عمر المدرَّع
عمر المدرَّع

@OmarAlmudarra

8 تغريدة 68 قراءة Jun 24, 2024
(1) قد تتفاجأ لو قلت لك بأن المخطوطة أدناه مكتوبة باللغة الإسبانية ولكن بحروف عربية. وتعرف هذه اللغة بلغة الخاميادو، وهي اللغة التي استخدمها الموريسكيون للحفاظ على تراثهم العربي والإسلامي تحت حكم النصارى في الأندلس. فما قصة هذه اللغة؟
(2) بعد توالي سقوط مدن وحواضر الأندلس في يد النصارى، اشتد الاضطهاد الديني للموريسكيين، وهم المسلمون الذين عاشوا تحت حكم النصارى في الأندلس، حيث منعوا من ممارسة شعائرهم، أو التحدث بالعربية، وكان حال الموريسكيين بعد سقوط غرناطة يرثى له، حيث بدأ يتنصل الملوك الإسبان من وعودهم وعهودهم التي التزموا بها في اتفاقية تسليم غرناطة مع أبي عبدالله الصغير، وبدأ التضييق على المسلمين شيئاً فشيئاً، ليبلغ الاضطهاد الديني ذورته بصدور قانون من الملك فيليب في الأول من يناير من عام 1567، في الذكرى الـ 75 لسقوط غرناطة، بمنح المسلمين ثلاثة أعوام لتعلم اللغة القشتالية، ثم بعدها لا يسمح لأحد أن يستخدم اللغة العربية بأي شكل من الأشكال، وأن أي معاملات أو عقود تجرى بالعربية تعتبر باطلة. كما تضمن القانون منع صناعة الثياب العربية، ومنع الحجاب، وأن تجري جميع الاحتفالات طبقاً لتقاليد الكنيسة وعرف النصارى، مع منع استخدام الحمامات وهدم سائر الحمامات العامة والخاصة.
(3) وقد لا يدرك كثيرون بأن الموريسكيين كانوا يستنجدون حينها بالقوى الكبرى في العالم الإسلامي، وأكثر من أبدى موقفاً تاريخياً مشرّفا، هو قانصوره الغوري، سلطان دولة المماليك البرجية في مصر حينها، والذي هدد ملوك إسبانيا، بأنه سيجبر جميع المسيحيين تحت حكمه على الإسلام، وهو ما دعا ملوك إسبانيا لأخذ الأمر بجدية وإرسال وفد رسمي إلى مصر، برئاسة رئيس كاتدرائية غرناطة، ليطمئنوه على حال المسلمين واعدينه بالالتزام بمعاهدة تسليم غرناطة. إلا أن الفرج لملوك النصارى سرعان ما أتاهم على رؤوس الخيول العثمانية، التي سرعان ما أسقطت دولة قانصوه الغوري، وأزاحت بذلك آخر أمل للموريسكيين.
(4) وعلى الرغم من أن الموريسكيين كانوا يجبرون على التنصّر تحت مرأى ومسمع من السلاطين العثمانيين في عز مجدها ابتداء من بايزيد الثاني، مروراً بسليم الأول وسليمان القانوني، وعلى الرغم من الاستغاثات المتكررة وقصائد الاستجداء والرجاء التي أرسلها الموريسكيون، إلا أنهم فضّلوا توسيع رقعتهم الجغرافية على حساب البلاد العربية، كهدف أسمى في نظرهم من الانتصار لمسلمين عرب في أقصى العالم.
(5) ومع كل التضييق الذي وجده المسلمون الموريسكيون تحت الحكم النصراني في الأندلس، ومنعهم من التحدث بالعربية وحتى من الاحتفاظ بأجزاء من القرآن، إلا أن هذا لم يثنهم عن الاستمرار في ممارسة شعارئهم والتمسك بدينهم، حيث لجأ الموريسكيون إلى استخدام اللغة القشتالية الإسبانية ذاتها متنفساً للحفاظ على دينهم وهويتهم، حيث ابتكروا لغة جديدة وهي ما يعرف اليوم بالخاميادو أي (الأعجمية) Aljamiado، وهي القشتالية الإٍسبانية لكن بحروف عربية. وقد اكتشف العلماء الإسبان بأن استخدام هذه اللغة قد استمر حتى بعد نفي الموريسكيين من إسبانيا عام 1609م، وقد اكتشفت أولى المخطوطات المكتوبة بالخاميادو في أوائل القرن التاسع عشر.
(6) وقد كتب الموريسكيون القرآن سرًا باللغة العربية، مقرونًا بشروح بالخاميادو. كما كتبوا سيرة الرسول وقصص الأنبياء وبعض كتب الفقه والحديث. وترك الموريسكيون تراثًا أدبيًا من النثر والشعر، مستخدمين هذه اللغة المستحدثة، وتوجد كثير من المخطوطات بهذه اللغة في مكتبة مدريد الوطنية.
(7) وتعد تجربة الموريسكيين في ابتكار لغة الخاميادو نموذجًا فريدًا يعبر عن مدى تمسكهم بدينهم وهويتهم، ويظهر إبداعهم في مواجهة الاضطهاد الثقافي والديني. وتعتبر لغة الخاميادو شاهدًا على مقاومة ثقافية نادرة في تاريخ الشعوب، وتركوا من خلالها تراثًا أدبيًا وثقافيًا غنيًا يستحق الدراسة والاهتمام.
(8) وكان الموريسكيون يحتفظون بهذه الكتب المكتوبة بلغة الخاميادو في لفافات يخبئونها في حفر في الجدران، وقد اكتشفت كثير منها بعد أن تهدمت او هدمت كثير من البيوت القديمة في الأندلس. وقد ابتكر الموريسكيون الكتابة بلغة الخاميادو ليحافظوا على اللغة العربية، فهم وإن كانوا يتحدثون الإسبانية، إلا أن كتابة الإسبانية بالحروف العربية كان سيجعلهم يحافظون بعض الشيء على لغتهم العربية، وسيجعلهم مرتبطين بها، وسيجعل أولادهم وأحفادهم من بعدهم يتمكنون من قراءة القرآن. وكانوا يدركون أن إسلامهم مرتبط بلغتهم، ومتى فقدوا العربية، فقدوا دينهم.

جاري تحميل الاقتراحات...