🔺(9) أسئلة وإشكالات حول صيام يوم عرفة🔻
📌 [منشور مطول 1 / 3]
يتكرر في كل عامٍ قبيل يوم التاسع من شهر ذي الحجة شيء من اللغط حول مشروعية صيامه وما يتعلق به، ولتبيان الصواب في ذلك أفردت الأسئلة والإشكالات حوله ببيان مختصر.
🔸أما الأسئلة فهي:
1️⃣ ما فضل صيام يوم عرفة؟
▪️أصل هذا الباب حديث أبي قتادة رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال (صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله، والسنة التي بعده) رواه الإمام مسلم في صحيحه.
وقد صححه - غير الإمام مسلم - من الأئمة:
ابن خزيمة
والطبري
والطحاوي
وابن حبان
والحاكم
وابن عبد البر
وحسّنه الترمذي
وقال النسائي بعد إخراجه (هذا أجود حديث عندي في هذا الباب)
▪️ثم إن صيام يوم عرفة عمل صالح مندرجٌ ولا شك في عموم فضل العمل الصالح في عشر ذي الحجة مما رواه ابن عباس عن النبي ﷺ (ما من أيام العمل الصالح أحب إلى الله من هذه الأيام يعني أيام العشر) رواه البخاري وغيره.
▪️كما أن من فضائل الصيام عموما:
- الفرح في الآخرة
- والمباعدة عن النار
- وشفاعة الصيام لصاحبه
- ودخول الجنة من باب الريان
- واختصاص الصوم بالأجر من الله
وكل يوم من أيام العام حري بمثل هذه الفضائل، فكيف بصيام يوم هو من أفضل أيام العام كيوم عرفة؟!
▪️ولكل هذا اتفقت كلمة عامة العلماء على استحباب صيام يوم عرفة لغير الحاج.
2️⃣ لماذا كان لصيام يوم عرفة هذا الفضل؟
▪️يوم عرفة من أفضل أيام العام:
- فهو اليوم الذي أكمل الله فيه الدين.
- وهو أكثر الأيام التي يعتق فيها الله عباده من النار.
- وهو أفضل الأيام عند الله.
- وقد أقسم الله تعالى به، فهو (المشهود) في قوله (وشاهد ومشهود).
وقد سبق تفصيل أدلة ذلك في منشور مستقل.
وإذا ثبت لهذا اليوم كل هذا الفضل فلا غرابة أن يكون لصيامه هذه المنزلة الرفيعة.
3️⃣ ما الذنوب التي يكفرها صيام يوم عرفة؟
▪️اتفق العلماء على أن أحاديث كفارات الذنوب (ومنها حديث صيام يوم عرفة) تتعلق بتكفير صغائر الذنوب التي لا تجب التوبة منها لتكفيرها.
وأما الكبائر فجمهور العلماء على أن الأعمال الصالحة كصيام يوم عرفة لا تكفرها دون توبة، وفضل الله ورحمته واسعة.
4️⃣ كيف تكفر ذنوب العام المقبل قبل وقوعها؟
▪️ذكر العلماء لذلك (3) أوجه:
- أن الله يحفظه من الوقوع في الذنوب في السنة التي تليها بحيث لا يحتاج إلى تكفيرها.
- أن يعطيه من الرحمة والثواب بقدر ما يكون كفارةً لذنوب السنة التي تليها إذا وقع فيها.
- أن لا يؤاخذه الله تعالى بالذنوب في السنة التالية إذا وقع فيها، ويكون تكفيرها بعد وقوعها.
▪️وقد ورد في القرآن والسنة نظائر لهذا النص في تكفير الذنوب ومغفرتها قبل وقوعها:
- كما في قوله تعالى (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر).
- وفي حديث فضل أهل بدر (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم).
- وفي حديث فضل صلاة الجمعة (غُفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام)، وغيرها كثير.
حتى ألف الإمام ابن حجر رسالة في ذلك سماها (الخصال المكفرة للذنوب المقدمة والمؤخرة).
فليس في تكفير الذنوب المتأخرة الوارد في فضل صوم يوم عرفة معنى مستنكرا عما في الكتاب والسنة.
