1. عرفتُ العَمَّ الشيخَ سعد بن إبراهيم الفالح رحمه الله تقيًّا زاهدًا ورعًا، بعيدًا عن الدنيا ومباهجها، لا يَرَى لها في نفسِهِ حظًّا، ولم تكن في قلبه يومًا..
عَرَفتُه وقد كَبُرتْ سِنُّه، ومِن عادة المرء – غالبًا - إذا كبُرَ أنْ يميلَ للكَفَاف، والاستغناء والعَفَاف، لكنْ تبيّن لي أنّ هذا هو طبعه، وتلك سجيّتُه وفِطْرتُه منذ نشأته..
عيّنه الملكُ عبد العزيز عام 1361هـ 1942م إمامًا وخطيبًا في مسجده الذي كان يُصلِّي فيه، المجاور لقَصْره المعروف بجامع المربّع، بتزكيةٍ من شيخه العلّامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ المفتي الأسبق (رحمهم الله جميعًا)، وكان الشيخ سعد حينها في الثلاثين من عُمره، فلم تَزْهُ نفسُه بهذا التعيين، ولم يَتسرّب إليها وهَجُ الإعجاب، وحبّ الثناء والإطراء من أقرانه..
شابٌّ في ربيع العمر، يُصلّي إمامًا بالملك عبد العزيز وأبنائه، ويُلْقِي الخُطبةَ بين يديه، ويَقْرَأُ أَمَامَه مواعظَ بعد الصلوات.. والناس تَعرف مَن هو الملك عبد العزيز، ذلك الإمام المُهَاب، كريم النفس، سخيّ اليَدَ، جزيل العَطَاء..
كان رحمه الله يُجِلُّ الملكَ ويُقدِّره فهو كوَالِدِه، ومن عادته بعد كلّ صلاة أنْ يُسلّمَ عليه، ثم يستأذنه ويخرج من المسجد.. وكان هذا مَثَارَ اسْتغرابِ الملكِ وإعجابه فيه.. فقد ذَكَرَ الشيخُ إبراهيم الشايقي – مسؤول صرف مكافآت طلبة العلم والمشايخ في ديوان الملك آنذاك – للعَمِّ زيد الفالح (رحمهما الله): أنّه بعد أن انتهينا من الصلاة في أحد الأيام، قام الشيخُ سعد كعادته وسَلّم على الملك عبد العزيز ثم استأذنه وخرج.. فالْتَفَتَ إليّ الملك وقال:"يا ابن شايقي! كِلّنْ جَانَا وطَلَب مِنّا وسَألنا نعطيه إلا ابن فالح هذا"، وأثنى الملكُ عليه خيرًا..اهـ.
عَرَفتُه وقد كَبُرتْ سِنُّه، ومِن عادة المرء – غالبًا - إذا كبُرَ أنْ يميلَ للكَفَاف، والاستغناء والعَفَاف، لكنْ تبيّن لي أنّ هذا هو طبعه، وتلك سجيّتُه وفِطْرتُه منذ نشأته..
عيّنه الملكُ عبد العزيز عام 1361هـ 1942م إمامًا وخطيبًا في مسجده الذي كان يُصلِّي فيه، المجاور لقَصْره المعروف بجامع المربّع، بتزكيةٍ من شيخه العلّامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ المفتي الأسبق (رحمهم الله جميعًا)، وكان الشيخ سعد حينها في الثلاثين من عُمره، فلم تَزْهُ نفسُه بهذا التعيين، ولم يَتسرّب إليها وهَجُ الإعجاب، وحبّ الثناء والإطراء من أقرانه..
شابٌّ في ربيع العمر، يُصلّي إمامًا بالملك عبد العزيز وأبنائه، ويُلْقِي الخُطبةَ بين يديه، ويَقْرَأُ أَمَامَه مواعظَ بعد الصلوات.. والناس تَعرف مَن هو الملك عبد العزيز، ذلك الإمام المُهَاب، كريم النفس، سخيّ اليَدَ، جزيل العَطَاء..
