْ بِى وَبِرَسُولِى قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ)). و ليس هذا فحسب، بل كما أن مريم كان يأتيها رزقها من الله سبحانه و تعالى، و كان عيسى مباركا أينما كان و كان كما قال عن نفسه ((وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ)) و كيف هو و أمه كان يأكلان الطعام ((مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٌ ۖ كَانَا يَأْكُلَانِ ٱلطَّعَامَ ۗ ٱنظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلْءَايَٰتِ ثُمَّ ٱنظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ))
انظر ماذا طلب الحواريين بالذات من المسيح؟ ((إِذۡ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ هَلۡ يَسۡتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيۡنَا مَآئِدَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِۖ قَالَ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ (112) قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأۡكُلَ مِنۡهَا وَتَطۡمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعۡلَمَ أَن قَدۡ صَدَقۡتَنَا وَنَكُونَ عَلَيۡهَا مِنَ ٱلشَّٰهِدِينَ (113) قَالَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلۡ عَلَيۡنَا مَآئِدَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيدٗا لِّأَوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا وَءَايَةٗ مِّنكَۖ وَٱرۡزُقۡنَا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ (114) قَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيۡكُمۡۖ فَمَن يَكۡفُرۡ بَعۡدُ مِنكُمۡ فَإِنِّيٓ أُعَذِّبُهُۥ عَذَابٗا لَّآ أُعَذِّبُهُۥٓ أَحَدٗا مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ (115))) عجيب! طلبوا هذا الرزق من السماء و قد أنزلها الله سبحانه و تعالى! و انظر المناسبة بين هذا الرزق و رزق مريم و حال عيسى بن مريم ثم قارنها بأحوال أهل الجنة، المتقين و أزواجهم المطهرة، على الفرش المرفوعة و الأرائك و يأتيهم فيها رزقهم بكرة و عشيا ما تشتهيه أنفسهم و ما تلذّ أعينهم…
و بما أني بيّنت المناسبة بين الرزق و مريم و عيسى و الحواريين و كذلك الحور العين، أزيد و أقول لا تنسى كما أن الحور (عين) و هن معين من الخيرات واللذات كما بيّنت آنفا، فكذلك المسيح بن مريم و أمّه قال الله تبارك و تعالى: ((وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُۥٓ ءَايَةً وَءَاوَيْنَٰهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍۢ ذَاتِ قَرَارٍۢ وَمَعِينٍۢ)) موضع الشاهد (ربوة ذات قرار و {معين}))
و أزيدك على هذا الذي ذكرت، شيء من ذكر مريم و ابنها عليهما السلام ثم لاحظ المناسبة بينهما و الحور العين، أوّل ذلك: ((وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً)) و لن أفصّل كثيرا، لكن من الأقوال التي قيلت في معنى ”شرقيا“ أنه مكان شاسع بعيد، أو مكان مشرقة داره، و هو عندي قريب من المكان القصي: ((فَحَمَلَتْهُ فَٱنْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً)). و قارن هذا المكان بالربوة و قد قيل في معنى الربوة، المكان العالي أو المرتفع من الأرض و قيل هو أحسن ما يكون فيه النبات و أحسن تفسير لها عندي و هو أحسن من تفسير المفسرين، ما نجده في سورة البقرة، في هذه الآية: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: 265] موضع الشاهد (جنة بربوة) إذن و كأنها كانت في جنة و هذا يتوافق و يتناسق مع جميع الآيات في موضوعنا و أريدك أن تقارن هذه الجنة بالجنة المذكورة في سورة الحاقة: ((فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ))… الله أكبر ما أعظمه من كتاب!
ثم انظر ما كان من أمرها، و تابع القراءة، قال سبحانه: ((وَهُزِّيٓ إِلَيۡكِ بِجِذۡعِ ٱلنَّخۡلَةِ تُسَٰقِطۡ عَلَيۡكِ رُطَبٗا جَنِيّٗا)) انظر كيف تساقط عليها بهزّها فحسب، سبحان الله و كأنها في الجنة… و إلا فالعادة أن المرأة الحامل لا تستطيع هزّ جذع النخلة فتسقط عليها الرطب و لكن لأنها مريم، المثال الدنيوي للحور العين اقرأ ما قاله سبحانه في سورة الحاقة: ((قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ)) ثم اقرأ بعدها في سورة مريم: ((فَكُلِي وَٱشۡرَبِي وَقَرِّي عَيۡنٗاۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلۡبَشَرِ أَحَدٗا فَقُولِيٓ إِنِّي نَذَرۡتُ لِلرَّحۡمَٰنِ صَوۡمٗا فَلَنۡ أُكَلِّمَ ٱلۡيَوۡمَ إِنسِيّٗا)) انظر في هذه الآية كم من مناسبة لطيفة (خفية) بينها و بين الأزواج المطهرة في الجنة. موضع الشاهد الأول (فكلي و اشربي و قري عينا) و معروف من أسماء الأزواج المطهرة في الجنة: (حور عين) و قارنها بقوله و (قري عينا) و قوله من قبل: (ذات قرار و معين). ثم أريدك أن تتنبّه لقوله سبحانه: ((كلي و اشربي و قري عينا)) و تقارنها بالآيات من سورة الحاقة: ((كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ)) سبحان الله! شيء عجيب أليس كذلك؟
ثم لاحظ المناسبة الثانية في الآية: ((فَكُلِي وَٱشۡرَبِي وَقَرِّي عَيۡنٗاۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلۡبَشَرِ أَحَدٗا فَقُولِيٓ إِنِّي نَذَرۡتُ لِلرَّحۡمَٰنِ صَوۡمٗا فَلَنۡ أُكَلِّمَ ٱلۡيَوۡمَ إِنسِيّٗا)) و موضع الشاهد قولها:(إني نذرت للرحمن صوما) و قولها: (فلن أكلّم اليوم إنسيا) و قارنها بحال الحور العين: (مقصورات في الخيام) (قاصرات الطرف).
و عودة إلى المسيح، عيسى بن مريم و لفتة رقمية (باطنية) يطيب لي ذكرها (طبعا عندما أقول باطنية لحاجة في نفسي :) ) عندنا في سورة مريم شهادة عيسى بن مريم الأخيرة المذكورة لنا في سورة مريم و هو في المهد: ((وَٱلسَّلَٰمُ عَلَيَّ يَوۡمَ وُلِدتُّ وَيَوۡمَ أَمُوتُ وَيَوۡمَ أُبۡعَثُ حَيّٗا (٣٣) )) أريدك أن تلاحظ رقم الآية في السورة، الرقم هو ٣٣، و هذا هو المعروف في الكتب التاريخية و معروف عند عوام المسلمين و أهل الكتاب أنّه كان عمر المسيح بن مريم يوم رفعه الله تبارك و تعالى. و ليس هذا فحسب، بل هو كما في بعض الروايات الموقوفة: ”يدخلُ أهلُ الجنةِ الجنةَ جُرْدًا مُرْدًا مُكَحَّلِينَ ، بَنِي ثلاثٍ وثلاثِينَ“ الذي أتفكّر فيه و أقول، هذا الراوي أي كان، سواء كان إنسان قصّاص، متأخر، تابعي، صحابي، لماذا اختار هذا العمر بالذات؟ لا أظنّه اختار هذا العمر عن فراغ إلا لشيء عرفه… والله تبارك و تعالى أعلم…
ثم لنعرج إلى موضوع آخر له علاقة بموضوعنا و تبيّن المناسبة بين عيسى بن مريم و أهل الجنة و الحور العين و من بركات معرفة الاسم المبارك (الرحمن). لقد ذكرت في موضوع سابق، أن المسيح بن مريم رفعه الله إليه، و بالتالي صار من الملأ الأعلى، (عند الرحمن) و كونه صار من هذا الملأ حيث ربّهم (الرحمن) هناك فهو من المطهرين غير أن عيسى بن مريم من المقربين كذلك و الأدلة عدة ذكرتها من قبل أقواها (بل رفعه الله إليه)، لكن أذكر واحدة من باب الاختصار، قال سبحانه في سورة النساء: ((لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا)) لاحظ كيف قرن سبحانه بين المسيح و الملائكة المقربون.
و قد علمنا من قبل أن الحور العين جزاء للمقربين كما قال سبحانه: ((وَحُورٌ عِينٞ (22) كَأَمۡثَٰلِ ٱللُّؤۡلُوِٕ ٱلۡمَكۡنُونِ (23) جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ (24) لَا يَسۡمَعُونَ فِيهَا لَغۡوٗا وَلَا تَأۡثِيمًا (25) إِلَّا قِيلٗا سَلَٰمٗا سَلَٰمٗا (26))) و بما أن المسيح من المقربين، فإذن هو إمام للمتقين بلا شك… ثم أريدك أن تقرأ سورة مريم، أكثر سورة ورد فيها الاسم الأعظم، الرحمن، تبارك اسمه… قال فيها سبحانه: ((يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا)) و فيها خبر مريم و عيسى ذاك الرسول الكريم المقرّب.
ثم أريدك أن تستحضر ما نشرته من قبل عن علاقة سورة الفرقان باسم الرحمن، و اقرأ الآيات بدء من: ((وَعِبَادُ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلَّذِينَ يَمۡشُونَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ هَوۡنٗا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلۡجَٰهِلُونَ قَالُواْ سَلَٰمٗا)) إلى آخر الآيات. و هذا يليق بالمسيح بن مريم بلا شك، قارن حالهم (يمشون على الأرض هونا) و (قالوا سلاما) و قارنها بجزاء أهل الجنة: ((لا يسمعون فيها لغوا و لا تأثيما)) و قارنها بالآية: ((إِلَّا قِيلٗا سَلَٰمٗا سَلَٰمٗا)) عجيب أليس ذلك؟ ثم لا تنقضي العجائب هنا، واصل في سورة الفرقان الآية التي بعدها: ((وَٱلَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمۡ سُجَّدٗا وَقِيَٰمٗا)) ((وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱصۡرِفۡ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَۖ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا)) و قارن حالهم بحال القانت: ((أَمَّنْ هُوَ قَٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ سَاجِدًا وَقَآئِمًا يَحْذَرُ ٱلْءَاخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِۦ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلْأَلْبَٰبِ)) و قد علمت من مقالتي هذه أن مريم عليها السلام كانت من القانتين و كذلك كان المسيح بن مريم و يعرف ذلك حتى أهل الإنجيل. بل اقرأ في سورة مريم في الآية التي فيها السجود، ماذا تجد فيها: ((إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُ ٱلرَّحْمَٰنِ خَرُّواْ سُجَّدًا وَبُكِيًّا)) فإن فهمت هذا فهمت المناسبة بين الاسم الأعلى، الرحمن، و عباد الرحمن الذي من أئمتهم هو المسيح بن مريم.
ثم أزيدك في العلاقة بين مريم و ابنها و أهل الجنة، عباد الرحمن المقربين و الحور العين. إن القارئ في أواخر سورة الفرقان سيلحظ أمرا. يذكر الله أحوال عباد الرحمن فيذكر عددا منها بالتتالي و التتابع، غير أنه يذكر شيء ثم يفصّل فيه ثم يعود بذكر بقية أحوالهم. اقرأ الآيات: ((وَٱلَّذِينَ لَا يَدۡعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقۡتُلُونَ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَلَا يَزۡنُونَۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ يَلۡقَ أَثَامٗا (68) يُضَٰعَفۡ لَهُ ٱلۡعَذَابُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَيَخۡلُدۡ فِيهِۦ مُهَانًا (69))) ما الذي لاحظته؟ هل لاحظت مثل الذي لاحظته أنا؟ لاحظ أن الله تبارك و تعالى بعد أن ذكر هذه المحرّمات ذكر آية خاصة: ((يُضَٰعَفۡ لَهُ ٱلۡعَذَابُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَيَخۡلُدۡ فِيهِۦ مُهَانًا)) عرفنا الشرك، و عرفنا عظيم أمر قتل النفس و لكن ماذا عن الزنا؟ بل بعض أهل التفسير أصلا يقولون الآية: (يُضَٰعَفۡ لَهُ ٱلۡعَذَابُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَيَخۡلُدۡ فِيهِۦ مُهَانًا)) عائدة على آخر محظور مذكور و هو (و لا يزنون) عجيب أليس كذلك؟ ما الذي يعرفه الناس عن مريم و ابنها؟ أنهما ما زنيا قط ولم يتزوجا، و مريم خصيصا ذكرها الله و مدحها: ﴿ وَمَرْيَمَ ٱبْنَتَ عِمْرَٰنَ ٱلَّتِىٓ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَٰتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِۦ وَكَانَتْ مِنَ ٱلْقَٰنِتِينَ﴾ و قال في آية أخرى: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ و المسيح معروف عنه أصلا ألى أن رفع أنه لم يتزوّج. و ميزة الحور العين كما فصّلت كثيرا: ((لم يطمثهن إنس قبلهم و لا جان)) سبحان الله…
الآن أظنّك عرفت شيئا يسيرا، لماذا عيسى ابن مريم و أمه آية! قال سبحانه ((وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُۥٓ {ءَايَةً} وَءَاوَيْنَٰهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍۢ ذَاتِ قَرَارٍۢ وَمَعِينٍۢ)) عيسى ابن مريم و أمّه آية لعباد الرحمن، المتقين، المقربين، آية و مثال لحال أهل الجنة، من رجالهم و زوجاتهم، مريم عليها السلام آية في الدنيا للحور العين و كذلك عيسى آية لرجال الجنة. باختصار أردت أن تعرف حال الذكر و الأنثى في الجنة، و عظيم ما أعدّه الله لعباده المتقين في الجنة أمام عينك ففي عيسى و أمه آية عظيمة و كافية للناس بإذن الله…
الناس يسخرون من موضوع الحور العين و لكن أظنّك الآن و أنت قرأت ما في آيات الله من البيان العظيم، و وجدت كيف هناك تناسبا و ربطا عجيبا بين كل هذه المواضيع و الحور العين، عرفت عظيم أمرها و لم يجعلها الله تبارك و تعالى آية في كتابه ((و حور عين)) سدى أو لهوا و لعبا، سبحانه و تعالى…
اختلفت أقوال الناس في معنى اسم ”عيسى“ و أصل الكلمة، و من دون الدخول في الاختلافات لأن هذا سيطول جدا و ليس هو موضوعي الرئيس، غير أني أحاول أن أضيف قيمة حقيقة للقارئ العزيز فأقول لعلّ والله أعلم أن أصله ”عِيس“ من البياض و النقاء و الفرس الأبيض الصافي و النقي يسمى عيس إلى اليوم عند بعض القبائل العربية. و كأن معنى اسم ”عيسى“ أي الذي وصل المنتهى (الذي يليق به) في البياض و النقاء و الطهارة! عليه السلام…
ارجع إلى هذا الموضوع مرة أخرى و اقرأه من البداية بتأنٍ كي تفقه ما أقول… لقد ذكرت لك سابقا أن الجان لم يطمث أمّه مريم أو يمسّها أو يخنسها و هي مولودة و كذلك ابنها و هو يولد لم يمسّه الشيطان أو يخنسه، فلهذا لم يفسُد… فهو أبيض طاهر نقي، لا نجد له ذنب مذكور في القرآن أو في أي كتاب آخر و لا في أي خبر من الأخبار و الآثار…
لا يحمل في قلبه حقدا و غلا و غشا، فهو أبيض نقي مُخْلِص لله مُخلَّص و من أسمائه المعروفة عند شعوب الأرض المخلّص بمعنى المسيح و من معاني المسيح المطهّر بالزيت و في بعض الروايات أنه سينزل آخر الأمر و شعره يقطر و كان أصلا مؤيدا بروح ”القُدُس“! فهل كل هذه الأمور صدفة و عبث!؟ العجيب أنّك تجد بالذات الآية التي أتكلّم عنها أعني: ((و حور عين)) في قراءة تُروى عن ابن مسعود قرأها: (و عيس عين)! أي (بيض عين)! سبحان الله! شيء عجيب فعلا…
و تعال معي إلى مزيد من العجائب فيما يخصّ التناسب بين مريم و ابنها و الحور العين. ذكرت من معاني الحور غير البيضاء النقية، أنها المخلصة و الملازمة. الآن انظر كيف كانت حياة مريم عليها السلام و ابنها. فمنذ البداية مريم عليها السلام كانت مهيأة لكي تكون مخلصة لله تبارك و تعالى إذ نذرت أمها ما في بطنها لله، (اقرأ كتابي بين الإلهام و الوسواس للتفاصيل) و كانت أنثى. ألم تكن مريم مخلصة لله ملازمة العبادة؟ اقرأ الآية من سورة آل عمران: ((فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍۢ وَأَنۢبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ)) موضع الشاهد: (كلما دخل عليها زكريا المحراب) و بيّنت في كتابي (بين الإلهام و الوسواس) أن المحراب المقصود هو ما يعرف جيدا عند أهل الكتاب: ((قدس الأقداس)) أطهر بقعة و لا ينبغي أن يدخله إلا إنسان طاهر مطهّر و كذلك كانت مريم عليها السلام.
أريدك أن تعود إلى الآية و تقرأ فيها، موضع الشاهد الثاني: (وجد عندها رزقا) و هذا يتناسب تماما مع حال الحور العين كما ذكرت في المعنى الأوّل من الدور و الرجوع، أي الذي ترجع إلى زوجها بما يسرّه و تقر عينه و ما إلى ذلك. انظر حال مريم، يقول الله: (كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا) يعني ليس مرة واحدة، بل كل ما دخل عليها وجد هذا الرزق! انظر كيف يتوافق هذا المعنى مع معنى حور عين! رزق لا ينفد. و إن أنت قرأت عن نعيم أهل الجنة مع الحور العين، تذكر بعد ذكر الرزق من الثمار و ما إلى ذلك! سبحان الله…
إليك المزيد، قال سبحانه: ((وَمَرْيَمَ ٱبْنَتَ عِمْرَٰنَ ٱلَّتِىٓ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَٰتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِۦ وَكَانَتْ مِنَ ٱلْقَٰنِتِينَ)) من هو القانت؟ أليس المخلص لله، المنقطع عن غيره، عبدالله… اقرأ الآية: ((أَمَّنْ هُوَ قَٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ سَاجِدًا وَقَآئِمًا يَحْذَرُ ٱلْءَاخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِۦ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلْأَلْبَٰبِ)). فبناء على ما سبق، فمريم عليها السلام إذن كانت نقية، طاهرة، مخلصة لله و ملازمة لعبادته و ملازمة هذا المحراب ثم انظر حالها بعد حملها كيف انقطعت عن قومها و عن الكلام و نذرها للرحمن صوما. سبحان الله كيف كل معنى ذكرته في الحور العين يتوافق مع حال مريم عليها السلام طبقا و مثلا…
ثم انظر إلى ابنها عيسى، المسيح، و انظر هل يتوافق حاله مع أحوال الحور العين أم لا؟
ذكرت من معاني الحور غير كونها بيضاء نقية، أنها المخلصة و الملازمة صحيح؟ انظر حال عيسى عليه السلام، كيف كان مخلصا لله، فمنذ كان في المهد قال كلمته الباقية ببقاء القرآن: ((قَالَ إِنِّي عَبۡدُ ٱللَّهِ ءَاتَىٰنِيَ ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلَنِي نَبِيّٗا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيۡنَ مَا كُنتُ وَأَوۡصَٰنِي بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ مَا دُمۡتُ حَيّٗا (31) وَبَرَّۢا بِوَٰلِدَتِي وَلَمۡ يَجۡعَلۡنِي جَبَّارٗا شَقِيّٗا (32) وَٱلسَّلَٰمُ عَلَيَّ يَوۡمَ وُلِدتُّ وَيَوۡمَ أَمُوتُ وَيَوۡمَ أُبۡعَثُ حَيّٗا (33) )) سمى نفسه (عبدالله) انتهى الموضوع… بيّن اخلاصه بشكل كامل و تام…
ثم انظر ماذا قال: (و جعلني مباركا أينما كنت) و هذا مثل حال (العين) راجع المعاني التي ذكرتها لتفهم. و أوصاني بالصلاة و الزكاة ما دمت حيا، أي قانت لله. و لاحظ قوله: (و برا بوالدتي و لم يجعلني جبارا شقيا) و لازم هذا الكلام و تحقيقه أنه عليه السلام لازم أمّه و كان معها ليكون بارا بها و لا يكون جبارا و شقيا و من كان هكذا مع أمه كان قرية عين لأمه بلا شك، اقرأ في سورة الفرقان: ((وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَٰجِنَا وَذُرِّيَّٰتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍۢ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا))… سبحان الله مثل الحور العين حينما قلت في المعاني أنها التي تلازم زوجها و قرة عين له. و أخيرا قوله: (و السلام علي يوم ولدت و يوم أموت و يوم يبعث حيا) و قارنها بدار السلام و قوله سبحانه في سورة الحجر: ((ٱدْخُلُوهَا بِسَلَٰمٍ ءَامِنِينَ)) و حال المتقين مع أزواجهم.
أحب أن ألفت نظرك إلى شيء آخر، عيسى الذي أخبرتك أن معنى اسمه قد يكون من البياض و النقاوة، ماذا كانت ميزته غير كل هذه الخصائص التي ذكرتها و التي تتوافق مع حال الحور العين؟ الحواريون، أليس كذلك؟ الذين نصروه! و قلت في هذا الموضوع من قبل أن الحواريون سمووا بذلك لأنّهم لازموا المسيح و نصروه. و ليس هذا فحسب بل من معاني التي قيلت في الحواريين أنّهم سمووا بذلك لأنّهم كانوا قصارين أي يعملون في تنقية القماش من الأوساخ و الدنس! ثم زد على الذي ذكرته، أن مريم كلّمتها الملائكة، و كذلك عيسى بن مريم كلمته سبحانه و روح منه و كان مؤيدا بروح القدس، و أيضا لا تنسى أن الحواريين أوحى الله إليهم، اقرأ: ((وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّۦنَ أَنْ ءَامِنُواْ بِى وَبِرَسُولِى قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ)). و ليس هذا فحسب، بل كما أن مريم كان يأتيها رزقها من الله سبحانه و تعالى، و كان عيسى مباركا أينما كان و كان كما قال عن نفسه ((وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ)) و كيف هو و أمه كان يأكلان الطعام ((مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٌ ۖ كَانَا يَأْكُلَانِ ٱلطَّعَامَ ۗ ٱنظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلْءَايَٰتِ ثُمَّ ٱنظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ))
انظر ماذا طلب الحواريين بالذات من المسيح؟ ((إِذۡ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ هَلۡ يَسۡتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيۡنَا مَآئِدَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِۖ قَالَ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ (112) قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأۡكُلَ مِنۡهَا وَتَطۡمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعۡلَمَ أَن قَدۡ صَدَقۡتَنَا وَنَكُونَ عَلَيۡهَا مِنَ ٱلشَّٰهِدِينَ (113) قَالَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلۡ عَلَيۡنَا مَآئِدَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيدٗا لِّأَوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا وَءَايَةٗ مِّنكَۖ وَٱرۡزُقۡنَا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ (114) قَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيۡكُمۡۖ فَمَن يَكۡفُرۡ بَعۡدُ مِنكُمۡ فَإِنِّيٓ أُعَذِّبُهُۥ عَذَابٗا لَّآ أُعَذِّبُهُۥٓ أَحَدٗا مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ (115))) عجيب! طلبوا هذا الرزق من السماء و قد أنزلها الله سبحانه و تعالى! و انظر المناسبة بين هذا الرزق و رزق مريم و حال عيسى بن مريم ثم قارنها بأحوال أهل الجنة، المتقين و أزواجهم المطهرة، على الفرش المرفوعة و الأرائك و يأتيهم فيها رزقهم بكرة و عشيا ما تشتهيه أنفسهم و ما تلذّ أعينهم…
و بما أني بيّنت المناسبة بين الرزق و مريم و عيسى و الحواريين و كذلك الحور العين، أزيد و أقول لا تنسى كما أن الحور (عين) و هن معين من الخيرات واللذات كما بيّنت آنفا، فكذلك المسيح بن مريم و أمّه قال الله تبارك و تعالى: ((وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُۥٓ ءَايَةً وَءَاوَيْنَٰهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍۢ ذَاتِ قَرَارٍۢ وَمَعِينٍۢ)) موضع الشاهد (ربوة ذات قرار و {معين}))
و أزيدك على هذا الذي ذكرت، شيء من ذكر مريم و ابنها عليهما السلام ثم لاحظ المناسبة بينهما و الحور العين، أوّل ذلك: ((وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً)) و لن أفصّل كثيرا، لكن من الأقوال التي قيلت في معنى ”شرقيا“ أنه مكان شاسع بعيد، أو مكان مشرقة داره، و هو عندي قريب من المكان القصي: ((فَحَمَلَتْهُ فَٱنْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً)). و قارن هذا المكان بالربوة و قد قيل في معنى الربوة، المكان العالي أو المرتفع من الأرض و قيل هو أحسن ما يكون فيه النبات و أحسن تفسير لها عندي و هو أحسن من تفسير المفسرين، ما نجده في سورة البقرة، في هذه الآية: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: 265] موضع الشاهد (جنة بربوة) إذن و كأنها كانت في جنة و هذا يتوافق و يتناسق مع جميع الآيات في موضوعنا و أريدك أن تقارن هذه الجنة بالجنة المذكورة في سورة الحاقة: ((فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ))… الله أكبر ما أعظمه من كتاب!
ثم انظر ما كان من أمرها، و تابع القراءة، قال سبحانه: ((وَهُزِّيٓ إِلَيۡكِ بِجِذۡعِ ٱلنَّخۡلَةِ تُسَٰقِطۡ عَلَيۡكِ رُطَبٗا جَنِيّٗا)) انظر كيف تساقط عليها بهزّها فحسب، سبحان الله و كأنها في الجنة… و إلا فالعادة أن المرأة الحامل لا تستطيع هزّ جذع النخلة فتسقط عليها الرطب و لكن لأنها مريم، المثال الدنيوي للحور العين اقرأ ما قاله سبحانه في سورة الحاقة: ((قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ)) ثم اقرأ بعدها في سورة مريم: ((فَكُلِي وَٱشۡرَبِي وَقَرِّي عَيۡنٗاۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلۡبَشَرِ أَحَدٗا فَقُولِيٓ إِنِّي نَذَرۡتُ لِلرَّحۡمَٰنِ صَوۡمٗا فَلَنۡ أُكَلِّمَ ٱلۡيَوۡمَ إِنسِيّٗا)) انظر في هذه الآية كم من مناسبة لطيفة (خفية) بينها و بين الأزواج المطهرة في الجنة. موضع الشاهد الأول (فكلي و اشربي و قري عينا) و معروف من أسماء الأزواج المطهرة في الجنة: (حور عين) و قارنها بقوله و (قري عينا) و قوله من قبل: (ذات قرار و معين). ثم أريدك أن تتنبّه لقوله سبحانه: ((كلي و اشربي و قري عينا)) و تقارنها بالآيات من سورة الحاقة: ((كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ)) سبحان الله! شيء عجيب أليس كذلك؟
ثم لاحظ المناسبة الثانية في الآية: ((فَكُلِي وَٱشۡرَبِي وَقَرِّي عَيۡنٗاۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلۡبَشَرِ أَحَدٗا فَقُولِيٓ إِنِّي نَذَرۡتُ لِلرَّحۡمَٰنِ صَوۡمٗا فَلَنۡ أُكَلِّمَ ٱلۡيَوۡمَ إِنسِيّٗا)) و موضع الشاهد قولها:(إني نذرت للرحمن صوما) و قولها: (فلن أكلّم اليوم إنسيا) و قارنها بحال الحور العين: (مقصورات في الخيام) (قاصرات الطرف).
و عودة إلى المسيح، عيسى بن مريم و لفتة رقمية (باطنية) يطيب لي ذكرها (طبعا عندما أقول باطنية لحاجة في نفسي :) ) عندنا في سورة مريم شهادة عيسى بن مريم الأخيرة المذكورة لنا في سورة مريم و هو في المهد: ((وَٱلسَّلَٰمُ عَلَيَّ يَوۡمَ وُلِدتُّ وَيَوۡمَ أَمُوتُ وَيَوۡمَ أُبۡعَثُ حَيّٗا (٣٣) )) أريدك أن تلاحظ رقم الآية في السورة، الرقم هو ٣٣، و هذا هو المعروف في الكتب التاريخية و معروف عند عوام المسلمين و أهل الكتاب أنّه كان عمر المسيح بن مريم يوم رفعه الله تبارك و تعالى. و ليس هذا فحسب، بل هو كما في بعض الروايات الموقوفة: ”يدخلُ أهلُ الجنةِ الجنةَ جُرْدًا مُرْدًا مُكَحَّلِينَ ، بَنِي ثلاثٍ وثلاثِينَ“ الذي أتفكّر فيه و أقول، هذا الراوي أي كان، سواء كان إنسان قصّاص، متأخر، تابعي، صحابي، لماذا اختار هذا العمر بالذات؟ لا أظنّه اختار هذا العمر عن فراغ إلا لشيء عرفه… والله تبارك و تعالى أعلم…
ثم لنعرج إلى موضوع آخر له علاقة بموضوعنا و تبيّن المناسبة بين عيسى بن مريم و أهل الجنة و الحور العين و من بركات معرفة الاسم المبارك (الرحمن). لقد ذكرت في موضوع سابق، أن المسيح بن مريم رفعه الله إليه، و بالتالي صار من الملأ الأعلى، (عند الرحمن) و كونه صار من هذا الملأ حيث ربّهم (الرحمن) هناك فهو من المطهرين غير أن عيسى بن مريم من المقربين كذلك و الأدلة عدة ذكرتها من قبل أقواها (بل رفعه الله إليه)، لكن أذكر واحدة من باب الاختصار، قال سبحانه في سورة النساء: ((لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا)) لاحظ كيف قرن سبحانه بين المسيح و الملائكة المقربون.
و قد علمنا من قبل أن الحور العين جزاء للمقربين كما قال سبحانه: ((وَحُورٌ عِينٞ (22) كَأَمۡثَٰلِ ٱللُّؤۡلُوِٕ ٱلۡمَكۡنُونِ (23) جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ (24) لَا يَسۡمَعُونَ فِيهَا لَغۡوٗا وَلَا تَأۡثِيمًا (25) إِلَّا قِيلٗا سَلَٰمٗا سَلَٰمٗا (26))) و بما أن المسيح من المقربين، فإذن هو إمام للمتقين بلا شك… ثم أريدك أن تقرأ سورة مريم، أكثر سورة ورد فيها الاسم الأعظم، الرحمن، تبارك اسمه… قال فيها سبحانه: ((يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا)) و فيها خبر مريم و عيسى ذاك الرسول الكريم المقرّب.
ثم أريدك أن تستحضر ما نشرته من قبل عن علاقة سورة الفرقان باسم الرحمن، و اقرأ الآيات بدء من: ((وَعِبَادُ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلَّذِينَ يَمۡشُونَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ هَوۡنٗا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلۡجَٰهِلُونَ قَالُواْ سَلَٰمٗا)) إلى آخر الآيات. و هذا يليق بالمسيح بن مريم بلا شك، قارن حالهم (يمشون على الأرض هونا) و (قالوا سلاما) و قارنها بجزاء أهل الجنة: ((لا يسمعون فيها لغوا و لا تأثيما)) و قارنها بالآية: ((إِلَّا قِيلٗا سَلَٰمٗا سَلَٰمٗا)) عجيب أليس ذلك؟ ثم لا تنقضي العجائب هنا، واصل في سورة الفرقان الآية التي بعدها: ((وَٱلَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمۡ سُجَّدٗا وَقِيَٰمٗا)) ((وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱصۡرِفۡ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَۖ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا)) و قارن حالهم بحال القانت: ((أَمَّنْ هُوَ قَٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ سَاجِدًا وَقَآئِمًا يَحْذَرُ ٱلْءَاخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِۦ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلْأَلْبَٰبِ)) و قد علمت من مقالتي هذه أن مريم عليها السلام كانت من القانتين و كذلك كان المسيح بن مريم و يعرف ذلك حتى أهل الإنجيل. بل اقرأ في سورة مريم في الآية التي فيها السجود، ماذا تجد فيها: ((إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُ ٱلرَّحْمَٰنِ خَرُّواْ سُجَّدًا وَبُكِيًّا)) فإن فهمت هذا فهمت المناسبة بين الاسم الأعلى، الرحمن، و عباد الرحمن الذي من أئمتهم هو المسيح بن مريم.
ثم أزيدك في العلاقة بين مريم و ابنها و أهل الجنة، عباد الرحمن المقربين و الحور العين. إن القارئ في أواخر سورة الفرقان سيلحظ أمرا. يذكر الله أحوال عباد الرحمن فيذكر عددا منها بالتتالي و التتابع، غير أنه يذكر شيء ثم يفصّل فيه ثم يعود بذكر بقية أحوالهم. اقرأ الآيات: ((وَٱلَّذِينَ لَا يَدۡعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقۡتُلُونَ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَلَا يَزۡنُونَۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ يَلۡقَ أَثَامٗا (68) يُضَٰعَفۡ لَهُ ٱلۡعَذَابُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَيَخۡلُدۡ فِيهِۦ مُهَانًا (69))) ما الذي لاحظته؟ هل لاحظت مثل الذي لاحظته أنا؟ لاحظ أن الله تبارك و تعالى بعد أن ذكر هذه المحرّمات ذكر آية خاصة: ((يُضَٰعَفۡ لَهُ ٱلۡعَذَابُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَيَخۡلُدۡ فِيهِۦ مُهَانًا)) عرفنا الشرك، و عرفنا عظيم أمر قتل النفس و لكن ماذا عن الزنا؟ بل بعض أهل التفسير أصلا يقولون الآية: (يُضَٰعَفۡ لَهُ ٱلۡعَذَابُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَيَخۡلُدۡ فِيهِۦ مُهَانًا)) عائدة على آخر محظور مذكور و هو (و لا يزنون) عجيب أليس كذلك؟ ما الذي يعرفه الناس عن مريم و ابنها؟ أنهما ما زنيا قط ولم يتزوجا، و مريم خصيصا ذكرها الله و مدحها: ﴿ وَمَرْيَمَ ٱبْنَتَ عِمْرَٰنَ ٱلَّتِىٓ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَٰتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِۦ وَكَانَتْ مِنَ ٱلْقَٰنِتِينَ﴾ و قال في آية أخرى: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ و المسيح معروف عنه أصلا ألى أن رفع أنه لم يتزوّج. و ميزة الحور العين كما فصّلت كثيرا: ((لم يطمثهن إنس قبلهم و لا جان)) سبحان الله…
الآن أظنّك عرفت شيئا يسيرا، لماذا عيسى ابن مريم و أمه آية! قال سبحانه ((وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُۥٓ {ءَايَةً} وَءَاوَيْنَٰهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍۢ ذَاتِ قَرَارٍۢ وَمَعِينٍۢ)) عيسى ابن مريم و أمّه آية لعباد الرحمن، المتقين، المقربين، آية و مثال لحال أهل الجنة، من رجالهم و زوجاتهم، مريم عليها السلام آية في الدنيا للحور العين و كذلك عيسى آية لرجال الجنة. باختصار أردت أن تعرف حال الذكر و الأنثى في الجنة، و عظيم ما أعدّه الله لعباده المتقين في الجنة أمام عينك ففي عيسى و أمه آية عظيمة و كافية للناس بإذن الله…
الناس يسخرون من موضوع الحور العين و لكن أظنّك الآن و أنت قرأت ما في آيات الله من البيان العظيم، و وجدت كيف هناك تناسبا و ربطا عجيبا بين كل هذه المواضيع و الحور العين، عرفت عظيم أمرها و لم يجعلها الله تبارك و تعالى آية في كتابه ((و حور عين)) سدى أو لهوا و لعبا، سبحانه و تعالى…
٦. الآن لنعود لسمات الحور العين، بعد أن قال سبحانه: ((و حور عين)) قال بعدها مباشرة: ((كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ)) و اللؤلؤ المكنون معروف بياضه و نضارته و حسنه و نقاوته و جماله بشكل عام. و لماذا قلت بياضه لأن هذا المعروف عن اللؤلؤ المكنون و الظاهر للناس جميعا و طبعا لأن الله تبارك و تعالى قال في آية أخرى: ((كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ)).
