Khalid Osman Alfeel
Khalid Osman Alfeel

@KhAlfeel

9 تغريدة 5 قراءة Jun 25, 2024
هذه الآية قصتها لطيفة جداً، وهي أن كفار قريش قالوا لرسول الله صلي الله عليه وسلم أننا نريد مجالستك والحديث معك، فقط قم بإبعاد الشخصيات الفقيرة كبلال وخباب وصهيب من مجلسك لأنهم ليسوا في مستوانا الاجتماعي/الاقتصادي. فنزل القرآن موجهاً للنبي صلي الله عليه وسلم بمزيد من الصبر
والملازمة لهؤلاء الفقراء والبسطاء من الصحابة لأنهم في غالب أمرهم ملتزمون بالصلوات الخمس وبذكر الله في غالب حالهم، وألا يتشوف المرء إلى مجالسة أهل الثراء والغناء والسطوة لأنهم يغلب عليهم الغفلة والإفراط في الدنيا وملذاتها.
فوضعت الآية بوصلة قرآنية للنبي ولأتباعه عن طبيعة العلاقات والصداقات التي ينبغي أن يسعى إليها الإنسان.
هذه النصيحة القرآنية هي العكس تماماً لمهارات ومعارف "الاتصال وبناء العلاقات والشبكات" في عالمنا المعاصر والتي تركز أولاً وأخيراً على الارتباط والتقرب ومصاحبة أصحاب النفوذ والسلطة
والمناصب العالية أو حتى أصحاب المعارف الدنيوية وكلما هو متعلق ب"صور الدنيا الظاهرة" مثل الوظيفة والمال والجاه. ولعل أشهر تجسيد لهذا المجتمع الحديث هي مواقع التوظيف مثل LinkedIn وغيره. في هذا العالم الدنيوي، فكلما زادت علاقاتك الوثيقة بأصحاب السلطة والنفوذ والمناصب وكلما كنت
قريب من مجالسهم الخاصة، فأنت المتفوق والأشطر والأقدر على تحقيق مرداك. في واقع الأمر فإن الوصول إلى أن تصبح "جليس دائم" لهؤلاء الشخصيات في مجالسهم الخاصة، فهذا يعتبر قمة النجاح في علم بناء العلاقات والشبكات!
في المقابل، تذكرنا هذه الآية، وسورة الكهف عموماً، بأن معيار الصداقات القريبة منك والذين تأنس بهم وتجالسهم بشكل مستمر، سواءً كان في السوق أو العمل أو حتى شلة الأصحاب في الحي والجامعة، بأن يكونوا من أهل المحافظة على الصلاة وذكر الله،
وأن هذا المجتمع هو من سيساعدك على تقييم الأمور والقضايا وسلوكياتك وخططك في الدنيا (بمختلف أنواعها) والنظر فيه بمنظار الشرع ومراد الله والحكمة العامة والأخلاق والعرف الصحيح. هذه النظرة القرآنية مهمة جداً في خلق التوازن في طبيعة علاقات وصداقات الإنسان المسلم في حياته، وألا ينغمس
في معايير العالم المعاصر في الصحبة والصداقة.
قال صاحب التحرير والتنوير في تفسير هذه الآية: "وهذا الكلام تعريض بحماقة سادة المشركين الذين جعلوا همهم وعنايتهم بالأمور الظاهرة وأهملوا الاعتبار بالحقائق والمكارم النفسية فاستكبروا عن مجالسة أهل الفضل والعقول الراجحة والقلوب النيرة
وجعلوا همّهم الصور الظاهرة".
والله أعلم وأحكم!

جاري تحميل الاقتراحات...