كان رحمه الله يُجِلُّ الملكَ ويُقدِّره فهو كوَالِدِه، ومن عادته بعد كلّ صلاة أنْ يُسلّمَ عليه، ثم يستأذنه ويخرج من المسجد.. وكان هذا مَثَارَ اسْتغرابِ الملكِ وإعجابه فيه.. فقد ذَكَرَ الشيخُ إبراهيم الشايقي – مسؤول صرف مكافآت طلبة العلم والمشايخ في ديوان الملك آنذاك – للعَمِّ زيد الفالح (رحمهما الله): أنّه بعد أن انتهينا من الصلاة في أحد الأيام، قام الشيخُ سعد كعادته وسَلّم على الملك عبد العزيز ثم استأذنه وخرج.. فالْتَفَتَ إليّ الملك وقال:"يا ابن شايقي! كِلّنْ جَانَا وطَلَب مِنّا وسَألنا نعطيه إلا ابن فالح هذا"، وأثنى الملكُ عليه خيرًا..اهـ.
2. لقد نشَأَ الشيخُ سعد رحمه الله نشأة صالحة في بيت والده الشيخ إبراهيم بن فالح رحمه الله، وحفظ القرآن الكريم في سِنّ الحادية عشرة، وعندما شَبَّ اتّجه لطلب العِلْم، فدَرَسَ علومَ الشريعة عند مشايخ نجد البارزين آنذاك: الشيخ سعد بن عتيق، والشيخ حمد بن فارس، والشيخ محمد بن إبراهيم المفتي الأسبق (رحمهم الله)، ولازَمَ كثيرًا الشيخَ محمد بن إبراهيم..
لقد وجدتُ مُصَوَّرَةً عَتيقة مُتداولَة لأسماءِ بعض طلبة العلم الذين كانوا يَدْرُسُون في حلقات الشيخ ابن إبراهيم المفتي الأسبق عام 1355هـ 1937م، وألفيتُ فيها اسم الشيخ سعد، والشيخ ابن باز، والشيخ عبد الله بن حميد، والشيخ عبد الرزاق القشعمي، والشيخ سعود بن رشود (رحمهم الله) وغيرهم..
وبالمناسبة كان الشيخ سعد والشيخ ابن باز في سِنٍّ واحدة، فكلاهما من مواليد عام 1330هـ 1912هـ، وكان بينهما علاقة وصُحبة ومَزَامَلَة في التدريس في معهد إمام الدعوة بالرياض..
لقد وجدتُ مُصَوَّرَةً عَتيقة مُتداولَة لأسماءِ بعض طلبة العلم الذين كانوا يَدْرُسُون في حلقات الشيخ ابن إبراهيم المفتي الأسبق عام 1355هـ 1937م، وألفيتُ فيها اسم الشيخ سعد، والشيخ ابن باز، والشيخ عبد الله بن حميد، والشيخ عبد الرزاق القشعمي، والشيخ سعود بن رشود (رحمهم الله) وغيرهم..
وبالمناسبة كان الشيخ سعد والشيخ ابن باز في سِنٍّ واحدة، فكلاهما من مواليد عام 1330هـ 1912هـ، وكان بينهما علاقة وصُحبة ومَزَامَلَة في التدريس في معهد إمام الدعوة بالرياض..
3. بعد أنْ تَرَقّى الشيخُ سعد في العِلْم عرَضَ عليه الشيخُ محمد بن إبراهيم القضَاءَ في مدينة الخرمة – غرب المملكة -، فاعتذر من الشيخِ تورّعًا، فألْزَمَه ابنُ إبراهيم بذلك، فسَكَتَ وسَلَّمَ على الشيخ وخرَجَ من عنده، لكنّه لم يذهب للخرمة، وبعد مدّة جاء وفدٌ من قبيلة سبيع الكريمة من الخرمة، للشيخ سعد في الرياض، وقالوا:"يا شيخ! وينك ننتظرك في الديرة، فالشيخ ابن إبراهيم قد أخبرنا بمجيئك".. فقال لهم:"ما نيب جايكم".. فذهبوا للشيخ ابن إبراهيم وأخبروه بما قال، فأَعَاد عليه الأمر.. وخشيةً من أنْ يُحْرَج الشيخُ سعد مع شيخه ابن إبراهيم، استشفع بالملك سعود رحمه الله عنده كي يُعْفيَه من القضاء، فقال الملكُ للشيخ ابن إبراهيم:"يا شيخ محمد! ما لك درب على الشيخ سعد، نبيه يبقى عندنا في الجامع"، فوافق الشيخ ابن إبراهيم، لكنّه استدعى الشيخَ سعدًا، وقال له:"ما دُمْتَ رفَضْتَ القضاء، فسأُعيّنُكَ مدرّسًا في معهد إمام الدعوة"، فوافق الشيخ سعد، وكان ذلك عام 1375هـ 1956م، أي بعد افتتاح المعهد بسَنَة، فدَرّسَ الشيخُ في المعهد الفقهَ، والفرائضَ، والحديث، والتفسير، والتوحيد، وبَقِي مدرّسًا فيه إلى حين تقاعده عام 1393هـ 1973م..