5️⃣ إذا صام الإنسان يوم عرفة كل عام فلماذا يحرص على بقية الأعمال الصالحة المكفرة (كصيام عاشوراء وغيره) طالما أن ذنوبه مغفورة بصيام يوم عرفة؟
وماذا يستفيد من صام يوم عرفة ثم توفي من مغفرة ذنوب العام الذي يليه وقد مات قبل أن تقع منه؟
ولماذا لا نصوم يوم عرفة عاما ونترك صيامه عاما طالما أن صيامه يكفر ذنوب العام القادم؟
▪️بدايةً فإن الأجر الموعود لأي عمل صالح (ومن ذلك صيام يوم عرفة) لا يستحقه صاحبه إلا إذا:
- أداه على أكمل وجه
- وتقبله الله منه
وكلا الأمرين غير مضمون، وبالتالي فلا يضمن المؤمن أن يحصل على أجر العمل بمجرد عمله إياه.
▪️ثم إن الأعمال الصالحة من الكفارات إذا وُجد ما تكفره من الذنوب قامت بتكفيره كما في الحديث، فإن لم يكن للإنسان ذنوب تكفرها هذه الأعمال كُتبت له بها حسنات ورُفعت له بها درجات.
وقد ذكرنا من توجيهات العلماء لتكفير ذنوب العام الذي يليه أن ذلك بمعنى إعطائه من الرحمة والثواب ما يغطي تلك الذنوب إذا وقعت، فإذا لم تقع فإن الرحمة والثواب التي استوجبها بعمله ذلك قد ثبتت له.
▪️وينبغي استحضار بقية فضائل الأعمال الصالحة في هذا الباب وعدم إغفالها، ففضل الأعمال الصالحة لا يتوقف عند تكفير الذنوب!
وقد مضى ذكر شيء من فضائل الصوم في إجابة السؤال الأول.
(يتبع ⬇️)
📌 [منشور مطول 1 / 3]
يتكرر في كل عامٍ قبيل يوم التاسع من شهر ذي الحجة شيء من اللغط حول مشروعية صيامه وما يتعلق به، ولتبيان الصواب في ذلك أفردت الأسئلة والإشكالات حوله ببيان مختصر.
🔸أما الأسئلة فهي:
1️⃣ ما فضل صيام يوم عرفة؟
▪️أصل هذا الباب حديث أبي قتادة رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال (صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله، والسنة التي بعده) رواه الإمام مسلم في صحيحه.
وقد صححه - غير الإمام مسلم - من الأئمة:
ابن خزيمة
والطبري
والطحاوي
وابن حبان
والحاكم
وابن عبد البر
وحسّنه الترمذي
وقال النسائي بعد إخراجه (هذا أجود حديث عندي في هذا الباب)
▪️ثم إن صيام يوم عرفة عمل صالح مندرجٌ ولا شك في عموم فضل العمل الصالح في عشر ذي الحجة مما رواه ابن عباس عن النبي ﷺ (ما من أيام العمل الصالح أحب إلى الله من هذه الأيام يعني أيام العشر) رواه البخاري وغيره.
▪️كما أن من فضائل الصيام عموما:
- الفرح في الآخرة
- والمباعدة عن النار
- وشفاعة الصيام لصاحبه
- ودخول الجنة من باب الريان
- واختصاص الصوم بالأجر من الله
وكل يوم من أيام العام حري بمثل هذه الفضائل، فكيف بصيام يوم هو من أفضل أيام العام كيوم عرفة؟!
▪️ولكل هذا اتفقت كلمة عامة العلماء على استحباب صيام يوم عرفة لغير الحاج.
2️⃣ لماذا كان لصيام يوم عرفة هذا الفضل؟
▪️يوم عرفة من أفضل أيام العام:
- فهو اليوم الذي أكمل الله فيه الدين.
- وهو أكثر الأيام التي يعتق فيها الله عباده من النار.
- وهو أفضل الأيام عند الله.
- وقد أقسم الله تعالى به، فهو (المشهود) في قوله (وشاهد ومشهود).
وقد سبق تفصيل أدلة ذلك في منشور مستقل.
