على المستوي الشخصي، فمن أهم الدروس التي أكدتها لي هذه الحرب هو أن التركيز على بناء الخبرة والمِنعة والتقدم في علوم الشَّوكَة (العلاقات الخارجية وتحالفاتها، إدارة الحروب والتسليح، الأمن والاستخبارات، الاستراتيجيات العسكرية والأمنية والجيوسياسية) بذات القدر من الأهمية و الأولوية
علوم الحياة والرفاه (علوم الاجتماع والتنمية والاقتصاد والرعاية الاجتماعية ومكافحة الفقر)، بل متي ما وضعك العالم في ظروف خيرتك بين التقدم في علوم الشوكة والمنعة وبين التقدم في علوم الحياة والرفاه، فأختر أن تتميز في علوم الشوكة لأنها ستهبك الحياة في عالم لا يبالي بالأرواح ولا
بالحياة! في حقيقة فإن هذا الدرس هو أحد الدروس الرئيسية التي يمكن تعلمها من تجربة الثلاثة عقود السابقة في العالم العربي والإسلامي في أفغانستان وفي العراق وفي فلسطين وفي تركيا وفي إيران!
هذا مدخل أساسي للتفكير في الإصلاح والاستقرار والمستقبل الآمن في هذه المنطقة، وقد أخطائنا واخطأت كثير من الحركات الفكرية والسياسية والاجتماعية عندما تجاهلت هذه الفكرة وفكرت في واقعها عبر عدسات غيرها.
هذا درس عام للمنطقة، أما بخصوص السودان فأحسب أننا لم نكون مهتمين ولا جادين لا في علوم الشوكة ولا في علوم الحياة، كنا غاية في الضعف غاية في الوهن والتشتت والارتهان لسلطة محدودي القدرات وأصحاب الأجندات.
وإذا كان هنالك جوانب خير في هذه الحرب الدموية الدائرة في السودان التي فقدنا فيها الكثير جداً، فربما هي إمكانية أن تكون هذه الحرب سبباً لبناء قدرات ومهارات الجيش السوداني بمستوي وتسارع لم يكن من الممكن تحقيقه في العديد من السنوات في ظروف عادية. كما يتوقع جداً أن تسهم هذه الحرب في
إحياء علوم الاستراتيجيات الأمن والتسليح والعلوم الجيوسياسية في بلد يتشارك الحدود مع سبعة بلدان. مع أن هذا الخير لا يمكن مقارنته بحجم الخراب والدمار والموت الذي حققته هذه الحرب.
أنا لا أقلل أبداً من علوم الحياة المعنية بتحسين معاش الأهل، فهذه العلوم في نهاية المطاف هي ما أحسنه وهي ما كنت أقدمه وما سأظل أقدمه في مساهماتي المحدودة في الفضاء العام، لكنني فقط أشير إلى ظرف إقليمي وعالمي يتطلب معرفة ومقدرة أكبر وأعمق في علوم الشوكة والمنعة
حتى تستطيع حماية دولتك ومجتمعك وأهلك، وحتي تستطيع توفير بيئة عامة قدرة على تقديم علوم الحياة وبناء مجتمع قوي ومستقل.
والله أعلم وأحكم!
والله أعلم وأحكم!
جاري تحميل الاقتراحات...