ثامر
ثامر

@Thamer82

2 تغريدة 6 قراءة Jun 16, 2024
كل عام وأنتم بخير و عساكم من عواده.
لما ابتدت رحلتي الدراسية في الماستر، كان بيدي سيجار اسمه كينتسوقي، وتم تسمية السيجار على اسم فن ياباني قديم لإصلاح كسور الأواني الخزفية باستعمال عجينة من الورنيش والذهب. وأحس حتى أقدر أقفل هذي الرحلة كما يليق بها، أحتاج أتعلم هذا الفن وأجربه بنفسي.
حجزت لي دورة في استديو يقدم هذا شرح وتطبيق لمفهوم الكينتسوقي للمبتدئين. لما وصلت تعرفنا على مدربنا، وطلب مننا نختار آنية خزفية حتى نشتغل عليها. وبعد اختيار القطعة كل مشارك أخذ مئزر (apron) وكمامة وقفازات وراح للمكان المخصص له.
بدأ مدربنا بشرح تاريخ مفهوم الكينتسوقي، ووين ممكن تكون بدايته. أول شي لازم نعرف إن اليابانيين والصينيين كانوا مبدعين بأشياء كثير، وأحدها فنون اللاكر (هذا مستخلص طبيعي يؤخذ من الشجر ويستعملونه مثل الورنيش ولكن مع إضافة ألوان له).
فتقول القصة إنه كان فيه شوقون (زعيم ياباني) انكسر كوب شاهي عنده، وأرسله للصين حتى يصلحونه له نظراً لأهمية الكوب. يوم وصل المندوب وأعطاه رمز التسليم، فتح الشحنة ولقى الصينيين مصلحين الكوب باستعمال شي زي الدباسة الحديدة من أول الكسر إلى آخره، وهذا شي ما أعجب الشوقون، فطلب من الفنانيين اللي عنده ويشتغلون على اللاكر إنهم يلقون حل لائق بصرياً.
وهنا أخذنا المدرب لمنصات معدّة خصيصا لكسر هذي الأواني الخزفية وعلمنا على تكنيك باستعمال المطرقة حتى تُحدث الشرخ من الداخل قبل لا تكسر الآنية من الخارج. والتكنيك هذا ببساطة إنك تلف الآنية بفوطة أو قطعة قماش، وبعدين تضرب القاعدة الدائرية اللي لونها ابيض بزاوية ٤٥ درجة. ضربات خفيفة وتتزايد قوتها تدريجياً حتى تسمع صوت "كليك". هنا إذا شلت الفوطة وتفحصت الإناء بتشوفه سليم من الخارج، ولكن لما تطرق عليه بأصبعك تكتشف إن الصوت صار مختلف جداً.
وفعلاً كل الكسور اللي مرينا فيها بحياتنا ابتدت كشرخ داخلي خفي ما أحد يشوفه أو يحس فيه إلا حنا. وهذي الشروخ على الرغم من تواريها عن الأعين إلا إنها تخلينا أكثر عرضة للانكسار.
بعد ما أحدثنا الكسر الأول، مدربنا علمنا على مواطن ضعف أخرى ممكن نستعملها لإحداث كسر ثاني. هو كان مخطط يخلينا نكسرها إلى أن يصير عندنا أربعة قطع مكسورة ونجمعها مع بعض.
هنا تتجلى الرسالة اللي تخلي مفهوم الكينتسوقي مبهر وجذاب: الكسور والصدمات اللي مرينا فيها شي يستوجب الفخر بقدرتنا على تجاوزه، وتستحق الاحتفال من خلال إظهار أثار هذي الصدمة بدال محاولات اخفاءها. حتى في مجال العلاقات الاجتماعية أو العاطفية. مبدأ الكينتسوقي يقترح عليك الإبتعاد عن فكرة المسارعة برمي الأشياء اللي أصابها كسر أو عطب في أقرب سلة مهملات (اعزكم الله). بعض الأشياء تكون أجمل وأقوى و unique لما تعمل على إصلاحها بروح متلهفة على الإصلاح.
أخذنا قطعنا المكسورة ورحنا للطاولة.. الحين الكينتسوقي الحقيقي يتطلب من شهر إلى شهرين حتى تصلح القطعة الواحدة بشكل تقليدي وباستخدام مواد طبيعية. هذي ورشة عمل مدتها ساعتين وشوي، فكان لازم نستعمل مواد مختلفة. استعملنا الإيبوكسي، وعلمنا المدرب كيف نحط الريزن. قال حتى يكون الخط ناعم وأنيق تأكدوا إنكم ما تحطون إيبوكسي كثير وان الطبقة تكون متساوية على طول الكسر. بعدها ناخذ القطعة الثانية ونضغطهم مع بعض وننتظر ١٥ دقيقة.
بعد ما مسكت القطع ببعضها بدينا باستعمال الفرشة حتى ننثر "الذهب" على الأجزاء الظاهرة من الإيبوكسي، وننتظر بعدها حتى ينشف تماما، وبعدها نقدر نمرر الفرشة عليه. كان فيه مهارات معينة علمنا إياها المدرب خصوصاً كيف حركة الرسغ حتى تنثر البودرة على الشرخ لكن من تحت، نظراً لأن القطعة لازم تكون راكبة بشكل عامودي وما هو مسموح لنا نميلها.
الحين صار عندي آنية أحتفل فيها بكسور الأمس اللي برأت وتماثلت للشفاء. وبأخليها في مكان في غرفتي حتى أترك فيها مفاتيحي ومحفظتي لما أدخل البيت راجع من مكتبي.
القطعة perfectly imperfect، وهذا يتماشى مع مبدأ ياباني ثاني اسمه Wabi Sabi واللي يحضك على قبول العيوب والتعايش معها والإحتفال بها.
.

جاري تحميل الاقتراحات...