وإذا ثبت لهذا اليوم كل هذا الفضل فلا غرابة أن يكون لصيامه هذه المنزلة الرفيعة.
3️⃣ ما الذنوب التي يكفرها صيام يوم عرفة؟
▪️اتفق العلماء على أن أحاديث كفارات الذنوب (ومنها حديث صيام يوم عرفة) تتعلق بتكفير صغائر الذنوب التي لا تجب التوبة منها لتكفيرها.
وأما الكبائر فجمهور العلماء على أن الأعمال الصالحة كصيام يوم عرفة لا تكفرها دون توبة، وفضل الله ورحمته واسعة.
4️⃣ كيف تكفر ذنوب العام المقبل قبل وقوعها؟
▪️ذكر العلماء لذلك (3) أوجه:
- أن الله يحفظه من الوقوع في الذنوب في السنة التي تليها بحيث لا يحتاج إلى تكفيرها.
- أن يعطيه من الرحمة والثواب بقدر ما يكون كفارةً لذنوب السنة التي تليها إذا وقع فيها.
- أن لا يؤاخذه الله تعالى بالذنوب في السنة التالية إذا وقع فيها، ويكون تكفيرها بعد وقوعها.
▪️وقد ورد في القرآن والسنة نظائر لهذا النص في تكفير الذنوب ومغفرتها قبل وقوعها:
- كما في قوله تعالى (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر).
- وفي حديث فضل أهل بدر (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم).
- وفي حديث فضل صلاة الجمعة (غُفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام)، وغيرها كثير.
حتى ألف الإمام ابن حجر رسالة في ذلك سماها (الخصال المكفرة للذنوب المقدمة والمؤخرة).
فليس في تكفير الذنوب المتأخرة الوارد في فضل صوم يوم عرفة معنى مستنكرا عما في الكتاب والسنة.
5️⃣ إذا صام الإنسان يوم عرفة كل عام فلماذا يحرص على بقية الأعمال الصالحة المكفرة (كصيام عاشوراء وغيره) طالما أن ذنوبه مغفورة بصيام يوم عرفة؟
وماذا يستفيد من صام يوم عرفة ثم توفي من مغفرة ذنوب العام الذي يليه وقد مات قبل أن تقع منه؟
ولماذا لا نصوم يوم عرفة عاما ونترك صيامه عاما طالما أن صيامه يكفر ذنوب العام القادم؟
▪️بدايةً فإن الأجر الموعود لأي عمل صالح (ومن ذلك صيام يوم عرفة) لا يستحقه صاحبه إلا إذا:
- أداه على أكمل وجه
- وتقبله الله منه
وكلا الأمرين غير مضمون، وبالتالي فلا يضمن المؤمن أن يحصل على أجر العمل بمجرد عمله إياه.
▪️ثم إن الأعمال الصالحة من الكفارات إذا وُجد ما تكفره من الذنوب قامت بتكفيره كما في الحديث، فإن لم يكن للإنسان ذنوب تكفرها هذه الأعمال كُتبت له بها حسنات ورُفعت له بها درجات.
وقد ذكرنا من توجيهات العلماء لتكفير ذنوب العام الذي يليه أن ذلك بمعنى إعطائه من الرحمة والثواب ما يغطي تلك الذنوب إذا وقعت، فإذا لم تقع فإن الرحمة والثواب التي استوجبها بعمله ذلك قد ثبتت له.
▪️وينبغي استحضار بقية فضائل الأعمال الصالحة في هذا الباب وعدم إغفالها، ففضل الأعمال الصالحة لا يتوقف عند تكفير الذنوب!
وقد مضى ذكر شيء من فضائل الصوم في إجابة السؤال الأول.
(يتبع ⬇️)
📌 [منشور مطول 2 / 3]
🔸وأما الإشكالات فهي:
6️⃣ كيف يُقال بمشروعية صيام يوم عرفة وقد ضعف بعض العلماء حديث أبي قتادة؟
▪️تكلم بعض العلماء في صحة حديث الباب عن أبي قتادة، حيث أشار البخاري في تاريخه إلى انقطاعه.