4. لقد كان معهد إمام الدعوة العلمي آنذاك يزهو بمشايخه وأساتذته الكبار الذين يُدرّسون فيه، ومنهم: الشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ محمد الأمين الشنقيطي، والشيخ حمّاد الأنصاري، والشيخ أحمد البنعلي (علامة قطر وقاضيها)، والشيخ إسماعيل الأنصاري، والشيخ عبدالعزيز الشثري (أبو حبيب)، والشيخ عبدالله بن قعود، والشيخ محمد بن عبدالرحمن بن قاسم، والشيخ عبدالعزيز بن شلهوب - مدير المعهد-، والشيخ عبدالعزيز السلمان (رحمهم الله جميعًا)، وغيرهم..
لقد دَرَسَ على الشيخ سعد في معهد إمام الدعوة كثيرٌ من طلبة العِلْم، ومِن أبرزهم سماحة المفتي الشيخ عبد العزيز آل الشيخ حفظه الله، والشيخ ناصر الشثري - والد الشيخ سعد -، والشيخ عبد الله بن جبرين (رحمهما الله)..
لقد دَرَسَ على الشيخ سعد في معهد إمام الدعوة كثيرٌ من طلبة العِلْم، ومِن أبرزهم سماحة المفتي الشيخ عبد العزيز آل الشيخ حفظه الله، والشيخ ناصر الشثري - والد الشيخ سعد -، والشيخ عبد الله بن جبرين (رحمهما الله)..
5. ذكَرَ لي الشيخُ عبد الله - ابن الشيخ سعد – أنّ والدةَ الأمير طلال بن عبد العزيز (رحمهما الله)، كانت تُقدِّر والدَه وتَسْتَحْسِنُ تلاوته، وكانت عندما تعتريها بعضُ الأمراض، تطلب من الوالد أنْ يَقرأ لها في الماء، حيث يأتي سائقُها بالقَنَانِي المَلْأى بالماء، فيعطيها الوالدَ ليقرأ فيها القرآن...
يضيف الشيخ عبد الله: كنتُ صغيرًا آنذاك، وأذكُرُ مرّةً جاء سائقُ الأميرة ليأخذ القناني، ونادى الوالدَ ليُعطيه شيئًا من الصندوق الخلفي للسيارة، فتساءل الوالدُ: ما هذا؟! فقال السائق:"هذه هديّة من الأميرة لكم"، فرفَض الوالد أَخْذَها، فأصرّ السائقُ قائلًا:"الأميرة محرّصتني تاخذها يا شيخ"، فما كان من الوالد إلا أنْ وضَع يَدَه على غطاء الصندوق، ونَهَرَ السائقَ بقوله:"طبّقْ الصندوق طبّقه".. ورفض أَخْذَ الهديّة..
يقول الشيخ عبدالله: وعندما دخلتُ البيتَ وأخبرتُ الوالدةَ بما حدَث قالت للوالد:"يا شيخ مهيب زينة نردّ هديّة الأميرة، يمكنّها كسوة، ولا بخور، ولا دهن عود".. فدَعَا الوالد للأميرة على فِعْلِها، لكنّه أصرّ على عدم أَخْذِ الهدايا..
