13 تغريدة 8 قراءة Jun 19, 2024
(بمصفعان يا مضرطان!)
ما زال الناس عامَّتُهم وخاصَّتُهم كلهم يكرهون الثقلاء، حتى قيل: مجالسة الثقيل حُمَّى الروح، وقيل للأعمش - والعمَشُ مرضٌ في العين - مِمَّ عمِشَت عيناك؟ قال: من النظر إلى الثقلاء، ورُوي عنه قولُه: إذا كان عن يسارك ثقيلٌ وأنت في الصلاة فتسليمةٌ عن اليمين تجزئك
وكان من أخباره أنه مرِضَ فعادَهُ رجُل فقال له: ما أشدّ ما مرَّ بك في عِلّتك هذه؟ قال: دخولك
وعاده آخر فقال له: لو استطعت لزرتُك في كل يوم مرتين ولكني أخشى أن أُثقل عليك، فقال: إنك ثقيل علي وأنت في بيتك فكيف لو زرتني مرتين!
وعادهُ جماعةٌ فأطالوا الجلوس عنده، فضَجِرَ منهُم فأخذ وسادته وقام وقال: شفى الله مريضكم بالعافية!
وأهدى إليه رجل بطّيخة فلما أصبح سأله: كيف كانت البطّيخة يا أبا محمد؟ قال: طيّبة، فسأله ثانيةً فقال: طيّبة، فسأله ثالثةً فقال الأعمش: إن كفَفتَ عني وإلا قِئتُها
وكذلك كان الشعبيّ رحمه الله، سُئل: هل تمرضُ الروح؟ فقال: نعم! من ظلِّ الثقلاء
وقال بعضُ أصحابه: فمررتُ بهِ وهو بين ثقيلين فقلت له: كيف الروح؟ قال: في النَّزْع
وكان من أخباره أنه لقِيَهُ رجُل وهو واقف مع امرأة يكلمها، فقال الرجل: أيُّكما الشعبي؟ فأومأ الشعبي إلى المرأة وقال: هذه!
وسألَهُ رجُل عن المسح على اللحية في الوضوء، فقال: خلِّلها بأصابعك، فقال الرجل: أخاف ألّا تبلّها، فقال الشعبي: فانقعها من أول الليل
وجاء رجلٌ إليه وقال: اكترَيتُ حِمارًا بنصف درهم وجئتك لتحدّثني، فقال له: اكترِ بالنصف الآخر وارجع فما أريد أن أحدثك
وإن من أثقل الناس: النحويين
ولم يزل الناس - على اختلاف طباعهم ومعايشهم - يستثقلونهم ويكرهون مخالطتهم
فمن أخبارهم أن نحويًّا دخل على رجلٍ وهو في لحظة وفاته يجود بنفسه، فقال له: يا فلان قل لا إلهَ إلا الله وإن شئتَ فقل لا إلهًا إلا الله، والأولى أحَبُّ إلى سيبويه
قال الراوي: سمعتم ابن الفاعلة يعرِضُ أقوال النحويين على رجُلٍ يمُوت!
ومن أخبارهم أن نحويًّا دخل عليه ابنُ أخيه فقال له: ما فعل أبوك؟
قال: مات
قال: وما عِلَّتُه؟
قال: ورِمَت قدميه
قال: قُل قدماه
قال: فارتفع الورم إلى ركبتاه
قال: قُل ركبتيه
فقال الولد: دعني يا عم فما موتُ أبي بأشدَّ علي من نَحوك هذا
ومن أخبارهم أن نحويًّا سقط في كنِيف - وهو موضِع قضاء الحاجة - فمرَّ بهِ كنَّاس وناداه ليعلم أهو حيٌّ أم ميت فقال النحوي: اطلب لي حبلًا دقيقا، وشُدَّني شدًّا وثيقا، واجذبني جذبًا رفِيقا، فقال الكناس: لو كنت تترك الفُضول يومًا لَتركتَهُ الآن وأنت في الخرا إلى الحلق
وفي روايةٍ أنه قال له: امرأتي طالقٌ إن أخرجتُك
وفي رواية: ثكِلَتْني أمي إن أخرجتُك
ولعلَّهُ قالها كُلَّها
ومن أخبارهم أن نحويًّا وقفَ على صاحب بطّيخ فقال: بكم تلك وذانك الفاردة؟
فنظَرَ البائع يمينًا وشمالًا ثم قال: اعذرني فما عندي شيءٌ يصلُح للصفع
وقال أبو زيد النحويّ: وقفتُ على قصَّاب - وهو الجزَّار - وقد أخرج بَطنَينِ سمينَين فعلَّقهُما، فقلتُ: بِكم البَطنان؟ فقال: بمصفعان يا مضرطان!
قال أبو زيد: ففررتُ لئلا يسمعَ الناسُ فيضحكون.
قال ثعلب النحويّ:
إن شِئتَ أن تُصبحَ بينَ الوَرى
ما بينَ شتَّامٍ ومُغتابِ
فكُنْ عَبُوسًا حينَ تَلقاهُمُ
وكلِّمِ الناسَ بإعرابِ
فالإعراب في محادثة العامّة كالعبوس في وجه الإخوان، فاحذر

جاري تحميل الاقتراحات...