وبداية فإن الخلاف بين العلماء في صحة حديث من الأحاديث مسألة علمية لا غرابة في حصولها، والتعامل معها ينبغي أن يكون على أحد وجهين:
إما أن يكون للباحث القدرة العلمية على البحث والترجيح بين أقوال أهل العلم، وحينئذ فهو مطالب بما يؤدي إليه اجتهاده من الترجيح بن أقوالهم.
وإما ألا تكون له القدرة العلمية على البحث والترجيح بين أقوالهم، فيسعه حينئذ أن يأخذ بما تؤديه إليه المرجحات العامة (كقوة العالم في هذا الفن وشهرة القول بين أهل العلم وكثرة الآخذين به ونحو ذلك)، دون أن ينكر على غيره ممن أخذ بغير ذلك.
أما أن يلبس الجاهل لباس العالم ويحاكم أهل العلم لجهله فهذا مما لا يجوز!
وقد صحح حديث أبي قتادة في فضل صيام يوم عرفة عدد كبير من العلماء سبق ذكرهم في جواب السؤال الأول، وروي للحديث شواهد مرفوعة تعزز صحته بمجموعها وإن كانت لا تخلو أفرادها من مقال، حتى جازف بعض العلماء فعدّ الحديث بمجموع شواهده من المتواتر!
▪️وما ينبغي الانتباه إليه هنا أن من استحب صيام يوم عرفة لم يتوقف حكمه على تصحيح حديث أبي قتادة، بل ضمّ إلى ذلك الأدلة العامة التي سبق ذكرها في جواب السؤال الأول.
فتضعيف الحديث (حتى لو سلّمنا به) ليس مانعا من استحباب صيام يوم عرفة بالعموم، وغاية ما فيه تضعيف الفضل الخاص به فقط.
وممن نص على استحباب صيام يوم عرفة من العلماء:
الترمذي (ونسبه لأهل العلم بالعموم)
ابن هبيرة (ونقل الاتفاق على استحبابه لغير الحاج)
ابن مفلح (ونقل الإجماع على استحباب صيام العشر عموما والتاسع خصوصا)
وعامة علماء المذاهب الأربعة على استحباب صومه لغير الحاج، وممن نص على ذلك:
- الطحاوي والكاساني من الحنفية
- والحطاب والنفراوي من المالكية
- والبغوي والنووي من الشافعية
- والخرقي وابن قدامة من الحنابلة
وغيرهم كثير.
فهذا هو مسلك العلماء في التعامل مع حكم صيام يوم عرفة لغير الحاج، حيث لم يتوقفوا عن ذلك رغم اطلاعهم على ما قاله بعض العلماء من تضعيف حديث أبي قتادة.
7️⃣ لو كان لصيام يوم عرفة هذا الفضل الكبير فلماذا لم يصح عن النبي ﷺ صيامه؟
▪️ابتداءً فإن الجزم بنفي صيام النبي ﷺ يوم عرفة ليس عليه دليل صريح.
وغاية ما فيه حديث أم المؤمنين عائشة في الصحيح (ما رأيت رسول الله ﷺ صائما في العشر قط).
وعدم رؤية أم المؤمنين لذلك لا ينفي وقوعه، فهي قد أخبرت عما رأت، والنبي ﷺ له (9) أزواج يقسم لكل واحدة يوما، فأقصى ما يكون فيه عندها في عشر ذي الحجة بناءً على ذلك يوم واحد فقط (إذ يوم العيد لا يُصام بالاتفاق)، ويحتمل جدا ألا يصادف كونه عندها يوم عرفة في كل السنوات.
نعم قد روي عنه ﷺ ما يخالف ذلك ويثبت صيامه يوم عرفة صراحة كما عند أبي داود لكنه ضعيف لاضطرابه رغم تصحيح بعض العلماء له، وفي كل الأحوال فالجزم بعدم صيامه ﷺ يوم عرفة بناء على ما تقدم فيه ما فيه.
وما ثبت عنه ﷺ من فطره يوم عرفة فهو في حجة الوداع عندما كان حاجا بعرفة، فلا يصح الاستدلال به على الصيام بغير عرفة، إذ إن ترك الصيام يوم عرفة إنما كان لئلا يُضعف الصيام الحاج عن الدعاء وبقية الأعمال الصالحة المؤكدة يوم عرفة.