يضيف الشيخ عبد الله: كنتُ صغيرًا آنذاك، وأذكُرُ مرّةً جاء سائقُ الأميرة ليأخذ القناني، ونادى الوالدَ ليُعطيه شيئًا من الصندوق الخلفي للسيارة، فتساءل الوالدُ: ما هذا؟! فقال السائق:"هذه هديّة من الأميرة لكم"، فرفَض الوالد أَخْذَها، فأصرّ السائقُ قائلًا:"الأميرة محرّصتني تاخذها يا شيخ"، فما كان من الوالد إلا أنْ وضَع يَدَه على غطاء الصندوق، ونَهَرَ السائقَ بقوله:"طبّقْ الصندوق طبّقه".. ورفض أَخْذَ الهديّة..
يقول الشيخ عبدالله: وعندما دخلتُ البيتَ وأخبرتُ الوالدةَ بما حدَث قالت للوالد:"يا شيخ مهيب زينة نردّ هديّة الأميرة، يمكنّها كسوة، ولا بخور، ولا دهن عود".. فدَعَا الوالد للأميرة على فِعْلِها، لكنّه أصرّ على عدم أَخْذِ الهدايا..
6. ويذكر الشيخُ عبد الله موقفًا آخر عن والده الشيخ سعد رحمه الله، وهو أنّ الملك سعود رحمه الله قد طلب مِن رئيس الشؤون الخاصة أنْ يَستدعي الشيخَ سعدًا لأمرٍ يريده فيه، فقال له:"طال عمرك الشيخ سعد ما عنده سيّارة!!".. فقال الملك:"بلّغوا الشيخ بأنْ السائق سيأتيه ويأخذه".. وبعد أن انتهى لقاءُ الملكِ بالشيخ، أسَرَّ الملكُ لرئيس الشؤون الخاصة بأنْ يُخْبِرَ السائقَ إذا رجع بالشيخ، أنْ يُوقِف السيارةَ عند باب منزله ويعطيه مفتاحها، ويُخْبِره بأنّها هدية من الملك سعود.. يقول الشيخ عبد الله: وعندما نزل الوالد مِن السيارة، وأراد دخول البيت تفاجأ بأنّ السائقَ قد أوقف السيارة قريبًا من الباب وأطفأها وأتى له بمفتاحها.. - وكانت السيارة حمراء فخمة من نوع "الكدلك"-، وقال للوالد:"هالسيارة طال عمرك هديّة لكم من الملك"، فقال الوالد:" ياولدي! أنا ما أعرف أسوق، والعيال توّهم صغار ما يعرفون يسوقون، فسلّمْ لي على الملك وبلّغه شكري، وعلّمه باللي قلتُ لك".. وكان أخوايَ عبد الرحمن وعبد العزيز (رحمهما الله) عند الباب يَرْقبان المشهد، فما إن انتهى حديث الوالد مع السائق، حتى جنّ جنونهما، وأخذت دموعهما تتزاحم في عينيهما حسرةً على خسارة هديّة لا تُعَوّض بثمن آنذاك.. وأخَذَا يتحدّثان مع الوالد وعبراتهما تُسَابِق كلماتهما ويقولان:"إنْ شا الله بنكْبَر ونتعلّم السواقة.. ليتك وافقت وأخذتها".. فلم يرد الوالد عليهما، وكان هذا منهجه رحمه الله الذي لا يتزحزح عنه..
7. ذكَرَ لي ابنُ عمّتي الأستاذ سعد الفالح نقلًا عن أحد أبناء الشيخ سعد أنّ الأمير طلال بن عبد العزيز رحمه الله كان يُجِلّ الشيخَ ويُحبّه ويزوره ويتصل به كثيرًا، وفي أحد الأيام زار الشيخَ وكان ذلك في السنوات الأخيرة من حياته، فرآه مُتعبًا مُجْهَدًا، فقال له:"يا شيخ! تحتاج علاج أو عناية خاصة ترى يسعدنا أن نقدّم لك الخدمة"، فقال الشيخ:"الحمد لله أبشرك إني بخير وعافية ولا أحتاج شيئًا"، فطَلَب الأميرُ من الشيخ أنْ يأخذَ اسمه وأسماء أبنائه وبناته وأحفاده وأرقام هويّاتهم المدنيّة؛ كي يطلب لهم إعانة سنوية من الديوان، فاعتذر الشيخ، فأصرّ الأمير، فاعتذر وقال:"أنا ما بي شي! وهالعيال عندك خذ منهم اللي تبي"، فأخذ الأمير منهم ما أراد سوى الشيخ رحمه الله..