قال السعدي المفسّر و هو شيخ ابن عثيمين: ”كأنهن اللؤلؤ الأبيض الرطب الصافي البهي ، المستور عن الأعين والريح والشمس ، الذي يكون لونه من أحسن الألوان ، الذي لا عيب فيه بوجه من الوجوه ، فكذلك الحور العين ، لا عيب فيهن بوجه ، بل هن كاملات الأوصاف ، جميلات النعوت . فكل ما تأملته منها لم تجد فيه إلا ما يسر الخاطر ويروق الناظر“
و أنا أضيف على أهل التفسير معنى يتوافق مع مناسبة ذكر الله سبحانه و تعالى (كأمثال اللؤلؤ المكنون) بعد (و حور عين) و يتوافق مع كل المعاني التي ذكرتها في معنى (حور عين) أولا اللؤلؤ المكنون، أي المحفوظ. و معروف أن هناك من الجبال أكنّة و و كذلك قال سبحانه: (و أنتم أكنّة في بطون أمّهاتكم). فكما أن الحور مقصورات فهي كاللؤلؤ المكنون، و كما أن الحور لم يطمثهن إنس قبلهم و لا جان فكذلك اللؤلؤ المكنون لم يمسّه أحد. و كما أن نعوتهن الرقّة و النعومة فكذلك اللؤلؤ المكنون فيه رقة و نعومة قبل أن يمسّه أحد فيصلب. و هذا مثل البيْض تماما، ما الذي داخل البيض مما يلي القشرة؟ البيض الرقيق الناعم، أليس كذلك؟ ستقول نعم و هذا ما يعرفه كل إنسان، و بياض البيض ما طبيعته؟ شفاف أليس كذلك؟ ستقول بلى… إذن تبيّن لك وجه الشبه بين (كأمثال اللؤلؤ المكنون) و (كأنهن بيض مكنون) و المناسبة بين هذه الأمثال و الحور العين أجمل تشبيه، و مناسبة لا أحسن منها إن كنت تفقه العربية بحسنها و جمالها و تعي حقائق هذه الأمور…
فإن تفلسفت امرأة لا تعي العربية و استعمالات العرب للتشبيه و عزّز لها رجل نسوي، و قالت صرتم تشبّهون الإناث باللؤلؤ و البيض، نقول لها أنتم لا تفقهون العربية أو استعمالات التشبيه عند العرب و كيف أن هذا التشبيه بهذه المعاني التي ذكرتها و التي يعرفها الرجال و العرب عموما، هي تضيف من القيمة و لا تنقص. قال الشاعر:
”كأنما خلقت في قشر لؤلؤة *** فكل أكنافها وجه لمرصاد“
في سورة الرحمن شبّه الله الحور بالياقوت و المرجان و ذلك في قوله: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ والْمَرْجانُ﴾ أي في صفائهن. قال قتادة: هُنَّ في صفاء الياقوت وبياض المَرْجان. وذكر الزجاج أن أهل التفسير وأهل اللغة قالوا: هُنَّ في صفاء الياقوت وبياض المَرْجان والمَرْجان: صِغار اللؤلؤ، وهو أشدُّ بياضاً. و العجيب في نفس السورة قال سبحانه: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ أي من البحر. فاللؤلؤ و المرجان في البحر و هذا يعطي معنى من معاني المكنون. و أصلا كلمة ”المرجان“ نفسها تفيد شيء من الخفاء لمن فقه نظريتي التي ألّفت فيها كتابا.
غير أن لقائل أن يقول المرجان أيضا تعرف بالحمرة، أقول العرب عندما تقول عن امرأة بيضاء فلا يقصدون الأبيض الذي كلون الأبيض في الكمبيوتر و لون الأشباح. و هذا معروف لدى الناس اليوم أيضا عندما يسمون الرجل الأوروبي بالرجل الأبيض. فكأن الحور العين تلك الحسناوات البيضاء النقية التي فيهن احمرار في وجنتيها إن رضينا بهذا المعنى. و إضافة إلى ذلك أن المرجان أنواع، و من الأنواع المعروفة المرجان الناعم، الذي يكون رقيقا و ناعما جدا و هذا يتوافق تماما مع ما ذكرت من قبل عن معنى الحور العين.
أحب أن أضيف معنى آخر و مناسبة أخرى لذكر الياقوت و المرجان و كيف أن هذا التشبيه و بالأخص بالياقوت و المرجان و البيض المكنون، عبّر عنه الرسول صلى الله عليه. ألسنا نجد في الأخبار الخبر المشهور الذي يردّه أهل التنوير اليوم و يستقذرون منه كما نجد في تويتر، أعني حديث البخاري الذي فيه: ”لِكُلِّ امْرِئٍ منهمْ زَوْجَتَانِ، كُلُّ واحِدَةٍ منهما يُرَى مُخُّ سَاقِهَا مِن ورَاءِ لَحْمِهَا مِنَ الحُسْنِ“ فقوله عليه السلام (يُرى مخ ساقها من وراء لحمها) أي مثل الياقوت، و مثل البيض من شدة بيضهن و صفائهن و نقاوتهن. و هذا موجود حتى في الدنيا بنسبة أقل ترى البيضاء الحسناء تظهر لك عروقها من رقة جلدها و بيضها. و كلما رقّ الجلد و كان نقيا بان لك معالم العظام حتى من وراء اللحم، أليس كذلك؟ و إن كان من الذين يقرؤون كلامي أنثى، فلتنظر إلى ظهر كفّها، إن كانت بيضاء بجلد رقيق ليس بكثيف، تحمل شيئا يسيرا من السمات التي ذكرتها في هذا الموضوع، لوجدت أنها ترى من خلال جلدها بل تشف معالم عظام قبضتها، أنا أجد هذا في عائلتي و في يد أمي و هي في حقيقة الأمر سمة جمال يطلبها الرجال في الإناث في العادة.
ثم إني قلت لكم من قبل، الحور العين أنشأهن الله إنشاء، و هذه النشأة قد لا تكون كالنشأة الدنيوية التي تعرفها من كون وجود الدم و ما إلى ذلك فربما لا وجود للدم الذي يعطي اللون الأحمر بحكم أنّهن أزواج مطهّرة فبالتالي قد تكون مختلفة عن النظرة التي تتخيّلها. و حتى إن قلنا بأن الحديث ضعيف أو عبارته ليست عبارة الرسول صلى الله عليه الحرفية و إنما رويت بالمعنى، أو إنه إدراج من الراوي أو أنه تشبيه لا أكثر أو أي شيء من هذا القبيل، فإن في القرآن الكفاية في معنى الرقة و الصفاء و الحمدلله. ألست حين ترى البيض و هو شفاف يظهر لك قشرته من خلال بياض البيض و كذلك الشراب النقي الصافي الشفاف ترى الكأس من خلاله. اقرأ في سورة الصافات: ((يُطَافُ عَلَيۡهِم بِكَأۡسٖ مِّن مَّعِينِۭ (45) بَيۡضَآءَ لَذَّةٖ لِّلشَّٰرِبِينَ (46))) و الحمدلله رب العالمين…
دعونا الآن ننتقل لسمة أخرى من سماتهن، أعني أزواج الجنة، قال سبحانه: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾ و طبعا هذا مما يتمتّع به الرجل عادة. اسأل أكثر رجال الأرض هل يفضّلون البكر أم الثيّب! بل اسأل النساء اللاتي فقدن عذريتهن، كم منهن تتمنى إن هي بقيت بكرا، بل اسأل كم واحدة في العالم قامت بعملية لإرجاع البكارة! هل سألتهن لماذا فعلن ذلك؟ ستجيبك إن لم تكن تكابر لأن هذا ما يريده الرجل منها و هذا في العادة ما يدلّ عند الرجال على أنها لم يمسسها بشر من قبل و بالعامية و بلسان محسن كما قال في مقالته: (غير مستعملة) فقوله سبحانه: (فجعلناهن أبكارا) يتواءم مع قوله: ((لم يطمثهن إنس قبلهم و لا جان))
فإن قلت و لكن النبي تزوّج خديجة رضي الله عنها و كانت ثيبة و لم تكن بكرا. أيها المتعالم، ومن قال لك أن الرجال بعثهم الله رسلا من عند آخرهم؟ الرسول صلى الله عليه لم يكن يعيش في الدنيا متمتعا كما أنه يخلد فيه أبدا، إنما يعرف أن الدنيا دار ابتلاء و ليست بدار قرار. هذه واحدة. و الثاني يا عزيزي، الرسول صلى الله عليه تزوّج بكرا أيضا. و الثالث أين أنت من بقية الأنبياء و الرسل؟ إبراهيم و موسى و البقية عليهم السلام. و رابعا أنت لم تحط بالظروف علما. و خامسا، حب الرسول لشيء لا يجعل من ذاك الحب أن أكثر البشر مثله على ذاك الشيء… الرسول صلى الله عليه كان هاديا إلى الله و مبشّرا و نذيرا، و قد علمت أن أكثر الناس في القرآن يضلون عن سبيل الله، فهل ما كان من حال الرسول ينبغي أن يكون عاما فطريا عند الكل؟ سادسا، لماذا تتكلّم عن الرسول صلى الله عليه؟ دعه يتكلّم عن نفسه أيهما يفضّله الرجل عادة؟ في حديث البخاري و مسلم عن جابر بن عبدالله: هَلَكَ أبِي وتَرَكَ سَبْعَ بَناتٍ أوْ تِسْعَ بَناتٍ، فَتَزَوَّجْتُ امْرَأَةً ثَيِّبًا، فَقالَ لي رَسولُ اللَّهِ ﷺ: تَزَوَّجْتَ يا جابِرُ فَقُلتُ: نَعَمْ، فَقالَ: بكْرًا أمْ ثَيِّبًا؟ قُلتُ: بَلْ ثَيِّبًا، قالَ: فَهَلّا جارِيَةً تُلاعِبُها وتُلاعِبُكَ، وتُضاحِكُها وتُضاحِكُكَ قالَ: فَقُلتُ له: إنَّ عَبْدَ اللَّهِ هَلَكَ، وتَرَكَ بَناتٍ، وإنِّي كَرِهْتُ أنْ أجِيئَهُنَّ بمِثْلِهِنَّ، فَتَزَوَّجْتُ امْرَأَةً تَقُومُ عليهنَّ وتُصْلِحُهُنَّ، فَقالَ: بارَكَ اللَّهُ لكَ أوْ قالَ: خَيْرًا.“
هناك سمة في أزواج الجنة ذكر الله في أكثر من موضع و هي (قاصرات الطرف) قال الله سبحانه في سورة الصافات: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ و في سورة ص: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾ و في سورة الرحمن: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ و مرة مقصورات ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾
فما معنى قاصرات الطرف؟ أكثر أهل التفسير قالوا أن معنى قاصرات الطرف أي حابسات عيونهن أو غاضات الأعين، قصرن طرفهن على أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم. و أقرب تفسير عندي لقاصرات الطرف هو قوله سبحانه (حور) بمعنى (قاصرات الطرف) = حور و لهذا كثير من العرب قديما أصلا و إلى اليوم عندما يتكلمون عن الحور يتكلمون عن الطرف و العين كذلك. فكما أن الحور من أصل معناها الرجوع كما ذكرت في هذه المقالة و كيف أنها ترجع ببصرها إلى زوجها و ترجع إليه بكل خير و ما إلى ذلك فكذلك هذه الحور قاصرات الطرف. يعني أطرافهن مقصورة لا تمتد إلى غير زوجها كما يفهمه عامة المسلمين. و المعنى الآخر الذي قد يفهمه الناس، أن قاصرات الطرف، أي أطراف أعينهن قاصرة و ليست طويلة ممتدة، و هذا يدلّ على اتساعها و هو ما يوافق أيضا ما يعرفه الناس من معاني الحور. و معنى آخر أن قاصرات الطرف أي قصيرة الطرف، لا تأخذ وقتا طويلا لتطرف و كثير من النساء تفعلن ذلك تكلّفا. قال سبحانه في سورة النمل: ﴿ قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ۚ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ و لقائل أن يقول قاصرات أي لا تطرف تظلّ تنظر إليك نظر العاشق إلى معشوقته…
و اسأل نفسك أيها الرجل بكل صدق، هل تحبّ زوجتك أن تكون معك و بصرها يمتد إلى كل شيء من حولك و كل رجل مرّ بجوارك؟ أم تحبّها قاصرة الطرف، راجعة النظر إليك؟ لا أعرف إنسانا عن نفسي يحب أن تكون زوجته ممتدة الطرف؟ فعندما تقصر المرأة نظرها إلى رجل و تعيد و ترجع النظر إليه تدلّ هذا على اهتمامها بهذا الرجل و حبّها له و لا تخفي اعجابها عنه. بالمقابل عندما تقصر طرفها عن الآخرين فكأنها لا تبالي بشيء إلا بك و اسأل الرجال إن كان هذا ما يثيرهم أو لا يثيرهم؟ أيها القارئ الكريم، ما يفعله كثير من الرجال أصلا ليلفت نظر المرأة و في حولك من العالم العبرة الكافية في هذا.
و أما كونها مقصورات في الخيام، أي هي كالمكنون في هذه الخيام سواء في قصورها أو وجودها في الخيام. يعني خاصة لك. و أسأل أي رجل لامس امرأة من قبل و ذاق حلاوتها ما الذي يسعده أكثر و هو يدخل في بيته أو مكان يرتاح فيه، هل يحبّها خالية، أم يحب أن تنتظره حسناء… تنتظره خصيصا مقصورة طرفها إلا عليه؟ لا تسأل العزوبي عن مثل هذا… فكأنك تسأل باحثا و كاتبا عن العسل و هو لم يذقه يوما، فإن أردت أن تعرف شيئا عن اللذة و المتعة الحسية فاسأل الذين جربوا و ذاقوا.
و إلى سمة أخرى يكثر الحديث عنها بين الناس و هي قوله سبحانه: ((و كواعب أترابا)) أكثر الناس الذين ينكرون موضوع الحور العين بمعنى إناث و موضوع الزواج في الجنة و المتعة التي تقع بين الرجل و زوجه، قالوا كيف يضع الله في كتابه شيء يذكر فيه هيئة الصدر؟ هذا لا يليق و ما إلى ذلك من هذا الكلام. و لأن هذا كثر على أهل التفسير اليوم من قبل المجتمعات الغربية التي تبث سمومها و ترمي بسهامها تجاه القرآن و كَثُر من قِبَل أبناء و بنات المسلمين الذين تأثروا بأمزجة تخالف الفطرة البشرية فاستحى أهل التفسير اليوم و فسّروا كواعب بتفسيرات بعيدة و غريبة منها أنها عبارة عن مجال أو إطار، و آخرون قالوا إنما هو بمعنى الأكواب و بعضهم يقول على استحياء أن البنت التي تنمو ثديها قليلا فهي كاعب و بالتالي يقولون هذا هو المعنى، لكن طبعا هذا القول لم يرض به المجتمع الغربي كذلك فقالوا كيف هذا في الجنة، هل هناك مجامعة الصغيرات اللاتي من قريب فقط برزت أثيادهن؟ و هكذا حال الذين يجاملون الآخرين.
الآن إن أردت أن تعرف معنى (كواعب) المكان الذي تجد فيه الاجابة الصحيحة هو القرآن. قال سبحانه: ﴿و كواعب أترابا﴾ و في سورة الواقعة قال: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ إذن مبدئيا فمعنى كواعب قريب من معنى عربا أو على الأقل المعنى يتحرّك في نفس الاتجاه. و سأتكلّم بالتفصيل عن آية سورة الواقعة، لكن باختصار أقول من أصل (ع-ر-ب) الظهور و البروز و البيان و الوضوح و ما إلى ذلك. الأعراب سمّوا أعرابا لأنّهم بادون. إذن آية سورة الواقعة تؤكد لنا أن معنى كواعب التي في سورة النبأ لها علاقة بالظهور و البروز و الوضوح؟ و بما أن الأصل (ك-ع-ب) تدلّ على الظهور و البروز كذلك مثل الكعبة و مثل الكعبين و هكذا.
ما أكثر شيء بارز في المرأة يلفت الأنظار بالنسبة للرجال و يثير شهواتهم غير ما هو مكشوف أصلا للجميع؟ أليست الأثياد؟ فإن فهمت الذي سبق، ستفهم أن معنى (كواعب) أي التي عندها ثديين فيها ظهور و بروز و مستديرة. و (أترابا) أي متماثلة و متساوية و على نفس النمط و النسق و لهذا يسمى أصلا التراب ترابا. أي أن أثيادهن شابة بارزة مستديرة متماثلة ليست متدلية أو واحدة مختلفة عن الثانية و من أجل هذا سمّيت الجارية و الشابة بالكاعب، لماذا؟ لأن ثدييها بارزتين و مستوية و معتدلة، ليست عظيمة الثديين كالمرضعات و لا متدلية الثديين كالعجائز. إنما بارزة دائرية متماثلة.
قال الله سبحانه في سورة الطارق: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ الترائب في الآية فسّرها كثير من أهل التفسير بعظام صدر المرأة و يقولون عظام الصدر و النحر و بعضهم فسّرها بعظام صدر الرجل. و حتى الذين اختلفوا فيها، فالمعنى المشترك التماثل كما قلت، فيقولون الترائب أربعة أضلاع من يمنة الصدر و أربعة أضلاع من يسرة الصدر، و منهم من قال اليدان و الرجلان و العينان، و أنا أرجّح القول الأول ترائب المرأة صدرها… و سبحان الله الجنين في بطن المرأة، يأتيها الماء من الرجل من صلبه من تحت بطنها و ماءها من فوق بطنها من صدرها ثم يُخلق الجنين و يصير في بطنها.
هذه حقيقة لا يمكن لأي كائن بشري ينكره، فالأنثى تتميز عن الرجل بأشياء من أبرزها الثديين و هي من أهم مثارات الشهوة عند الرجال و هذا معروف حتى عند النساء أنفسهن و لهذا اللاتي تحاولن إثارة الرجل تثيرهن بماذا؟ بأبدانهن و بالأخص بثدييها. اسأل مراكز عمليات التجميل و قم بإحصائية حول العالم في محاولات المرأة لتكعيب ثدييها لتعرف الحقيقة. و الرجال بشكل عام لا يفضّلون الأثداء المتدلية أو الأثداء شبه المسطّحة و انظر كيف النساء في شرق آسيا يشعرون بالخجل و يعكسون هذا الخجل في كثير من أعمالهم المرئية أو المقروءة، كل هذا لماذا؟ لأن المرأة تعرف في قرارة نفسها، أن الأثداء الكاعبة هي سمة جمال عالمية، عند الرجال و النساء. ثم انظر كيف بهذه الأثداء تجعل الحليم من الرجال حيرانا و يصير كما نقول بالعامية في الخليج: (خروف)… بظنّك إن كانت بأثداء متدلية أو غير متماثلة سيفتن بها، الغالب أنّ نفسه تعفّها و إن لم يبدي ذلك للناس.
و حتى إن أخذنا بالمعنى الذي يقوله بعض أهل التفسير اليوم من أن المقصود الجاريات الصغيرات فكلمة (أتراب) تعطي معنى التماثل و التشابه و على نفس المستوى فلا يشعر الرجل حينها بالضجر. تخيل معي رجل معه أربع زوجات، واحدة منهن جارية حسناء، و ثدييها بارزة متماثلة غير متدلية، و لكن زوجته الثاني و إن كانت صغيرة إلا أن هيئة صدرها مختلف مما لا يحبه الرجل، و الزوجة الثالثة صدرها كصدور الرجال و الرابعة ثديها كبير جدا و متدلٍ و ساقط، برأيك هل متعته بالأولى كالبقية؟ لا تقل لي هذا فيه تنوّع، إنما هذا التنوّع كان سيحبّه الرجل لو أن كلهن كن في حسن الأولى و لكن اختلفت ذواتهن و شخصياتهن. فإن فهمت الذي أرمي إليه فكذلك ستفهم ماذا يعني: (و كواعب أترابا) حتى إن أخذنا الفهم الحديث للآية.
فمحصّلة ما سبق، بأي معنى مشهور أخذت بخصوص قوله سبحانه ((و كواعب أترابا)) فإن فيه ما يرغّب الرجل و يثير شهوته إلا من به مرض أو شاذ عن أكثر رجال الدنيا و من كان كذلك لا يُعتبر و يعمم بناء عليه قاعدة عامة.
و أما التفصيل في قوله سبحانه: ((عربا أترابا)) فقد اختلف أهل التفسير في فهم معنى ”عربا“ على عدة أقوال…
القول الأول و الأشهر: المقصورات المتحببات إلى أزواجهم.
القول الثاني: المتحببات من الضرائر تقفن على طاعته و تساعدن على إشاعته.
القول الثالث: أي عربيات كلامهن عربي و لتقوية هذا القول يروون أثرا ضعيفا منقطعا عن علي بن الحسين بن علي. و القول الرابع: أي الحسنات الكلام (كلامهن حلو).
القول الخامس: العاشقة لزوجها.
القول السادس: الحسنات التبعّل.
القول السابع: الغنجات، و كما في المعاجم تستعمل للدلالة على أصوات و حركات البنت المليحة، يُقال: ”أقبل الفتيات بغنجهن“ أو ”هفا إلى غنجهن القلب و البصر“ أي أصواتها و حركاتها و دلالها التي تزيدها ملاحة. المعنى بالعامية باختصار: ”الدلوعة“ أو التي تتدلّع و تتدلل في كلامها و حركتها، و ما أكثرهن في الدنيا.
هذه الأقوال السبعة هي أشهر الأقوال التي أعرفها قيلت في معنى: ”عُربا“ عند أهل التفسير.
أحب أضيف قولا من عندي و أراه الأقرب و الأصوب بإذن الله و تجمع الأقوال السابقة. و هي مستلهمة من الآية الشبيهة لها: (و كواعب أترابا) أي المعربات. بمعنى معربات الصدر (باديات و بارزات مستديرات الأثداء) و معربات عن حبّهن لأزواجهن، و حركاتهن و أصواتهن تعرب عن حبّهن لأزواجهم. لسن من اللاتي لا تستطعن الإعراب عن حبّهن لأزواجهن أو اللاتي لا تعرفن كيف تعربن، و لسن من اللاتي صدورهن غير معربة. و ذلك لأن الجذر (ع ر ب) فيه من معاني الظهور و البروز و البيان. و هذا القول الذي أضيفه يوافق تماما الآية: (و كواعب أترابا) و الحمدلله. و ذلك لأن العُرُب فيه من معاني الظهور و الإستدارة كذلك الكواعب و لكن هذا سيدخلني في مبحث في العربية بخصوص الأحرف لا أرى جيدا أن أغوص فيه الآن.
و إن أنت تأملت حال الرجال و النساء في الدنيا، لوجدت كيف يتمتّع الرجل بالأنثى التي تتدلل له، أو ما يصير له إن أعربت الأنثى عن حبّها له، يطير عقله، أليس كذلك؟ حتى و إن كانت دميمة فإن هي عبّرت عن حبّها و تدللت إلى الرجل و أعربت لشعر الرجل بشيء في داخله فما بالك إن كانت كاملة الحسن، بهية المنظر، كاعبة الصدر، كريمة الأخلاق. فهذا بلا شك يحبّه الرجل الطبيعي أكثر و أكثر.
من أزواج الدنيا قد تحبّك و لكنها لا تعرب عن حبّها لك، أو لا تعرف كيف ذلك. يعيش الرجل مع زوجته سنوات و ربما لا تعرب بشيء بعد أن صارت أما إلا قليلا، أليس كذلك؟ لكن في الجنة، يخبرنا الله تبارك و تعالى أن الأزواج المطهّرة هي عرب، تتكلم بكلام عربي مبين و تبيّن حبّها من غير لبس أو عجمة، تُعرب عن حبّها لا تخفي حبّها بحيث كل كلامها و حركاتها تدلّ على هذا الحب الذي شغفها إضافة إلى كون خلقة صدرها معربة… أنا أتحدى أي إنسان و حتى أكبر نسوي على وجه الأرض إن كان لا يزال يحافظ على ذكوريته أن يقول لا هذا لا أحبه أو لا أريده في زوجتي! لا يمكن للرجال أن يكابروا إلا و هو يدّعي المثالية الزائفة. و النساء كذلك لأنهن تعرفن أن هذا مما يتأثر به الرجل تفعلن ذلك كثيرا.
و الآن بعد كل هذا الكلام قد تقول أقنعتنا أن الله سبحانه و تعالى عندما ذكر لنا عن أزواج الجنة، ذكر ما يثير الرجل و يتمتّع به بحواسه و لا سبيل إلا الاعتراف بذلك إلا من لا يفقه ما يقرأ من القرآن. فالله تبارك و تعالى يذكر في القرآن عن الرزق في الجنة، الشراب و الطعام، و يذكر المتعة البدنية القصوى عند الرجل و هي زوجته و المتعة النفسية الأعلى عند الرجل و هو الملك. و بمجموعهن تحصل الحياة الكريمة. و كل هذا ذكره الله تبارك و تعالى في معرض ذكره عن نعيم الجنة في آيات القرآن.
فعودة إلى السؤال: ”هل الله يُرغّب الرجال في هذه الأمور المادية، من أكل و شرب و أزواج و مُلك“ الاجابة و بكل وضوح، نعم قد رغّب الله عباده بذلك و قد طمع عباده الصالحين فيما رغّب به سبحانه. و هو ترغيب في محلّه و لا أحسن منه أصلا بدء و انتهاء. فإن قال مدّعي و ماذا عن ذكر الله و عن الصلاة؟ أقول إن أنت قرأت مقالتي عن معنى الصلاة لوجدت أن الله تبارك و تعالى لم يذكر ولا مرة أن في الجنة عليهم أن يصلوا أو حتى يكلّفهم بأي عمل، و قد بيّنت السبب، فمن أراد أن يعرف فليراجع هناك.
لا تقل بعد الذي قرأته، لماذا لم يذكر الله كذا و كذا، و لماذا فقط عدد من ذكر النعيم الحسي و النفسي، الإجابة باختصار: (ألا له الخلق و الأمر) و الإجابة الأكثر تفصيلا: ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ الله يعلم ما يحبه الرجل سواء أظهره أم أخفاه. و ذكر في الجنة أكثر ما تتطلّع إليه أنفس الرجال.
و لكن أقول لهذا الإنسان، الذي يستنكر أن يذكر الله النعيم الحسي، من ذكره للأزواج و الطعام و الشراب، أقول له إن أنت استنكرت على الناس أن هذا فهمهم، فلابد أنه سيأتيك يوم و كما حاولت تحريف معاني هذه الآيات، ستقوم بتحريف آيات التخويف و الوعيد… لأن الله سبحانه في مقابل ذكره للجنة و نعيمها، ذكر جهنّم و عذابها.
فكما أنه ذكر الرزق في الجنة و الذي به حياتهم من طعام و شراب و من ثم ذكر اللذة الحسية القصوى بذكره الأزواج ذكر عن جهنّم و طعامهم و شرابهم، من ماء حميم، يصهر في ما بطونهم و الجلود، و ذكر الزقوم، طعام الأثيم، لا يسمن و لا يغني من جوع. و من ثم ذكر ماذا عن جهنّم!؟ ذكر عذاب الحريق! النار… أعظم عذاب حسي يتعرّض له الإنسان… و هو التعذيب بالحرق…
و لهذا ذكر لنا سبحانه عن عذاب أهل النار كما في سورة النساء: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ موضع الشاهد (كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها). فالله العزيز الحكيم قد ذكر أشدّ العذاب و أشد ما يؤلم بدن الإنسان.
الملاحدة و الكفار عندما ينكرون على القرآن يذكرون الدارين، الجنة و النار و ينقلب عليهم انكاراتهم إلى أدلة تثبت عظمة رب العالمين الذي أنزل هذا القرآن. و لكن أنتم أيها الرجال و النساء من أبناء المسلمين نجدكم تذكرون بشكل دائم موضوع الحور العين و تقولون إن هذا يخالف عدل الله أو أنه فيه تحيّز للرجال دون النساء كما ذكر أخونا خالد الدليمي… و غيره يقولون هذا فقط فهم ذكوري منكم ناشئ عن شهواتكم الدنيئة، و القرآن بريئ من ذكر هذه المتع الحسية و البدنية، و بالتالي تقومون بتحريف هذه الآيات! سبحان الله، نحن من يُحرّف الآيات الآن؟ سبحان الله هذا بهتان عظيم…
لم نجدكم أيها الإخوة و الأخوات يوما تقولون عن الذين يؤمنون بالقرآن كلّه و ما ذكره الله من عذاب أهل النار، أنتم وحوش و تحبون التعذيب لأننا نأخذ القرآن بظاهره و كما قال الله عن عذاب النار، و لم نجدكم تحاولون تحريف هذه الآيات؟ أتعرفون لماذا؟ لأنكم تبع نسائكم و ليس العكس… و النساء اللاتي تستنكرن ذلك فإنهن تفعلن ذلك تبع لغيرتهن و غلّهن من حيث لا تشعرن، و قد ذكرت من قبل أن الغل لا يكون في الجنة و الحمدلله و لكنكم اليوم تصرون على ذلك و إنا لله و إنا إليه راجعون… عيب أن تنظر إلى القرآن العظيم من جانب و تهمل الجانب الآخر المهم…
قال السعدي المفسّر و هو شيخ ابن عثيمين: ”كأنهن اللؤلؤ الأبيض الرطب الصافي البهي ، المستور عن الأعين والريح والشمس ، الذي يكون لونه من أحسن الألوان ، الذي لا عيب فيه بوجه من الوجوه ، فكذلك الحور العين ، لا عيب فيهن بوجه ، بل هن كاملات الأوصاف ، جميلات النعوت . فكل ما تأملته منها لم تجد فيه إلا ما يسر الخاطر ويروق الناظر“
و أنا أضيف على أهل التفسير معنى يتوافق مع مناسبة ذكر الله سبحانه و تعالى (كأمثال اللؤلؤ المكنون) بعد (و حور عين) و يتوافق مع كل المعاني التي ذكرتها في معنى (حور عين) أولا اللؤلؤ المكنون، أي المحفوظ. و معروف أن هناك من الجبال أكنّة و و كذلك قال سبحانه: (و أنتم أكنّة في بطون أمّهاتكم). فكما أن الحور مقصورات فهي كاللؤلؤ المكنون، و كما أن الحور لم يطمثهن إنس قبلهم و لا جان فكذلك اللؤلؤ المكنون لم يمسّه أحد. و كما أن نعوتهن الرقّة و النعومة فكذلك اللؤلؤ المكنون فيه رقة و نعومة قبل أن يمسّه أحد فيصلب. و هذا مثل البيْض تماما، ما الذي داخل البيض مما يلي القشرة؟ البيض الرقيق الناعم، أليس كذلك؟ ستقول نعم و هذا ما يعرفه كل إنسان، و بياض البيض ما طبيعته؟ شفاف أليس كذلك؟ ستقول بلى… إذن تبيّن لك وجه الشبه بين (كأمثال اللؤلؤ المكنون) و (كأنهن بيض مكنون) و المناسبة بين هذه الأمثال و الحور العين أجمل تشبيه، و مناسبة لا أحسن منها إن كنت تفقه العربية بحسنها و جمالها و تعي حقائق هذه الأمور…
فإن تفلسفت امرأة لا تعي العربية و استعمالات العرب للتشبيه و عزّز لها رجل نسوي، و قالت صرتم تشبّهون الإناث باللؤلؤ و البيض، نقول لها أنتم لا تفقهون العربية أو استعمالات التشبيه عند العرب و كيف أن هذا التشبيه بهذه المعاني التي ذكرتها و التي يعرفها الرجال و العرب عموما، هي تضيف من القيمة و لا تنقص. قال الشاعر:
”كأنما خلقت في قشر لؤلؤة *** فكل أكنافها وجه لمرصاد“
في سورة الرحمن شبّه الله الحور بالياقوت و المرجان و ذلك في قوله: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ والْمَرْجانُ﴾ أي في صفائهن. قال قتادة: هُنَّ في صفاء الياقوت وبياض المَرْجان. وذكر الزجاج أن أهل التفسير وأهل اللغة قالوا: هُنَّ في صفاء الياقوت وبياض المَرْجان والمَرْجان: صِغار اللؤلؤ، وهو أشدُّ بياضاً. و العجيب في نفس السورة قال سبحانه: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ أي من البحر. فاللؤلؤ و المرجان في البحر و هذا يعطي معنى من معاني المكنون. و أصلا كلمة ”المرجان“ نفسها تفيد شيء من الخفاء لمن فقه نظريتي التي ألّفت فيها كتابا.
غير أن لقائل أن يقول المرجان أيضا تعرف بالحمرة، أقول العرب عندما تقول عن امرأة بيضاء فلا يقصدون الأبيض الذي كلون الأبيض في الكمبيوتر و لون الأشباح. و هذا معروف لدى الناس اليوم أيضا عندما يسمون الرجل الأوروبي بالرجل الأبيض. فكأن الحور العين تلك الحسناوات البيضاء النقية التي فيهن احمرار في وجنتيها إن رضينا بهذا المعنى. و إضافة إلى ذلك أن المرجان أنواع، و من الأنواع المعروفة المرجان الناعم، الذي يكون رقيقا و ناعما جدا و هذا يتوافق تماما مع ما ذكرت من قبل عن معنى الحور العين.
أحب أن أضيف معنى آخر و مناسبة أخرى لذكر الياقوت و المرجان و كيف أن هذا التشبيه و بالأخص بالياقوت و المرجان و البيض المكنون، عبّر عنه الرسول صلى الله عليه. ألسنا نجد في الأخبار الخبر المشهور الذي يردّه أهل التنوير اليوم و يستقذرون منه كما نجد في تويتر، أعني حديث البخاري الذي فيه: ”لِكُلِّ امْرِئٍ منهمْ زَوْجَتَانِ، كُلُّ واحِدَةٍ منهما يُرَى مُخُّ سَاقِهَا مِن ورَاءِ لَحْمِهَا مِنَ الحُسْنِ“ فقوله عليه السلام (يُرى مخ ساقها من وراء لحمها) أي مثل الياقوت، و مثل البيض من شدة بيضهن و صفائهن و نقاوتهن. و هذا موجود حتى في الدنيا بنسبة أقل ترى البيضاء الحسناء تظهر لك عروقها من رقة جلدها و بيضها. و كلما رقّ الجلد و كان نقيا بان لك معالم العظام حتى من وراء اللحم، أليس كذلك؟ و إن كان من الذين يقرؤون كلامي أنثى، فلتنظر إلى ظهر كفّها، إن كانت بيضاء بجلد رقيق ليس بكثيف، تحمل شيئا يسيرا من السمات التي ذكرتها في هذا الموضوع، لوجدت أنها ترى من خلال جلدها بل تشف معالم عظام قبضتها، أنا أجد هذا في عائلتي و في يد أمي و هي في حقيقة الأمر سمة جمال يطلبها الرجال في الإناث في العادة.