▪️وحتى لو ثبت عنه ﷺ أنه لم يصم يوم عرفة في أي سنة من السنين فهذا لا يعارض ما نص عليه ﷺ من فضله، إذ صحّ عنه ﷺ تعمده ترك بعض العمل الذي يحبه لأسباب أخرى لا تتعلق بمشروعية العمل أو عدمها.
وفي تفسير ذلك تقول أم المؤمنين عائشة:
(إن كان رسول الله ﷺ ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم) متفق عليه.
ومن الأسباب الأخرى لترك النبي ﷺ العمل رغم محبته إياه:
- خشية أن يظن الناس وجوبه (مثل ترك الشرب قاعدا)
- خشية المشقة على من يريد الاقتداء به من أمته (مثل دخول الكعبة)
وغيرها من الأسباب التي نص العلماء عليها.
فلا يصح بعد كل هذا الاعتماد على ترك النبي ﷺ صيام يوم عرفة (على افتراض صحته) في منع صيامه أو القول بعدم مشروعيته.
(يتبع ⬇️)
🔸وأما الإشكالات فهي:
6️⃣ كيف يُقال بمشروعية صيام يوم عرفة وقد ضعف بعض العلماء حديث أبي قتادة؟
▪️تكلم بعض العلماء في صحة حديث الباب عن أبي قتادة، حيث أشار البخاري في تاريخه إلى انقطاعه.
وبداية فإن الخلاف بين العلماء في صحة حديث من الأحاديث مسألة علمية لا غرابة في حصولها، والتعامل معها ينبغي أن يكون على أحد وجهين:
إما أن يكون للباحث القدرة العلمية على البحث والترجيح بين أقوال أهل العلم، وحينئذ فهو مطالب بما يؤدي إليه اجتهاده من الترجيح بن أقوالهم.
وإما ألا تكون له القدرة العلمية على البحث والترجيح بين أقوالهم، فيسعه حينئذ أن يأخذ بما تؤديه إليه المرجحات العامة (كقوة العالم في هذا الفن وشهرة القول بين أهل العلم وكثرة الآخذين به ونحو ذلك)، دون أن ينكر على غيره ممن أخذ بغير ذلك.
أما أن يلبس الجاهل لباس العالم ويحاكم أهل العلم لجهله فهذا مما لا يجوز!
وقد صحح حديث أبي قتادة في فضل صيام يوم عرفة عدد كبير من العلماء سبق ذكرهم في جواب السؤال الأول، وروي للحديث شواهد مرفوعة تعزز صحته بمجموعها وإن كانت لا تخلو أفرادها من مقال، حتى جازف بعض العلماء فعدّ الحديث بمجموع شواهده من المتواتر!
▪️وما ينبغي الانتباه إليه هنا أن من استحب صيام يوم عرفة لم يتوقف حكمه على تصحيح حديث أبي قتادة، بل ضمّ إلى ذلك الأدلة العامة التي سبق ذكرها في جواب السؤال الأول.
فتضعيف الحديث (حتى لو سلّمنا به) ليس مانعا من استحباب صيام يوم عرفة بالعموم، وغاية ما فيه تضعيف الفضل الخاص به فقط.
وممن نص على استحباب صيام يوم عرفة من العلماء:
الترمذي (ونسبه لأهل العلم بالعموم)
ابن هبيرة (ونقل الاتفاق على استحبابه لغير الحاج)
ابن مفلح (ونقل الإجماع على استحباب صيام العشر عموما والتاسع خصوصا)
وعامة علماء المذاهب الأربعة على استحباب صومه لغير الحاج، وممن نص على ذلك:
- الطحاوي والكاساني من الحنفية
- والحطاب والنفراوي من المالكية
- والبغوي والنووي من الشافعية
- والخرقي وابن قدامة من الحنابلة
وغيرهم كثير.
فهذا هو مسلك العلماء في التعامل مع حكم صيام يوم عرفة لغير الحاج، حيث لم يتوقفوا عن ذلك رغم اطلاعهم على ما قاله بعض العلماء من تضعيف حديث أبي قتادة.
