عبدالعزيز بن عبدالله الفالح 🇸🇦
عبدالعزيز بن عبدالله الفالح 🇸🇦

@ALfalehaaa

8 تغريدة 54 قراءة Jun 12, 2024
1. عاش برِئةٍ واحدة مدّةَ 60 عامًا، لكنّ ذلك لم يُثْنِهِ - بعد توفيق الله - أنْ يكونَ عالِمًا، ومُفتيًا، ومربّيًا، ومُرشدًا، وناصحًا..
إنّه الشيخ المربّي إبراهيم بن محمد بن إبراهيم آل خرعان رحمه الله..
ولد في مدينة ليلى بالأفلاج جنوب مدينة الرياض عام 1356هـ 1937م، ونشأ في عائلة متديّنة، عُرِفَت بفضلها وصلاحها..
كان لوالده وجَدِّه أثرٌ كبير عليه، فقد اعتنيا به وأَوْلَيَاه رعايةً تامّة بالتعليم والتربية، فنشأ نشأةً صالحة على آداب الإسلام وتعاليم القرآن الكريم..
كان جَدُّه الشيخ إبراهيم ممّن طلَبَ العلم على الشيخ سعد بن عتيق، وأخيه الشيخ عبد العزيز، والشيخ عبد العزيز بن بشر - قاضي الأفلاج - والشيخ سعود المفلح وابنه سعد (رحمهم الله جميعًا).. وكان والده محمد من أهل الفضل والقرآن، واشتغل بالرّقية الشرعية والسعي في مصالح الناس..
2. حَفِظ الشيخُ إبراهيم القرآنَ وهو في سِنّ العاشرة من عمره على يَد جَدّه الشيخ إبراهيم..
ولمّا رأى والداه فيه النّجابة ومحبّة العِلْم منذ نعومة أظفاره، بعَثَا به إلى الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله في الرياض مفتي الديار السعودية آنذاك ليتلقّى العلم على يديه، وكان ذلك عام 1368هـ 1949م، فحَضَر عنده ومَكَث مدّةً يسيرة، ثم قرّر والدُه وجَدُّه بعد ذلك نَقْلَه إلى الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله في مدينة "الدّلم" عندما كان قاضيًا بها، وذلك لكثرة الطلاب والدارسين عند المفتي محمد بن إبراهيم في الرياض، ولأنّ فيهم مَن هو أكبر منه سِنًّا وعِلْمًا، وقد يَعجز عن مجاراة تلاميذ الشيخ ابن إبراهيم في دروسه وقد سبقوه بمراحل، وقد يَجِد من الشيخ ابن باز اهتمامًا خاصًّا؛ لاسيما حين يرى فيه نباهةً وحرصًا، وكان نعم الرأي والمشورة..
بقي الشيخ إبراهيم عند شيخه ابن باز في الدلم ولازَمَه مُلازمة الظلّ لصاحبه مدة ثلاث سنوات ونصف، من عام 1368هـ إلى عام 1371هـ، إثرها افْتُتِح المعهد العلمي في الرياض، فانتقل الشيخ ابن باز من الدلم إلى الرياض مُعَلِّمًا في المعهد..
قبل دراسة الشيخ إبراهيم عند ابن باز في الدلم، رأى رؤيا في المنام، مفادها أنّه أتى بِئرَ ماء، فوَجَدَ في داخل البئر (جَمّة) - وهي ما اجتمع وكثُر من الماء -، فقيل له: إنّها جَمّة رسول الله ﷺ، فاغترف منها وشَرِب، فوَجَد الماءَ مالحًا.. فعلقتْ تلك الرؤيا في قلبه وعقله لا تفارقة..