ثم إني قلت لكم من قبل، الحور العين أنشأهن الله إنشاء، و هذه النشأة قد لا تكون كالنشأة الدنيوية التي تعرفها من كون وجود الدم و ما إلى ذلك فربما لا وجود للدم الذي يعطي اللون الأحمر بحكم أنّهن أزواج مطهّرة فبالتالي قد تكون مختلفة عن النظرة التي تتخيّلها. و حتى إن قلنا بأن الحديث ضعيف أو عبارته ليست عبارة الرسول صلى الله عليه الحرفية و إنما رويت بالمعنى، أو إنه إدراج من الراوي أو أنه تشبيه لا أكثر أو أي شيء من هذا القبيل، فإن في القرآن الكفاية في معنى الرقة و الصفاء و الحمدلله. ألست حين ترى البيض و هو شفاف يظهر لك قشرته من خلال بياض البيض و كذلك الشراب النقي الصافي الشفاف ترى الكأس من خلاله. اقرأ في سورة الصافات: ((يُطَافُ عَلَيۡهِم بِكَأۡسٖ مِّن مَّعِينِۭ (45) بَيۡضَآءَ لَذَّةٖ لِّلشَّٰرِبِينَ (46))) و الحمدلله رب العالمين…
دعونا الآن ننتقل لسمة أخرى من سماتهن، أعني أزواج الجنة، قال سبحانه: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾ و طبعا هذا مما يتمتّع به الرجل عادة. اسأل أكثر رجال الأرض هل يفضّلون البكر أم الثيّب! بل اسأل النساء اللاتي فقدن عذريتهن، كم منهن تتمنى إن هي بقيت بكرا، بل اسأل كم واحدة في العالم قامت بعملية لإرجاع البكارة! هل سألتهن لماذا فعلن ذلك؟ ستجيبك إن لم تكن تكابر لأن هذا ما يريده الرجل منها و هذا في العادة ما يدلّ عند الرجال على أنها لم يمسسها بشر من قبل و بالعامية و بلسان محسن كما قال في مقالته: (غير مستعملة) فقوله سبحانه: (فجعلناهن أبكارا) يتواءم مع قوله: ((لم يطمثهن إنس قبلهم و لا جان))
فإن قلت و لكن النبي تزوّج خديجة رضي الله عنها و كانت ثيبة و لم تكن بكرا. أيها المتعالم، ومن قال لك أن الرجال بعثهم الله رسلا من عند آخرهم؟ الرسول صلى الله عليه لم يكن يعيش في الدنيا متمتعا كما أنه يخلد فيه أبدا، إنما يعرف أن الدنيا دار ابتلاء و ليست بدار قرار. هذه واحدة. و الثاني يا عزيزي، الرسول صلى الله عليه تزوّج بكرا أيضا. و الثالث أين أنت من بقية الأنبياء و الرسل؟ إبراهيم و موسى و البقية عليهم السلام. و رابعا أنت لم تحط بالظروف علما. و خامسا، حب الرسول لشيء لا يجعل من ذاك الحب أن أكثر البشر مثله على ذاك الشيء… الرسول صلى الله عليه كان هاديا إلى الله و مبشّرا و نذيرا، و قد علمت أن أكثر الناس في القرآن يضلون عن سبيل الله، فهل ما كان من حال الرسول ينبغي أن يكون عاما فطريا عند الكل؟ سادسا، لماذا تتكلّم عن الرسول صلى الله عليه؟ دعه يتكلّم عن نفسه أيهما يفضّله الرجل عادة؟ في حديث البخاري و مسلم عن جابر بن عبدالله: هَلَكَ أبِي وتَرَكَ سَبْعَ بَناتٍ أوْ تِسْعَ بَناتٍ، فَتَزَوَّجْتُ امْرَأَةً ثَيِّبًا، فَقالَ لي رَسولُ اللَّهِ ﷺ: تَزَوَّجْتَ يا جابِرُ فَقُلتُ: نَعَمْ، فَقالَ: بكْرًا أمْ ثَيِّبًا؟ قُلتُ: بَلْ ثَيِّبًا، قالَ: فَهَلّا جارِيَةً تُلاعِبُها وتُلاعِبُكَ، وتُضاحِكُها وتُضاحِكُكَ قالَ: فَقُلتُ له: إنَّ عَبْدَ اللَّهِ هَلَكَ، وتَرَكَ بَناتٍ، وإنِّي كَرِهْتُ أنْ أجِيئَهُنَّ بمِثْلِهِنَّ، فَتَزَوَّجْتُ امْرَأَةً تَقُومُ عليهنَّ وتُصْلِحُهُنَّ، فَقالَ: بارَكَ اللَّهُ لكَ أوْ قالَ: خَيْرًا.“
هناك سمة في أزواج الجنة ذكر الله في أكثر من موضع و هي (قاصرات الطرف) قال الله سبحانه في سورة الصافات: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ و في سورة ص: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾ و في سورة الرحمن: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ و مرة مقصورات ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾
فما معنى قاصرات الطرف؟ أكثر أهل التفسير قالوا أن معنى قاصرات الطرف أي حابسات عيونهن أو غاضات الأعين، قصرن طرفهن على أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم. و أقرب تفسير عندي لقاصرات الطرف هو قوله سبحانه (حور) بمعنى (قاصرات الطرف) = حور و لهذا كثير من العرب قديما أصلا و إلى اليوم عندما يتكلمون عن الحور يتكلمون عن الطرف و العين كذلك. فكما أن الحور من أصل معناها الرجوع كما ذكرت في هذه المقالة و كيف أنها ترجع ببصرها إلى زوجها و ترجع إليه بكل خير و ما إلى ذلك فكذلك هذه الحور قاصرات الطرف. يعني أطرافهن مقصورة لا تمتد إلى غير زوجها كما يفهمه عامة المسلمين. و المعنى الآخر الذي قد يفهمه الناس، أن قاصرات الطرف، أي أطراف أعينهن قاصرة و ليست طويلة ممتدة، و هذا يدلّ على اتساعها و هو ما يوافق أيضا ما يعرفه الناس من معاني الحور. و معنى آخر أن قاصرات الطرف أي قصيرة الطرف، لا تأخذ وقتا طويلا لتطرف و كثير من النساء تفعلن ذلك تكلّفا. قال سبحانه في سورة النمل: ﴿ قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ۚ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ و لقائل أن يقول قاصرات أي لا تطرف تظلّ تنظر إليك نظر العاشق إلى معشوقته…
و اسأل نفسك أيها الرجل بكل صدق، هل تحبّ زوجتك أن تكون معك و بصرها يمتد إلى كل شيء من حولك و كل رجل مرّ بجوارك؟ أم تحبّها قاصرة الطرف، راجعة النظر إليك؟ لا أعرف إنسانا عن نفسي يحب أن تكون زوجته ممتدة الطرف؟ فعندما تقصر المرأة نظرها إلى رجل و تعيد و ترجع النظر إليه تدلّ هذا على اهتمامها بهذا الرجل و حبّها له و لا تخفي اعجابها عنه. بالمقابل عندما تقصر طرفها عن الآخرين فكأنها لا تبالي بشيء إلا بك و اسأل الرجال إن كان هذا ما يثيرهم أو لا يثيرهم؟ أيها القارئ الكريم، ما يفعله كثير من الرجال أصلا ليلفت نظر المرأة و في حولك من العالم العبرة الكافية في هذا.
و أما كونها مقصورات في الخيام، أي هي كالمكنون في هذه الخيام سواء في قصورها أو وجودها في الخيام. يعني خاصة لك. و أسأل أي رجل لامس امرأة من قبل و ذاق حلاوتها ما الذي يسعده أكثر و هو يدخل في بيته أو مكان يرتاح فيه، هل يحبّها خالية، أم يحب أن تنتظره حسناء… تنتظره خصيصا مقصورة طرفها إلا عليه؟ لا تسأل العزوبي عن مثل هذا… فكأنك تسأل باحثا و كاتبا عن العسل و هو لم يذقه يوما، فإن أردت أن تعرف شيئا عن اللذة و المتعة الحسية فاسأل الذين جربوا و ذاقوا.
و إلى سمة أخرى يكثر الحديث عنها بين الناس و هي قوله سبحانه: ((و كواعب أترابا)) أكثر الناس الذين ينكرون موضوع الحور العين بمعنى إناث و موضوع الزواج في الجنة و المتعة التي تقع بين الرجل و زوجه، قالوا كيف يضع الله في كتابه شيء يذكر فيه هيئة الصدر؟ هذا لا يليق و ما إلى ذلك من هذا الكلام. و لأن هذا كثر على أهل التفسير اليوم من قبل المجتمعات الغربية التي تبث سمومها و ترمي بسهامها تجاه القرآن و كَثُر من قِبَل أبناء و بنات المسلمين الذين تأثروا بأمزجة تخالف الفطرة البشرية فاستحى أهل التفسير اليوم و فسّروا كواعب بتفسيرات بعيدة و غريبة منها أنها عبارة عن مجال أو إطار، و آخرون قالوا إنما هو بمعنى الأكواب و بعضهم يقول على استحياء أن البنت التي تنمو ثديها قليلا فهي كاعب و بالتالي يقولون هذا هو المعنى، لكن طبعا هذا القول لم يرض به المجتمع الغربي كذلك فقالوا كيف هذا في الجنة، هل هناك مجامعة الصغيرات اللاتي من قريب فقط برزت أثيادهن؟ و هكذا حال الذين يجاملون الآخرين.
الآن إن أردت أن تعرف معنى (كواعب) المكان الذي تجد فيه الاجابة الصحيحة هو القرآن. قال سبحانه: ﴿و كواعب أترابا﴾ و في سورة الواقعة قال: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ إذن مبدئيا فمعنى كواعب قريب من معنى عربا أو على الأقل المعنى يتحرّك في نفس الاتجاه. و سأتكلّم بالتفصيل عن آية سورة الواقعة، لكن باختصار أقول من أصل (ع-ر-ب) الظهور و البروز و البيان و الوضوح و ما إلى ذلك. الأعراب سمّوا أعرابا لأنّهم بادون. إذن آية سورة الواقعة تؤكد لنا أن معنى كواعب التي في سورة النبأ لها علاقة بالظهور و البروز و الوضوح؟ و بما أن الأصل (ك-ع-ب) تدلّ على الظهور و البروز كذلك مثل الكعبة و مثل الكعبين و هكذا.
ما أكثر شيء بارز في المرأة يلفت الأنظار بالنسبة للرجال و يثير شهواتهم غير ما هو مكشوف أصلا للجميع؟ أليست الأثياد؟ فإن فهمت الذي سبق، ستفهم أن معنى (كواعب) أي التي عندها ثديين فيها ظهور و بروز و مستديرة. و (أترابا) أي متماثلة و متساوية و على نفس النمط و النسق و لهذا يسمى أصلا التراب ترابا. أي أن أثيادهن شابة بارزة مستديرة متماثلة ليست متدلية أو واحدة مختلفة عن الثانية و من أجل هذا سمّيت الجارية و الشابة بالكاعب، لماذا؟ لأن ثدييها بارزتين و مستوية و معتدلة، ليست عظيمة الثديين كالمرضعات و لا متدلية الثديين كالعجائز. إنما بارزة دائرية متماثلة.
قال الله سبحانه في سورة الطارق: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ الترائب في الآية فسّرها كثير من أهل التفسير بعظام صدر المرأة و يقولون عظام الصدر و النحر و بعضهم فسّرها بعظام صدر الرجل. و حتى الذين اختلفوا فيها، فالمعنى المشترك التماثل كما قلت، فيقولون الترائب أربعة أضلاع من يمنة الصدر و أربعة أضلاع من يسرة الصدر، و منهم من قال اليدان و الرجلان و العينان، و أنا أرجّح القول الأول ترائب المرأة صدرها… و سبحان الله الجنين في بطن المرأة، يأتيها الماء من الرجل من صلبه من تحت بطنها و ماءها من فوق بطنها من صدرها ثم يُخلق الجنين و يصير في بطنها.
هذه حقيقة لا يمكن لأي كائن بشري ينكره، فالأنثى تتميز عن الرجل بأشياء من أبرزها الثديين و هي من أهم مثارات الشهوة عند الرجال و هذا معروف حتى عند النساء أنفسهن و لهذا اللاتي تحاولن إثارة الرجل تثيرهن بماذا؟ بأبدانهن و بالأخص بثدييها. اسأل مراكز عمليات التجميل و قم بإحصائية حول العالم في محاولات المرأة لتكعيب ثدييها لتعرف الحقيقة. و الرجال بشكل عام لا يفضّلون الأثداء المتدلية أو الأثداء شبه المسطّحة و انظر كيف النساء في شرق آسيا يشعرون بالخجل و يعكسون هذا الخجل في كثير من أعمالهم المرئية أو المقروءة، كل هذا لماذا؟ لأن المرأة تعرف في قرارة نفسها، أن الأثداء الكاعبة هي سمة جمال عالمية، عند الرجال و النساء. ثم انظر كيف بهذه الأثداء تجعل الحليم من الرجال حيرانا و يصير كما نقول بالعامية في الخليج: (خروف)… بظنّك إن كانت بأثداء متدلية أو غير متماثلة سيفتن بها، الغالب أنّ نفسه تعفّها و إن لم يبدي ذلك للناس.
و حتى إن أخذنا بالمعنى الذي يقوله بعض أهل التفسير اليوم من أن المقصود الجاريات الصغيرات فكلمة (أتراب) تعطي معنى التماثل و التشابه و على نفس المستوى فلا يشعر الرجل حينها بالضجر. تخيل معي رجل معه أربع زوجات، واحدة منهن جارية حسناء، و ثدييها بارزة متماثلة غير متدلية، و لكن زوجته الثاني و إن كانت صغيرة إلا أن هيئة صدرها مختلف مما لا يحبه الرجل، و الزوجة الثالثة صدرها كصدور الرجال و الرابعة ثديها كبير جدا و متدلٍ و ساقط، برأيك هل متعته بالأولى كالبقية؟ لا تقل لي هذا فيه تنوّع، إنما هذا التنوّع كان سيحبّه الرجل لو أن كلهن كن في حسن الأولى و لكن اختلفت ذواتهن و شخصياتهن. فإن فهمت الذي أرمي إليه فكذلك ستفهم ماذا يعني: (و كواعب أترابا) حتى إن أخذنا الفهم الحديث للآية.
فمحصّلة ما سبق، بأي معنى مشهور أخذت بخصوص قوله سبحانه ((و كواعب أترابا)) فإن فيه ما يرغّب الرجل و يثير شهوته إلا من به مرض أو شاذ عن أكثر رجال الدنيا و من كان كذلك لا يُعتبر و يعمم بناء عليه قاعدة عامة.
و أما التفصيل في قوله سبحانه: ((عربا أترابا)) فقد اختلف أهل التفسير في فهم معنى ”عربا“ على عدة أقوال…
القول الأول و الأشهر: المقصورات المتحببات إلى أزواجهم.
القول الثاني: المتحببات من الضرائر تقفن على طاعته و تساعدن على إشاعته.
القول الثالث: أي عربيات كلامهن عربي و لتقوية هذا القول يروون أثرا ضعيفا منقطعا عن علي بن الحسين بن علي. و القول الرابع: أي الحسنات الكلام (كلامهن حلو).
القول الخامس: العاشقة لزوجها.
القول السادس: الحسنات التبعّل.
القول السابع: الغنجات، و كما في المعاجم تستعمل للدلالة على أصوات و حركات البنت المليحة، يُقال: ”أقبل الفتيات بغنجهن“ أو ”هفا إلى غنجهن القلب و البصر“ أي أصواتها و حركاتها و دلالها التي تزيدها ملاحة. المعنى بالعامية باختصار: ”الدلوعة“ أو التي تتدلّع و تتدلل في كلامها و حركتها، و ما أكثرهن في الدنيا.
هذه الأقوال السبعة هي أشهر الأقوال التي أعرفها قيلت في معنى: ”عُربا“ عند أهل التفسير.
أحب أضيف قولا من عندي و أراه الأقرب و الأصوب بإذن الله و تجمع الأقوال السابقة. و هي مستلهمة من الآية الشبيهة لها: (و كواعب أترابا) أي المعربات. بمعنى معربات الصدر (باديات و بارزات مستديرات الأثداء) و معربات عن حبّهن لأزواجهن، و حركاتهن و أصواتهن تعرب عن حبّهن لأزواجهم. لسن من اللاتي لا تستطعن الإعراب عن حبّهن لأزواجهن أو اللاتي لا تعرفن كيف تعربن، و لسن من اللاتي صدورهن غير معربة. و ذلك لأن الجذر (ع ر ب) فيه من معاني الظهور و البروز و البيان. و هذا القول الذي أضيفه يوافق تماما الآية: (و كواعب أترابا) و الحمدلله. و ذلك لأن العُرُب فيه من معاني الظهور و الإستدارة كذلك الكواعب و لكن هذا سيدخلني في مبحث في العربية بخصوص الأحرف لا أرى جيدا أن أغوص فيه الآن.
و إن أنت تأملت حال الرجال و النساء في الدنيا، لوجدت كيف يتمتّع الرجل بالأنثى التي تتدلل له، أو ما يصير له إن أعربت الأنثى عن حبّها له، يطير عقله، أليس كذلك؟ حتى و إن كانت دميمة فإن هي عبّرت عن حبّها و تدللت إلى الرجل و أعربت لشعر الرجل بشيء في داخله فما بالك إن كانت كاملة الحسن، بهية المنظر، كاعبة الصدر، كريمة الأخلاق. فهذا بلا شك يحبّه الرجل الطبيعي أكثر و أكثر.
من أزواج الدنيا قد تحبّك و لكنها لا تعرب عن حبّها لك، أو لا تعرف كيف ذلك. يعيش الرجل مع زوجته سنوات و ربما لا تعرب بشيء بعد أن صارت أما إلا قليلا، أليس كذلك؟ لكن في الجنة، يخبرنا الله تبارك و تعالى أن الأزواج المطهّرة هي عرب، تتكلم بكلام عربي مبين و تبيّن حبّها من غير لبس أو عجمة، تُعرب عن حبّها لا تخفي حبّها بحيث كل كلامها و حركاتها تدلّ على هذا الحب الذي شغفها إضافة إلى كون خلقة صدرها معربة… أنا أتحدى أي إنسان و حتى أكبر نسوي على وجه الأرض إن كان لا يزال يحافظ على ذكوريته أن يقول لا هذا لا أحبه أو لا أريده في زوجتي! لا يمكن للرجال أن يكابروا إلا و هو يدّعي المثالية الزائفة. و النساء كذلك لأنهن تعرفن أن هذا مما يتأثر به الرجل تفعلن ذلك كثيرا.
و الآن بعد كل هذا الكلام قد تقول أقنعتنا أن الله سبحانه و تعالى عندما ذكر لنا عن أزواج الجنة، ذكر ما يثير الرجل و يتمتّع به بحواسه و لا سبيل إلا الاعتراف بذلك إلا من لا يفقه ما يقرأ من القرآن. فالله تبارك و تعالى يذكر في القرآن عن الرزق في الجنة، الشراب و الطعام، و يذكر المتعة البدنية القصوى عند الرجل و هي زوجته و المتعة النفسية الأعلى عند الرجل و هو الملك. و بمجموعهن تحصل الحياة الكريمة. و كل هذا ذكره الله تبارك و تعالى في معرض ذكره عن نعيم الجنة في آيات القرآن.
فعودة إلى السؤال: ”هل الله يُرغّب الرجال في هذه الأمور المادية، من أكل و شرب و أزواج و مُلك“ الاجابة و بكل وضوح، نعم قد رغّب الله عباده بذلك و قد طمع عباده الصالحين فيما رغّب به سبحانه. و هو ترغيب في محلّه و لا أحسن منه أصلا بدء و انتهاء. فإن قال مدّعي و ماذا عن ذكر الله و عن الصلاة؟ أقول إن أنت قرأت مقالتي عن معنى الصلاة لوجدت أن الله تبارك و تعالى لم يذكر ولا مرة أن في الجنة عليهم أن يصلوا أو حتى يكلّفهم بأي عمل، و قد بيّنت السبب، فمن أراد أن يعرف فليراجع هناك.
لا تقل بعد الذي قرأته، لماذا لم يذكر الله كذا و كذا، و لماذا فقط عدد من ذكر النعيم الحسي و النفسي، الإجابة باختصار: (ألا له الخلق و الأمر) و الإجابة الأكثر تفصيلا: ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ الله يعلم ما يحبه الرجل سواء أظهره أم أخفاه. و ذكر في الجنة أكثر ما تتطلّع إليه أنفس الرجال.
و لكن أقول لهذا الإنسان، الذي يستنكر أن يذكر الله النعيم الحسي، من ذكره للأزواج و الطعام و الشراب، أقول له إن أنت استنكرت على الناس أن هذا فهمهم، فلابد أنه سيأتيك يوم و كما حاولت تحريف معاني هذه الآيات، ستقوم بتحريف آيات التخويف و الوعيد… لأن الله سبحانه في مقابل ذكره للجنة و نعيمها، ذكر جهنّم و عذابها.
فكما أنه ذكر الرزق في الجنة و الذي به حياتهم من طعام و شراب و من ثم ذكر اللذة الحسية القصوى بذكره الأزواج ذكر عن جهنّم و طعامهم و شرابهم، من ماء حميم، يصهر في ما بطونهم و الجلود، و ذكر الزقوم، طعام الأثيم، لا يسمن و لا يغني من جوع. و من ثم ذكر ماذا عن جهنّم!؟ ذكر عذاب الحريق! النار… أعظم عذاب حسي يتعرّض له الإنسان… و هو التعذيب بالحرق…
و لهذا ذكر لنا سبحانه عن عذاب أهل النار كما في سورة النساء: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ موضع الشاهد (كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها). فالله العزيز الحكيم قد ذكر أشدّ العذاب و أشد ما يؤلم بدن الإنسان.
الملاحدة و الكفار عندما ينكرون على القرآن يذكرون الدارين، الجنة و النار و ينقلب عليهم انكاراتهم إلى أدلة تثبت عظمة رب العالمين الذي أنزل هذا القرآن. و لكن أنتم أيها الرجال و النساء من أبناء المسلمين نجدكم تذكرون بشكل دائم موضوع الحور العين و تقولون إن هذا يخالف عدل الله أو أنه فيه تحيّز للرجال دون النساء كما ذكر أخونا خالد الدليمي… و غيره يقولون هذا فقط فهم ذكوري منكم ناشئ عن شهواتكم الدنيئة، و القرآن بريئ من ذكر هذه المتع الحسية و البدنية، و بالتالي تقومون بتحريف هذه الآيات! سبحان الله، نحن من يُحرّف الآيات الآن؟ سبحان الله هذا بهتان عظيم…
لم نجدكم أيها الإخوة و الأخوات يوما تقولون عن الذين يؤمنون بالقرآن كلّه و ما ذكره الله من عذاب أهل النار، أنتم وحوش و تحبون التعذيب لأننا نأخذ القرآن بظاهره و كما قال الله عن عذاب النار، و لم نجدكم تحاولون تحريف هذه الآيات؟ أتعرفون لماذا؟ لأنكم تبع نسائكم و ليس العكس… و النساء اللاتي تستنكرن ذلك فإنهن تفعلن ذلك تبع لغيرتهن و غلّهن من حيث لا تشعرن، و قد ذكرت من قبل أن الغل لا يكون في الجنة و الحمدلله و لكنكم اليوم تصرون على ذلك و إنا لله و إنا إليه راجعون… عيب أن تنظر إلى القرآن العظيم من جانب و تهمل الجانب الآخر المهم…
٧. و الآن ننتقل لسؤال، لماذا الله ذكر الأزواج و الحور العين و لم يذكر ما للنساء في الجنة؟
أولا من قال لك أن الله لم يذكر ذلك؟ بل ذكر الله تبارك و تعالى، في سورة النساء: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ و أيضا نجد في سورة النساء: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍۢ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ و قال سبحانه في سورة النحل: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ و قال سبحانه في سورة غافر: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾
نعرف من هذه الآيات التي ذكرتها أن الأنثى لن تظلم أبدا بل سيجزيها الله أجرها بأحسن ما كانت تعمل. هذا وعد من الله تبارك و تعالى و من أصدق من الله قولا و من أصدق من الله حديثا؟
و أما عن الحور العين بالنسبة للنساء، الله أعلم، لم يذكر الله ذلك صراحة… غير أن هناك سؤال وارد، أنثى اتقت الله، عبدته و كانت من الصالحات القانتات و لم تتزوّج في الدنيا، فهل لها زوج في الآخرة؟
أنا أجيب بنعم، و السبب في ذلك أن الله تبارك و تعالى لن يترك أنثى في الجنة من غير أن يقرّ عينها، فإن سألتني عن الدليل فإليك الدليل، قال سبحانه: ((فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍۢ جَزَآءًۢ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)) و قال سبحانه: ((يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍۢ مِّن ذَهَبٍۢ وَأَكْوَابٍۢ ۖ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلْأَنفُسُ وَتَلَذُّ ٱلْأَعْيُنُ ۖ وَأَنتُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ)) موضع الشاهد: (تشتهيه الأنفس) و الذكر له نفس و كذلك الأنثى لها نفس. فإن كانت قرة عين الأنثى زوجا في الجنة في الحسن و الكمال قد يزوجّها الله (بذكر) أنشأه الله في الجنة و يكون على مثال عيسى بن مريم، كما بيّنت من موضوعي هذا أن الحور العين على مثال مريم و ابنها من الطهارة… أو قد بزوجها برجل دخل الجنة… الله أعلم…
لم يذكر الله التفاصيل غير أنه ذكر بشكل واضح ((فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍۢ جَزَآءًۢ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)) فلا تحزن أية أنثى هنا تقرأ كلامي، فالله قد بشرّ كل نفس تدخل الجنة بقرّة عين و في هذا والله الكفاية الكفاية لو أننا كنا نعقل من هو الذي وعد سبحانه…
النساء عليهن حقا أن تؤمنّ بالله و بكلامه كي لا تحزنّ و لا تضطرب مشاعرهن. أما إن هي استمعت إلى الفلسفة الغربية التي لا داعي لها، أو إلى تعاطف الرجل النسوي الذي لا يعرف الذي يخرج من رأسه طلبا للجاه عندها، فإن ذلك سيزيدها شقاء و اضطرابا، و في بشارة الله ما يرفع كل شقاء و غل و حسد إن كنا نفقه كلام الله حقا… و الحمدلله رب العالمين…
و بما أن بعض الرجال قالوا أن ذكر أزواج الجنة و الحور العين و قاصرات الطرف للرجال من دون ذكر هذه التفاصيل للأنثى فإن في هذا ظلما و ليس هناك عدل! هذا الإنسان، الذي تأثر بالأطروحات التنويرية العربية المتدنية، و التي هي بذاتها تأثرت بالتنوير الغربي القاتم، لا يفقه الفرق بين العدل و الفضل.
من قال لك يا أخي الفاضل أن العدل يساوي الفضل؟ من أين لك هذا في القرآن العظيم؟ أو على الأقل في خبر صحيح عن الرسول صلى الله عليه؟ لا وجود لذلك البتة.
العدل هو إعطاء كل ذي حق حقه، من دون زيادة أو نقصان، لا تُظلَم، و يجزيك الله الجزاء الأوفى. هذا هو العدل الذي تعرفه البشرية منذ فجر التاريخ و إلى اليوم….
الفضل: هو تجاوز العدل بالجزاء بالزيادة و الإحسان، فهو إتمام و إعطاء كل ذي حق حقه و زيادة هذه الزيادة هي الفضل…
سأضرب لك مثلا لتفهم الفرق… موظّف يعمل في جهة حكومية، وقّع على عقد العمل، أن يعمل شهرا و في المقابل يأخذ أجرا قدره ٢٠ ألف درهما بانتهاء الشهر. فالآن أن هو أتمّ ما عليه من واجبات و مسؤوليات ثم استلم راتبه آخر الشهر ٢٠ ألف درهما. فإن هذا يعني أن الجهة الحكومية وفّته و جازته و أعطت حقوقه من غير زيادة أو نقصان. و إن ظلمته الجهة الحكومية فأعطته ١٠ ألف بدلا من ٢٠ ألفا فإنها قد ظلمته و لا يحقّ لها أن تفعل ذلك… و إن هي بدلا من أن تعطيه ٢٠ ألفا أعطته ٣٥ ألف درهما فهذه ١٥ ألف درهم الاضافية فضل من الجهة. فإن فهمت هذا المثل و هو سهل ستفهم الفرق بين العدل و الفضل و الظلم….
و بناء على ما سبق، فإن الله تبارك و تعالى لم يظلم النساء أبدا و لم يظلم أي أحد من خلقه و لن يظلمهم.
حاول أن تفهم، جهنّم هي العدل، جزاء وفاقا. و الجنة هي فضل الله و رحمته و إحسانه. فالأنثى إن عملت صالحا و أتمّت حقوقها في الدنيا، فالجزاء العادل أن يُنجّيها الله من النار. هذا هو الجزاء العادل. أما الفضل و الرحمة و الإحسان فهو إدخالها الجنة في أي درجة يريدها الله تبارك وتعالى. فإن فهمت هذا عرفت أن الأنثى لم و لن تظلم أبدا، الفرق الوحيد أن الله في القرآن ذكر لنا ما تفضّل به على الرجال و لم يذكر تفاصيل تفضّله على بقية المخلوقات. هذا كل ما في الأمر، فهل هذا يخالف العدل؟ أو أنه سبحانه ظلم المرأة أو أنه لم يجزها الجزاء الأوفى؟ كلا والله، و هذا يعرفه كل إنسان له عقل. أما الإمّعة الذي يكاد لا يكون له عقل، فاعلم أن من لا عقل له فلا جدوى من الكلام معه أصلا…
ليس هناك مشكلة أن يكون هناك تفاضل بين الناس و المخلوقات، الله بيّن لنا في كتابه بما لا يدع مجالا للشك أنّه فضّل بين مخلوقاته، و إليكم الأدلة من القرآن، قال سبحانه في سورة الإسراء: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ فهل في تكريم بني آدم ظلم للمخلوقات الأخرى؟ ليس هناك ظلم البتة إنما فضل من الله تبارك و تعالى.
و حتى في آية سورة النساء، قال سبحانه: ((الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا)) موضع الشاهد (بما فضّل الله بعضهم على بعض و بما أنفقوا من أموالهم) فالله فضل بين الرجال و النساء، فهل في تفضيل الرجال في بعض الجزئيات أو تفضيل كامل ظلم للمرأة؟ و هل في تفضيل المرأة على الرجال في بعض الجزئيات ظلم للرجل؟ بالتأكيد لا…
بل في واقع الأمر، فإن الله تبارك و تعالى فضّل بعض النبيين و الرسل. اقرأ الأدلة من القرآن:
﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: 253]
﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 86]
﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [الإسراء: 55]
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: 15]
نفهم من آيات القرآن، أن الله تبارك و تعالى فضّل جنسا على جنس، و فضّل بين الذكر و الأنثى، و فضّل أمة على أمة، و فضّل بين الأنبياء و الرسل. و في تفضيله لا يعني ظلم أي طرف من الأطراف بدليل قوله في سورة فصّلت: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ و في سورة ق: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾.
و هذا التفضيل بين المخلوقات و الناس في الدنيا فما بالك بالآخرة و قد ذكر لنا الله ذلك بكل وضوح في سورة الإسراء: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ فالتفضيل في الآخرة أكبر من التفضيل الذي نراه في الدنيا…
فإن فهمت ما سبق لعرفت أنه ليس هناك ظلم أصلا إنما هو فلسفة ساقطة من عندك، و أنك تريد أن تكتب على الله ما لم يكتبه على نفسه من أنه يجب فضله يكون متساويا بين جميع المخلوقات أو فضله واحد على جميع أهل الجنة، فأنت بذلك معتد و متوهّم و لا تعرف ما يخرج من رأسك و حتى إن كتبت مقالة طويلة تستخدم فيها مصطلحات و كلمات لإيحاء فضل علمك و فهمك على الناس. فأرجوك إن كنت لا تعرف ما الذي يدخل رأسك و لا تفقه ما تكتبه يداك فلا تضلّ الناس بغير علم و لا تقف ما ليس لك به العلم…
الرجل النسوي و معه المرأة المتأثرة بالفكر النسوي و هي تقول: ”لماذا ذكر الله للرجال الحور العين و لم يذكر لنا شيء“ تخيّل فقط الرسول صلى الله عليه يقول لله مُتظلّما:”لماذا ذكرت موسى في القرآن باسمه أكثر من ذكر اسمي محمد؟ أو لماذا آتيت سليمان ملكا و لم تجعل الجن يعملون لي. لماذا ذكرت إبراهيم و هو فتى و لم تذكر قصصي و أنا صغير؟“ أو تخيّل داوود يقول: ”لماذا آتيتني زبورا و لم تنزل علي القرآن العظيم؟“ أترى قبح هذه الأسئلة؟
و هناك سؤال قرأته عدة مرات، يقولون لماذا جعل الله في كتابه الكلام موجه للرجال أكثر عن النساء؟“ حال هذا المعترض سيكون مثل حال الجني المعترض الذي سيقول: ”لماذا ذكرت أحوال الإنس أكثر من أحوالنا نحن الجن؟“ أو لماذا تذكر ما تفضّلت به على البشر و أنعمت عليهم و لم تذكر في القرآن ما جعلته للجن؟“ أترى كيف أن الموضوع يصير مضحكا و مثيرا للسخرية…
أيها الناس! الله له الحكم… و له الخلق… و له الأمر… يفعل ما يشاء… سبحانه هو الله الواحد القهّار…
إن شاء الله جعل كتابه بلغة أعجمية و لكنه جعله عربيا، الله تبارك و تعالى لا يعجزه شيء، غير أنّه يخلق و يختار ما يشاء، من أنت لتقول ينبغي أن يكون كذا أو كذا؟ قال سبحانه في سورة القصص: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿لَا يُسْـَٔلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـَٔلُونَ﴾ و هو (العزيز الحكيم)…
أيها القارئ، أنا إنسان لا أستحي من الناس فأهرب من إخبارهم الحق الذي في كتاب الله، بل أقول الحق الذي هو بيّن و واضح في كتاب الله. الله يخلق ما يشاء و يختار، الله يُفضّل ما يشاء على من يشاء، و قد اختار الله في كتابه أن الكلام في الدرجة الأولى أن يكون موجها للذكور أكثر من الإناث و انتهى… الموضوع لا يحتاج فلسفة و لا شيء و استنكارك لن يغيّر من الواقع شيئا…
الآن البحث عن الحكم، فلله الحكمة البالغة و علم لا نحيط به شيئا، و لكن ما يفهمه أي رجل عادي، لم تتلوّث فطرته بالملوثات النظرية و الحسية، يعرف أن النساء تبع الرجال. الرجل هو سيد بيته منذ فجر التاريخ إلى اليوم، إلا عند قليل من المجتمعات الإنسانية أو زمن قصير لا يقارن بعمر الدنيا.