7️⃣ لو كان لصيام يوم عرفة هذا الفضل الكبير فلماذا لم يصح عن النبي ﷺ صيامه؟
▪️ابتداءً فإن الجزم بنفي صيام النبي ﷺ يوم عرفة ليس عليه دليل صريح.
وغاية ما فيه حديث أم المؤمنين عائشة في الصحيح (ما رأيت رسول الله ﷺ صائما في العشر قط).
وعدم رؤية أم المؤمنين لذلك لا ينفي وقوعه، فهي قد أخبرت عما رأت، والنبي ﷺ له (9) أزواج يقسم لكل واحدة يوما، فأقصى ما يكون فيه عندها في عشر ذي الحجة بناءً على ذلك يوم واحد فقط (إذ يوم العيد لا يُصام بالاتفاق)، ويحتمل جدا ألا يصادف كونه عندها يوم عرفة في كل السنوات.
نعم قد روي عنه ﷺ ما يخالف ذلك ويثبت صيامه يوم عرفة صراحة كما عند أبي داود لكنه ضعيف لاضطرابه رغم تصحيح بعض العلماء له، وفي كل الأحوال فالجزم بعدم صيامه ﷺ يوم عرفة بناء على ما تقدم فيه ما فيه.
وما ثبت عنه ﷺ من فطره يوم عرفة فهو في حجة الوداع عندما كان حاجا بعرفة، فلا يصح الاستدلال به على الصيام بغير عرفة، إذ إن ترك الصيام يوم عرفة إنما كان لئلا يُضعف الصيام الحاج عن الدعاء وبقية الأعمال الصالحة المؤكدة يوم عرفة.
▪️وحتى لو ثبت عنه ﷺ أنه لم يصم يوم عرفة في أي سنة من السنين فهذا لا يعارض ما نص عليه ﷺ من فضله، إذ صحّ عنه ﷺ تعمده ترك بعض العمل الذي يحبه لأسباب أخرى لا تتعلق بمشروعية العمل أو عدمها.
وفي تفسير ذلك تقول أم المؤمنين عائشة:
(إن كان رسول الله ﷺ ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم) متفق عليه.
ومن الأسباب الأخرى لترك النبي ﷺ العمل رغم محبته إياه:
- خشية أن يظن الناس وجوبه (مثل ترك الشرب قاعدا)
- خشية المشقة على من يريد الاقتداء به من أمته (مثل دخول الكعبة)
وغيرها من الأسباب التي نص العلماء عليها.
فلا يصح بعد كل هذا الاعتماد على ترك النبي ﷺ صيام يوم عرفة (على افتراض صحته) في منع صيامه أو القول بعدم مشروعيته.
(يتبع ⬇️)
📌 [منشور مطول 3 / 3]
8️⃣ لو كان لصيام يوم عرفة هذا الفضل الكبير فلماذا ترك صيامه الصحابة والتابعون؟
▪️ابتداء فإن الاستدلال بترك الصحابة وحده على نفي مشروعية عمل من الأعمال الصالحة كالصيام ليس حجة في نفسه حتى يكون إجماعا، فأما ولا إجماع (كما هو الحال هنا) فلا حجة فيه، إذ أفعالهم وتروكهم ليست حجة بحد ذاتها.
▪️ثم إن ترك الصحابة (وإن صح عنهم) لا يصح بمجرده أن يكون دليلاً لنفي مشروعية صيام يوم عرفة حتى يكون سبب تركهم الصيام إنكارهم مشروعيته.
أما مجرد ترك الصيام فله أسباب كثيرة قد وقعت من الصحابة، مثل بيان عدم الوجوب لطلابهم ومن حولهم، وتفضيل التقوّي بالطعام والشراب عند الفطر على أداء بقية الأعمال الصالحة، وغيرها من الأسباب المحتملة المعلومة، فالاستدلال بكل ذلك من الصحابة بعيد عن الصحة، والاستدلال به من التابعين أبعد وأبعد!
▪️وبعد كل هذا فإنه قد ثبت عن عدد من الصحابة صيام يوم عرفة قصدا:
منهم أم المؤمنين عائشة، والزبير بن العوام، وعثمان ابن أبي العاص، وعبد الله بن الزبير.