ولمّا ذهب إلى طلب العِلْم في "الدلم" عند ابن باز قَصَّ عليه الرؤيا، فضحك الشيخ ابن باز وقال له: "يا ولدي! إنْ صدقَتْ رؤياك فـ(الجَمّة) هي العِلْم، والعِلْم ستأخذه بإذن الله في "الدلم"؛ لأنّ ماءها مالح (آنذاك).. وقد صدق الرائي والمُعَبِّر رحمهما الله جميعاً.
3. كانت ملازمة الشيخ إبراهيم لشيخه ابن باز نَقْلةً كبرى في حياته، وصورةً مختلفة في طلبه للعِلْم، فالشيخ ابن باز رحمه الله ليس مُجَرّد عالِمٍ أو مُعَلّم وحسب، بل كان مدرسةً في العِلْم والتعليم، والسّمْت، والخُلُق، والكرم، واللطف، والبذل، والعطاء، والصبر، والإخلاص، والتفاني، فتَشَرّبَ منه تلميذُه الغَضُّ كثيرًا من صفاته، وسَمْته، وخُلُقه، ورِفْقِه، ولِينه، ولُطفه، وقُلْ ما شئتَ من فضائل الصفات ومكارم الأخلاق..
فضلًا عمّا تلَقّاه من العلوم الشرعية على يديه: العقيدة، والحديث، والتفسير، والفقه، والفرائض، والنحو وغيرها، كما تلقّى عن شيخه ابن باز طريقة التعليم، والبحث والدرس فانعكس ذلك على أسلوبه في التعليم والتدريس مستقبلًا..
كان الطلبةُ عند الشيخ ابن باز يُسَمّون الشيخ إبراهيم بأبي هريرة لشدّة حفظه وإتقانه للحديث، كما ختم القرآن عليه ثلاث ختمات؛ لذا كلّفه ابن باز أن يكون إمامًا في إحدى قرى الدلم، يُصلّي بهم التراويح والقيام في رمضان، فكان يمشي للقرية بعد إفطاره على قدميه، ويستغل الوقت في مراجعة حفظه... وقال عن نفسه - وهذا من التحدّث بنعمة الله -: إنه كان يختم القرآن كلّ يوم في رمضان لتفرّغه للقرآن والعبادة..
كان الشيخ ابن باز رحمه الله يُسْنِدُ للشيخ إبراهيم تحضيرَ بعض دروسه التي كان يلقيها على طلبة العِلْم، وكان من زملائه وأصدقاء دربه في تلك الفترة: الشيخ العلامة عبد الرحمن البراك أطال الله عمره على طاعته، والشيخ محمد الدريعي رحمه الله، والشيخ شبيب الدويان رحمه الله.
4. في عام 1374هـ 1955م أُصِيبَ الشيخُ إبراهيم رحمه الله بمرض التدرّن الرئوي، وتعب منه تعبًا شديدًا، وهو ما يعرف بمرض السّل - عافانا الله وإياكم - وكان الشيخ يتحامل على نفسه لمحبّته للعِلْم وأهله، وكان يتوارى أحيانًا عن الناس، حتى عَلِم بمرضه الشيخ ابن باز رحمه الله فكتب حينها لولاة الأمر - غفر الله لهم وجزاهم خيرًا - لعلاجه، فجاء الأمر بنَقْل الشيخ إبراهيم بطائرة خاصّة من المملكة إلى بيروت لعلاجه، فاسْتمرّ هناك ثلاث سنوات للعلاج، وقرّرَ الأطباءُ فيها استئصال الرئة اليمنى كاملة، فعاش رحمه الله بعد ذلك برئةٍ واحدة بقيّة حياته..
5. عاد الشيخ إبراهيم من بيروت فأكمل دراسته الثانوية بمعهد الرياض، ثم التحق بكلية الشريعة، فدَرَس على أيدي المشايخ الجهابذة الكبار كالشیخ ابن باز و ابن غدیان وعبدالرزاق عفيفي، وحمود العقلا، وابن قعود، والشقيطي (رحمهم الله) وغيرهم كثير..