الله سبحانه جعل في آياته نداء و حديث موجه إلى من بيده أمر بيته و لم يجعل كلامه موجها إلى من هي تابعة لزوجها أو تابعة لقرارات الرجل، فبالتالي أكثر الكلام الموجه في القرآن لهم. لا تنسى أيها القارئ العزيز، إن الله لم يذكر ما للرجال من حور عين و زوجات مطهرة و قاصرات الطرف و ما إلى ذلك فحسب بل الرجال متوعدون بالنار و ما فيها من العذاب و الكلام أيضا موجّه لهم في الدرجة الأولى.
أما أولئك القوم الذين يقولون يدخل في هذه الآية و هذه الكلمة من الآية الذكور و الإناث فهذا تقوّل منهم على الله بغير علم… أنا أعرف أن هذا هو أول مرة تقرأ هذا، أو تجد من يقولها بكل صراحة و وضوح لكنه الحق، و لتعرف صدق كلامي اطلب منهم الدليل… هيا فليأتونا بدليل من القرآن العظيم أن الله قال ذلك؟ أو يأتونا بدليل من خبر صحيح عن الرسول صلى الله عليه أنه قال ذلك؟ لم يقل الله ذلك! فلماذا تجعلون كل آيات القرآن موجّهة للرجال و النساء، هذه من أمانيكم و أماني نسائكم ليس إلا… إنما هو ظن اتبعتموه فاعتمدت قاعدة بينكم فأضلّتكم عن الفهم المباشر و الصحيح لكتاب الله تبارك و تعالى.
ما تقولون في هذه الآية من سورة النساء؟ ﴿وَءَاتُواْ ٱلۡيَتَٰمَىٰٓ أَمۡوَٰلَهُمۡۖ وَلَا تَتَبَدَّلُواْ ٱلۡخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِۖ وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَهُمۡ إِلَىٰٓ أَمۡوَٰلِكُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ حُوبٗا كَبِيرٗا﴾ هل الكلام في قوله سبحانه (و آتوا اليتامى) يأمر فيه الرجال و النساء معا؟ أم الكلام موجّه بالدرجة الأولى و أساسا للرجال؟ فإن قلتم بل الإثنين معا سأقول لكم فما تقولون في الآية التي تليها مباشرة؟ ﴿وَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تُقۡسِطُواْ فِي ٱلۡيَتَٰمَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثۡنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَۖ فَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تَعۡدِلُواْ فَوَٰحِدَةً أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۚ ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَلَّا تَعُولُواْ﴾ فهل هنا أيضا الكلام موجّه إلى الرجال و النساء أيضا؟ إذا قلت الكلام موجّه للنساء فكيف تُوفقون بين قوله (و إن خفتم) و قوله (فانكحوا ما طاب لكم من النساء) ؟ أرأيتم كيف تقعون في ورطة عندما تتبعون هذه القاعدة، عني أن كل خطاب في القرآن موجّه للرجال و النساء، هذا خطأ! و طبعا بعضكم قام بتحريف النساء فقط ليتوافق مع قاعدته التي اتبعها كما فعل شحرور رحمه الله و الناس من بعده تبع…
فإن قلت السياق يبيّنه، إن كان الخطاب موجّه إلى الرجال أم النساء، نعم لكن أقول هذا الذي يجعلكم تختلفون في فهم آيات الله و تجعلونه كالألغاز، لأنكم بذلك تجعلون الكلمة المخصصة للرجال تدخل فيه النساء و العكس كذلك بترقيع من عندكم مع السياق. و لهذا لم تستطيعوا فهم الأزواج المطهّرة و لم تفهموا الحور العين فحرّفتم الكلم من بعد مواضعه و أنتم لا تشعرون. الصحيح أن الأصل إذا كان الكلام بصيغة المذكر فالكلام موجّه للذكور و الرجال إلا إذا ما بيّنه الله صراحة في القرآن.
إن الله تعالى، عندما يريد أن يذكر غير الأصل يبيّنه صراحة مثل قوله سبحانه في سورة النور: ﴿ قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ فهذا خطاب للرجال و الآية التي تليها أمر مخصص تبليغه للنساء ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ۖ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ ۖ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ۚ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. و أيضا في قوله سبحانه كلام موجّه إلى النساء بالدرجة الأولى: ((يَٰنِسَآءَ ٱلنَّبِىِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍۢ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ ۚ إِنِ ٱتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ فَيَطْمَعَ ٱلَّذِى فِى قَلْبِهِۦ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا)).
و كذلك عندما يتكلّم عن الجن، فإن أراد الله أن يوجّه الكلام لهم أيضا يقول: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ و أيضا في هذه الآية من سورة الأنعام: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ أو كما في سورة الرحمن: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ و من هنا نفهم طرفا يسيرا عن بعض أسماء السور، لأن الجن ليس الأصل في الخطاب هناك سورة عن الجن يبيّن الله لنا أحوالهم و أخبارهم، و كذلك لأن النساء لسن الأصل في الكلام الموجّه في القرآن نجد سورة مخصوصة لهن لذكر أحكامهن و أحوالهن و ما إلى ذلك و نفس الشيء المجادلة و الممتحنة و ما إلى ذلك.
و لهذا إن أراد الله التفصيل بذكر الذكور و الإناث فإنه يفصّل و لا يعجزه ذلك و لا يستحي منه، مثل ما نجد في سورة الأحزاب: ﴿ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ فهنا ذكر الله التفصيل.
فإن أراد الله ذكر التفصيل في الجنة بما يشمل الذكور و الإناث ما كان ليعجزه ذلك. لا تقل لم يفعل خشية الإطالة و ما إلى ذلك، إنما قل الحقيقة ولا تخشى في الله لومة لائم، و ذلك لأن الأصل هو أن الكلام موجّه للرجال و لكننا نحن البشر عممنا الخطاب لأنه هذا بطبيعة الحال إذ قليلا ما تجد امرأة لا تتبع رجلا أو تحت حكم الرجال إلا في عصرنا هذا في بعض البلدان… و هكذا شذوذ لا يأخذ حكما عاما…
الله سبحانه و تعالى بنفسه يقول في سورة الزخرف عن الأنثى: ﴿ أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ و موضع هذه الآية في هذه السورة بالتحديد يبيّن لك شيء من عظمة الرحمن تبارك اسمه. لا أظنّك نسيت ما نشرته من قبل عن علاقة هذه السورة باسم الرحمن…
فافهم أيها القارئ الكريم، الكلام في القرآن موجّه للرجال أصلا و رأسا، و من ثم من تحتهم أو تابع لهم، كالنساء و الأطفال و الجن. فإن فهمت الذي ذكرته لك ستفهم شيئا مهما سييسر لك فهم آيات القرآن بإذن الله، فإن أنت لا تفهم أصلا هل الخطاب موجّه لك أو لغيرك كيف ستفهمه جيدا! و ليس في هذا الذي أقوله أي ظلم للمرأة أو للجن أو الأطفال، فإن كنت لا تفقه الفرق بين الفضل و العدل عد إلى ما ذكرته من قبل و اقرأ مجددا لعلّك تفهم.
المرأة الطبيعية تعرف إن كان زوجها أو والدها يفعل كذا و كذا يعني يتبّع القرآن، فهي أصلا ستتبعه، و إن كانت غير مسلمة فكذلك تتبّع ما تعرفه من رجال قومها من قبل و هكذا. أما إن صارت مستقلة استقلالا تاما كما الحال اليوم في بعض المجتمعات، فهي بعقلها إن كانت عاقلة و تجد القرآن يقول الله فيها أمرا، ثم يضع الوعد للذكر و الأنثى ستعرف ما لها و ما عليها.
أما إدّعاء أن كل آية من آيات القرآن موجّهة للذكور و الإناث، أو إدّعاء أن كل آية ذكر الله فيها صيغة المتقين أو المؤمنين أو ما إلى ذلك من الصيغ الخاصة بالرجال أنه خطاب موجّه إلى النساء كذلك فهو إدعاء عريض، عليه أن يأتيني بالبيّنة من كلام الله سبحانه، فإن لم يجد فليبحث في الأخبار الصحيحة هل يجد الذي يريده، فإن لم يجد فهو ردّ و لا يلزمنا منه شيء. و الذي يلاحظ كل الكتب التي أنزلها الله بنفس الطريقة، الكلام موجّه للرجال، و لكن الناس اليوم جعلوا أن هذا الكلام الموجّه للرجال نتاجه مجتمعات ذكورية و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم.
أولا من قال لك أن الله لم يذكر ذلك؟ بل ذكر الله تبارك و تعالى، في سورة النساء: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ و أيضا نجد في سورة النساء: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍۢ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ و قال سبحانه في سورة النحل: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ و قال سبحانه في سورة غافر: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾
نعرف من هذه الآيات التي ذكرتها أن الأنثى لن تظلم أبدا بل سيجزيها الله أجرها بأحسن ما كانت تعمل. هذا وعد من الله تبارك و تعالى و من أصدق من الله قولا و من أصدق من الله حديثا؟
و أما عن الحور العين بالنسبة للنساء، الله أعلم، لم يذكر الله ذلك صراحة… غير أن هناك سؤال وارد، أنثى اتقت الله، عبدته و كانت من الصالحات القانتات و لم تتزوّج في الدنيا، فهل لها زوج في الآخرة؟
أنا أجيب بنعم، و السبب في ذلك أن الله تبارك و تعالى لن يترك أنثى في الجنة من غير أن يقرّ عينها، فإن سألتني عن الدليل فإليك الدليل، قال سبحانه: ((فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍۢ جَزَآءًۢ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)) و قال سبحانه: ((يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍۢ مِّن ذَهَبٍۢ وَأَكْوَابٍۢ ۖ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلْأَنفُسُ وَتَلَذُّ ٱلْأَعْيُنُ ۖ وَأَنتُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ)) موضع الشاهد: (تشتهيه الأنفس) و الذكر له نفس و كذلك الأنثى لها نفس. فإن كانت قرة عين الأنثى زوجا في الجنة في الحسن و الكمال قد يزوجّها الله (بذكر) أنشأه الله في الجنة و يكون على مثال عيسى بن مريم، كما بيّنت من موضوعي هذا أن الحور العين على مثال مريم و ابنها من الطهارة… أو قد بزوجها برجل دخل الجنة… الله أعلم…
لم يذكر الله التفاصيل غير أنه ذكر بشكل واضح ((فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍۢ جَزَآءًۢ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)) فلا تحزن أية أنثى هنا تقرأ كلامي، فالله قد بشرّ كل نفس تدخل الجنة بقرّة عين و في هذا والله الكفاية الكفاية لو أننا كنا نعقل من هو الذي وعد سبحانه…
النساء عليهن حقا أن تؤمنّ بالله و بكلامه كي لا تحزنّ و لا تضطرب مشاعرهن. أما إن هي استمعت إلى الفلسفة الغربية التي لا داعي لها، أو إلى تعاطف الرجل النسوي الذي لا يعرف الذي يخرج من رأسه طلبا للجاه عندها، فإن ذلك سيزيدها شقاء و اضطرابا، و في بشارة الله ما يرفع كل شقاء و غل و حسد إن كنا نفقه كلام الله حقا… و الحمدلله رب العالمين…
و بما أن بعض الرجال قالوا أن ذكر أزواج الجنة و الحور العين و قاصرات الطرف للرجال من دون ذكر هذه التفاصيل للأنثى فإن في هذا ظلما و ليس هناك عدل! هذا الإنسان، الذي تأثر بالأطروحات التنويرية العربية المتدنية، و التي هي بذاتها تأثرت بالتنوير الغربي القاتم، لا يفقه الفرق بين العدل و الفضل.
من قال لك يا أخي الفاضل أن العدل يساوي الفضل؟ من أين لك هذا في القرآن العظيم؟ أو على الأقل في خبر صحيح عن الرسول صلى الله عليه؟ لا وجود لذلك البتة.
العدل هو إعطاء كل ذي حق حقه، من دون زيادة أو نقصان، لا تُظلَم، و يجزيك الله الجزاء الأوفى. هذا هو العدل الذي تعرفه البشرية منذ فجر التاريخ و إلى اليوم….
الفضل: هو تجاوز العدل بالجزاء بالزيادة و الإحسان، فهو إتمام و إعطاء كل ذي حق حقه و زيادة هذه الزيادة هي الفضل…
سأضرب لك مثلا لتفهم الفرق… موظّف يعمل في جهة حكومية، وقّع على عقد العمل، أن يعمل شهرا و في المقابل يأخذ أجرا قدره ٢٠ ألف درهما بانتهاء الشهر. فالآن أن هو أتمّ ما عليه من واجبات و مسؤوليات ثم استلم راتبه آخر الشهر ٢٠ ألف درهما. فإن هذا يعني أن الجهة الحكومية وفّته و جازته و أعطت حقوقه من غير زيادة أو نقصان. و إن ظلمته الجهة الحكومية فأعطته ١٠ ألف بدلا من ٢٠ ألفا فإنها قد ظلمته و لا يحقّ لها أن تفعل ذلك… و إن هي بدلا من أن تعطيه ٢٠ ألفا أعطته ٣٥ ألف درهما فهذه ١٥ ألف درهم الاضافية فضل من الجهة. فإن فهمت هذا المثل و هو سهل ستفهم الفرق بين العدل و الفضل و الظلم….
و بناء على ما سبق، فإن الله تبارك و تعالى لم يظلم النساء أبدا و لم يظلم أي أحد من خلقه و لن يظلمهم.
حاول أن تفهم، جهنّم هي العدل، جزاء وفاقا. و الجنة هي فضل الله و رحمته و إحسانه. فالأنثى إن عملت صالحا و أتمّت حقوقها في الدنيا، فالجزاء العادل أن يُنجّيها الله من النار. هذا هو الجزاء العادل. أما الفضل و الرحمة و الإحسان فهو إدخالها الجنة في أي درجة يريدها الله تبارك وتعالى. فإن فهمت هذا عرفت أن الأنثى لم و لن تظلم أبدا، الفرق الوحيد أن الله في القرآن ذكر لنا ما تفضّل به على الرجال و لم يذكر تفاصيل تفضّله على بقية المخلوقات. هذا كل ما في الأمر، فهل هذا يخالف العدل؟ أو أنه سبحانه ظلم المرأة أو أنه لم يجزها الجزاء الأوفى؟ كلا والله، و هذا يعرفه كل إنسان له عقل. أما الإمّعة الذي يكاد لا يكون له عقل، فاعلم أن من لا عقل له فلا جدوى من الكلام معه أصلا…
ليس هناك مشكلة أن يكون هناك تفاضل بين الناس و المخلوقات، الله بيّن لنا في كتابه بما لا يدع مجالا للشك أنّه فضّل بين مخلوقاته، و إليكم الأدلة من القرآن، قال سبحانه في سورة الإسراء: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ فهل في تكريم بني آدم ظلم للمخلوقات الأخرى؟ ليس هناك ظلم البتة إنما فضل من الله تبارك و تعالى.
و حتى في آية سورة النساء، قال سبحانه: ((الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا)) موضع الشاهد (بما فضّل الله بعضهم على بعض و بما أنفقوا من أموالهم) فالله فضل بين الرجال و النساء، فهل في تفضيل الرجال في بعض الجزئيات أو تفضيل كامل ظلم للمرأة؟ و هل في تفضيل المرأة على الرجال في بعض الجزئيات ظلم للرجل؟ بالتأكيد لا…
بل في واقع الأمر، فإن الله تبارك و تعالى فضّل بعض النبيين و الرسل. اقرأ الأدلة من القرآن:
﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: 253]
﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 86]
﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [الإسراء: 55]
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: 15]
نفهم من آيات القرآن، أن الله تبارك و تعالى فضّل جنسا على جنس، و فضّل بين الذكر و الأنثى، و فضّل أمة على أمة، و فضّل بين الأنبياء و الرسل. و في تفضيله لا يعني ظلم أي طرف من الأطراف بدليل قوله في سورة فصّلت: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ و في سورة ق: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾.
و هذا التفضيل بين المخلوقات و الناس في الدنيا فما بالك بالآخرة و قد ذكر لنا الله ذلك بكل وضوح في سورة الإسراء: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ فالتفضيل في الآخرة أكبر من التفضيل الذي نراه في الدنيا…
فإن فهمت ما سبق لعرفت أنه ليس هناك ظلم أصلا إنما هو فلسفة ساقطة من عندك، و أنك تريد أن تكتب على الله ما لم يكتبه على نفسه من أنه يجب فضله يكون متساويا بين جميع المخلوقات أو فضله واحد على جميع أهل الجنة، فأنت بذلك معتد و متوهّم و لا تعرف ما يخرج من رأسك و حتى إن كتبت مقالة طويلة تستخدم فيها مصطلحات و كلمات لإيحاء فضل علمك و فهمك على الناس. فأرجوك إن كنت لا تعرف ما الذي يدخل رأسك و لا تفقه ما تكتبه يداك فلا تضلّ الناس بغير علم و لا تقف ما ليس لك به العلم…
الرجل النسوي و معه المرأة المتأثرة بالفكر النسوي و هي تقول: ”لماذا ذكر الله للرجال الحور العين و لم يذكر لنا شيء“ تخيّل فقط الرسول صلى الله عليه يقول لله مُتظلّما:”لماذا ذكرت موسى في القرآن باسمه أكثر من ذكر اسمي محمد؟ أو لماذا آتيت سليمان ملكا و لم تجعل الجن يعملون لي. لماذا ذكرت إبراهيم و هو فتى و لم تذكر قصصي و أنا صغير؟“ أو تخيّل داوود يقول: ”لماذا آتيتني زبورا و لم تنزل علي القرآن العظيم؟“ أترى قبح هذه الأسئلة؟
و هناك سؤال قرأته عدة مرات، يقولون لماذا جعل الله في كتابه الكلام موجه للرجال أكثر عن النساء؟“ حال هذا المعترض سيكون مثل حال الجني المعترض الذي سيقول: ”لماذا ذكرت أحوال الإنس أكثر من أحوالنا نحن الجن؟“ أو لماذا تذكر ما تفضّلت به على البشر و أنعمت عليهم و لم تذكر في القرآن ما جعلته للجن؟“ أترى كيف أن الموضوع يصير مضحكا و مثيرا للسخرية…
أيها الناس! الله له الحكم… و له الخلق… و له الأمر… يفعل ما يشاء… سبحانه هو الله الواحد القهّار…
إن شاء الله جعل كتابه بلغة أعجمية و لكنه جعله عربيا، الله تبارك و تعالى لا يعجزه شيء، غير أنّه يخلق و يختار ما يشاء، من أنت لتقول ينبغي أن يكون كذا أو كذا؟ قال سبحانه في سورة القصص: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿لَا يُسْـَٔلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـَٔلُونَ﴾ و هو (العزيز الحكيم)…
أيها القارئ، أنا إنسان لا أستحي من الناس فأهرب من إخبارهم الحق الذي في كتاب الله، بل أقول الحق الذي هو بيّن و واضح في كتاب الله. الله يخلق ما يشاء و يختار، الله يُفضّل ما يشاء على من يشاء، و قد اختار الله في كتابه أن الكلام في الدرجة الأولى أن يكون موجها للذكور أكثر من الإناث و انتهى… الموضوع لا يحتاج فلسفة و لا شيء و استنكارك لن يغيّر من الواقع شيئا…
الآن البحث عن الحكم، فلله الحكمة البالغة و علم لا نحيط به شيئا، و لكن ما يفهمه أي رجل عادي، لم تتلوّث فطرته بالملوثات النظرية و الحسية، يعرف أن النساء تبع الرجال. الرجل هو سيد بيته منذ فجر التاريخ إلى اليوم، إلا عند قليل من المجتمعات الإنسانية أو زمن قصير لا يقارن بعمر الدنيا.
الله سبحانه جعل في آياته نداء و حديث موجه إلى من بيده أمر بيته و لم يجعل كلامه موجها إلى من هي تابعة لزوجها أو تابعة لقرارات الرجل، فبالتالي أكثر الكلام الموجه في القرآن لهم. لا تنسى أيها القارئ العزيز، إن الله لم يذكر ما للرجال من حور عين و زوجات مطهرة و قاصرات الطرف و ما إلى ذلك فحسب بل الرجال متوعدون بالنار و ما فيها من العذاب و الكلام أيضا موجّه لهم في الدرجة الأولى.
أما أولئك القوم الذين يقولون يدخل في هذه الآية و هذه الكلمة من الآية الذكور و الإناث فهذا تقوّل منهم على الله بغير علم… أنا أعرف أن هذا هو أول مرة تقرأ هذا، أو تجد من يقولها بكل صراحة و وضوح لكنه الحق، و لتعرف صدق كلامي اطلب منهم الدليل… هيا فليأتونا بدليل من القرآن العظيم أن الله قال ذلك؟ أو يأتونا بدليل من خبر صحيح عن الرسول صلى الله عليه أنه قال ذلك؟ لم يقل الله ذلك! فلماذا تجعلون كل آيات القرآن موجّهة للرجال و النساء، هذه من أمانيكم و أماني نسائكم ليس إلا… إنما هو ظن اتبعتموه فاعتمدت قاعدة بينكم فأضلّتكم عن الفهم المباشر و الصحيح لكتاب الله تبارك و تعالى.
ما تقولون في هذه الآية من سورة النساء؟ ﴿وَءَاتُواْ ٱلۡيَتَٰمَىٰٓ أَمۡوَٰلَهُمۡۖ وَلَا تَتَبَدَّلُواْ ٱلۡخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِۖ وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَهُمۡ إِلَىٰٓ أَمۡوَٰلِكُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ حُوبٗا كَبِيرٗا﴾ هل الكلام في قوله سبحانه (و آتوا اليتامى) يأمر فيه الرجال و النساء معا؟ أم الكلام موجّه بالدرجة الأولى و أساسا للرجال؟ فإن قلتم بل الإثنين معا سأقول لكم فما تقولون في الآية التي تليها مباشرة؟ ﴿وَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تُقۡسِطُواْ فِي ٱلۡيَتَٰمَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثۡنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَۖ فَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تَعۡدِلُواْ فَوَٰحِدَةً أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۚ ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَلَّا تَعُولُواْ﴾ فهل هنا أيضا الكلام موجّه إلى الرجال و النساء أيضا؟ إذا قلت الكلام موجّه للنساء فكيف تُوفقون بين قوله (و إن خفتم) و قوله (فانكحوا ما طاب لكم من النساء) ؟ أرأيتم كيف تقعون في ورطة عندما تتبعون هذه القاعدة، عني أن كل خطاب في القرآن موجّه للرجال و النساء، هذا خطأ! و طبعا بعضكم قام بتحريف النساء فقط ليتوافق مع قاعدته التي اتبعها كما فعل شحرور رحمه الله و الناس من بعده تبع…
فإن قلت السياق يبيّنه، إن كان الخطاب موجّه إلى الرجال أم النساء، نعم لكن أقول هذا الذي يجعلكم تختلفون في فهم آيات الله و تجعلونه كالألغاز، لأنكم بذلك تجعلون الكلمة المخصصة للرجال تدخل فيه النساء و العكس كذلك بترقيع من عندكم مع السياق. و لهذا لم تستطيعوا فهم الأزواج المطهّرة و لم تفهموا الحور العين فحرّفتم الكلم من بعد مواضعه و أنتم لا تشعرون. الصحيح أن الأصل إذا كان الكلام بصيغة المذكر فالكلام موجّه للذكور و الرجال إلا إذا ما بيّنه الله صراحة في القرآن.
إن الله تعالى، عندما يريد أن يذكر غير الأصل يبيّنه صراحة مثل قوله سبحانه في سورة النور: ﴿ قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ فهذا خطاب للرجال و الآية التي تليها أمر مخصص تبليغه للنساء ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ۖ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ ۖ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ۚ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. و أيضا في قوله سبحانه كلام موجّه إلى النساء بالدرجة الأولى: ((يَٰنِسَآءَ ٱلنَّبِىِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍۢ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ ۚ إِنِ ٱتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ فَيَطْمَعَ ٱلَّذِى فِى قَلْبِهِۦ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا)).
و كذلك عندما يتكلّم عن الجن، فإن أراد الله أن يوجّه الكلام لهم أيضا يقول: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ و أيضا في هذه الآية من سورة الأنعام: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ أو كما في سورة الرحمن: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ و من هنا نفهم طرفا يسيرا عن بعض أسماء السور، لأن الجن ليس الأصل في الخطاب هناك سورة عن الجن يبيّن الله لنا أحوالهم و أخبارهم، و كذلك لأن النساء لسن الأصل في الكلام الموجّه في القرآن نجد سورة مخصوصة لهن لذكر أحكامهن و أحوالهن و ما إلى ذلك و نفس الشيء المجادلة و الممتحنة و ما إلى ذلك.
و لهذا إن أراد الله التفصيل بذكر الذكور و الإناث فإنه يفصّل و لا يعجزه ذلك و لا يستحي منه، مثل ما نجد في سورة الأحزاب: ﴿ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ فهنا ذكر الله التفصيل.
فإن أراد الله ذكر التفصيل في الجنة بما يشمل الذكور و الإناث ما كان ليعجزه ذلك. لا تقل لم يفعل خشية الإطالة و ما إلى ذلك، إنما قل الحقيقة ولا تخشى في الله لومة لائم، و ذلك لأن الأصل هو أن الكلام موجّه للرجال و لكننا نحن البشر عممنا الخطاب لأنه هذا بطبيعة الحال إذ قليلا ما تجد امرأة لا تتبع رجلا أو تحت حكم الرجال إلا في عصرنا هذا في بعض البلدان… و هكذا شذوذ لا يأخذ حكما عاما…
الله سبحانه و تعالى بنفسه يقول في سورة الزخرف عن الأنثى: ﴿ أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ و موضع هذه الآية في هذه السورة بالتحديد يبيّن لك شيء من عظمة الرحمن تبارك اسمه. لا أظنّك نسيت ما نشرته من قبل عن علاقة هذه السورة باسم الرحمن…
فافهم أيها القارئ الكريم، الكلام في القرآن موجّه للرجال أصلا و رأسا، و من ثم من تحتهم أو تابع لهم، كالنساء و الأطفال و الجن. فإن فهمت الذي ذكرته لك ستفهم شيئا مهما سييسر لك فهم آيات القرآن بإذن الله، فإن أنت لا تفهم أصلا هل الخطاب موجّه لك أو لغيرك كيف ستفهمه جيدا! و ليس في هذا الذي أقوله أي ظلم للمرأة أو للجن أو الأطفال، فإن كنت لا تفقه الفرق بين الفضل و العدل عد إلى ما ذكرته من قبل و اقرأ مجددا لعلّك تفهم.
المرأة الطبيعية تعرف إن كان زوجها أو والدها يفعل كذا و كذا يعني يتبّع القرآن، فهي أصلا ستتبعه، و إن كانت غير مسلمة فكذلك تتبّع ما تعرفه من رجال قومها من قبل و هكذا. أما إن صارت مستقلة استقلالا تاما كما الحال اليوم في بعض المجتمعات، فهي بعقلها إن كانت عاقلة و تجد القرآن يقول الله فيها أمرا، ثم يضع الوعد للذكر و الأنثى ستعرف ما لها و ما عليها.
أما إدّعاء أن كل آية من آيات القرآن موجّهة للذكور و الإناث، أو إدّعاء أن كل آية ذكر الله فيها صيغة المتقين أو المؤمنين أو ما إلى ذلك من الصيغ الخاصة بالرجال أنه خطاب موجّه إلى النساء كذلك فهو إدعاء عريض، عليه أن يأتيني بالبيّنة من كلام الله سبحانه، فإن لم يجد فليبحث في الأخبار الصحيحة هل يجد الذي يريده، فإن لم يجد فهو ردّ و لا يلزمنا منه شيء. و الذي يلاحظ كل الكتب التي أنزلها الله بنفس الطريقة، الكلام موجّه للرجال، و لكن الناس اليوم جعلوا أن هذا الكلام الموجّه للرجال نتاجه مجتمعات ذكورية و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم.
٨. الآن عودة إلى ما ذكرته بداية المقال، أن النساء لم يأتي ذكرهن مع ذكر الجنة أبدا. لماذا؟ نعم لماذا لم يذكر الله النساء في الجنة؟ لا وجود لكلمة النساء مع الجنة بتاتا في القرآن… هل سألت نفسك لماذا؟
عندي عدة إجابات، الإجابة الأولى و هي مختصرة، أقول السبب في ذلك أنه لا نساء في الجنة لأن كل أنثى ستكون زوجا، لن تجد جماعة من النساء من دون زوج…. لأن كل أنثى ستكون زوجا لذكر هذه واحدة.
الإجابة الثانية و التي أراها أقرب و أصح و هو الذي يظهر لي، أقول إن أصل الكلمة فيها مبنية على النسيان، أو على الأقل ما تدل على النسيان و التأخير و بالتالي الضلال… أصل (ن-س-ء) حسب تحقيقي فيه شيء من المعاني التي ذكرت. و أدلتي من القرآن عدة. و دونك التفصيل.
إن المتدبّر في القرآن سيلحظ أن سبب النسيان هو الشيطان، بغضّ النظر عن الأسباب العلمية و هذه الأمور الثانوية، لكن في القرآن الأصل هو الشيطان و هذا الفهم الذي لا يذكره الناس سيغير الكثير من المفاهيم و سيدفع المؤمن للنظر في آيات القرآن و بعض الأحاديث المنسوبة إلى الرسول صلى الله عليه بنظرة جديدة و ستفتح آفاقا جديدة لفهم الكثير من الأشياء التي كانت مغلقة الفهم عند الناس، سأعرض عن ذكرها منعا للإطالة… بالتأكيد أنا مطالب بالدليل، خاصة أنه موضوع مهم يتعلّق أيضا بالنساء، فأقول إليكم الأدلة من القرآن.
الدليل الأول في سورة الأنعام: ((وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين) الله عز و جل قال بنفسه (ينسينك الشيطان) أثبت هذا بشكل مباشر و صريح، و هذا الأمر و الكلام موجه إلى من في الدرجة الأولى؟ إلى الرسول صلى الله عليه و سلم. هذه واحدة.
و الثانية في هذه الآية الصريحة من سورة الكهف: (قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا) لاحظ أن موسى عليه السلام نسب سبب النسيان إلى الشيطان.
و الثالثة في سورة طه: (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما) كيف نسي آدم؟ أليس بوسوسة الشيطان، الله سبحانه و تعالى في نفس السورة يبيّن لك كيف نسي: (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ). عجيب أليس كذلك؟
و الرابعة في سورة يوسف و فيها دليل صريح على ما أقول: (وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ) لاحظ هذا خبر من الله تبارك و تعالى، الذي أحاط علمه بكل شيء قال (فأنساه الشيطان) و هذا لا يعطي مجالا للشك أن الشيطان من أنساه.
و في سورة التوبة هناك ملحظ جميل في هذه الآية أقدّمه لكم، قال الله عز و جل: (المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون) نسوا الله؟ كيف نسوا الله؟ هل هكذا من تلقاء أنفسهم؟ لا بل أنساهم الشيطان، و ما دليلي على ذلك؟ اقرأ هذه الآية في سورة المجادلة: (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ) هل انتبهت يا عزيزي القارئ؟ عجيب والله أمر هذا الكتاب. إذن الشيطان كان سبب نسيانهم لذكر الله.
و لأن الشيطان هو سبب النسيان نجد في هذه الآية من سورة الكهف التي قد يحفظها أكثركم: (إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا) ماذا قال في خاتمة الآية: (لأقرب من هذا رشدا) لأنك إن تتبعت موارد الرشد في القرآن لوجدته في مقابلة الغي و ما إلى ذلك.
و حتى في سورة طه هناك آية عجيبة: ((فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي)) من هو الذي نسي؟ إن قرأت التفاسير لوجدتهم اختلفوا اختلافا عظيما، لكن إن تذكر نظريتي ثم قرأت سلسلة التغريدات التي كتبتها عن السامري ستعرف لماذا بالذات هنا نجد هذه الكلمة (فنسي)!
و كما قلت في سلسلة النظرية، أن الإنسان اسمه إنسان لأنه فيه جانب خفي، جانب من الجن، جانب من الغيب، و كذلك الشيطان. و لهذا هناك علاقة بين الإنسان و الشيطان فالأخير يُنسي الأول.
و عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: (لا يقولُ أحَدُكم نسِيتُ آيةَ كَيْتَ وكَيْتَ فإنَّه ليس هو نسِي ولكنَّه نُسِّي)
و الشيطان يستهوي النساء، و أنا أقول أن النساء بهذا الاسم لأنها تُنسى. هذا ما حدث على الأقل في التوراة بادئ الأمر و الذي من أجله يزعم أكثر الناس أنّها محرّفة هذا ما يبدو عليه في حقيقة الأمر كما بيّن الله لنا: (أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ) و الذي بسببه حرّف كثيرون ظاهر المعنى و لهذا وردت تلك الأحاديث التي ينكرها الكثيرون اليوم و لست أراني بحاجة لفعل ذلك…لا أرى القرآن فيه مجاز في الآية التي استدليت بها، و لا أجدني مضطرا للقول بأن التوراة محرّفة في هذا الموضوع، و لا أجد الأحاديث المنسوبة إلى الرسول صلى الله عليه لا تستقيم معهما إذ كلّها و لله الحمد تتسق و كأنها حبات لؤلؤ في سلك مكوّنة عقدا فريدا…
فإذن لا وجود للنساء، لأن الله لن يدخل الشيطان الجنة، و لن يكون مع الإنسان و النساء قرناء من الشياطين. بل قوم مطهّرون من الشيطان فبالتالي لا وجود لذكر النساء في الجنة في القرآن.
فإن قال رجل، و لكن الرسول صلى الله عليه فيما يُروى عنه من أخبار ذكر النساء مع ذكر الجنة، أقول إن كنت محققا، خبيرا في الأخبار لعرفت أن الرواية الأقوى في الباب ليس فيه ذكر نساء الجنة، و لكن هذا بحاجة إلى تحقيق كبير و عميق و سيستغرق وقتا و لست أراني بحاجة إلى ذلك.