بل قد صح عن بعضهم حرصهم على صيام يوم عرفة حتى وهم في الحج بعرفة لفضله الكبير.
فكيف يُدّعى بعد كل ذلك أن الصحابة تركوا صيام يوم عرفة ويصبح ذلك دليلا على منع مشروعيته؟!
9️⃣ كيف يصح صيام يوم عرفة وقد ورد أنه يوم عيد، ومعلوم أن العيد لا يُصام؟
▪️ابتداء فإن ما روي عن النبي ﷺ من كون يوم عرفة عيدا لا يصح عنه.
ومع ذلك فحتى لو صح الحديث فإن التعبير بكونه عيدا هنا إنما كان للحجاج في عرفة لا لكل المسلمين، لأنهم فيه يجتمعون كاجتماعهم للعيد فيشرع لهم الفطر فيه وترك الصيام، فأما بقية المسلمين خارج عرفة فإنهم لا يجتمعون فيه اجتماعهم للعيد.
وبهذا فإن التعبير بكونه عيدا هنا لا يعني أنه يأخذ كل أحكام العيد كمنع الصيام، ونظير ذلك يوم الجمعة وهو عيد المسلمين ومع ذلك فقد أذن النبي ﷺ بصيامه ولم يمنع منه.
8️⃣ لو كان لصيام يوم عرفة هذا الفضل الكبير فلماذا ترك صيامه الصحابة والتابعون؟
▪️ابتداء فإن الاستدلال بترك الصحابة وحده على نفي مشروعية عمل من الأعمال الصالحة كالصيام ليس حجة في نفسه حتى يكون إجماعا، فأما ولا إجماع (كما هو الحال هنا) فلا حجة فيه، إذ أفعالهم وتروكهم ليست حجة بحد ذاتها.
▪️ثم إن ترك الصحابة (وإن صح عنهم) لا يصح بمجرده أن يكون دليلاً لنفي مشروعية صيام يوم عرفة حتى يكون سبب تركهم الصيام إنكارهم مشروعيته.
أما مجرد ترك الصيام فله أسباب كثيرة قد وقعت من الصحابة، مثل بيان عدم الوجوب لطلابهم ومن حولهم، وتفضيل التقوّي بالطعام والشراب عند الفطر على أداء بقية الأعمال الصالحة، وغيرها من الأسباب المحتملة المعلومة، فالاستدلال بكل ذلك من الصحابة بعيد عن الصحة، والاستدلال به من التابعين أبعد وأبعد!
▪️وبعد كل هذا فإنه قد ثبت عن عدد من الصحابة صيام يوم عرفة قصدا:
منهم أم المؤمنين عائشة، والزبير بن العوام، وعثمان ابن أبي العاص، وعبد الله بن الزبير.
بل قد صح عن بعضهم حرصهم على صيام يوم عرفة حتى وهم في الحج بعرفة لفضله الكبير.
فكيف يُدّعى بعد كل ذلك أن الصحابة تركوا صيام يوم عرفة ويصبح ذلك دليلا على منع مشروعيته؟!
9️⃣ كيف يصح صيام يوم عرفة وقد ورد أنه يوم عيد، ومعلوم أن العيد لا يُصام؟
▪️ابتداء فإن ما روي عن النبي ﷺ من كون يوم عرفة عيدا لا يصح عنه.
ومع ذلك فحتى لو صح الحديث فإن التعبير بكونه عيدا هنا إنما كان للحجاج في عرفة لا لكل المسلمين، لأنهم فيه يجتمعون كاجتماعهم للعيد فيشرع لهم الفطر فيه وترك الصيام، فأما بقية المسلمين خارج عرفة فإنهم لا يجتمعون فيه اجتماعهم للعيد.
وبهذا فإن التعبير بكونه عيدا هنا لا يعني أنه يأخذ كل أحكام العيد كمنع الصيام، ونظير ذلك يوم الجمعة وهو عيد المسلمين ومع ذلك فقد أذن النبي ﷺ بصيامه ولم يمنع منه.
جاري تحميل الاقتراحات...