ومن زملائه بالجامعة مفتي المملكة الشيخ عبد العزيز آل الشيخ حفظه الله والشيخ صالح السدلان رحمه الله، والشيخ عبد العزيز الراجحي حفظه الله، والشيخ عبدالله الركبان حفظه الله..
وللشيخ إبراهيم رسائل مُدَوّنة مع الشيخين العلمين الكريمين الشيخ محمد بن عثيمين، والشيخ عبدالله بن جبرين رحمهما الله..
6. عندما تخرّج الشيخ إبراهيم في كلية الشريعة عام 1384هـ 1964م، عُرِض عليه: القضاء، أو الإعادة في الكلية، أو أنْ يكون له كرسي للتدريس في الحرم المكي، فاعتذر من ذلك كلّه، وارتضى المُكث عند والديه بالأفلاج، ونشر العلم والدعوة فيها، لمقارنته بما هو أصلح وأنفع آنذاك.
وفي العام نفسه 1384هـ افْتُتِح المعهد العلمي في الأفلاح، فالتحق به الشيخ، فكان من أوائل من دَرّسوا فيه، وكان معلمًا ومربّيًا لطلاب العلم الذين توافدوا على المعهد فرحين بافتتاحه، والغزارة في مناهجه وعلومه..
وقد تخرّج على يديه في المعهد علماء، ومستشارون، وقضاة ودعاة وغيرهم في مجالات شتى ومنهم على سبيل المثال: الشيخ عبدالله المطلق، والشيخ خلف المطلق، والشيخ مسعود الحقباني، والشيخ حجاب الحقباني والشيخ عبدالله آل زنان، والشيخ سعود المفلح، والشيخ عبد العزيز المفلح، والشيخ حمد آل عتيق، ود. محمد آل فهيد، ود. عبدالله الخرعان، ود. محمد الخرعان، وغيرهم من مئات الطلاب الذين تتلمذوا عليه، ودرسوا بالمعهد خلال ثلاثين عامًا قضاها معلمًا في المعهد منذ تعيينه عام 1384هـ حتى تقاعده عام 1415هـ، فنفع الله به نفعًا كبيرًا في التعليم والفتوى.
7. كان رحمه الله يُحِبّ مدارسةَ العلم، وكثرة المسائل ومناقشتها، وبحثها، وتكرارها، وتدوينها... فما يجلس مجلسًا إلا ويطرح فيه مسألة أو أكثر (فقهية أو لغوية)، فيُحيي مجالسَه بالعِلْم، وربّما كلّف أحدَ الحاضرين من طُلّابه ببحث المسألة ثم عرضها من الغد.. وربّما يُحضِر معه في المجلس كتاباً للقراءة فيه..
كان رحمه الله يلقي الدروس والمحاضرات في المساجد في مدينة ليلى، أو القرى بالتنسيق مع مركز الدعوة والإرشاد بالأفلاج.. كما كان قائمًا بحَلّ المنازعات، والخصومات، والإصلاح بين الناس، وتفريج كرباتهم، وبَذل المعروف لهم، ونَفْعهم بالمشافهة والمهاتفة والمراسلة ..
أما الفتوى فكان منهجُه منهجَ شيخه عبدالعزيز بن باز رحمه الله، وهو اعتماد الحكم بدليله من الكتاب والسنّة، فإنْ كان السائل من العامّة أعطاه الحُكْم مُوجزًا بدليله، وإنْ كان السائل من طلبة العلم فصّل له القول في المسألة، وقد أسند إليه الشيخُ ابن باز الفتيا في الأفلاج، وكان يحيل إليه أهلَ الأفلاج عند مجيئهم إليه لطلب الفتوى..
8. ذكَر عنه تلميذُه الشيخ عبد العزيز المفلح وفقه الله، فقال: لقد قضيتُ مع الشيخ إبراهيم رحمه الله عشرين عامًا، منها ستّ سنوات مُتعلّمًا في المرحلة المتوسطة والثانوية، وأربعة عشر عامًا زميلًا له في التدريس، بل تلميذًا في مُسمّى زميل، فكان يحيطني بالرعاية والتربية والأبوّة..