وكان للشيخ سعد رحمه الله معاملة لدى إحدى الدوائر الحكومية، فتعثّرتْ وطال بها الوقت، وقال الموظف المسؤول:"إنْهاءُ المعاملة نحتاج فيه إلى توجيه".. فاقترح عبدُ الله ابنُ الشيخ سعد عليه، أنْ يذهبا إلى إمارة الرياض، ويعرضا الأمر على المسؤولين..
يقول الشيخ عبد الله: ذهبتُ أنا والوالد رحمه الله لإمارة الرياض، فلمّا دخلنا على الأمير سطام بن عبد العزيز رحمه الله - وكان أميرًا للرياض بالإنابة وقْتَذَاك – ورأى الوالد قام من مكتبه وبادر إليه وقال:"الشيخ سعد.. الشيخ سعد! الله يحييك يا شيخ" وقبّلَ رأسه.. ثم أخذه بيده وأجلسه قريبًا منه، فعَرَضَ الوالدُ عليه الموضوع، فوَجَّهَ الأميرُ الجهةَ بحلِّ الأمر وإنهائه فورًا..
وكان للشيخ سعد رحمه الله معاملة لدى إحدى الدوائر الحكومية، فتعثّرتْ وطال بها الوقت، وقال الموظف المسؤول:"إنْهاءُ المعاملة نحتاج فيه إلى توجيه".. فاقترح عبدُ الله ابنُ الشيخ سعد عليه، أنْ يذهبا إلى إمارة الرياض، ويعرضا الأمر على المسؤولين..
يقول الشيخ عبد الله: ذهبتُ أنا والوالد رحمه الله لإمارة الرياض، فلمّا دخلنا على الأمير سطام بن عبد العزيز رحمه الله - وكان أميرًا للرياض بالإنابة وقْتَذَاك – ورأى الوالد قام من مكتبه وبادر إليه وقال:"الشيخ سعد.. الشيخ سعد! الله يحييك يا شيخ" وقبّلَ رأسه.. ثم أخذه بيده وأجلسه قريبًا منه، فعَرَضَ الوالدُ عليه الموضوع، فوَجَّهَ الأميرُ الجهةَ بحلِّ الأمر وإنهائه فورًا..
8. ذَكَرَ لي الأخ معاذ بن عبد الله – حفيد الشيخ سعد – أنّ جدّه كان يُكْثِر الدعاء لأخيه الأكبر عبد الرحمن رحمه الله، فهو مَن رَعَاه وهو صغير بعد وفاة أبيه، وكان حريصًا عليه لينشأ صالحًا حافظًا للقرآن، فقد كان يتعاهدُه في ذلك، حتى إنّه كان يُغلِق عليه سطح البيت ليتفرّغ للحفظ ولا ينشغل بأيّ أمر آخر، ومَرّة أتاه أحدُ الأقارب وقال له: هذا ابني! دَعْهُ يجلس مع سعد ليحفظا القرآن معًا.. فمَرّ بهما عبد الرحمن يومًا ووجدهما يتحدّثان ويلعبان، فقال للفتى: لا تأتِ إلينا بعد هذا اليوم.. وأخبر والدَه بأنّ ابنه قد أشغل أخاه سعدًا عن الحفظ..
يُضيف معاذ: بأنّ جَدّه كان يدعو كثيرًا: "اللهم اغفر لي وأخي"، وكان يُشْرِكْه في أُضْحيته كلّ سنة، ويقول: لقد كان لأخي عبد الرحمن فضلٌ كبير علَيّ؛ إذْ كان سببًا بعد الله في حِفْظِي القرآن، فأنا أدعو له بِرًّا به، وبخاصّة أنه كان عقيمًا ولم يُرزق بالولد..