في المقابل، انظر عدد الأحاديث التي فيها ذكر النساء و النار و أظنّكم كلكّم تعرفون بعض تلك الأحاديث مثل حديث: ” اطَّلَعْتُ في الجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أكْثَرَ أهْلِها الفُقَراءَ، واطَّلَعْتُ في النّارِ فَرَأَيْتُ أكْثَرَ أهْلِها النِّساءَ“ و قد ذكر في بعض طرقها السبب كما في هذا الحديث: ”أُرِيتُ النّارَ فَإِذا أكْثَرُ أهْلِها النِّساءُ، يَكْفُرْنَ قيلَ: أيَكْفُرْنَ باللَّهِ؟ قالَ: يَكْفُرْنَ العَشِيرَ، ويَكْفُرْنَ الإحْسانَ، لو أحْسَنْتَ إلى إحْداهُنَّ الدَّهْرَ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شيئًا، قالَتْ: ما رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ.“
لماذا نجد النساء مع ذكر النار و لا نجدهن بكثر مع ذكر الجنة؟ لأني كما قلت لكم، أهل الجنة أزواج، كل رجل عنده زوجة على الأقل و كذلك كل أنثى لها زوج. و لكن أهل النار يحرمون من هذه اللذة و المتعة، فبالتالي نساءهم نساء، و لأن في جهنم يحشر الله الشياطين أيضا فلا غرابة إذن…
ثم أريدك أن تقرأ الحديث، نجد السبب: ”يكفرن العشير و يكفرن الإحسان“ ما مدلول هذا الكلام؟ أنهن نسين العشرة و الإحسان و كأن النسيان من أصلهن أو أصل خلقهن. و إن أنت فهمت علي، ستفهم الآن بشكل أفضل آية الدين و التي فيها: الآية: ((…فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى…)) ما ذكرته لك فيه استنباط دقيق و عزيز أن تجد مثله عند الناس… والله أعلم.
و هذا ليس مدعاة حزن للمرأة، هي مدعاة هم للتي تكفر بالله و تكفر العشير و الإحسان. كما أن كل رجل يكفر فهو في هم أصلا. تخيّل مثلا رجلا يقول أنا في همّ لأن معظم الرجال القتلة في النار، و ما شأنك بهم أصلا؟ يومها كل إنسان يأتي الرحمن فردا… إن أنت اتبعت هدى الله لن تضل و لن تشقى، و أما إن أعرضت عن ذكره فستحشر يوم القيامة أعمى. فأنا كإنسان لا علي إن كان أكثر مجرمي الحرب في النار، أو أكثر الصهاينة في النار أو أكثر الرجال في النار و لن أتباكى و أقول إن الله يظلمنا أو متحيّز ضدّنا و متعاطف مع كذا و كذا من الأمم… هذه واحدة.
و الثانية، انظر إلى الجنة، فإن الله لن يدخلها امرأة ليست بمطهرة، بل ستطهرن و سينزع ما قلوبهن من غل و كذلك الرجال، و بالتالي هي نشأة جديدة غير هذه النشأة. فمن يكره في نسائه خلقا أو خِلقة من قال لك أنها في الجنة إن دخلتها برحمة الله ستبقى كذلك؟ و كذلك الزوج نفس الشيء. قد قال سبحانه: ((فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ))
و الثالثة: كل رجل من أهل الجنة، من المتقين و المقربين و أصحاب اليمين سيزوّجهم الله بأزواج مطهرة، و هذا يعني أن عدد الإناث أكثر من الرجال فمن هذا الجانب شيء ستسعد به المرأة التي لا ترى نفسها إنما ترى النساء جملة واحدة: ”النساء للنساء“ فمن هنا الإناث أكثر عددا، أليس كذلك؟ و لكن هذا قد يُشكل على البعض، فتقول كلامك و الظاهر من القرآن يخالف مفهوم الحديث و الواقع أنه لا يخالف المفهوم من عدة جوانب سأذكرها. الأول أن الرسول اختار كلمة بعينها: ”النساء“. و الثانية، هب أن الرسول صلى الله عليه قال ذلك، لكن من قال لك ينبغي أن يكون عدد الإناث أكثر من الذكور في الجنة؟ فصحيح عددهن أكثر من أزواجهن، و لكن لا تنسى أن الله لم يعدّ لعباده المتقين الأزواج المطهّرة فحسب، إنما ولدان مخلدّون، و غلمان يطوفون عليهم. و بذلك كل رجل عنده عدد من الغلمان و الولدان و بالتالي عدد الذكور أكثر. فهمتم علي؟ أعد القراءة إن لم تفهم و ستفهم بإذن الله…
قرأت مرة لأحد الذين ينكرون موضوع الحور العين، فقال الذي يقرأ الأخبار و الآثار الواردة في هذا الباب، سيفهم أنه سيبقى يتلذذ بالحور العين لمدة مليون ساعة أو ٢٠ مليون ساعة و هو طبعا هو يذكر هذه العمليات الحسابية بقصد السخرية و أنه لا يمكن أن يكون في الجنة شيء مثل هذا. يا رجل خذها مني و لا تقل ٢٠ مليون ساعة إنما قل ١٠٠ مليون سنة. فرحت الآن؟ هل تظنّ بمثل هذا قد أفحمت الطرف الآخر؟ لا يا رجل لم تفعل ذلك إنما فضحت محدودية عقلك و سفاهة منطقك. أتعرف لماذا؟ لأن المليون ساعة أو ملايين السنين لا تعني شيئا أبدا مقارنة بالخلود. الله تبارك و تعالى أخبرنا عن أن أهل الجنة خالدون فيها و لا ينزفون عنها، اقرأ هذه الآيات ليتأكد عندك الخلود في الجنة:
﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 25]
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 82]
﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: 15]
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران: 107]
﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: 136]
﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: 198]
﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [النساء: 13]
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ [النساء: 57]
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: 122]
﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: 85]
﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [المائدة: 119]
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأعراف: 42]
﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التوبة: 22]
﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس: 26]
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [هود: 23]
﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: 102]
﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: 11]
﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف: 71]
كما ترى، هذه بعض الآيات التي فيها ذكر الخلود في الجنة أسأل الله ربنا أن يجعلنا من أهل الخلود في الجنة.
مليون ساعة أو ألف مليون سنة لا يعني شيئا مقارنة بالخلود. تعرف مقدار كل المتعة التي قضيتها مع زوجتك، منذ بداية زواجك إلى اليوم؟ كم تقدرها؟ أيام، ساعات؟ مهما يكن الرقم، فإن ما قضيته من متعة نسبة إلى عمر الدنيا يعتبر أكثر بكثير مقارنة بألف مليون سنة إن وضعت في مقابلها الخلود. فعندما تقول ساخرا أن أهل الجنة سيقضون ملايين السنين يتمتعون بأزواجهم و كأنّك تستكثر هذه المدة ففي واقع هي قليلة جدا جدا مقارنة بالخلود. لا شيء حقيقة مقارنة بالخلود و أصلا إن كان فقط هذا سيكون نقصا في المتعة. فهل مثل ترضى أن تعيش مع زوجتك أربعون سنة، ثم لا تتمتّع بها إلا قدر ثانية لا أكثر منها؟ قد تقول مستحيل لا أريد هذا! ثم تخيّل يأتيك إنسان يسخر منك و يعاتبك على كثرة تمتّعك بزوجتك في الدنيا و أنت لم تتجاوز الثانية و يقول عنك فيك سعار جنسي و أنت ذكوري شهواني قذر!؟ أرأيت كم كان سخيفا استنكارك بادئ الأمر؟ إن كان لك ماء وجه فربما تستحي الآن بعد أن تبيّن لك من العاقل و من هو الجاهل. و لو أنّك عملت بما أمرك به ربك لكن خيرا لك: ((وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ ۚ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَٰٓئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْـُٔولًا))
و كذلك أقول للمرأة التي قد تضجر أن قد يكون هناك جماع بينها و بين زوجها، أنت في الدنيا قد تكونين مشغولة و في تعب و نصب من إدارة أعمال البيت، من غسل و تنظيف، من إعداد و طبخ، من تربية الأبناء و متابعة شؤون المنزل. و إن كنت موظّفة ساعات من يومك تقضينها في هذا العمل أو في طلب المال ثم في الدنيا هناك مرض و حيض، تعب و نصب. و بالتالي هذا كلّه يستنفد من طاقة الإنسان ولابد و لا يمكن أن ينكر ذلك أحد و خاصة مع تقدّم العمر. فربما المرأة تظنّ هكذا سيكون حالها في الجنة؟ لا أبدا هذا ليس حال زوجات أهل الجنة كما تبيّن لنا من آيات القرآن العظيم.
أقول لها الحال مختلف بين الدنيا و الجنة فبالتالي ما كنت قد تكرهينه في زوجك في الدنيا لن تجديه في الآخرة و كذلك الرجل، ما كنت تكرهه في امرأتك لن تجده في الجنة. فكل منغّص من منغصّات تمنع كمال اللذة و المتعة لن تكون هناك في الجنة. فأين العيب و العار بعدئذ في أن أن يتمتّع زوج بزوجته في الجنة؟
أنتم و في الدنيا، حينما تتزوجون و تأخذون إجازة أول شهر كما عند كثير من الناس في كثير من المجتمعات اليوم، ماذا تسمّون هذه الاجازة؟ شهر العسل، أليس كذلك؟ ماذا تفعلون في شهر العسل؟ أكثر متعة يتمتّع بها الإثنان مع بعضهما البعض هي في هذه الفترة، و يعرف هذا كل إنسان متزوّج، لماذا؟ لأنك متفرّغ لها و هي متفرغة لك أو على الأقل أكثر تفرّغا من الأيام الأخرى و في شباب و عز قوّتك و هي كذلك في شبابها، بالرغم من الإجازة تكون قصيرة إلا أنهما يتمتعان معا، بل ربما يقع الجماع بينهما عشرات المرات في هذه الاجازة و ربما في اليوم الواحد أكثر من مرة، أليس كذلك؟ أم تريدون إفهامي أنكم فيما تسمّون بشهر العسل: ”تنظرون إلى بعضكما البعض“ و تتمتّعون بالحوارات الفكرية فحسب؟
إنما تفعلون ما تعلمون… هذا تفعلونه و إجازتكم قصيرة جدا و لم تنفكوا تماما عن أعمالكم و مسؤولياتكم و لا تزال تلك المنغّصات و النقائص موجودة من قلة المال و الأمراض و الأسقام. فما بالكم و أنتم في الجنة؟ حيث لا نصب و لا تعب، و ملك عظيم، غلمان و ولدان يطوفون عليكم بما تلذّ أعينكم. و أما بالنسبة للوقت، فالخلود و الأمان التام. أتريدون إفهامي أنّكم تريدون البقاء في الجنة هكذا تنظرون إلى بعضكما البعض و أنه عيب إن اتصلتم؟ سبحان الله، حقيقة ما عظيم ”غبائنا“ حينما نتفلسف و نتعالم و نتذاكى على الله العليم الحكيم، الذي يعلم ما تكنّ صدورنا و ما نعلن…
أنا متأكد و أنت قرأت هذا، إن كان لك عقل و تعي ما تقرأ، ستقول بل كلامك عين الصواب و العقل أما إن كنت بلا عقل فلا أملك إلا أن أدعو الله أن يهب لك عقلا و قلبا…
عندي عدة إجابات، الإجابة الأولى و هي مختصرة، أقول السبب في ذلك أنه لا نساء في الجنة لأن كل أنثى ستكون زوجا، لن تجد جماعة من النساء من دون زوج…. لأن كل أنثى ستكون زوجا لذكر هذه واحدة.
الإجابة الثانية و التي أراها أقرب و أصح و هو الذي يظهر لي، أقول إن أصل الكلمة فيها مبنية على النسيان، أو على الأقل ما تدل على النسيان و التأخير و بالتالي الضلال… أصل (ن-س-ء) حسب تحقيقي فيه شيء من المعاني التي ذكرت. و أدلتي من القرآن عدة. و دونك التفصيل.
إن المتدبّر في القرآن سيلحظ أن سبب النسيان هو الشيطان، بغضّ النظر عن الأسباب العلمية و هذه الأمور الثانوية، لكن في القرآن الأصل هو الشيطان و هذا الفهم الذي لا يذكره الناس سيغير الكثير من المفاهيم و سيدفع المؤمن للنظر في آيات القرآن و بعض الأحاديث المنسوبة إلى الرسول صلى الله عليه بنظرة جديدة و ستفتح آفاقا جديدة لفهم الكثير من الأشياء التي كانت مغلقة الفهم عند الناس، سأعرض عن ذكرها منعا للإطالة… بالتأكيد أنا مطالب بالدليل، خاصة أنه موضوع مهم يتعلّق أيضا بالنساء، فأقول إليكم الأدلة من القرآن.
الدليل الأول في سورة الأنعام: ((وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين) الله عز و جل قال بنفسه (ينسينك الشيطان) أثبت هذا بشكل مباشر و صريح، و هذا الأمر و الكلام موجه إلى من في الدرجة الأولى؟ إلى الرسول صلى الله عليه و سلم. هذه واحدة.
و الثانية في هذه الآية الصريحة من سورة الكهف: (قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا) لاحظ أن موسى عليه السلام نسب سبب النسيان إلى الشيطان.
و الثالثة في سورة طه: (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما) كيف نسي آدم؟ أليس بوسوسة الشيطان، الله سبحانه و تعالى في نفس السورة يبيّن لك كيف نسي: (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ). عجيب أليس كذلك؟
و الرابعة في سورة يوسف و فيها دليل صريح على ما أقول: (وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ) لاحظ هذا خبر من الله تبارك و تعالى، الذي أحاط علمه بكل شيء قال (فأنساه الشيطان) و هذا لا يعطي مجالا للشك أن الشيطان من أنساه.
و في سورة التوبة هناك ملحظ جميل في هذه الآية أقدّمه لكم، قال الله عز و جل: (المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون) نسوا الله؟ كيف نسوا الله؟ هل هكذا من تلقاء أنفسهم؟ لا بل أنساهم الشيطان، و ما دليلي على ذلك؟ اقرأ هذه الآية في سورة المجادلة: (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ) هل انتبهت يا عزيزي القارئ؟ عجيب والله أمر هذا الكتاب. إذن الشيطان كان سبب نسيانهم لذكر الله.
و لأن الشيطان هو سبب النسيان نجد في هذه الآية من سورة الكهف التي قد يحفظها أكثركم: (إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا) ماذا قال في خاتمة الآية: (لأقرب من هذا رشدا) لأنك إن تتبعت موارد الرشد في القرآن لوجدته في مقابلة الغي و ما إلى ذلك.
و حتى في سورة طه هناك آية عجيبة: ((فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي)) من هو الذي نسي؟ إن قرأت التفاسير لوجدتهم اختلفوا اختلافا عظيما، لكن إن تذكر نظريتي ثم قرأت سلسلة التغريدات التي كتبتها عن السامري ستعرف لماذا بالذات هنا نجد هذه الكلمة (فنسي)!
و كما قلت في سلسلة النظرية، أن الإنسان اسمه إنسان لأنه فيه جانب خفي، جانب من الجن، جانب من الغيب، و كذلك الشيطان. و لهذا هناك علاقة بين الإنسان و الشيطان فالأخير يُنسي الأول.
و عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: (لا يقولُ أحَدُكم نسِيتُ آيةَ كَيْتَ وكَيْتَ فإنَّه ليس هو نسِي ولكنَّه نُسِّي)
و الشيطان يستهوي النساء، و أنا أقول أن النساء بهذا الاسم لأنها تُنسى. هذا ما حدث على الأقل في التوراة بادئ الأمر و الذي من أجله يزعم أكثر الناس أنّها محرّفة هذا ما يبدو عليه في حقيقة الأمر كما بيّن الله لنا: (أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ) و الذي بسببه حرّف كثيرون ظاهر المعنى و لهذا وردت تلك الأحاديث التي ينكرها الكثيرون اليوم و لست أراني بحاجة لفعل ذلك…لا أرى القرآن فيه مجاز في الآية التي استدليت بها، و لا أجدني مضطرا للقول بأن التوراة محرّفة في هذا الموضوع، و لا أجد الأحاديث المنسوبة إلى الرسول صلى الله عليه لا تستقيم معهما إذ كلّها و لله الحمد تتسق و كأنها حبات لؤلؤ في سلك مكوّنة عقدا فريدا…
فإذن لا وجود للنساء، لأن الله لن يدخل الشيطان الجنة، و لن يكون مع الإنسان و النساء قرناء من الشياطين. بل قوم مطهّرون من الشيطان فبالتالي لا وجود لذكر النساء في الجنة في القرآن.
فإن قال رجل، و لكن الرسول صلى الله عليه فيما يُروى عنه من أخبار ذكر النساء مع ذكر الجنة، أقول إن كنت محققا، خبيرا في الأخبار لعرفت أن الرواية الأقوى في الباب ليس فيه ذكر نساء الجنة، و لكن هذا بحاجة إلى تحقيق كبير و عميق و سيستغرق وقتا و لست أراني بحاجة إلى ذلك.
في المقابل، انظر عدد الأحاديث التي فيها ذكر النساء و النار و أظنّكم كلكّم تعرفون بعض تلك الأحاديث مثل حديث: ” اطَّلَعْتُ في الجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أكْثَرَ أهْلِها الفُقَراءَ، واطَّلَعْتُ في النّارِ فَرَأَيْتُ أكْثَرَ أهْلِها النِّساءَ“ و قد ذكر في بعض طرقها السبب كما في هذا الحديث: ”أُرِيتُ النّارَ فَإِذا أكْثَرُ أهْلِها النِّساءُ، يَكْفُرْنَ قيلَ: أيَكْفُرْنَ باللَّهِ؟ قالَ: يَكْفُرْنَ العَشِيرَ، ويَكْفُرْنَ الإحْسانَ، لو أحْسَنْتَ إلى إحْداهُنَّ الدَّهْرَ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شيئًا، قالَتْ: ما رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ.“
لماذا نجد النساء مع ذكر النار و لا نجدهن بكثر مع ذكر الجنة؟ لأني كما قلت لكم، أهل الجنة أزواج، كل رجل عنده زوجة على الأقل و كذلك كل أنثى لها زوج. و لكن أهل النار يحرمون من هذه اللذة و المتعة، فبالتالي نساءهم نساء، و لأن في جهنم يحشر الله الشياطين أيضا فلا غرابة إذن…
ثم أريدك أن تقرأ الحديث، نجد السبب: ”يكفرن العشير و يكفرن الإحسان“ ما مدلول هذا الكلام؟ أنهن نسين العشرة و الإحسان و كأن النسيان من أصلهن أو أصل خلقهن. و إن أنت فهمت علي، ستفهم الآن بشكل أفضل آية الدين و التي فيها: الآية: ((…فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى…)) ما ذكرته لك فيه استنباط دقيق و عزيز أن تجد مثله عند الناس… والله أعلم.
و هذا ليس مدعاة حزن للمرأة، هي مدعاة هم للتي تكفر بالله و تكفر العشير و الإحسان. كما أن كل رجل يكفر فهو في هم أصلا. تخيّل مثلا رجلا يقول أنا في همّ لأن معظم الرجال القتلة في النار، و ما شأنك بهم أصلا؟ يومها كل إنسان يأتي الرحمن فردا… إن أنت اتبعت هدى الله لن تضل و لن تشقى، و أما إن أعرضت عن ذكره فستحشر يوم القيامة أعمى. فأنا كإنسان لا علي إن كان أكثر مجرمي الحرب في النار، أو أكثر الصهاينة في النار أو أكثر الرجال في النار و لن أتباكى و أقول إن الله يظلمنا أو متحيّز ضدّنا و متعاطف مع كذا و كذا من الأمم… هذه واحدة.
و الثانية، انظر إلى الجنة، فإن الله لن يدخلها امرأة ليست بمطهرة، بل ستطهرن و سينزع ما قلوبهن من غل و كذلك الرجال، و بالتالي هي نشأة جديدة غير هذه النشأة. فمن يكره في نسائه خلقا أو خِلقة من قال لك أنها في الجنة إن دخلتها برحمة الله ستبقى كذلك؟ و كذلك الزوج نفس الشيء. قد قال سبحانه: ((فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ))
و الثالثة: كل رجل من أهل الجنة، من المتقين و المقربين و أصحاب اليمين سيزوّجهم الله بأزواج مطهرة، و هذا يعني أن عدد الإناث أكثر من الرجال فمن هذا الجانب شيء ستسعد به المرأة التي لا ترى نفسها إنما ترى النساء جملة واحدة: ”النساء للنساء“ فمن هنا الإناث أكثر عددا، أليس كذلك؟ و لكن هذا قد يُشكل على البعض، فتقول كلامك و الظاهر من القرآن يخالف مفهوم الحديث و الواقع أنه لا يخالف المفهوم من عدة جوانب سأذكرها. الأول أن الرسول اختار كلمة بعينها: ”النساء“. و الثانية، هب أن الرسول صلى الله عليه قال ذلك، لكن من قال لك ينبغي أن يكون عدد الإناث أكثر من الذكور في الجنة؟ فصحيح عددهن أكثر من أزواجهن، و لكن لا تنسى أن الله لم يعدّ لعباده المتقين الأزواج المطهّرة فحسب، إنما ولدان مخلدّون، و غلمان يطوفون عليهم. و بذلك كل رجل عنده عدد من الغلمان و الولدان و بالتالي عدد الذكور أكثر. فهمتم علي؟ أعد القراءة إن لم تفهم و ستفهم بإذن الله…
قرأت مرة لأحد الذين ينكرون موضوع الحور العين، فقال الذي يقرأ الأخبار و الآثار الواردة في هذا الباب، سيفهم أنه سيبقى يتلذذ بالحور العين لمدة مليون ساعة أو ٢٠ مليون ساعة و هو طبعا هو يذكر هذه العمليات الحسابية بقصد السخرية و أنه لا يمكن أن يكون في الجنة شيء مثل هذا. يا رجل خذها مني و لا تقل ٢٠ مليون ساعة إنما قل ١٠٠ مليون سنة. فرحت الآن؟ هل تظنّ بمثل هذا قد أفحمت الطرف الآخر؟ لا يا رجل لم تفعل ذلك إنما فضحت محدودية عقلك و سفاهة منطقك. أتعرف لماذا؟ لأن المليون ساعة أو ملايين السنين لا تعني شيئا أبدا مقارنة بالخلود. الله تبارك و تعالى أخبرنا عن أن أهل الجنة خالدون فيها و لا ينزفون عنها، اقرأ هذه الآيات ليتأكد عندك الخلود في الجنة:
﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 25]
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 82]
﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: 15]
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران: 107]
﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: 136]
﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: 198]
﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [النساء: 13]
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ [النساء: 57]
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: 122]
﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: 85]
﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [المائدة: 119]
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأعراف: 42]
﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التوبة: 22]
﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس: 26]
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [هود: 23]
﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: 102]
﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: 11]
﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف: 71]
كما ترى، هذه بعض الآيات التي فيها ذكر الخلود في الجنة أسأل الله ربنا أن يجعلنا من أهل الخلود في الجنة.
مليون ساعة أو ألف مليون سنة لا يعني شيئا مقارنة بالخلود. تعرف مقدار كل المتعة التي قضيتها مع زوجتك، منذ بداية زواجك إلى اليوم؟ كم تقدرها؟ أيام، ساعات؟ مهما يكن الرقم، فإن ما قضيته من متعة نسبة إلى عمر الدنيا يعتبر أكثر بكثير مقارنة بألف مليون سنة إن وضعت في مقابلها الخلود. فعندما تقول ساخرا أن أهل الجنة سيقضون ملايين السنين يتمتعون بأزواجهم و كأنّك تستكثر هذه المدة ففي واقع هي قليلة جدا جدا مقارنة بالخلود. لا شيء حقيقة مقارنة بالخلود و أصلا إن كان فقط هذا سيكون نقصا في المتعة. فهل مثل ترضى أن تعيش مع زوجتك أربعون سنة، ثم لا تتمتّع بها إلا قدر ثانية لا أكثر منها؟ قد تقول مستحيل لا أريد هذا! ثم تخيّل يأتيك إنسان يسخر منك و يعاتبك على كثرة تمتّعك بزوجتك في الدنيا و أنت لم تتجاوز الثانية و يقول عنك فيك سعار جنسي و أنت ذكوري شهواني قذر!؟ أرأيت كم كان سخيفا استنكارك بادئ الأمر؟ إن كان لك ماء وجه فربما تستحي الآن بعد أن تبيّن لك من العاقل و من هو الجاهل. و لو أنّك عملت بما أمرك به ربك لكن خيرا لك: ((وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ ۚ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَٰٓئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْـُٔولًا))
و كذلك أقول للمرأة التي قد تضجر أن قد يكون هناك جماع بينها و بين زوجها، أنت في الدنيا قد تكونين مشغولة و في تعب و نصب من إدارة أعمال البيت، من غسل و تنظيف، من إعداد و طبخ، من تربية الأبناء و متابعة شؤون المنزل. و إن كنت موظّفة ساعات من يومك تقضينها في هذا العمل أو في طلب المال ثم في الدنيا هناك مرض و حيض، تعب و نصب. و بالتالي هذا كلّه يستنفد من طاقة الإنسان ولابد و لا يمكن أن ينكر ذلك أحد و خاصة مع تقدّم العمر. فربما المرأة تظنّ هكذا سيكون حالها في الجنة؟ لا أبدا هذا ليس حال زوجات أهل الجنة كما تبيّن لنا من آيات القرآن العظيم.
أقول لها الحال مختلف بين الدنيا و الجنة فبالتالي ما كنت قد تكرهينه في زوجك في الدنيا لن تجديه في الآخرة و كذلك الرجل، ما كنت تكرهه في امرأتك لن تجده في الجنة. فكل منغّص من منغصّات تمنع كمال اللذة و المتعة لن تكون هناك في الجنة. فأين العيب و العار بعدئذ في أن أن يتمتّع زوج بزوجته في الجنة؟
أنتم و في الدنيا، حينما تتزوجون و تأخذون إجازة أول شهر كما عند كثير من الناس في كثير من المجتمعات اليوم، ماذا تسمّون هذه الاجازة؟ شهر العسل، أليس كذلك؟ ماذا تفعلون في شهر العسل؟ أكثر متعة يتمتّع بها الإثنان مع بعضهما البعض هي في هذه الفترة، و يعرف هذا كل إنسان متزوّج، لماذا؟ لأنك متفرّغ لها و هي متفرغة لك أو على الأقل أكثر تفرّغا من الأيام الأخرى و في شباب و عز قوّتك و هي كذلك في شبابها، بالرغم من الإجازة تكون قصيرة إلا أنهما يتمتعان معا، بل ربما يقع الجماع بينهما عشرات المرات في هذه الاجازة و ربما في اليوم الواحد أكثر من مرة، أليس كذلك؟ أم تريدون إفهامي أنكم فيما تسمّون بشهر العسل: ”تنظرون إلى بعضكما البعض“ و تتمتّعون بالحوارات الفكرية فحسب؟
إنما تفعلون ما تعلمون… هذا تفعلونه و إجازتكم قصيرة جدا و لم تنفكوا تماما عن أعمالكم و مسؤولياتكم و لا تزال تلك المنغّصات و النقائص موجودة من قلة المال و الأمراض و الأسقام. فما بالكم و أنتم في الجنة؟ حيث لا نصب و لا تعب، و ملك عظيم، غلمان و ولدان يطوفون عليكم بما تلذّ أعينكم. و أما بالنسبة للوقت، فالخلود و الأمان التام. أتريدون إفهامي أنّكم تريدون البقاء في الجنة هكذا تنظرون إلى بعضكما البعض و أنه عيب إن اتصلتم؟ سبحان الله، حقيقة ما عظيم ”غبائنا“ حينما نتفلسف و نتعالم و نتذاكى على الله العليم الحكيم، الذي يعلم ما تكنّ صدورنا و ما نعلن…
أنا متأكد و أنت قرأت هذا، إن كان لك عقل و تعي ما تقرأ، ستقول بل كلامك عين الصواب و العقل أما إن كنت بلا عقل فلا أملك إلا أن أدعو الله أن يهب لك عقلا و قلبا…
٩. و بعد أن انتهيت من موضوعي الرئيس، أحب أن آخذكم بجولة لتجدوا صدى بعض ما أقول في العالم و الأساطير من حولكم.
أولا بالنسبة لكلامي في معنى الـ“عُرُب“ الأتراب.
تعرفون الكرات الملونة التي يلعب بها الأطفال؟ ماذا يسمونها اليوم بالإنجليزية؟ Orbeez و هي أصلا مأخوذة من كلمة انجليزية هي Orb و هي تعني شكل مستدير لكن ثلاثي الأبعاد، أي كروي كما نقول اليوم. فهذه الكلمة ”أوربز“ أصلا عبارة عن ”لغة“ (من اللغو) من الكلمة العربية: ”عُرُب“ و أنا عندي تصحيح لأهل اللغة الإنجليزية، أن الـOrbs فيه ميزة عن الأجسام الكروية و هي شفافة. و التفصيل يطول لكن أكتب هذا للمهتم فليبحث بنفسه و يدرس و سيكتشف بأني محق إن شاء الله…
و انظر إلى هذا المعنى كيف يتوافق مع سمات الحور العين، بعض المتقدمين من العلماء فسّر قوله: (و كواعب) يعني ثديهن كالرمانة في استدارتها و ليست متدلية. و لكن أقول هناك ميزة أخرى في الرمانة، تعرفون ما هي؟ أن حباتها رقيقة شفافة. فإن فهمت هذا لعرفت أن كلامي في معنى ”عُرُب“ أحسن.
ذكرت أن كلمة Orb مأخوذة من الكلمة العربية: ”عُرُب“ و أعطيكم كلمة أخرى في اللغة الإغريقية و اللاتينية و الإنجليزية الحديث و سترون كيف أن كلامي متوافق حتى بأدلة من عند الغرب.
كلنا نعرف قارة: ”أوروبا“ و لكن كم منا يعرف السبب في أصل التسمية؟ بعد أن تعرفون القصة ستفهمون الرابط العجيب الذي أحاول أعرضه لكم و هو رابط لن تجده في أي كتاب ولا في مقاطع اليوتيوب و لكنك تجده في مقالتي هذا، من باب اضافة القيمة عند المهتمين بهذه الأمور.
اختلف الناس في تفسير أصل كلمة ”أوروبا“ لكن أشهر الأسباب التي قيلت في سبب التسمية نسبة إلى الأميرة ”أوروبا“ ابنة الملك ”آغنور“ ملك صيدا و كانت فائقة الحسن ظاهرة الجمال (أي من العُرُب). أنا أظن أن أصل اسمها ”عُرُبا“. على أية حال، هذه الأميرة من حسنها سلبت لبّ ”زيوس“ و هو كبير معبودات الإغريق و يعتبر كبير الآلهة عندهم… تخيّل ”زيوس“ و من هو عندهم، فكّر بخطة لكي يأخذها من غير أن يخيفها! فقام بتحويل نفسه إلى ثور أبيض ثم أخذها إلى ”كريت“ إحدى الجزر اليونانية و صارت الملكة هناك. و تزوّجها زيوس و أنجب منها ثلاثة إحداهم ”مينوس“ الذي صار فيما بعد ملكا على الجزيرة… الآن ما الذي يجعل كبير آلهتهم التي يعبدونها يختارها إلا و كانت بالغة الحسن، أليس كذلك؟ و هذه الأمبرة من شهرة حسنها قالوا أنها جذبت الآلهة فضلا عن البشر! تخيلوا…
من المعاني المثيرة التي قيلت في أصل اسم ”أوروبا“ بالإغريقيّة ثلاث معانٍ رئيسة، الأولى: ”عريضة العين“ و الثانية: ”عريضة الوجه“ و الثالثة: ”عريضة الحسن و الجمال“. أترى كيف أن الأولى و الثالثة تتوافق مع الحور العين. ”العُرُب الأتراب“. عجيب أليس كذلك؟
زد على ما ذكرت ما يعرفه العرب عن بنات بني الأصفر لدرجة ألفوا فيها آثارا: ”اغزوا تغنموا بنات الأصفر يعني نساء الروم“ و المقصود بنساء الروم (الأوروبيات). فمنذ القدم الأوروبيات قد عرفن في ثقافات شعوب الأرض بجمالهن و حسنهن منذ قديم الزمان و إلى اليوم. و منذ صغرنا و حتى اليوم نجد الرجال يتغنون بحسنهن و يقارنون بينهن و أزواجهم. إن سألت نفسك ما الذي يميز نساء الروم في المخيلة البشرية التاريخية؟ بيضهن، سعة أعينهن و حسن وجوههن و أبدانهن و شعورهن بشكل عام، أليس كذلك؟
و مزيدا من التفصيل عن العُرُب و الأساطير. لقد ذكرت سابقا في هذا المقال أن العُرُب قد تكون المكشوفة البادية الثدي، صحيح؟ و من المفسّرين من فسّر العرب بالصغيرات أي اللاتي اكتملت و استدارت ثديهن، تعرفون لماذا هذا كان موجودا أصلا عند أهل التفسير غير ما يجدونه في استعمالات العرب؟ لأن في أساطير المنطقة هناك مخلوقات تعرف عند العرب بالحوريات و حديثا (النيمف) عند الغرب بالNymph و هن أرواح أو آلهة أنثوية تعشن في الطبيعة. (أي في البحار و الجبال و الأنهار و الينابيع و الجنّات الغنّاء و غير ذلك) باختصار هذه الأساطير تريد أن تقول أن هذه الإناث تعشن في ”الجنة“.
العجيب ماذا، أن كلمة Nypmh اختلفوا في معناها، باللغة الإغريقية القديمة أشهر الأقوال التي قيلت في معنى الكلمة: القول الأول: الزوجة الصغيرة أو الشابة أو العروس. القول الثاني: البِكر أو العذراء. هل هذه مصادفة؟
ليس هذا فحسب، هذه المخلوقات الأنثوية كانت تعرفن بأشياء، من أشهرها البياض و النقاوة و الرقة (قارن هذا بالحور العين). و المعلومة الثانية أنّهن تحبن الرجال و تتوددن إليهم و مهتمة بهن و تعربن عن حبّهن لهم و تتدللن كثيرا (قارن هذا بعُرُبا) و المعلومة الثالثة هن مجموعة، العادة تجتمعن معا و على نفس الحسن و الجمال و الهيئة و قارن هذه المعلومة بما قد عرفت في معنى: ”أتراب“. و المعلومة الرابعة عنهن أنّهن مكشوفات، عاريات الصدر و أثيادهن بارزة مستديرة و قارن هذه المعلومة بما قلته في معنى: ”عُرُبا“ لتعرف أن كلامي و اختياري لمعنى كلمة ”عُرُبا“ في الآية ليس فقط يتوافق مع قوله سبحانه: (و كواعب أترابا) إنما يتوافق مع القرآن و الأخبار و استعمالات العرب للكلمة و حتى مع الكلمات الأعجمية و التي فيها لغو و كذلك القصص الأسطورية الشعبية.
فمن الذي سبق، فيه ردّ على أولئك القوم الذين يقولون أن مفهوم الحور العين كما يعرفه أكثر الناس إنما فكرة اخترعها أهل التفسير الذي كانوا يعانون من السعار الجنسي، بل المفهوم موجود و معروف عند الناس منذ قديم الزمان و في شتى بقاع الأرض و ليس في بقعة وحيدة.
أظنّ أكثركم يعرف بعض الأساطير الشمالية و النوردية. سمعتم عن الفايكنغ صحيح؟ (Vikings) لكن ما قد لا تعرفه أن محاربي الفايكنج من يموت في المعركة يموت شهيدا، تشهد له إناث في غاية الحسن و الجمال و القوة تعرفن بالفالكيري. Valkyrie. هن نساء محاربات تخدمن الإله الأكبر في الأساطير النوردية و هو أودين. و أثناء الحرب، تختار الفالكيري من بين المحاربين من سيسقط في المعركة ومن سيحظى بالشرف الأبدي و ذلك بعد أن تطلّ في المعركة بنورها. ثم هي السفيرة بين الدنيا وعالم الآلهة التي يعبدونها، وتحديداً في قاعة الفالهالا، حيث الخلود للشهداء الذين تم اختيارهم من الفالكيري. من معاني الفالكيري بالنوردية القديمة ”خادمة الأماني“ و أيضا: ”محققة الأماني“ و أيضا من المعاني: ”مختارة المذبوحين“ (بمعنى مختارة الشهداء) الذي أراه أقرب إلى معنى: ”قرة عين“.