وقد عُرِف الشيخ رحمه الله بالعلم والفتوى، والتواضع والسماحة، وتقديم النفع للآخرين، وكان ليّن الجانب، سهل الخليقة، كثير التبسّم .. وقد أفدتُ منه كثيرًا في الخطابة وتقييد الفوائد، وكان يشجّعني على ذلك..اهـ.
وقال عنه تلميذه الدكتور محمد الخرعان سلمه الله: كان الشيخ مدرسة تربوية وقامة علمية، له أثرٌ كبير ونافع في محافظة الأفلاج لِمَا حباه الله من الصفات الذاتية والعلمية والعملية.. وعُرِف رحمه الله بحُسْن سَمْتِه، ولُطفه، وابتسامته التي لا تفارق محيّاه، وكانت له في أحد ضواحكه سِنّ من فضة، إذا ابتسم لمَعَتْ، فأضفتْ على ابتسامته جَمَالًا إلى جَمَالِها، وكانت له هيئة ممزوجة بلطف، تفرض على جليسه صغيرًا أو كبيرًا احترامه دون تحاشيه، أو هيبة الحديث معه..
أما طريقته في التدريس فمِن أمتع ما عرفتُ وأيسرها، فقد كان يمزج بين إيصال المعلومة الميسّرة، وبين طريقة الوصول إليها من النص، حتى أصبح الطالب يتعلّم الدرس، ويتعلّم طريقة تقديمه، فكان إذا دخل الفصلَ أخذ بضع دقائق يكتب فيها الحديث على السبورة بخطه الجميل، فقد كان يكتب بخط الرقعة مُلتزمًا بقواعده، وبحَرْف واضح مرتّب، وبعد أنْ ينتهي من كتابة الحديث، يضع علامات التشكيل على الكلمات بحسب الحاجة الإعرابية لنطق الكلمات ومواضعها في الجمل، ثم يضع أسْطُرًا خفيفة تحت بعض غريب الألفاظ في الحديث، ثم يلتفت إلى الطلاب، ويطلب من أحدهم قراءة الحديث، ثم يُعَرّف بالراوي تعريفًا موجزًا، يكتبه على جانب السبورة ثم يبدأ في بيان معاني الكلمات الغربية، وهنا ينتهي تقريبًا دوره في الشرح، وتبدأ عملية المشاركة مع الطلاب في إكمال شرح المادة، وكان يطلب ذلك من أكثر من طالب أحيانًا ليتدرّب الطلاب على شرح الحديث وبيان معناه الإجمالي، ثم بعد ذلك تبدأ خطوة استخراج ما يُستنتج من الحديث من الأحكام والفوائد، فيقوم بتجزئة الحديث بفواصل بمشاركة الطلاب، كل جملة مكتملة في معناها يجعل بعدها فاصلة، أو خطًّا مائلًا، ثم يطلب من الطلاب استخراج الأحكام والفوائد، ويقوم بتسجيل كل منها على جانب السبورة في نقطة مستقلة، لكل منها رقم.
وهكذا ينتهي شرح الدرس، وقد شارك أغلب الطلاب أو جميعهم فيه بتفاعل وحضور ذهني رائع، ثم يستثمر ما تبقّى من وقت الحصة في إجابة بعض الأسئلة أو التوجيهات ..اهـ.
كان الشيخ رحمه الله باذلًا نفسه للعلم والتعليم، ونشره بين الخاصّة والعامة، وبقي على ذلك إلى حين وفاته في: 8/ 10/ 1435هـ..
رحمه الله رحمة واسعة، وجزاه خيرًا عن الإسلام والمسلمين وجعل ما قدمه في ميزان حسناته يوم يلقاه إنه سميع مجيب..

جاري تحميل الاقتراحات...