ألا تذكّركم هذه الأسطورة بتلك الآثار المعروفة و التي اشتهرت عند المسلمين و غيرهم، من كون الشهداء لهم ٧٠ زوجة من الحور العين. هذه الأساطير و بالتحديد النوردية كثير منها مستلهمة من الحقائق و العلوم و الأخبار و الآثار التي يعرفها أهل الإسلام غير أن الشيطان حرّفها و زاد عليها أو نقص. أعرف أن الآثار ليست بذاك من ناحية السند غير أن هذه التشابهات تبيّن لك أن هناك أصلا للموضوع، و هذا الأصل هو ما بيّنه القرآن العظيم بخصوص الأزواج المطهّرة، قاصرات الطرف عين.
و هكذا نجد أساطير عدة مستلهمة أصلا من مفهوم الحور العين، كما في الهندوسية نجد الـ“أبسارا“ Apsaras و الذي لا يعرفون معنى أصل الكلمة و مختلفون فيها. العجيب أن ما كان يميزهن سعة أعينهن و حسنهن بشكل عام و لكن ما كان يميزهن نعومتهن و رقّة جلودهن لدرجة تم تشبيهها بأوراق زهرة اللوتوس. و أثيادهن تماما كما يقول العرب عن الحور العين. و كانت تتميّز أن لها نورا و بهاء… و عرفن أيضا بدلالهن، يعني تتكلم و تمشي بدلال و دلع لإغراء الرجل. و هن مخلوقات أنثوية في السماوات.
و هكذا في بقية الأساطير و الخرافات العالمية، مثلا في الأساطير اليابانية نجد ”تين نيو“ و في الديانة الجينية نجد الديفا، و هن مخلوقات أنثوية، أبكار، تم إنشاؤها على الفرش السماوية مباشرة من دون أب أو أم (ألا يذكّركم هذا بقوله سبحانه تعالى مباشرة بعد ذكره للفرش المرفوعة: ((إِنَّآ أَنشَأۡنَٰهُنَّ إِنشَآءٗ (٣٥) فَجَعَلۡنَٰهُنَّ أَبۡكَارًا)) ؟) العجيب أن مخلوقات الديفا تلك كانت تتميزن بقدرتهن على رؤية الأشياء البعيدة و أشياء لها علاقة بالإبصار! (قاصرات الطرف عين). و إن أنا كتبت بالتفصيل عن الذي أعرفه بخصوص هذه الأساطير و كيف أنّ لها أصلا سيطول ذلك جدا.
الغرض من ذكري هذه الأمور لأبيّن للناس، خاصة أولئك الذين يستنكرون فكرة الحور العين أساسا، أن ما تستنكرونه نجده صراحة في القرآن العظيم و في هذا الكفاية، و من ثم نجده في الأخبار و الأحاديث المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه و نجده في آثار الصحابة و التابعين لهم بإحسان. و كذلك نجده في شتى الكتابات الدينية القديمة و الأساطير و الخرافات. و حتى إن قلنا أن كل ذلك كان من خيال الرجال و الذكور المهووسين بالنساء و الجنس، فإن ما ذكره الله سبحانه و تعالى في القرآن العظيم من الترغيب الكفاية و الحمدلله رب العالمين…
أولا بالنسبة لكلامي في معنى الـ“عُرُب“ الأتراب.
تعرفون الكرات الملونة التي يلعب بها الأطفال؟ ماذا يسمونها اليوم بالإنجليزية؟ Orbeez و هي أصلا مأخوذة من كلمة انجليزية هي Orb و هي تعني شكل مستدير لكن ثلاثي الأبعاد، أي كروي كما نقول اليوم. فهذه الكلمة ”أوربز“ أصلا عبارة عن ”لغة“ (من اللغو) من الكلمة العربية: ”عُرُب“ و أنا عندي تصحيح لأهل اللغة الإنجليزية، أن الـOrbs فيه ميزة عن الأجسام الكروية و هي شفافة. و التفصيل يطول لكن أكتب هذا للمهتم فليبحث بنفسه و يدرس و سيكتشف بأني محق إن شاء الله…
و انظر إلى هذا المعنى كيف يتوافق مع سمات الحور العين، بعض المتقدمين من العلماء فسّر قوله: (و كواعب) يعني ثديهن كالرمانة في استدارتها و ليست متدلية. و لكن أقول هناك ميزة أخرى في الرمانة، تعرفون ما هي؟ أن حباتها رقيقة شفافة. فإن فهمت هذا لعرفت أن كلامي في معنى ”عُرُب“ أحسن.
ذكرت أن كلمة Orb مأخوذة من الكلمة العربية: ”عُرُب“ و أعطيكم كلمة أخرى في اللغة الإغريقية و اللاتينية و الإنجليزية الحديث و سترون كيف أن كلامي متوافق حتى بأدلة من عند الغرب.
كلنا نعرف قارة: ”أوروبا“ و لكن كم منا يعرف السبب في أصل التسمية؟ بعد أن تعرفون القصة ستفهمون الرابط العجيب الذي أحاول أعرضه لكم و هو رابط لن تجده في أي كتاب ولا في مقاطع اليوتيوب و لكنك تجده في مقالتي هذا، من باب اضافة القيمة عند المهتمين بهذه الأمور.
اختلف الناس في تفسير أصل كلمة ”أوروبا“ لكن أشهر الأسباب التي قيلت في سبب التسمية نسبة إلى الأميرة ”أوروبا“ ابنة الملك ”آغنور“ ملك صيدا و كانت فائقة الحسن ظاهرة الجمال (أي من العُرُب). أنا أظن أن أصل اسمها ”عُرُبا“. على أية حال، هذه الأميرة من حسنها سلبت لبّ ”زيوس“ و هو كبير معبودات الإغريق و يعتبر كبير الآلهة عندهم… تخيّل ”زيوس“ و من هو عندهم، فكّر بخطة لكي يأخذها من غير أن يخيفها! فقام بتحويل نفسه إلى ثور أبيض ثم أخذها إلى ”كريت“ إحدى الجزر اليونانية و صارت الملكة هناك. و تزوّجها زيوس و أنجب منها ثلاثة إحداهم ”مينوس“ الذي صار فيما بعد ملكا على الجزيرة… الآن ما الذي يجعل كبير آلهتهم التي يعبدونها يختارها إلا و كانت بالغة الحسن، أليس كذلك؟ و هذه الأمبرة من شهرة حسنها قالوا أنها جذبت الآلهة فضلا عن البشر! تخيلوا…
من المعاني المثيرة التي قيلت في أصل اسم ”أوروبا“ بالإغريقيّة ثلاث معانٍ رئيسة، الأولى: ”عريضة العين“ و الثانية: ”عريضة الوجه“ و الثالثة: ”عريضة الحسن و الجمال“. أترى كيف أن الأولى و الثالثة تتوافق مع الحور العين. ”العُرُب الأتراب“. عجيب أليس كذلك؟
زد على ما ذكرت ما يعرفه العرب عن بنات بني الأصفر لدرجة ألفوا فيها آثارا: ”اغزوا تغنموا بنات الأصفر يعني نساء الروم“ و المقصود بنساء الروم (الأوروبيات). فمنذ القدم الأوروبيات قد عرفن في ثقافات شعوب الأرض بجمالهن و حسنهن منذ قديم الزمان و إلى اليوم. و منذ صغرنا و حتى اليوم نجد الرجال يتغنون بحسنهن و يقارنون بينهن و أزواجهم. إن سألت نفسك ما الذي يميز نساء الروم في المخيلة البشرية التاريخية؟ بيضهن، سعة أعينهن و حسن وجوههن و أبدانهن و شعورهن بشكل عام، أليس كذلك؟
و مزيدا من التفصيل عن العُرُب و الأساطير. لقد ذكرت سابقا في هذا المقال أن العُرُب قد تكون المكشوفة البادية الثدي، صحيح؟ و من المفسّرين من فسّر العرب بالصغيرات أي اللاتي اكتملت و استدارت ثديهن، تعرفون لماذا هذا كان موجودا أصلا عند أهل التفسير غير ما يجدونه في استعمالات العرب؟ لأن في أساطير المنطقة هناك مخلوقات تعرف عند العرب بالحوريات و حديثا (النيمف) عند الغرب بالNymph و هن أرواح أو آلهة أنثوية تعشن في الطبيعة. (أي في البحار و الجبال و الأنهار و الينابيع و الجنّات الغنّاء و غير ذلك) باختصار هذه الأساطير تريد أن تقول أن هذه الإناث تعشن في ”الجنة“.
العجيب ماذا، أن كلمة Nypmh اختلفوا في معناها، باللغة الإغريقية القديمة أشهر الأقوال التي قيلت في معنى الكلمة: القول الأول: الزوجة الصغيرة أو الشابة أو العروس. القول الثاني: البِكر أو العذراء. هل هذه مصادفة؟
ليس هذا فحسب، هذه المخلوقات الأنثوية كانت تعرفن بأشياء، من أشهرها البياض و النقاوة و الرقة (قارن هذا بالحور العين). و المعلومة الثانية أنّهن تحبن الرجال و تتوددن إليهم و مهتمة بهن و تعربن عن حبّهن لهم و تتدللن كثيرا (قارن هذا بعُرُبا) و المعلومة الثالثة هن مجموعة، العادة تجتمعن معا و على نفس الحسن و الجمال و الهيئة و قارن هذه المعلومة بما قد عرفت في معنى: ”أتراب“. و المعلومة الرابعة عنهن أنّهن مكشوفات، عاريات الصدر و أثيادهن بارزة مستديرة و قارن هذه المعلومة بما قلته في معنى: ”عُرُبا“ لتعرف أن كلامي و اختياري لمعنى كلمة ”عُرُبا“ في الآية ليس فقط يتوافق مع قوله سبحانه: (و كواعب أترابا) إنما يتوافق مع القرآن و الأخبار و استعمالات العرب للكلمة و حتى مع الكلمات الأعجمية و التي فيها لغو و كذلك القصص الأسطورية الشعبية.
فمن الذي سبق، فيه ردّ على أولئك القوم الذين يقولون أن مفهوم الحور العين كما يعرفه أكثر الناس إنما فكرة اخترعها أهل التفسير الذي كانوا يعانون من السعار الجنسي، بل المفهوم موجود و معروف عند الناس منذ قديم الزمان و في شتى بقاع الأرض و ليس في بقعة وحيدة.
أظنّ أكثركم يعرف بعض الأساطير الشمالية و النوردية. سمعتم عن الفايكنغ صحيح؟ (Vikings) لكن ما قد لا تعرفه أن محاربي الفايكنج من يموت في المعركة يموت شهيدا، تشهد له إناث في غاية الحسن و الجمال و القوة تعرفن بالفالكيري. Valkyrie. هن نساء محاربات تخدمن الإله الأكبر في الأساطير النوردية و هو أودين. و أثناء الحرب، تختار الفالكيري من بين المحاربين من سيسقط في المعركة ومن سيحظى بالشرف الأبدي و ذلك بعد أن تطلّ في المعركة بنورها. ثم هي السفيرة بين الدنيا وعالم الآلهة التي يعبدونها، وتحديداً في قاعة الفالهالا، حيث الخلود للشهداء الذين تم اختيارهم من الفالكيري. من معاني الفالكيري بالنوردية القديمة ”خادمة الأماني“ و أيضا: ”محققة الأماني“ و أيضا من المعاني: ”مختارة المذبوحين“ (بمعنى مختارة الشهداء) الذي أراه أقرب إلى معنى: ”قرة عين“.
ألا تذكّركم هذه الأسطورة بتلك الآثار المعروفة و التي اشتهرت عند المسلمين و غيرهم، من كون الشهداء لهم ٧٠ زوجة من الحور العين. هذه الأساطير و بالتحديد النوردية كثير منها مستلهمة من الحقائق و العلوم و الأخبار و الآثار التي يعرفها أهل الإسلام غير أن الشيطان حرّفها و زاد عليها أو نقص. أعرف أن الآثار ليست بذاك من ناحية السند غير أن هذه التشابهات تبيّن لك أن هناك أصلا للموضوع، و هذا الأصل هو ما بيّنه القرآن العظيم بخصوص الأزواج المطهّرة، قاصرات الطرف عين.
و هكذا نجد أساطير عدة مستلهمة أصلا من مفهوم الحور العين، كما في الهندوسية نجد الـ“أبسارا“ Apsaras و الذي لا يعرفون معنى أصل الكلمة و مختلفون فيها. العجيب أن ما كان يميزهن سعة أعينهن و حسنهن بشكل عام و لكن ما كان يميزهن نعومتهن و رقّة جلودهن لدرجة تم تشبيهها بأوراق زهرة اللوتوس. و أثيادهن تماما كما يقول العرب عن الحور العين. و كانت تتميّز أن لها نورا و بهاء… و عرفن أيضا بدلالهن، يعني تتكلم و تمشي بدلال و دلع لإغراء الرجل. و هن مخلوقات أنثوية في السماوات.
و هكذا في بقية الأساطير و الخرافات العالمية، مثلا في الأساطير اليابانية نجد ”تين نيو“ و في الديانة الجينية نجد الديفا، و هن مخلوقات أنثوية، أبكار، تم إنشاؤها على الفرش السماوية مباشرة من دون أب أو أم (ألا يذكّركم هذا بقوله سبحانه تعالى مباشرة بعد ذكره للفرش المرفوعة: ((إِنَّآ أَنشَأۡنَٰهُنَّ إِنشَآءٗ (٣٥) فَجَعَلۡنَٰهُنَّ أَبۡكَارًا)) ؟) العجيب أن مخلوقات الديفا تلك كانت تتميزن بقدرتهن على رؤية الأشياء البعيدة و أشياء لها علاقة بالإبصار! (قاصرات الطرف عين). و إن أنا كتبت بالتفصيل عن الذي أعرفه بخصوص هذه الأساطير و كيف أنّ لها أصلا سيطول ذلك جدا.
الغرض من ذكري هذه الأمور لأبيّن للناس، خاصة أولئك الذين يستنكرون فكرة الحور العين أساسا، أن ما تستنكرونه نجده صراحة في القرآن العظيم و في هذا الكفاية، و من ثم نجده في الأخبار و الأحاديث المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه و نجده في آثار الصحابة و التابعين لهم بإحسان. و كذلك نجده في شتى الكتابات الدينية القديمة و الأساطير و الخرافات. و حتى إن قلنا أن كل ذلك كان من خيال الرجال و الذكور المهووسين بالنساء و الجنس، فإن ما ذكره الله سبحانه و تعالى في القرآن العظيم من الترغيب الكفاية و الحمدلله رب العالمين…
١٠. و قبل أن أختم و بما أني تكلّمت عن كثير من المواضيع الفرعية، أحب العودة إلى القرآن العظيم، الذي لا تنقضي عجائبه. أحب أن ألفت القارئ إلى بعض التوافقات العددية المثيرة.
نجد ذكر (حور عين) في القرآن ثلاث مرات، في المقابل نجد ذكر (قاصرات الطرف) أيضا ثلاث مرات و هي من الأشياء التي لفتتني أن المعنى الأقرب لحور عين هو قاصرات الطرف كما ذكرت في فصول هذا الموضوع من قبل… أما ذكر (العين) في مجمل ذِكر نعيم الجنة أربع مرات و ذكر القاصرات و المقصورات أيضا أربع مرات، عجيب أليس كذلك؟
قال الله سبحانه في سورة النساء: ((وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُواْ فِى ٱلْيَتَٰمَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُواْ فَوَٰحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَلَّا تَعُولُواْ)) أكبر ما ذكره الله في الآية (وَرُبَٰعَ) و هو ما هو معروف عند المسلمين في موضوع التعدد. علما بأني لا أقول أن هذا هو المطلوب أو هل هو الحد الأدنى أو الحد الأقصى، كل ذلك ليس من موضوعي، لكن مجرد أنّه لفتني هذا التوافق العددي.
و بما أن المؤمن مأمور بالمعروف مع زوجه، (و عاشروهن بالمعروف) و بما أن بعض الأخوات قد تجدن في أنفسهن (مع أنه كله خير لهم إن كن تفقهن ما كتبت بل ذكرت أمورا يحق لها أن تستبشر خيرا أكثر من الذي تظنّه) أقدّم لهن ملحظا خفيا قد تقرّ به أعينهن لحبّهن العائلة…
قال الله في سورة الطور: ((مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ سُرُرٖ مَّصۡفُوفَةٖۖ وَزَوَّجۡنَٰهُم بِحُورٍ عِينٖ (20) وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱتَّبَعَتۡهُمۡ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَٰنٍ أَلۡحَقۡنَا بِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَمَآ أَلَتۡنَٰهُم مِّنۡ عَمَلِهِم مِّن شَيۡءٖۚ كُلُّ ٱمۡرِيِٕۭ بِمَا كَسَبَ رَهِينٞ (21) )) لاحظ في الآية الأولى ذكر الحور العين و في الآية التي تليها ذكر الله إلحاق الذرية بالذين آمنوا من دون ذكر أزواجهم.
و لكن في سورة الرعد قال سبحانه: ﴿جَنَّٰتُ عَدۡنٖ يَدۡخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنۡ ءَابَآئِهِمۡ وَأَزۡوَٰجِهِمۡ وَذُرِّيَّٰتِهِمۡۖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَدۡخُلُونَ عَلَيۡهِم مِّن كُلِّ بَابٖ (23) سَلَٰمٌ عَلَيۡكُم بِمَا صَبَرۡتُمۡۚ فَنِعۡمَ عُقۡبَى ٱلدَّارِ (24)﴾ و قال سبحانه في سورة الزخرف: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾ و ذكر طرفا من نعيم أهل الجنة. الملاحظ أننا لا نجد ذكر الحور العين أو قاصرات الطرف؟ فكّرت فيها، فقلت لأن الآية من سورة الرعد فيها ذكر العائلة، الآباء، الأزواج و الذرية و في آية سورة الزخرف فيها ذكر الأزواج اللاتي مع الرجل. فإذن لا حاجة لذكر الحور العين و قاصرات الطرف لكن في سورة الطور لا وجود لذكر الأزواج و الآباء إنما الذرية فقط فناسب ذكر الحور العين و إلا ظلّ الرجل وحيدا، أليس كذلك؟ ففي هذه الآيات في القرآن هناك عزاء لكل، الرجال و النساء…
و إلى لفتة طيبة أخرى في كتاب الله تبارك و تعالى. نجد في سورة غافر دعاء الملائكة لنا: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ و قد استجاب الله لدعاء الملائكة بدليل آية سورة الرعد: ﴿جَنَّٰتُ عَدۡنٖ يَدۡخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنۡ ءَابَآئِهِمۡ وَأَزۡوَٰجِهِمۡ وَذُرِّيَّٰتِهِمۡۖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَدۡخُلُونَ عَلَيۡهِم مِّن كُلِّ بَابٖ (23) سَلَٰمٌ عَلَيۡكُم بِمَا صَبَرۡتُمۡۚ فَنِعۡمَ عُقۡبَى ٱلدَّارِ (24)﴾ فما أعظم قدر الملائكة عند الله تبارك و تعالى… آمنت بالملائكة… اللهم ربنا اجعلنا من الذين تنفعهم شفاعة الملائكة و ندخل الجنة برحمتك مع آبائنا و أزواجنا و ذرياتنا بغير حساب…
أتوقّف عند هذا الحد، فدونك عزيزي القارئ، إن شقّ عليك فهم ما كتبته في هذا الموضوع، حاول أن تقرأه مجددا بعد بضعة أشهر لعلك حينها تنظر إلى الموضوع فتجد الحق الظاهر في كتاب الله قد صار بيّنا بالنسبة لك بعد أن استغلق عليك فهمه بسبب تشويش الناس و تشغيباتهم… و أنا متأكد أن الذي قرأ هذا الموضوع و ليس في صدره كبر و غل و لم يكن منحاز إلا إلى كلام الله تبارك و تعالى، سيجد انشراحا في صدره بإذن الله… و الحمدلله رب العالمين…
نجد ذكر (حور عين) في القرآن ثلاث مرات، في المقابل نجد ذكر (قاصرات الطرف) أيضا ثلاث مرات و هي من الأشياء التي لفتتني أن المعنى الأقرب لحور عين هو قاصرات الطرف كما ذكرت في فصول هذا الموضوع من قبل… أما ذكر (العين) في مجمل ذِكر نعيم الجنة أربع مرات و ذكر القاصرات و المقصورات أيضا أربع مرات، عجيب أليس كذلك؟
قال الله سبحانه في سورة النساء: ((وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُواْ فِى ٱلْيَتَٰمَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُواْ فَوَٰحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَلَّا تَعُولُواْ)) أكبر ما ذكره الله في الآية (وَرُبَٰعَ) و هو ما هو معروف عند المسلمين في موضوع التعدد. علما بأني لا أقول أن هذا هو المطلوب أو هل هو الحد الأدنى أو الحد الأقصى، كل ذلك ليس من موضوعي، لكن مجرد أنّه لفتني هذا التوافق العددي.
و بما أن المؤمن مأمور بالمعروف مع زوجه، (و عاشروهن بالمعروف) و بما أن بعض الأخوات قد تجدن في أنفسهن (مع أنه كله خير لهم إن كن تفقهن ما كتبت بل ذكرت أمورا يحق لها أن تستبشر خيرا أكثر من الذي تظنّه) أقدّم لهن ملحظا خفيا قد تقرّ به أعينهن لحبّهن العائلة…
قال الله في سورة الطور: ((مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ سُرُرٖ مَّصۡفُوفَةٖۖ وَزَوَّجۡنَٰهُم بِحُورٍ عِينٖ (20) وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱتَّبَعَتۡهُمۡ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَٰنٍ أَلۡحَقۡنَا بِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَمَآ أَلَتۡنَٰهُم مِّنۡ عَمَلِهِم مِّن شَيۡءٖۚ كُلُّ ٱمۡرِيِٕۭ بِمَا كَسَبَ رَهِينٞ (21) )) لاحظ في الآية الأولى ذكر الحور العين و في الآية التي تليها ذكر الله إلحاق الذرية بالذين آمنوا من دون ذكر أزواجهم.
و لكن في سورة الرعد قال سبحانه: ﴿جَنَّٰتُ عَدۡنٖ يَدۡخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنۡ ءَابَآئِهِمۡ وَأَزۡوَٰجِهِمۡ وَذُرِّيَّٰتِهِمۡۖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَدۡخُلُونَ عَلَيۡهِم مِّن كُلِّ بَابٖ (23) سَلَٰمٌ عَلَيۡكُم بِمَا صَبَرۡتُمۡۚ فَنِعۡمَ عُقۡبَى ٱلدَّارِ (24)﴾ و قال سبحانه في سورة الزخرف: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾ و ذكر طرفا من نعيم أهل الجنة. الملاحظ أننا لا نجد ذكر الحور العين أو قاصرات الطرف؟ فكّرت فيها، فقلت لأن الآية من سورة الرعد فيها ذكر العائلة، الآباء، الأزواج و الذرية و في آية سورة الزخرف فيها ذكر الأزواج اللاتي مع الرجل. فإذن لا حاجة لذكر الحور العين و قاصرات الطرف لكن في سورة الطور لا وجود لذكر الأزواج و الآباء إنما الذرية فقط فناسب ذكر الحور العين و إلا ظلّ الرجل وحيدا، أليس كذلك؟ ففي هذه الآيات في القرآن هناك عزاء لكل، الرجال و النساء…
و إلى لفتة طيبة أخرى في كتاب الله تبارك و تعالى. نجد في سورة غافر دعاء الملائكة لنا: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ و قد استجاب الله لدعاء الملائكة بدليل آية سورة الرعد: ﴿جَنَّٰتُ عَدۡنٖ يَدۡخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنۡ ءَابَآئِهِمۡ وَأَزۡوَٰجِهِمۡ وَذُرِّيَّٰتِهِمۡۖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَدۡخُلُونَ عَلَيۡهِم مِّن كُلِّ بَابٖ (23) سَلَٰمٌ عَلَيۡكُم بِمَا صَبَرۡتُمۡۚ فَنِعۡمَ عُقۡبَى ٱلدَّارِ (24)﴾ فما أعظم قدر الملائكة عند الله تبارك و تعالى… آمنت بالملائكة… اللهم ربنا اجعلنا من الذين تنفعهم شفاعة الملائكة و ندخل الجنة برحمتك مع آبائنا و أزواجنا و ذرياتنا بغير حساب…
أتوقّف عند هذا الحد، فدونك عزيزي القارئ، إن شقّ عليك فهم ما كتبته في هذا الموضوع، حاول أن تقرأه مجددا بعد بضعة أشهر لعلك حينها تنظر إلى الموضوع فتجد الحق الظاهر في كتاب الله قد صار بيّنا بالنسبة لك بعد أن استغلق عليك فهمه بسبب تشويش الناس و تشغيباتهم… و أنا متأكد أن الذي قرأ هذا الموضوع و ليس في صدره كبر و غل و لم يكن منحاز إلا إلى كلام الله تبارك و تعالى، سيجد انشراحا في صدره بإذن الله… و الحمدلله رب العالمين…
١١. هذا ملحق على الموضوع…
لقد ذكرت في فصول موضوعي أن النساء توابع الرجال في كل جيل و كذلك هن في الخصام في المواضيع الكبيرة و كذلك إن استقلت الواحدة منها، فالعالم يمشي حقيقة بقوانين و أحكام تحاكم إليها الرجال بادئ الأمر و كذلك الأطفال أو الولدان و الكلام في القرآن موجهّ لهم في الدرجة الأولى كما قد بيّنت ذلك مفصلا… غير أني نسيت الاستدلال بهذه الآيات من القرآن على كلامي و عزّ من لا ينسى...
قال الله تبارك و تعالى في سورة الروم: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾
ماذا يعني هذا؟ أن الأصل في خلق النساء: (لتسكنوا إليها) و هي من نعم الله الرئيس علينا و من آياته العظيمة. النساء خلقن من أجل الرجال. و هذا يوافق تماما ما نجده في آيات أخرى من القرآن العظيم، و يوافق الأخبار عن الرسول صلى الله عليه من أنها خلقت من ضلع آدم عليه السلام. و كذلك يوافق بشكل صريح ما نجده في التوراة… و يوافق تماما ”الواقع“ البشري منذ فجر التاريخ و إلى اليوم. إذ الرجل حقا يسكن إليها، ثم ما نجد بين المرء و زوجه من مودة و رحمة.
و عندما يقول سبحانه: (خلق لكم) هذا يشبه قوله: (سخّر لكم) و يشبه قوله: (جعل لكم) فهذه الأمور التي جعلها الله للرجل أو خلق له لا تكون سيده و تقوده إنما العكس، هي نعم أنعم الله بها عليه فهو يتنعّم و يتمتّع بها و يهتدي بها إلى الله و بالله، و يتحكّم بها أو يحرسها و يملكها مجازا. ليتبين لك ذلك جليا بما لا يدع مجالا للشك، اقرأ هذه الآيات من القرآن العظيم:
﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ [النحل: 72]
فهنا الله تبارك و تعالى يذكّرنا بنعمه و التي هي أصلا من آياته (و لمعرفة لماذا أقول هذا، اقرأ موضوعي عن معنى فبأي آلاء ربكما تكذبان). لاحظ أن الله قال سبحانه: (من أنفسكم أزواجا) يعني أزواجنا من النساء، و أما قوله: (و من أزواجكم بنين و حفدة) أي من النساء جعل البنين و الحفدة. ثم ذكر نعمة جامعة: (و رزقكم من الطيبات).
و لأن كثير من أهل التنوير للأسف يفسّرون هذه الآيات بتفسير غير صحيح، ليس عليه القرآن و لا ما صحّ عن الرسول و لا التوراة و لا يوافق الواقع، يقعون في التحريف من حيث لا يشعرون. فهذه الآية بالرغم من وضوحها و شبهها بالآية السابقة من جعل الأزواج إلا أنّهم يتنكّرون لها. و لكي أقطع هذا الخطأ، آتيكم بآية أخرى من القرآن تثبت لكم ذلك.
كلنا يعرف قصة قوم لوط و عملهم الفاحش القبيح. قال لوط عليه السلام في سورة الشعراء منكرا على عمل قومه: ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ فلوط عليه السلام يؤكد أن الإناث خلقن من أجل الذكور. و لكن قوم لوط كانوا مسرفين فبدلا من أن يأتوا النساء كانوا يأتون الرجال، كما علمنا من سورة النمل و غيرها من السور: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِ ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ فعرفنا من هذه الآية أن المقصود بقوله: (خلق لكم ربكم من أزواجكم) يعني النساء و هذا يوافق الآيات الأخرى التي ذكرتها من قبل.
و أما أولئك القوم الذين يجعلون من النساء أي المتأخر في كل شيء و يشمل ذلك الرجال و الرجال هم الأقوياء و الذين يتحركون و لهم قوام الأمر و لا يعني بالضرورة الذكور، فإن هذه الآية التي سأستدل بها فيها ردّ قوي عليهم تبطل حجّتهم الباطلة. قال سبحانه و تعالى في سورة هود: ﴿وَجَآءَهُۥ قَوْمُهُۥ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ قَالَ يَٰقَوْمِ هَٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِى هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِى ضَيْفِىٓ ۖ أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ﴾ موضع الشاهد من الآية: (هؤلاء بناتي هن أطهر لكم) و معلوم معنى البنات، و معلوم ما قصد الرسول لوط عليه السلام. فإن أخذت بمجموع هذه الآيات من سورة لوط لعرفت أن المقصود في قوله: (و تذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم) يعني الإناث.
فتبيّن لنا بعدئذ من مجموع ما سبق، أن الإناث خلقن من أجل الذكور، و أن الأصل الذكور فبالتالي منطقي جدا أن يكون الكلام في القرآن موجّه للأصل و ليس للفرع. و هذا لا يعيب المرأة، يكفيها شرفا أن الله يعتبرها نعمة من نعمه على بني آدم و آية من آياته تدلّ عليه سبحانه و تعالى. فإن عرفت المرأة هذا لازدادت قيمتها في نفسها، لكن للأسف لأن المرأة في كثير من الأحيان تقدّم كلام البشر على الله، تصيبها الهم و الغم و الشعور بالظلم و ما إلى ذلك. و إلا في كلام الله ما يطمئن له القلب و ينشرح به الصدر…
لقد ذكرت في فصول موضوعي أن النساء توابع الرجال في كل جيل و كذلك هن في الخصام في المواضيع الكبيرة و كذلك إن استقلت الواحدة منها، فالعالم يمشي حقيقة بقوانين و أحكام تحاكم إليها الرجال بادئ الأمر و كذلك الأطفال أو الولدان و الكلام في القرآن موجهّ لهم في الدرجة الأولى كما قد بيّنت ذلك مفصلا… غير أني نسيت الاستدلال بهذه الآيات من القرآن على كلامي و عزّ من لا ينسى...
قال الله تبارك و تعالى في سورة الروم: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾
ماذا يعني هذا؟ أن الأصل في خلق النساء: (لتسكنوا إليها) و هي من نعم الله الرئيس علينا و من آياته العظيمة. النساء خلقن من أجل الرجال. و هذا يوافق تماما ما نجده في آيات أخرى من القرآن العظيم، و يوافق الأخبار عن الرسول صلى الله عليه من أنها خلقت من ضلع آدم عليه السلام. و كذلك يوافق بشكل صريح ما نجده في التوراة… و يوافق تماما ”الواقع“ البشري منذ فجر التاريخ و إلى اليوم. إذ الرجل حقا يسكن إليها، ثم ما نجد بين المرء و زوجه من مودة و رحمة.
و عندما يقول سبحانه: (خلق لكم) هذا يشبه قوله: (سخّر لكم) و يشبه قوله: (جعل لكم) فهذه الأمور التي جعلها الله للرجل أو خلق له لا تكون سيده و تقوده إنما العكس، هي نعم أنعم الله بها عليه فهو يتنعّم و يتمتّع بها و يهتدي بها إلى الله و بالله، و يتحكّم بها أو يحرسها و يملكها مجازا. ليتبين لك ذلك جليا بما لا يدع مجالا للشك، اقرأ هذه الآيات من القرآن العظيم:
﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ [النحل: 72]
فهنا الله تبارك و تعالى يذكّرنا بنعمه و التي هي أصلا من آياته (و لمعرفة لماذا أقول هذا، اقرأ موضوعي عن معنى فبأي آلاء ربكما تكذبان). لاحظ أن الله قال سبحانه: (من أنفسكم أزواجا) يعني أزواجنا من النساء، و أما قوله: (و من أزواجكم بنين و حفدة) أي من النساء جعل البنين و الحفدة. ثم ذكر نعمة جامعة: (و رزقكم من الطيبات).
و لأن كثير من أهل التنوير للأسف يفسّرون هذه الآيات بتفسير غير صحيح، ليس عليه القرآن و لا ما صحّ عن الرسول و لا التوراة و لا يوافق الواقع، يقعون في التحريف من حيث لا يشعرون. فهذه الآية بالرغم من وضوحها و شبهها بالآية السابقة من جعل الأزواج إلا أنّهم يتنكّرون لها. و لكي أقطع هذا الخطأ، آتيكم بآية أخرى من القرآن تثبت لكم ذلك.
كلنا يعرف قصة قوم لوط و عملهم الفاحش القبيح. قال لوط عليه السلام في سورة الشعراء منكرا على عمل قومه: ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ فلوط عليه السلام يؤكد أن الإناث خلقن من أجل الذكور. و لكن قوم لوط كانوا مسرفين فبدلا من أن يأتوا النساء كانوا يأتون الرجال، كما علمنا من سورة النمل و غيرها من السور: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِ ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ فعرفنا من هذه الآية أن المقصود بقوله: (خلق لكم ربكم من أزواجكم) يعني النساء و هذا يوافق الآيات الأخرى التي ذكرتها من قبل.
و أما أولئك القوم الذين يجعلون من النساء أي المتأخر في كل شيء و يشمل ذلك الرجال و الرجال هم الأقوياء و الذين يتحركون و لهم قوام الأمر و لا يعني بالضرورة الذكور، فإن هذه الآية التي سأستدل بها فيها ردّ قوي عليهم تبطل حجّتهم الباطلة. قال سبحانه و تعالى في سورة هود: ﴿وَجَآءَهُۥ قَوْمُهُۥ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ قَالَ يَٰقَوْمِ هَٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِى هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِى ضَيْفِىٓ ۖ أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ﴾ موضع الشاهد من الآية: (هؤلاء بناتي هن أطهر لكم) و معلوم معنى البنات، و معلوم ما قصد الرسول لوط عليه السلام. فإن أخذت بمجموع هذه الآيات من سورة لوط لعرفت أن المقصود في قوله: (و تذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم) يعني الإناث.
فتبيّن لنا بعدئذ من مجموع ما سبق، أن الإناث خلقن من أجل الذكور، و أن الأصل الذكور فبالتالي منطقي جدا أن يكون الكلام في القرآن موجّه للأصل و ليس للفرع. و هذا لا يعيب المرأة، يكفيها شرفا أن الله يعتبرها نعمة من نعمه على بني آدم و آية من آياته تدلّ عليه سبحانه و تعالى. فإن عرفت المرأة هذا لازدادت قيمتها في نفسها، لكن للأسف لأن المرأة في كثير من الأحيان تقدّم كلام البشر على الله، تصيبها الهم و الغم و الشعور بالظلم و ما إلى ذلك. و إلا في كلام الله ما يطمئن له القلب و ينشرح به الصدر…
١٢. هذا هو الملحق الثاني في الموضوع و هو للكلام عن آية سورة آل عمران:
((زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ))
كثيرا ما يحدث أن تجد ملحدا يناطح برأسه القرآن، و هو في ظنّه أنه ينتقد القرآن و لكن في واقع الأمر يفلق رأسه ليبين عوار ما فيه. و كثيرا ما يوجهون سهامهم المطاطية تجاه هذه الآية من سورة آل عمران: ((زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ)) فيقولون كيف تكون النساء من الشهوات و هي المقابل للرجل، هذا يعني أن كاتب القرآن كان يشتهي النساء و الجنس و ما إلى ذلك. تعالى الله عما يقولون علوا عظيما.
و للأسف من المسلمين من يحب فقط مخالفة من سبقه من المسلمين و بالأخص كلام العلماء الذين تكلموا في القرآن فيأتون بآراء غريبة، فيقولون كيف يقول سبحانه و تعالى: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ) و الناس عنده ضرورة تشمل الذكور و الإناث، فهل تشتهي النساء النساء؟ طبعا أصل هذا الرأي في هذه الآية بالتحديد هو الدكتور محمد شحرور رحمه الله، و امتازت بعض آراء الدكتور أنّه يعيد يفهم القرآن و يطرح آراء جديدة توافق إلى حد بعيد المزاج الحداثي و بالأخص الغربي و بهذا يدعو إلى قراءة معاصرة للدين. و سبق أن انتقدت منهج أصحاب القراءة المعاصرة في هذه السلسلة:
و طبعا كثيرون من الذين تأثروا بآراء شحرور على رأيه و خاصة في تويتر، كلما تجد إنسانا يحاول أن يدافع عن الحديث و الرد على اتهامات الناس ضد الحديث بأن فيه منقصة للنساء و ما إلى ذلك، تجده في كثير من الأحيان يعيد فهم آيات القرآن ليوافق هذا الخط من التفكير. فبما أنه ينتقد الحديث لأنه يجعل من المرأة مثلا متاع من الحياة الدنيا أو شهوة أو ما إلى ذلك تجده يضطّر أن يغيّر معنى آية سورة آل عمران: ((((زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ)) و يغيّر معنى حور عين و يغيّر معنى الأزواج المطهرة و ما إلى ذلك.
و أنا في هذه الآية فقط سأقوم بالتركيز على آية سورة آل عمران، لكي لا يتشعب بنا الموضوع.
فأولا أقول إن استعمل القرآن اسما فلا ينبغي تغيير معنى هذا الاسم إلا بقرينة ظاهرة من القرآن نفسه، و الغالب يحدده السياق نفسه. فمثلا، موسى المذكور في سورة البقرة هو نفسه موسى المذكور في سورة الأعراف و هو نفس المذكور في سورة القصص و هكذا. و كذلك الرجال و كذلك النساء، فالنساء في سورة البقرة المقصود بها نفس المقصود في سورة آل عمران و في سورة النساء و في سورة النور و غيرها فلماذا نُحرّف معنى النساء في سورة آل عمران؟
أتباع شحرور و من على رأيه يقولون نحن نفعل ذلك ليستقيم لنا معنى الآية، فهل النساء من متاع الدنيا؟ لا يمكن ذلك، فالنساء شقائق الرجال و ليس متاع، فكيف تكون هي متاع و أنت أيها الرجل لست بمتاع؟ هذا الانتقاد الأول، و الانتقاد الثاني يقولون إن الله في بداية الآية قال (زيّن للناس) و الناس تشمل الذكور و الإناث فكيف تشتهي الأنثى النساء؟ إذن لابد أن معنى النساء في الآية مختلف عن المعنى الذي فهمه أهل التفسير و العلماء قديما و حديثا.
لا بأس، ما البديل عندهم؟ البديل عندهم أن معنى النساء يعني ما استجد من الأشياء (المتأخرات) فالناس يحبون الأشياء المتأخرة (بالمعنى العامي عندنا يحبون الجديد) لهذا المرأة تحب الموضة الجديدة و كذلك الرجل يحب الأشياء المستجدة و الحديثة (الموبايلات الحديثة، السيارات الحديثة، المواضيع المستجدة…الخ) تخيّلوا هذا البديل عندهم، و إنا لله و إنا إليه راجعون.
الآن تعالوا إلى الرد، بالنسبة للمتاع فإن قال الله تبارك و تعالى (ذلك متاع الحياة الدنيا) و إن قلنا إن المقصود بذلك كل ما سبق، يعني النساء و البنين و القناطير المقنطرة من الذهب و الفضة و الخيل المسوّمة و الأنعام و الحرث إذن انتهينا، فالله أصدق و هو الحق. هذه واحدة. الثانية نقول لهم، هل يتمتّع الرجال بالنساء أم لا؟ ضرورة سيقولون نعم و إلا ليس هناك معنى للزواج و إتيان المرأة أصلا. و ليس هناك معنى لطلب البنين أصلا لو لم يكن لهم متاع. و نفس الشيء للذهب و الفضة و الأنعام و الحرث و غيرها، كلها أمور متاع يتمتع بها الناس. فإن كابر المجادل و قال هي ليست بمتاع إنّما رفيقة دربي أقول له و لماذا هي رفيقة دربك و تزوّجتها؟ اتركها لحالها و عيشوا معشر الناس من دون التعلّق بأي امرأة، و هذا لا يكون و هذه هي الثانية.
ثم نقول له إن لم تكن تشتهيها فلماذا تأتيها؟ هل الرجل يأتي كل شيء لا يشتهيه؟ لماذا ترغب بإتيان امرأتك؟ و لماذا الزناة يزنون بالمرأة و هي ليست بشهوة؟ إنما طغت شهوتهم فلم يستطيعوا مجاهدتها فأتوا الضحية المسكينة و اغتصبوها و فعلوا بها. و هذا ليس بحاجة إلى استدلال إنما شيء معروف في العالم، لست بحاجة أن تثبت للرجال أنهم يشتهون النساء فإن الواقع دليل على ذلك و لا ينكره عاقل و هذه هي الثالثة.
نجد في القرآن العظيم في سورة الأعراف قول لوط عليه السلام لقومه: ((إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون)) و شبه هذه الآية في سورة النمل: ((أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون)) إذن لوط عليه السلام يؤكد أن هناك شهوة بين الرجال و النساء.يعني الأصل في الرجال يأتون النساء شهوة و ليس الرجال و هذا الأصل و الذي يوافق الواقع الإنساني منذ فجر التاريخ إلى اليوم إلا من شذ و اختلف و أسرف كقوم لوط. فإن فسّر شحرور و أتباعه آية سورة النساء بأن النِساء المتاع المتأخر، أو الموضة أو ما إلى ذلك فكيف تُفسّرون النساء في آية سورة الأعراف و قصة لوط و قومه؟ طبعا اضطر شحرور رحمه الله و كثير من أتباعه إلى تحريف معنى الرجال و هو لا يشعر، فبدلا من أن يكون الرجال اسم جنس جعلوه اسما لحالة، و بذلك، صار معنى الرجال الاكفأ سواء من الذكور و الإناث و صار معنى النساء هم الأقل كفاءة أو المستجد بحسب الآية التي ينبغي تحريفها لموافقة المزاج الحداثي و هكذا… و مرة أخرى أقول، إنا لله و إنا إليه راجعون لأنني نعيش مصيبة إذ نجحت هذه الآراء في اقناع الناس و ما كان ينبغي لها أن تفعل ذلك و هي تافهة متهافتة…
و أما قولهم أن كلمة الناس تشمل الذكور و الإناث، فكيف تشتهي المرأة المرأة؟ طبعا أنا لا أوافقهم و أقول أن الناس في هذه الآية تشمل الذكور و الإناث، هذه واحدة. و الثانية، تنزّلا مع محدودية علمهم في العربية نقول لهم لتشمل الذكور و الإناث و مافي ذلك؟ هل تنكرون وجود السحاق؟ كم هي حالات السحاق التي عرفها الناس؟ و كم هي حالات السحاق التي لم يعرفها الناس، لا يمكن أن تُحصى. أليس شحرور معلّمكم و من تبعه يفسّرون هذه الآية: ((وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً)) بحالة السحاق؟ نعم يفسّرونها كذلك، و شحرور برأيي أخذها من رأي بعض المعتزلة في هذه الآية. إذن لولا الشهوة بين النساء لما تأتين الفاحشة حسب تفسيركم أنتم؟ إذن أنتم تعترفون أن هناك شهوة بين النساء. و الثالثة، لقائل أن يقول إن المرأة تتمتّع أن تكون لها خادمة تخدمها و تعينها و ما إلى ذلك و هذا أيضا واقع لا ينكره الناس قديما و حديثا. إذن حتى إن تنزّلنا عند قولكم أن الناس في هذه الآية تشمل الذكور و الإناث ضرورة فإن هذا ليس بمسوّغ لتحريف معنى النساء إذ جاءكم الرد و هو رد له وجهه و الواقع يشهد عليه.
و الآن عودة إلى كلامهم أنه لابد للناس أن يشمل الذكور و الإناث، أقول لهم من أين أتيتم بهذا اللازم؟ هل وجدتم هذا اللازم في كتاب الله العزيز؟ هل وجدتم هذا في أحاديث الرسول صلى الله عليه؟ و هل وجدتم هذا اللازم في أقوال الصحابة و من تبعهم بإحسان؟ أم هل وجدتم لازم ذلك في أقوال العرب قبل الإسلام و بعد الإسلام؟ و هل وجدتموه في التوراة مثلا؟ لا! لا يوجد شيء مثل هذا اللازم و إنما هذا من ”كيسكم“ و تحاكمتم إليه و تريدون تلزمون الناس بما ليس هو بلازم.
في آية سورة البقرة: ((أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون)) كما ترى الخطاب موجّه في الدرجة الأولى للرجال و المفعول بها النساء ثم انتبه إلى خاتمتها، يبين الله آياته ”للناس“ لعلهم يتقون! و هكذا كثير من آيات القرآن، الخطاب موجّّه في الدرجة الأولى إلى الرجال و ليس الأطفال و النساء إلا إذا كان هناك تفصيل.
و في سورة البقرة: ((فهزموهم بإذن الله وقتل داوود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين)) فمن ظاهر الآية الناس الجماعة الذين يقاتلون بعضهم بعضا، و ليس الذكور بالذكور و الإناث بالإناث و الأطفال بالأطفال و الشيوخ بالشيوخ أو بأحد من أنواع الجماعة و هكذا.
و حتى في آية موضوعنا: ((زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب)) السياق يحدد معنى الناس، فنحن نعرف أن الرجال يشتهون النساء و البنين و القناطير المقنطرة و الذهب و الفضة و الخيل المسومة و الأنعام و الحرث و ليس بالضرورة بقية أنواع الإنسان. فمثلا الطفل لا يشتهي النساء في العادة و لا البنين الغالب أنه لا يهتم كثيرا بالذهب و الفضة. و الشيخ شهوته تختلف بعض الشيء. لكن الرجال كل الشهوات مذكورة حق و تشهد لها الواقع شهادة لا يمكن إنكارها.
و أيضا في سورة آل عمران نجد هذه الآية: ((إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم)) فالذي عليه الناس و العالم قديما أن الذي يأمر بالقسط و ينهى الرجال الذين يقتلون هم الرجال و ليس النساء. النساء قديما إلى عهد قريب كن في البيوت، و لا تعافسن الرجال كثيرا.
و أيضا في سورة آل عمران آية مهمة في موضوعنا: ((الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل)) واضح من الآية أن الناس الأولى فيها تخصيص و كذلك الثانية بدلالة وجود الناس في موضعين في الآية، فالناس الأولى ليست الناس الثانية و أفرادهم مختلفين. و الأمر الآخر، هل الناس الذين جمعوا هم الشيوخ و الأطفال والنساء أيضا أم الرجال الذين يجمعون للقتال؟ ستقول الأقوى الثاني و هذا هو الأصح. و هذه القصة معروفة في السيرة و ليس فيها النساء.
في سورة النساء: ((ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا)) السؤال هل يخاف الرجال من النساء في القتال؟ أم يخافون من الرجال الذين يقاتلون؟ و هل النساء قديما تشاركن في المعارك؟ لا تشارك النساء في هذه المعارك حتى قبل الإسلام.
و أيضا في سورة النساء: ((إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا)) هل كان المنافقون يراءون الرجال و النساء و الأطفال و الشيوخ أم أنّهم في الدرجة الأولى كانوا يراءون من يصلّون معهم من الرجال و يبتغون عندهم الحظوة و الجاه و المصلحة و ما إلى ذلك؟
في سورة الأنفال: ((واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون)) هل كان القليل يخافون أن تتخطفهم النساء أم جماعة من الرجال؟ الظاهر أنّهم كانوا يخافون من الرجال، و الإنسان أصلا في الغالب لا يخاف من إنسان واحد ليس له ملك و سيطرة إنما يخاف من جماعة منهم لأنه يعرف أنّهم يستطيعون إلحاق الضرر إليه.
و أيضا في سورة الأنفال نجد قول الشيطان: ((وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب)) فالذين كانوا يقاتلون المشركين هم الرجال، الرسول صلى الله عليه و أصحابه و العبرة بالأكثرية و ليس بامرأة واحدة تطبب الجرحى أو تسقيهم الماء! لا تخلط بين الواقع و ما تجده هذه الآيات في الأفلام و الرسوم المتحركة إذ تجد امرأة واحدة تغلب جيشا من الرجال!
نجد في سورة القصص آية مهمة في موضوعنا: ((ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير)) أمة من الناس المقصود بهم الرجال، و أما إن كان المقصود الرجال و النساء فما الذي يجعلهن من دونهم؟ توقّف هنا و تخيّل معي، هناك جماعة من الناس رجال و إناث، لماذا لا تذهب المرأة و تشارك الإناث خاصة أنّها مع أختها؟ و لكن تخيّل المنظر إن كانوا رجالا و هن الإناث، ما المتوقّع من إناث فيهن حياء؟ لن تعافسن الرجال بل تنتظرن حتى ينتهوا ثم تذهبن للسقيا، أليس كذلك؟ هذا هو الأصل. و لا تحكم ما تراه اليوم في واقعك مع ما كان عليه الناس حينها. لو أنّك فقهت هذه الآية جيدا لعرفت أن الناس ليس بالضرورة تطلق على الذكور و الإناث إنما يصح استخدام هذا الاسم و المقصود جماعة من الرجال ليس هناك ما يمنع، فهذا اللازم منهم هو تحكّم منهم بلا علم و الله هو المستعان.
و في حديث البخاري و مسلم نجدا حديثا عن نسيبة بنت كعب : ”كُنّا نُؤْمَرُ بالخُرُوجِ في العِيدَيْنِ، والمُخَبَّأَةُ، والبِكْرُ، قالَتْ: الحُيَّضُ يَخْرُجْنَ فَيَكُنَّ خَلْفَ النّاسِ، يُكَبِّرْنَ مع النّاسِ“ ما المقصود فيكن خلف الناس؟ أي خلف الرجال!
و في حديث إمارة أسامة بن زيد المعروف ما يدل على ذلك، عن ابن عمر: ” بَعَثَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بَعْثًا، وأَمَّرَ عليهم أُسَامَةَ بنَ زَيْدٍ، فَطَعَنَ بَعْضُ النَّاسِ في إمْرَتِهِ، فَقَامَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَقالَ: إنْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ في إمْرَتِهِ، فقَدْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ في إمْرَةِ أبِيهِ مِن قَبْلُ، وايْمُ اللَّهِ إنْ كانَ لَخَلِيقًا لِلْإِمَارَةِ، وإنْ كانَ لَمِنْ أحَبِّ النَّاسِ إلَيَّ، وإنَّ هذا لَمِنْ أحَبِّ النَّاسِ إلَيَّ بَعْدَهُ“ الشاهد فطعن بعض الناس في إمرته، هل الذي طعن في إمرته أحد من الإناث أم الرجال؟ أصلا الإناث لا يتدخلون في مواضيع الإمارة.
و في حديث البخاري أيضا عن ابن عمر: ”لَمَّا أسْلَمَ عُمَرُ اجْتَمع النَّاسُ عِنْدَ دَارِهِ، وقالوا: صَبَا عُمَرُ وأَنَا غُلَامٌ، فَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِي، فَجَاءَ رَجُلٌ عليه قَبَاءٌ مِن دِيبَاجٍ، فَقالَ: قدْ صَبَا عُمَرُ فَما ذَاكَ، فأنَا له جَارٌ، قالَ: فَرَأَيْتُ النَّاسَ تَصَدَّعُوا عنْه فَقُلتُ: مَن هذا؟ قالوا: العَاصِ بنُ وائِلٍ“ فهل اجتمعت الإناث عند دار عمر؟
و حتى إن عدت إلى المعاجم ستجد أن الأمر ليس بالضرورة أن يشمل الذكور و الإناث، ففي معجم الغني في معنى الناس ”الرجال عموما“ و معنى أيها الناس: ”أيها الخلق“ أو ”أيها الرجال“. و في معجم المعاني: ”اسم للجمع من بني آدم و قد يُراد به الفضلاء“ و أيضا معنى الناس: ”بشر“. و إن بحثت في المعاجم عن معنى النِساء ستفهم منها ما فهمناه كلنا و ستجدها بشكل صريح و هو المعنى الأقرب.
فالناس ليس كما يقولون لابد أن يشمل الذكور و الإناث، هذا تحكّم منهم، صحيح أن اسم الناس قد يشمل الذكور و الإناث و البشر أجمعين، لكن السياق يحدد المقصود و يُبيّنه. و إلا فالناس جماعة، مجموعة بغض النظر عن أجناسهم. إن لم تستطع أن تفقه هذا فدعني أقول لك بلغة أعجمية. عندما يقولون: Oh People هل يقصدون دائما الذكور و الإناث؟ ستقول لا و بلا شك، فإنّهم يستخدمونها لخطاب الجماعة و ليس بالضرورة أن يكونوا ذكورا و إناثا. و إن كنت أبناء هذا الجيل الذي يُعظّم قوقل و نتائجه تعظيما، ابحث بنفسك عن معنى People و قل لي ما الذي تجده.
بل حتى في الكلام العامي اليوم نستخدم كلمة الناس ولا نعني به كل الذكور و الإناث. فمثلا لو جاءنا في المجلس رجال نقول: ”جو الناس“ أو مثلا في المسجد و هناك طفل واقف في وسط الباب نقول له: ”قم لا اتصكر الدرب على الناس أو على خلق الله“ و الواقع في المسجد لا يكونون إلا رجال. ففي الاستعمال القديم قبل الاسلام و بعد الاسلام و في القرآن و في الحديث و في الحاضر و في الماضي القريب نستخدم ”الناس“ و لا نعني بالضرورة دائما الذكور و الإناث معا.
و ربما يقول قائل، إن كان في بعض المواضع المقصود بالناس الرجال فلماذا لم يقل الله سبحانه و تعالى الرجال بدلا من الناس. أولا عليك أن تفهم أنه ليس ما يعيب العربية استخدام الناس بدلا من الرجال، لا ”تتفلسف“ من عندك و تظنّ أن ذلك عيبا، إنما أحسن عربية لكنك للأسف لا تفقه. لو أنك تلقي بالا لهذا السؤال فعليك إذن أن تلقي بالا لماذا مرة يقول الله تبارك و تعالى يا بني آدم و أحيانا يا أيها الناس. و لماذا قال: ”و لا تكن كصاحب الحوت“ بدلا من أن يقول و لا تكن كيونس. الله في بعض الآيات يُفصّل فيقول: ”إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ“ بتفصيل عظيم، لماذا فصّل في هذه الآية و لم يكتفي بقول إن المؤمنين أو المسلمين مثل بعض الآيات التي فيها إن الذين آمنوا، لماذا لم يُفصّل في كل الآيات الأخرى كالتفصيل في سورة الأحزاب؟ الله سبحانه يفعل ما يشاء و هو فعّال لما يريد، و هو العليم الحكيم، أعلم لماذا اختار هذا هنا و هذا هناك و الإنسان يتدبّر و يفهم و ليس بالضرورة أن يكون فهمه مطابقا لما أراده الله تبارك و تعالى و قد يوافق ما أراده الله، الله أعلم بذلك. لكن هل في العربية ما يمنع ذلك؟ لا أبدا، و من قال ذلك عليه البيّنة إذ البيّنة على المدّعي و أما إن كان يريد محاجاتي فعليه أن يأتي ببينة من كتاب الله تبارك و تعالى و هذا لا يوجد فإذن انتهينا و نقول له: ”لا تتفلسف“ و ”لا تقف ما ليس لك به علم“.
أظن أن الخطأ الذي وقع فيه شحرور و من تبعه في تفسير النساء أنّه فسّر النساء بفتح النون بدلا من كسر النون كما في كلمة النِّساء. و لأن الجذر مشترك فأخذ المعنى الذي يوافق فتح النون و تجاهل تغيّر المعنى بالكسرة و الفتحة أو الضمة. و هذا خطأ يقع فيه كثير من الناس، من بينهم شحرور و أهل الحداثة و أصحاب التفسير الباطني بشكل عام بل حتى أناس من الذين يقولون أنّهم يبينون القرآن بالقرآن مثل أبو عرفة صلاح الدين ابن إبراهيم و أتباع رأيه. و للأسف كثير من هؤلاء القوم، يقولون بتطوّر اللفظة و يجعلونها مثل بقية الأمور التي تطور و قد رددت على هذا الرأي ردا قويا في سلسلة: ”نقد القراءة المعاصرة“ و قد أشرت إلى السلسلة من قبل في بداية هذه السلسلة فعد إليها. مختصر نتيجة هذا المنهج الذي يتبّعه هؤلاء أن هناك فصل بين الدال و المدلول و أصبح المدلول محلّ شك على طول الخط، هذا واقعهم المر و إن قالوا بخلاف هذا و هذا الذي سيكون إذ هم جعلوا من علاقة الدال بالمدلول زواج لفظي فحسب و أظن جمع من الناس الذين يصحّ أن يُقال عنهم كالببغاوات لن يفقهوا من كلامي هذا شيئا.
ثم أتساءل، هل فعلا شاق على المؤمن أن يعطي اللفظة مدلولها في السياق الخاص الذي جعلها الله تبارك و تعالى في كتابه حتى ينساق إلى المعاجم التي وضعت فيما بعد، بل لم يكتفي بالإنسياق إنما عمل في هذه المعاجم بطريقة تفكيكية تحيّزية للإتيان بتفاسير لإرضاء المزاج الحداثي و الغربي؟ هذا الانسياق في حقيقته يبيّن أن هذا المُنساق أن هناك دال بمدلول مترهّل إذن الخطاب المُوجّه في القرآن بدلا من أن يكون مبينا صار مبهما و لغزا في كثير من مواضعه و بالتالي فقدت من عظمة هذا الكتاب المبين و اتهمته بنقصان ما أثبته الله في القرآن لكتابه و بالتالي يؤدي هذا إلى أن يتطاول الشك إلى مدلول الكلمات في القرآن و بالتالي فقدت اليقين من أحد أعظم جوانبه و مستوياته و طبعا كل ذلك يُغلفونها بغلاف تطوّر اللفظة لمواكبة الحداثة و التطوّر الاجتماعي و المادي و ما إلى ذلك. عند تقييم معنى تحتاج إلى شيء ثابت تقيّمه أما شيء متغيّر على طول الخط من أوّل الكتاب إلى آخره عبر الأزمان فكيف تُقيّمه أصلا و بالتالي كيف ستفهم ما هو الحق من الباطل!؟
حقا إن حال هؤلاء القوم كرجل أراد أن يكون مسيحا مُخلّصا للنساء من مظنة المكانة التي لا تليق (حسب زعمه) بالمرأة و أراد رفعها إلى مكانة عالية تليق بها، فإذا به صار مسيحا دجالا يُحرّف معاني آيات الله ليتبعه النساء و من ثم الرجال ذوي الميول النسوية و أولئك الرجال ذو النزعة ”المهدوية“ الخاصة بالنساء و رفع الأغلال و القيود عنها.
ثم هذه النظرة من شحرور رحمه الله و أتباعه نظرة أقول فيها بكل صراحة أجد فيها سوداوية و سلبية. فهل قال الله تبارك و تعالى و هو يعدد الشهوات من نساء و بنين و ذهب و فضة إلى غير ما ذكر سبحانه أنه ينتقصهم، هل قال لك الله تبارك و تعالى أنه انتقصهم بذكره من ضمن الشهوات أو متاع الحياة الدنيا؟ لم يقل ذلك فلماذا تفتري عليه سبحانه؟ أين وجدت أن الله سبحانه قال ذلك؟ دلّني على السورة و رقم الآية؟ فإن لم تجد فلماذا تظنّ أن فيما ذكر سبحانه أنها منقصة للنساء. ثم كيف تحاكم من لم ينتقص أصلا بما ألهمتك نفسك من أوهام و تفسيرات ليست في محلّها؟ فعلا كما قال المتنبي: ”وَمَن يَكُ ذا فَمٍ مُرٍّ مَريضٍ. يَجِد مُرّاً بِهِ الماءَ الزُلالا“.
ثم ألستم القائلين بأنه ينبغي علينا أن نعود إلى أهل الاختصاص عندما ننتقد بعض الخيالات العلمية و الروايات العلمية، حسن لا بأس، لنعد لأهل الاختصاص و الذين أفنوا أعمارهم في دراسة هذه المواضيع، أولا من المختصين في اللغة نجد أنّهم من عند آخرهم أن النساء عندهم ما نعرف من معنى النساء و ليس ما استجد أعني في سياق هذه الآية. و أما إن أردت المختصين بمعني المتكلمين في القرآن فتعال نستعرض أقوالهم لنرى ما قالوا في موضوعنا، أعني آية سورة آل عمران و لكن قبل ذلك أريد أن أنبّه أن جمع من المفسّرين لم يفسروا النساء أو البنين إنما ركزوا على القناطير المقنطرة لأن النساء و البنين لا يختلف الناس في المعنى! فلك أن تتخيّل… على أية حال سأستعرض لكم كلام أهل التفسير:
قال الطبري: ”يعنـي تعالـى ذكره: زين للناس مـحبة ما يشتهون من النساء والبنـين وسائر ما عدّ“
قال القرطبي: ” قوله تعالى: (مِنَ ٱلنِّسَاءِ) بدأ بهِنّ لكثرة تشوّف النفوس إليهن لأنهنّ حبائل الشيطان وفتنة الرجال. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما تركت بعدي فِتنةً أشدَّ على الرجال من النساء " أخرجه البخاريّ ومسلم. ففتنة النساء أشدّ من جميع الأشياء.“
قال البغوي: ”قوله تعالى: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ) جمع شهوة وهي ما تدعو النفس إليه (مِنَ ٱلنِّسَاءِ). بدأ بهن لأنهن حبائل الشيطان“
قال ابن كثير: ”يخبر تعالى عما زين للناس في هذه الحياة الدنيا من أنواع الملاذ من النساء والبنين، فبدأ بالنساء لأن الفتنة بهن أشد“
قال الزمخشري: ”جعل الأعيان التي ذكرها شهوات مبالغة في كونها مشتهاة محروصاً على الاستمتاع بها“
قال الرازي في معرض كلامه عن هذه الآية: ”إعلم أنه تعالى عدد ههنا من المشتهيات أموراً سبعة أولها: النساء وإنما قدمهن على الكل لأن الالتذاذ بهن أكثر والاستئناس بهن أتم ولذلك قال تعالى:{ خَلَقَ لَكُم مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوٰجاً لّتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً } [الروم: 21] ومما يؤكد ذلك أن العشق الشديد المفلق المهلك لا يتفق إلا في هذا النوع من الشهوة.“ و قال أيضا: ”أن الشهوات ههنا هي الأشياء المشتهيات سميت بذلك على الاستعارة للتعلق والاتصال، كما يقال للمقدور قدرة، وللمرجو رجاء وللمعلوم علم، وهذه استعارة مشهورة في اللغة، يقال: هذه شهوة فلان، أي مشتهاه“
قال الشوكاني: ”وقوله { مِنَ ٱلنّسَاء وَٱلْبَنِينَ } في محل الحال أي زين للناس حب الشهوات حال كونها من النساء، والبنين الخ. وبدأ بالنساء لكثرة تشوّق النفوس إليهنّ لأنهن حبائل الشيطان“
قال الفيروز آبادي: ” (زُيِّنَ لِلنَّاسِ) حسن للناس في قلوبهم (حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ) اللذات (مِنَ ٱلنِّسَاءِ) يعني من الإماء والنساء“
قال السمرقندي: ”فقال: زين للناس حب الشهوات { مِنَ ٱلنِّسَاء وَٱلْبَنِينَ } بدأ بالنساء، لأن فتنة النساء أشد من فتنة جميع الأشياء“
قال النسفي: ” (مِّنَ ٱلنِّسَاءِ) والإماء داخلة فيها“
قال الخازن: ”وقوله تعالى: (حب الشهوات) يعني المشتهيات لأن الشهوة توقان النفس إلى الشيء المشتهى (من النساء) إنما بدأ بذكر النساء لأن الالتذاذ بهن أكثر، والاستئناس بهن أتم، ولأنهن حبائل الشيطان وأقرب إلى الافتتان“
قال النيسابوري: ”شرع في بيان تلك الأعيان المشتهيات فذكر منها ما هي الأمهات ورتبها في سبع مراتب: الأولى النساء لأن الالتذاذ بهن أكثر والاستئناس بهن أتم (خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودّة ورحمة) [الروم: 21] وقال صلى الله عليه وسلم: " إن أخوف ما أخاف على أمتي النساء“
قال البقاعي: ” إن الأعلق بالنفس حب أنثاها التي هي منها (خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها) [النساء: 1] فقال: (من النساء) أي المبتدئة منهن، وأتبعه ما هو منه أيضاً وهو بينه وبين الأنثى فقال: (والبنين) “
قال السمين الحلبي: ”قوله: (مِنَ ٱلنِّسَاءِ) في محلِّ نصبٍ على الحال من " الشهوات " والتقدير: حالَ كونِ الشهواتِ من كذا وكذا فهي مفسرةٌ لها في المعنى، ويجوز أَنْ تكونَ " مِنْ " لبيان الجنس، ويَدُلُّ عليه قولُ الزمخشري: " ثم يُفَسِّره بهذه الأجناس.“
قال الطبراني: ”والمعنى: حُسِّنَ للناسِ حبُّ اللَّذات والشهواتِ والمشتهياتِ من النساء والبنين، بدأ بالنساءِ لأنَّهن حبائلُ الشيطان وأقربُ إلى الإفتتان ويحملْنَ الرجالَ على قطعِ الأرحام والآباء والأمَّهات وجمعِ المال من الحلالِ والحرامِ.“
و من المتأخرين:
قال أبو السعود: ” (مِنَ ٱلنّسَاء وَٱلْبَنِينَ) في محل النصب على أنه حال من الشهوات وهي مفسِّرة لها في المعنى، وقيل: (مِنْ) لبـيان الجنس وتقديمُ النساء على البنين لعراقتهن في معنى الشهوة“
قال القاسمي صاحب تفسير محاسن التأويل: ”(مِنَ ٱلنِّسَاءِ) في تقديمهن إشعار بعراقتهن في معنى الشهوة إذ يحصل منهن أتم اللذات“
قال محمد رشيد رضا: ”ثمّ بيّن المشتهيات التي يحبّها الناس وحبّها مزيّن لهم وله مكانة من نفوسهم بقوله: { مِنَ ٱلنِّسَاءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَاطِيرِ ٱلْمُقَنْطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلأَنْعَامِ وَٱلْحَرْثِ } فهذه ستّة أنواع: أوّلها: النساء وحبّهنّ لا يعلوه حبّ لشيء آخر من متاع الدنيا. فهن مطمح النظر وموضع الرغبة وسكن النفس ومنتهى الأنس، وعليهنّ ينفق أكثر ما يكسب الرجال في كدّهم وكدحهم فكم افتقر في حبّهنّ غني؟ وكم استغنى بالسعي للحظوة عندهن فقير؟ وكم ذلّ بعشقهنّ عزيز؟ وكم ارتفع في طلب قربهنّ وضيع؟“
قال ابن عاشور: ” وبيان الشهوات بالنساء والبنين وما بعدهما، بيان بأصول الشهوات البشرية التي تجمع مشتهيَات كثيرة، والتي لا تختلف باختلاف الأمم والعصور والأقطار، فالميْل إلى النساء مركوز في الطبع، وضعه الله تعالى لحكمةِ بقاء النوع بداعي طلب التناسل إذ المرأة هي موضع التناسل، فجُعل ميل الرجل إليها في الطبع حتى لا يحتاج بقاء النوع إلى تكلّف رُبَّمَا تعقبه سآمة“
و من أهل التصوّف:
قال عبدالقادر الجيلاني: ” (مِنَ ٱلنِّسَاءِ) اللاتي هن لمن اشتهاها؛ إذ هو للوقاع الذي هو من ألذ الملذات النفسانية“
قال ابن عجيبة: ” بدأ برأس الشهوات فقال: (من النساء) وذلك لمن شُغف بهن فصرف عن ذكر الله، أو تناولهن على وجه الحرام. وفي الخبر عنه - عليه الصلاة والسلام -: " مَا تَرَكْتُ في الناس بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرُّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ " وفي خبر آخر: " النظر إلى محاسن المرأة من سهام إبليس " ومَنْ ثَمَّ جُعِلْنَ في القرآن عين الشهوات، قال تعالى: (زيّن للناس حب الشهوات من النساء). وقال بعض العارفين: ما أيس الشيطانُ من إنسان قط إلا أتاه من قبل النساء.“
قال إسماعيل حقي: ” (من النساء) حال من الشهوات أى حال كونها من طائفة النساء وانما بدأ بهن لعرافتهن فى معنى الشهوات فانهن حبائل الشيطان“
قال صاحب إعراب القرآن محيي الدين: ”والنساء: جمع نسوة ونسوة جمع امرأة من حيث المعنى“.
و أما معاجم العربية فكلها متفقة أن النساء جمع امرأة. قال ابن منظور: ”نسا: النسوة والنسوة بالكسر والضم، والنساء والنسوان والنسوان: جمع المرأة من غير لفظه“. قال الفارابي: ”ذكر الفارابي: “النساء: النسا: النِسْوَةُ والنُسْوَةُ، والنِساءُ والنِسْوانُ: جمع امرأةٍ من غير لفظه“.
فكما ترون، لم يشذ واحد من أهل التفسير بشتى خلفياتهم و مذاهبهم في معنى النساء فقالوا المعنى ما استجد أو شيء من هذا القبيل، فإذن تحصّل لدينا مما سبق أنه ليس معكم على رأيكم هذا أي واحد من أهل الاختصاص لا من أهل العربية و لا من التفسير و ليس عندكم ما يدع هذا الرأي لا بالسياق و لا بالفلسفة و لا بالمنطق، لا تصلون إليه إلا بالتحريف، فأين تذهبون؟
هذا و فيما ذكرت الكفاية في موضوعنا بإذن الله، و الحمدلله رب العالمين…
((زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ))
كثيرا ما يحدث أن تجد ملحدا يناطح برأسه القرآن، و هو في ظنّه أنه ينتقد القرآن و لكن في واقع الأمر يفلق رأسه ليبين عوار ما فيه. و كثيرا ما يوجهون سهامهم المطاطية تجاه هذه الآية من سورة آل عمران: ((زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ)) فيقولون كيف تكون النساء من الشهوات و هي المقابل للرجل، هذا يعني أن كاتب القرآن كان يشتهي النساء و الجنس و ما إلى ذلك. تعالى الله عما يقولون علوا عظيما.
و للأسف من المسلمين من يحب فقط مخالفة من سبقه من المسلمين و بالأخص كلام العلماء الذين تكلموا في القرآن فيأتون بآراء غريبة، فيقولون كيف يقول سبحانه و تعالى: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ) و الناس عنده ضرورة تشمل الذكور و الإناث، فهل تشتهي النساء النساء؟ طبعا أصل هذا الرأي في هذه الآية بالتحديد هو الدكتور محمد شحرور رحمه الله، و امتازت بعض آراء الدكتور أنّه يعيد يفهم القرآن و يطرح آراء جديدة توافق إلى حد بعيد المزاج الحداثي و بالأخص الغربي و بهذا يدعو إلى قراءة معاصرة للدين. و سبق أن انتقدت منهج أصحاب القراءة المعاصرة في هذه السلسلة:
و طبعا كثيرون من الذين تأثروا بآراء شحرور على رأيه و خاصة في تويتر، كلما تجد إنسانا يحاول أن يدافع عن الحديث و الرد على اتهامات الناس ضد الحديث بأن فيه منقصة للنساء و ما إلى ذلك، تجده في كثير من الأحيان يعيد فهم آيات القرآن ليوافق هذا الخط من التفكير. فبما أنه ينتقد الحديث لأنه يجعل من المرأة مثلا متاع من الحياة الدنيا أو شهوة أو ما إلى ذلك تجده يضطّر أن يغيّر معنى آية سورة آل عمران: ((((زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ)) و يغيّر معنى حور عين و يغيّر معنى الأزواج المطهرة و ما إلى ذلك.
و أنا في هذه الآية فقط سأقوم بالتركيز على آية سورة آل عمران، لكي لا يتشعب بنا الموضوع.
فأولا أقول إن استعمل القرآن اسما فلا ينبغي تغيير معنى هذا الاسم إلا بقرينة ظاهرة من القرآن نفسه، و الغالب يحدده السياق نفسه. فمثلا، موسى المذكور في سورة البقرة هو نفسه موسى المذكور في سورة الأعراف و هو نفس المذكور في سورة القصص و هكذا. و كذلك الرجال و كذلك النساء، فالنساء في سورة البقرة المقصود بها نفس المقصود في سورة آل عمران و في سورة النساء و في سورة النور و غيرها فلماذا نُحرّف معنى النساء في سورة آل عمران؟
أتباع شحرور و من على رأيه يقولون نحن نفعل ذلك ليستقيم لنا معنى الآية، فهل النساء من متاع الدنيا؟ لا يمكن ذلك، فالنساء شقائق الرجال و ليس متاع، فكيف تكون هي متاع و أنت أيها الرجل لست بمتاع؟ هذا الانتقاد الأول، و الانتقاد الثاني يقولون إن الله في بداية الآية قال (زيّن للناس) و الناس تشمل الذكور و الإناث فكيف تشتهي الأنثى النساء؟ إذن لابد أن معنى النساء في الآية مختلف عن المعنى الذي فهمه أهل التفسير و العلماء قديما و حديثا.
لا بأس، ما البديل عندهم؟ البديل عندهم أن معنى النساء يعني ما استجد من الأشياء (المتأخرات) فالناس يحبون الأشياء المتأخرة (بالمعنى العامي عندنا يحبون الجديد) لهذا المرأة تحب الموضة الجديدة و كذلك الرجل يحب الأشياء المستجدة و الحديثة (الموبايلات الحديثة، السيارات الحديثة، المواضيع المستجدة…الخ) تخيّلوا هذا البديل عندهم، و إنا لله و إنا إليه راجعون.
الآن تعالوا إلى الرد، بالنسبة للمتاع فإن قال الله تبارك و تعالى (ذلك متاع الحياة الدنيا) و إن قلنا إن المقصود بذلك كل ما سبق، يعني النساء و البنين و القناطير المقنطرة من الذهب و الفضة و الخيل المسوّمة و الأنعام و الحرث إذن انتهينا، فالله أصدق و هو الحق. هذه واحدة. الثانية نقول لهم، هل يتمتّع الرجال بالنساء أم لا؟ ضرورة سيقولون نعم و إلا ليس هناك معنى للزواج و إتيان المرأة أصلا. و ليس هناك معنى لطلب البنين أصلا لو لم يكن لهم متاع. و نفس الشيء للذهب و الفضة و الأنعام و الحرث و غيرها، كلها أمور متاع يتمتع بها الناس. فإن كابر المجادل و قال هي ليست بمتاع إنّما رفيقة دربي أقول له و لماذا هي رفيقة دربك و تزوّجتها؟ اتركها لحالها و عيشوا معشر الناس من دون التعلّق بأي امرأة، و هذا لا يكون و هذه هي الثانية.
ثم نقول له إن لم تكن تشتهيها فلماذا تأتيها؟ هل الرجل يأتي كل شيء لا يشتهيه؟ لماذا ترغب بإتيان امرأتك؟ و لماذا الزناة يزنون بالمرأة و هي ليست بشهوة؟ إنما طغت شهوتهم فلم يستطيعوا مجاهدتها فأتوا الضحية المسكينة و اغتصبوها و فعلوا بها. و هذا ليس بحاجة إلى استدلال إنما شيء معروف في العالم، لست بحاجة أن تثبت للرجال أنهم يشتهون النساء فإن الواقع دليل على ذلك و لا ينكره عاقل و هذه هي الثالثة.
نجد في القرآن العظيم في سورة الأعراف قول لوط عليه السلام لقومه: ((إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون)) و شبه هذه الآية في سورة النمل: ((أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون)) إذن لوط عليه السلام يؤكد أن هناك شهوة بين الرجال و النساء.يعني الأصل في الرجال يأتون النساء شهوة و ليس الرجال و هذا الأصل و الذي يوافق الواقع الإنساني منذ فجر التاريخ إلى اليوم إلا من شذ و اختلف و أسرف كقوم لوط. فإن فسّر شحرور و أتباعه آية سورة النساء بأن النِساء المتاع المتأخر، أو الموضة أو ما إلى ذلك فكيف تُفسّرون النساء في آية سورة الأعراف و قصة لوط و قومه؟ طبعا اضطر شحرور رحمه الله و كثير من أتباعه إلى تحريف معنى الرجال و هو لا يشعر، فبدلا من أن يكون الرجال اسم جنس جعلوه اسما لحالة، و بذلك، صار معنى الرجال الاكفأ سواء من الذكور و الإناث و صار معنى النساء هم الأقل كفاءة أو المستجد بحسب الآية التي ينبغي تحريفها لموافقة المزاج الحداثي و هكذا… و مرة أخرى أقول، إنا لله و إنا إليه راجعون لأنني نعيش مصيبة إذ نجحت هذه الآراء في اقناع الناس و ما كان ينبغي لها أن تفعل ذلك و هي تافهة متهافتة…
و أما قولهم أن كلمة الناس تشمل الذكور و الإناث، فكيف تشتهي المرأة المرأة؟ طبعا أنا لا أوافقهم و أقول أن الناس في هذه الآية تشمل الذكور و الإناث، هذه واحدة. و الثانية، تنزّلا مع محدودية علمهم في العربية نقول لهم لتشمل الذكور و الإناث و مافي ذلك؟ هل تنكرون وجود السحاق؟ كم هي حالات السحاق التي عرفها الناس؟ و كم هي حالات السحاق التي لم يعرفها الناس، لا يمكن أن تُحصى. أليس شحرور معلّمكم و من تبعه يفسّرون هذه الآية: ((وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً)) بحالة السحاق؟ نعم يفسّرونها كذلك، و شحرور برأيي أخذها من رأي بعض المعتزلة في هذه الآية. إذن لولا الشهوة بين النساء لما تأتين الفاحشة حسب تفسيركم أنتم؟ إذن أنتم تعترفون أن هناك شهوة بين النساء. و الثالثة، لقائل أن يقول إن المرأة تتمتّع أن تكون لها خادمة تخدمها و تعينها و ما إلى ذلك و هذا أيضا واقع لا ينكره الناس قديما و حديثا. إذن حتى إن تنزّلنا عند قولكم أن الناس في هذه الآية تشمل الذكور و الإناث ضرورة فإن هذا ليس بمسوّغ لتحريف معنى النساء إذ جاءكم الرد و هو رد له وجهه و الواقع يشهد عليه.
و الآن عودة إلى كلامهم أنه لابد للناس أن يشمل الذكور و الإناث، أقول لهم من أين أتيتم بهذا اللازم؟ هل وجدتم هذا اللازم في كتاب الله العزيز؟ هل وجدتم هذا في أحاديث الرسول صلى الله عليه؟ و هل وجدتم هذا اللازم في أقوال الصحابة و من تبعهم بإحسان؟ أم هل وجدتم لازم ذلك في أقوال العرب قبل الإسلام و بعد الإسلام؟ و هل وجدتموه في التوراة مثلا؟ لا! لا يوجد شيء مثل هذا اللازم و إنما هذا من ”كيسكم“ و تحاكمتم إليه و تريدون تلزمون الناس بما ليس هو بلازم.
في آية سورة البقرة: ((أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون)) كما ترى الخطاب موجّه في الدرجة الأولى للرجال و المفعول بها النساء ثم انتبه إلى خاتمتها، يبين الله آياته ”للناس“ لعلهم يتقون! و هكذا كثير من آيات القرآن، الخطاب موجّّه في الدرجة الأولى إلى الرجال و ليس الأطفال و النساء إلا إذا كان هناك تفصيل.
و في سورة البقرة: ((فهزموهم بإذن الله وقتل داوود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين)) فمن ظاهر الآية الناس الجماعة الذين يقاتلون بعضهم بعضا، و ليس الذكور بالذكور و الإناث بالإناث و الأطفال بالأطفال و الشيوخ بالشيوخ أو بأحد من أنواع الجماعة و هكذا.
و حتى في آية موضوعنا: ((زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب)) السياق يحدد معنى الناس، فنحن نعرف أن الرجال يشتهون النساء و البنين و القناطير المقنطرة و الذهب و الفضة و الخيل المسومة و الأنعام و الحرث و ليس بالضرورة بقية أنواع الإنسان. فمثلا الطفل لا يشتهي النساء في العادة و لا البنين الغالب أنه لا يهتم كثيرا بالذهب و الفضة. و الشيخ شهوته تختلف بعض الشيء. لكن الرجال كل الشهوات مذكورة حق و تشهد لها الواقع شهادة لا يمكن إنكارها.
و أيضا في سورة آل عمران نجد هذه الآية: ((إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم)) فالذي عليه الناس و العالم قديما أن الذي يأمر بالقسط و ينهى الرجال الذين يقتلون هم الرجال و ليس النساء. النساء قديما إلى عهد قريب كن في البيوت، و لا تعافسن الرجال كثيرا.
و أيضا في سورة آل عمران آية مهمة في موضوعنا: ((الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل)) واضح من الآية أن الناس الأولى فيها تخصيص و كذلك الثانية بدلالة وجود الناس في موضعين في الآية، فالناس الأولى ليست الناس الثانية و أفرادهم مختلفين. و الأمر الآخر، هل الناس الذين جمعوا هم الشيوخ و الأطفال والنساء أيضا أم الرجال الذين يجمعون للقتال؟ ستقول الأقوى الثاني و هذا هو الأصح. و هذه القصة معروفة في السيرة و ليس فيها النساء.
في سورة النساء: ((ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا)) السؤال هل يخاف الرجال من النساء في القتال؟ أم يخافون من الرجال الذين يقاتلون؟ و هل النساء قديما تشاركن في المعارك؟ لا تشارك النساء في هذه المعارك حتى قبل الإسلام.
و أيضا في سورة النساء: ((إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا)) هل كان المنافقون يراءون الرجال و النساء و الأطفال و الشيوخ أم أنّهم في الدرجة الأولى كانوا يراءون من يصلّون معهم من الرجال و يبتغون عندهم الحظوة و الجاه و المصلحة و ما إلى ذلك؟
في سورة الأنفال: ((واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون)) هل كان القليل يخافون أن تتخطفهم النساء أم جماعة من الرجال؟ الظاهر أنّهم كانوا يخافون من الرجال، و الإنسان أصلا في الغالب لا يخاف من إنسان واحد ليس له ملك و سيطرة إنما يخاف من جماعة منهم لأنه يعرف أنّهم يستطيعون إلحاق الضرر إليه.
و أيضا في سورة الأنفال نجد قول الشيطان: ((وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب)) فالذين كانوا يقاتلون المشركين هم الرجال، الرسول صلى الله عليه و أصحابه و العبرة بالأكثرية و ليس بامرأة واحدة تطبب الجرحى أو تسقيهم الماء! لا تخلط بين الواقع و ما تجده هذه الآيات في الأفلام و الرسوم المتحركة إذ تجد امرأة واحدة تغلب جيشا من الرجال!
نجد في سورة القصص آية مهمة في موضوعنا: ((ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير)) أمة من الناس المقصود بهم الرجال، و أما إن كان المقصود الرجال و النساء فما الذي يجعلهن من دونهم؟ توقّف هنا و تخيّل معي، هناك جماعة من الناس رجال و إناث، لماذا لا تذهب المرأة و تشارك الإناث خاصة أنّها مع أختها؟ و لكن تخيّل المنظر إن كانوا رجالا و هن الإناث، ما المتوقّع من إناث فيهن حياء؟ لن تعافسن الرجال بل تنتظرن حتى ينتهوا ثم تذهبن للسقيا، أليس كذلك؟ هذا هو الأصل. و لا تحكم ما تراه اليوم في واقعك مع ما كان عليه الناس حينها. لو أنّك فقهت هذه الآية جيدا لعرفت أن الناس ليس بالضرورة تطلق على الذكور و الإناث إنما يصح استخدام هذا الاسم و المقصود جماعة من الرجال ليس هناك ما يمنع، فهذا اللازم منهم هو تحكّم منهم بلا علم و الله هو المستعان.
و في حديث البخاري و مسلم نجدا حديثا عن نسيبة بنت كعب : ”كُنّا نُؤْمَرُ بالخُرُوجِ في العِيدَيْنِ، والمُخَبَّأَةُ، والبِكْرُ، قالَتْ: الحُيَّضُ يَخْرُجْنَ فَيَكُنَّ خَلْفَ النّاسِ، يُكَبِّرْنَ مع النّاسِ“ ما المقصود فيكن خلف الناس؟ أي خلف الرجال!
و في حديث إمارة أسامة بن زيد المعروف ما يدل على ذلك، عن ابن عمر: ” بَعَثَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بَعْثًا، وأَمَّرَ عليهم أُسَامَةَ بنَ زَيْدٍ، فَطَعَنَ بَعْضُ النَّاسِ في إمْرَتِهِ، فَقَامَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَقالَ: إنْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ في إمْرَتِهِ، فقَدْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ في إمْرَةِ أبِيهِ مِن قَبْلُ، وايْمُ اللَّهِ إنْ كانَ لَخَلِيقًا لِلْإِمَارَةِ، وإنْ كانَ لَمِنْ أحَبِّ النَّاسِ إلَيَّ، وإنَّ هذا لَمِنْ أحَبِّ النَّاسِ إلَيَّ بَعْدَهُ“ الشاهد فطعن بعض الناس في إمرته، هل الذي طعن في إمرته أحد من الإناث أم الرجال؟ أصلا الإناث لا يتدخلون في مواضيع الإمارة.
و في حديث البخاري أيضا عن ابن عمر: ”لَمَّا أسْلَمَ عُمَرُ اجْتَمع النَّاسُ عِنْدَ دَارِهِ، وقالوا: صَبَا عُمَرُ وأَنَا غُلَامٌ، فَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِي، فَجَاءَ رَجُلٌ عليه قَبَاءٌ مِن دِيبَاجٍ، فَقالَ: قدْ صَبَا عُمَرُ فَما ذَاكَ، فأنَا له جَارٌ، قالَ: فَرَأَيْتُ النَّاسَ تَصَدَّعُوا عنْه فَقُلتُ: مَن هذا؟ قالوا: العَاصِ بنُ وائِلٍ“ فهل اجتمعت الإناث عند دار عمر؟
و حتى إن عدت إلى المعاجم ستجد أن الأمر ليس بالضرورة أن يشمل الذكور و الإناث، ففي معجم الغني في معنى الناس ”الرجال عموما“ و معنى أيها الناس: ”أيها الخلق“ أو ”أيها الرجال“. و في معجم المعاني: ”اسم للجمع من بني آدم و قد يُراد به الفضلاء“ و أيضا معنى الناس: ”بشر“. و إن بحثت في المعاجم عن معنى النِساء ستفهم منها ما فهمناه كلنا و ستجدها بشكل صريح و هو المعنى الأقرب.
فالناس ليس كما يقولون لابد أن يشمل الذكور و الإناث، هذا تحكّم منهم، صحيح أن اسم الناس قد يشمل الذكور و الإناث و البشر أجمعين، لكن السياق يحدد المقصود و يُبيّنه. و إلا فالناس جماعة، مجموعة بغض النظر عن أجناسهم. إن لم تستطع أن تفقه هذا فدعني أقول لك بلغة أعجمية. عندما يقولون: Oh People هل يقصدون دائما الذكور و الإناث؟ ستقول لا و بلا شك، فإنّهم يستخدمونها لخطاب الجماعة و ليس بالضرورة أن يكونوا ذكورا و إناثا. و إن كنت أبناء هذا الجيل الذي يُعظّم قوقل و نتائجه تعظيما، ابحث بنفسك عن معنى People و قل لي ما الذي تجده.
بل حتى في الكلام العامي اليوم نستخدم كلمة الناس ولا نعني به كل الذكور و الإناث. فمثلا لو جاءنا في المجلس رجال نقول: ”جو الناس“ أو مثلا في المسجد و هناك طفل واقف في وسط الباب نقول له: ”قم لا اتصكر الدرب على الناس أو على خلق الله“ و الواقع في المسجد لا يكونون إلا رجال. ففي الاستعمال القديم قبل الاسلام و بعد الاسلام و في القرآن و في الحديث و في الحاضر و في الماضي القريب نستخدم ”الناس“ و لا نعني بالضرورة دائما الذكور و الإناث معا.
و ربما يقول قائل، إن كان في بعض المواضع المقصود بالناس الرجال فلماذا لم يقل الله سبحانه و تعالى الرجال بدلا من الناس. أولا عليك أن تفهم أنه ليس ما يعيب العربية استخدام الناس بدلا من الرجال، لا ”تتفلسف“ من عندك و تظنّ أن ذلك عيبا، إنما أحسن عربية لكنك للأسف لا تفقه. لو أنك تلقي بالا لهذا السؤال فعليك إذن أن تلقي بالا لماذا مرة يقول الله تبارك و تعالى يا بني آدم و أحيانا يا أيها الناس. و لماذا قال: ”و لا تكن كصاحب الحوت“ بدلا من أن يقول و لا تكن كيونس. الله في بعض الآيات يُفصّل فيقول: ”إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ“ بتفصيل عظيم، لماذا فصّل في هذه الآية و لم يكتفي بقول إن المؤمنين أو المسلمين مثل بعض الآيات التي فيها إن الذين آمنوا، لماذا لم يُفصّل في كل الآيات الأخرى كالتفصيل في سورة الأحزاب؟ الله سبحانه يفعل ما يشاء و هو فعّال لما يريد، و هو العليم الحكيم، أعلم لماذا اختار هذا هنا و هذا هناك و الإنسان يتدبّر و يفهم و ليس بالضرورة أن يكون فهمه مطابقا لما أراده الله تبارك و تعالى و قد يوافق ما أراده الله، الله أعلم بذلك. لكن هل في العربية ما يمنع ذلك؟ لا أبدا، و من قال ذلك عليه البيّنة إذ البيّنة على المدّعي و أما إن كان يريد محاجاتي فعليه أن يأتي ببينة من كتاب الله تبارك و تعالى و هذا لا يوجد فإذن انتهينا و نقول له: ”لا تتفلسف“ و ”لا تقف ما ليس لك به علم“.
أظن أن الخطأ الذي وقع فيه شحرور و من تبعه في تفسير النساء أنّه فسّر النساء بفتح النون بدلا من كسر النون كما في كلمة النِّساء. و لأن الجذر مشترك فأخذ المعنى الذي يوافق فتح النون و تجاهل تغيّر المعنى بالكسرة و الفتحة أو الضمة. و هذا خطأ يقع فيه كثير من الناس، من بينهم شحرور و أهل الحداثة و أصحاب التفسير الباطني بشكل عام بل حتى أناس من الذين يقولون أنّهم يبينون القرآن بالقرآن مثل أبو عرفة صلاح الدين ابن إبراهيم و أتباع رأيه. و للأسف كثير من هؤلاء القوم، يقولون بتطوّر اللفظة و يجعلونها مثل بقية الأمور التي تطور و قد رددت على هذا الرأي ردا قويا في سلسلة: ”نقد القراءة المعاصرة“ و قد أشرت إلى السلسلة من قبل في بداية هذه السلسلة فعد إليها. مختصر نتيجة هذا المنهج الذي يتبّعه هؤلاء أن هناك فصل بين الدال و المدلول و أصبح المدلول محلّ شك على طول الخط، هذا واقعهم المر و إن قالوا بخلاف هذا و هذا الذي سيكون إذ هم جعلوا من علاقة الدال بالمدلول زواج لفظي فحسب و أظن جمع من الناس الذين يصحّ أن يُقال عنهم كالببغاوات لن يفقهوا من كلامي هذا شيئا.
ثم أتساءل، هل فعلا شاق على المؤمن أن يعطي اللفظة مدلولها في السياق الخاص الذي جعلها الله تبارك و تعالى في كتابه حتى ينساق إلى المعاجم التي وضعت فيما بعد، بل لم يكتفي بالإنسياق إنما عمل في هذه المعاجم بطريقة تفكيكية تحيّزية للإتيان بتفاسير لإرضاء المزاج الحداثي و الغربي؟ هذا الانسياق في حقيقته يبيّن أن هذا المُنساق أن هناك دال بمدلول مترهّل إذن الخطاب المُوجّه في القرآن بدلا من أن يكون مبينا صار مبهما و لغزا في كثير من مواضعه و بالتالي فقدت من عظمة هذا الكتاب المبين و اتهمته بنقصان ما أثبته الله في القرآن لكتابه و بالتالي يؤدي هذا إلى أن يتطاول الشك إلى مدلول الكلمات في القرآن و بالتالي فقدت اليقين من أحد أعظم جوانبه و مستوياته و طبعا كل ذلك يُغلفونها بغلاف تطوّر اللفظة لمواكبة الحداثة و التطوّر الاجتماعي و المادي و ما إلى ذلك. عند تقييم معنى تحتاج إلى شيء ثابت تقيّمه أما شيء متغيّر على طول الخط من أوّل الكتاب إلى آخره عبر الأزمان فكيف تُقيّمه أصلا و بالتالي كيف ستفهم ما هو الحق من الباطل!؟
حقا إن حال هؤلاء القوم كرجل أراد أن يكون مسيحا مُخلّصا للنساء من مظنة المكانة التي لا تليق (حسب زعمه) بالمرأة و أراد رفعها إلى مكانة عالية تليق بها، فإذا به صار مسيحا دجالا يُحرّف معاني آيات الله ليتبعه النساء و من ثم الرجال ذوي الميول النسوية و أولئك الرجال ذو النزعة ”المهدوية“ الخاصة بالنساء و رفع الأغلال و القيود عنها.
ثم هذه النظرة من شحرور رحمه الله و أتباعه نظرة أقول فيها بكل صراحة أجد فيها سوداوية و سلبية. فهل قال الله تبارك و تعالى و هو يعدد الشهوات من نساء و بنين و ذهب و فضة إلى غير ما ذكر سبحانه أنه ينتقصهم، هل قال لك الله تبارك و تعالى أنه انتقصهم بذكره من ضمن الشهوات أو متاع الحياة الدنيا؟ لم يقل ذلك فلماذا تفتري عليه سبحانه؟ أين وجدت أن الله سبحانه قال ذلك؟ دلّني على السورة و رقم الآية؟ فإن لم تجد فلماذا تظنّ أن فيما ذكر سبحانه أنها منقصة للنساء. ثم كيف تحاكم من لم ينتقص أصلا بما ألهمتك نفسك من أوهام و تفسيرات ليست في محلّها؟ فعلا كما قال المتنبي: ”وَمَن يَكُ ذا فَمٍ مُرٍّ مَريضٍ. يَجِد مُرّاً بِهِ الماءَ الزُلالا“.
ثم ألستم القائلين بأنه ينبغي علينا أن نعود إلى أهل الاختصاص عندما ننتقد بعض الخيالات العلمية و الروايات العلمية، حسن لا بأس، لنعد لأهل الاختصاص و الذين أفنوا أعمارهم في دراسة هذه المواضيع، أولا من المختصين في اللغة نجد أنّهم من عند آخرهم أن النساء عندهم ما نعرف من معنى النساء و ليس ما استجد أعني في سياق هذه الآية. و أما إن أردت المختصين بمعني المتكلمين في القرآن فتعال نستعرض أقوالهم لنرى ما قالوا في موضوعنا، أعني آية سورة آل عمران و لكن قبل ذلك أريد أن أنبّه أن جمع من المفسّرين لم يفسروا النساء أو البنين إنما ركزوا على القناطير المقنطرة لأن النساء و البنين لا يختلف الناس في المعنى! فلك أن تتخيّل… على أية حال سأستعرض لكم كلام أهل التفسير:
قال الطبري: ”يعنـي تعالـى ذكره: زين للناس مـحبة ما يشتهون من النساء والبنـين وسائر ما عدّ“
قال القرطبي: ” قوله تعالى: (مِنَ ٱلنِّسَاءِ) بدأ بهِنّ لكثرة تشوّف النفوس إليهن لأنهنّ حبائل الشيطان وفتنة الرجال. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما تركت بعدي فِتنةً أشدَّ على الرجال من النساء " أخرجه البخاريّ ومسلم. ففتنة النساء أشدّ من جميع الأشياء.“
قال البغوي: ”قوله تعالى: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ) جمع شهوة وهي ما تدعو النفس إليه (مِنَ ٱلنِّسَاءِ). بدأ بهن لأنهن حبائل الشيطان“
قال ابن كثير: ”يخبر تعالى عما زين للناس في هذه الحياة الدنيا من أنواع الملاذ من النساء والبنين، فبدأ بالنساء لأن الفتنة بهن أشد“
قال الزمخشري: ”جعل الأعيان التي ذكرها شهوات مبالغة في كونها مشتهاة محروصاً على الاستمتاع بها“
قال الرازي في معرض كلامه عن هذه الآية: ”إعلم أنه تعالى عدد ههنا من المشتهيات أموراً سبعة أولها: النساء وإنما قدمهن على الكل لأن الالتذاذ بهن أكثر والاستئناس بهن أتم ولذلك قال تعالى:{ خَلَقَ لَكُم مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوٰجاً لّتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً } [الروم: 21] ومما يؤكد ذلك أن العشق الشديد المفلق المهلك لا يتفق إلا في هذا النوع من الشهوة.“ و قال أيضا: ”أن الشهوات ههنا هي الأشياء المشتهيات سميت بذلك على الاستعارة للتعلق والاتصال، كما يقال للمقدور قدرة، وللمرجو رجاء وللمعلوم علم، وهذه استعارة مشهورة في اللغة، يقال: هذه شهوة فلان، أي مشتهاه“
قال الشوكاني: ”وقوله { مِنَ ٱلنّسَاء وَٱلْبَنِينَ } في محل الحال أي زين للناس حب الشهوات حال كونها من النساء، والبنين الخ. وبدأ بالنساء لكثرة تشوّق النفوس إليهنّ لأنهن حبائل الشيطان“
قال الفيروز آبادي: ” (زُيِّنَ لِلنَّاسِ) حسن للناس في قلوبهم (حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ) اللذات (مِنَ ٱلنِّسَاءِ) يعني من الإماء والنساء“
قال السمرقندي: ”فقال: زين للناس حب الشهوات { مِنَ ٱلنِّسَاء وَٱلْبَنِينَ } بدأ بالنساء، لأن فتنة النساء أشد من فتنة جميع الأشياء“
قال النسفي: ” (مِّنَ ٱلنِّسَاءِ) والإماء داخلة فيها“
قال الخازن: ”وقوله تعالى: (حب الشهوات) يعني المشتهيات لأن الشهوة توقان النفس إلى الشيء المشتهى (من النساء) إنما بدأ بذكر النساء لأن الالتذاذ بهن أكثر، والاستئناس بهن أتم، ولأنهن حبائل الشيطان وأقرب إلى الافتتان“
قال النيسابوري: ”شرع في بيان تلك الأعيان المشتهيات فذكر منها ما هي الأمهات ورتبها في سبع مراتب: الأولى النساء لأن الالتذاذ بهن أكثر والاستئناس بهن أتم (خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودّة ورحمة) [الروم: 21] وقال صلى الله عليه وسلم: " إن أخوف ما أخاف على أمتي النساء“
قال البقاعي: ” إن الأعلق بالنفس حب أنثاها التي هي منها (خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها) [النساء: 1] فقال: (من النساء) أي المبتدئة منهن، وأتبعه ما هو منه أيضاً وهو بينه وبين الأنثى فقال: (والبنين) “
قال السمين الحلبي: ”قوله: (مِنَ ٱلنِّسَاءِ) في محلِّ نصبٍ على الحال من " الشهوات " والتقدير: حالَ كونِ الشهواتِ من كذا وكذا فهي مفسرةٌ لها في المعنى، ويجوز أَنْ تكونَ " مِنْ " لبيان الجنس، ويَدُلُّ عليه قولُ الزمخشري: " ثم يُفَسِّره بهذه الأجناس.“
قال الطبراني: ”والمعنى: حُسِّنَ للناسِ حبُّ اللَّذات والشهواتِ والمشتهياتِ من النساء والبنين، بدأ بالنساءِ لأنَّهن حبائلُ الشيطان وأقربُ إلى الإفتتان ويحملْنَ الرجالَ على قطعِ الأرحام والآباء والأمَّهات وجمعِ المال من الحلالِ والحرامِ.“
و من المتأخرين:
قال أبو السعود: ” (مِنَ ٱلنّسَاء وَٱلْبَنِينَ) في محل النصب على أنه حال من الشهوات وهي مفسِّرة لها في المعنى، وقيل: (مِنْ) لبـيان الجنس وتقديمُ النساء على البنين لعراقتهن في معنى الشهوة“
قال القاسمي صاحب تفسير محاسن التأويل: ”(مِنَ ٱلنِّسَاءِ) في تقديمهن إشعار بعراقتهن في معنى الشهوة إذ يحصل منهن أتم اللذات“
قال محمد رشيد رضا: ”ثمّ بيّن المشتهيات التي يحبّها الناس وحبّها مزيّن لهم وله مكانة من نفوسهم بقوله: { مِنَ ٱلنِّسَاءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَاطِيرِ ٱلْمُقَنْطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلأَنْعَامِ وَٱلْحَرْثِ } فهذه ستّة أنواع: أوّلها: النساء وحبّهنّ لا يعلوه حبّ لشيء آخر من متاع الدنيا. فهن مطمح النظر وموضع الرغبة وسكن النفس ومنتهى الأنس، وعليهنّ ينفق أكثر ما يكسب الرجال في كدّهم وكدحهم فكم افتقر في حبّهنّ غني؟ وكم استغنى بالسعي للحظوة عندهن فقير؟ وكم ذلّ بعشقهنّ عزيز؟ وكم ارتفع في طلب قربهنّ وضيع؟“
قال ابن عاشور: ” وبيان الشهوات بالنساء والبنين وما بعدهما، بيان بأصول الشهوات البشرية التي تجمع مشتهيَات كثيرة، والتي لا تختلف باختلاف الأمم والعصور والأقطار، فالميْل إلى النساء مركوز في الطبع، وضعه الله تعالى لحكمةِ بقاء النوع بداعي طلب التناسل إذ المرأة هي موضع التناسل، فجُعل ميل الرجل إليها في الطبع حتى لا يحتاج بقاء النوع إلى تكلّف رُبَّمَا تعقبه سآمة“
و من أهل التصوّف:
قال عبدالقادر الجيلاني: ” (مِنَ ٱلنِّسَاءِ) اللاتي هن لمن اشتهاها؛ إذ هو للوقاع الذي هو من ألذ الملذات النفسانية“
قال ابن عجيبة: ” بدأ برأس الشهوات فقال: (من النساء) وذلك لمن شُغف بهن فصرف عن ذكر الله، أو تناولهن على وجه الحرام. وفي الخبر عنه - عليه الصلاة والسلام -: " مَا تَرَكْتُ في الناس بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرُّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ " وفي خبر آخر: " النظر إلى محاسن المرأة من سهام إبليس " ومَنْ ثَمَّ جُعِلْنَ في القرآن عين الشهوات، قال تعالى: (زيّن للناس حب الشهوات من النساء). وقال بعض العارفين: ما أيس الشيطانُ من إنسان قط إلا أتاه من قبل النساء.“
قال إسماعيل حقي: ” (من النساء) حال من الشهوات أى حال كونها من طائفة النساء وانما بدأ بهن لعرافتهن فى معنى الشهوات فانهن حبائل الشيطان“
قال صاحب إعراب القرآن محيي الدين: ”والنساء: جمع نسوة ونسوة جمع امرأة من حيث المعنى“.
و أما معاجم العربية فكلها متفقة أن النساء جمع امرأة. قال ابن منظور: ”نسا: النسوة والنسوة بالكسر والضم، والنساء والنسوان والنسوان: جمع المرأة من غير لفظه“. قال الفارابي: ”ذكر الفارابي: “النساء: النسا: النِسْوَةُ والنُسْوَةُ، والنِساءُ والنِسْوانُ: جمع امرأةٍ من غير لفظه“.
فكما ترون، لم يشذ واحد من أهل التفسير بشتى خلفياتهم و مذاهبهم في معنى النساء فقالوا المعنى ما استجد أو شيء من هذا القبيل، فإذن تحصّل لدينا مما سبق أنه ليس معكم على رأيكم هذا أي واحد من أهل الاختصاص لا من أهل العربية و لا من التفسير و ليس عندكم ما يدع هذا الرأي لا بالسياق و لا بالفلسفة و لا بالمنطق، لا تصلون إليه إلا بالتحريف، فأين تذهبون؟
هذا و فيما ذكرت الكفاية في موضوعنا بإذن الله، و الحمدلله رب العالمين…
جاري تحميل الاقتراحات...