يُضيف معاذ: بأنّ جَدّه كان يدعو كثيرًا: "اللهم اغفر لي وأخي"، وكان يُشْرِكْه في أُضْحيته كلّ سنة، ويقول: لقد كان لأخي عبد الرحمن فضلٌ كبير علَيّ؛ إذْ كان سببًا بعد الله في حِفْظِي القرآن، فأنا أدعو له بِرًّا به، وبخاصّة أنه كان عقيمًا ولم يُرزق بالولد..
9. كان للشيخ سعد صِلَةٌ وعلاقةُ وِدٍّ بالعلّامة ابن باز رحمه الله، ومرّةً اجتمعا في مناسبةِ زواج دعا إليها أحدُ المشايخ، وفي نهايتها دعا الشيخُ سعد الشيخَ ابن باز لزيارته والتشرّف به في منزله، فقال ابن باز:"إن شاء الله.. لعلّ ذلك يكون في مناسبة زواج أحد الأبناء".. فقال الشيخ سعد:"عيالي أبشرك كلهم تزوّجوا، لكن أريد منك موعدًا يا شيخ عبد العزيز".. فابتسم ابن باز رحمه الله وقال: "لا بأس.. يتزوّجون ثانية وثالثة ورابعة وأجيكم إن شاء الله"، فضحك الجميع..
10. صلّى الشيخُ سعد بجامع الملك عبد العزيز (رحمهما الله) إمامًا وخطيبًا مدة 44 عامًا، منذ أن عيّنه الملك سنة 1361هـ 1942م إلى أنْ طلَبَ الإعفاء من الإمامة عام 1405هـ 1985م.. وكان قبل ذلك قد استأذن من الملك فيصل رحمه الله في عام 1390هـ 1970م أنْ يُعْفِيَه من الخطابة يوم الجمعة، فوافق الملك على ذلك، لكنّه بَقِي إمامًا حتى عام 1405هـ.. وعُيّن خليفةً له في الخطابة الشيخ إسماعيل بن عتيق، لكنّه لم يستمرّ طويلًا، ثم عُيّن الشيخ عبد الله بن قعود رحمه الله (عضو هيئة كبار العلماء الأسبق) خطيبًا للجامع عام 1391هـ 1971م واستمرّ إلى عام 1418هـ 1998م..
يصف الشيخ عبد الله – ابن الشيخ – مشهدَ صلاة الجمعة في الجامع على وقت الملك فيصل رحمه الله فيقول: كنتُ صغيرًا إذ ذاك، وأذكر أنّ الملكَ فيصلًا رحمه الله كان ُيَصلّي في زاوية الجامع الجنوبية الغربية، وعند خروج الملك من المسجد بعد انتهاء الصلاة كان يُحيّي الناس بيده، وكثير منهم كانوا يصطفّون على جنبات الطريق المحاذي للمسجد يُحَيّونه، وبعض الشباب والصغار كانوا يَتسلّقون على جدار ثانوية اليمامة ليشاهدوا الملك ويُحَيِّوه..
يصف الشيخ عبد الله – ابن الشيخ – مشهدَ صلاة الجمعة في الجامع على وقت الملك فيصل رحمه الله فيقول: كنتُ صغيرًا إذ ذاك، وأذكر أنّ الملكَ فيصلًا رحمه الله كان ُيَصلّي في زاوية الجامع الجنوبية الغربية، وعند خروج الملك من المسجد بعد انتهاء الصلاة كان يُحيّي الناس بيده، وكثير منهم كانوا يصطفّون على جنبات الطريق المحاذي للمسجد يُحَيّونه، وبعض الشباب والصغار كانوا يَتسلّقون على جدار ثانوية اليمامة ليشاهدوا الملك ويُحَيِّوه..
11. كان الشيخ رحمه الله يَعتني بخُطَبه ويكتبها بخطّ يده، ويحرص على القضايا التي تَهُمّ المسلمين في دينهم وعبادتهم، وكانت خُطَبُه مركّزة، لا طويلة مملّة، ولا قصيرة مخلّة، وكان يكتبها رحمه الله مما حباه اللهُ من العِلْم، فلا يرجع إلى مراجع أو كتب..
يقول الشيخ عبد الله: لم يكن جامع المربّع قريبًا من منزلنا، فقد كان في أقصى جنوب حي المربّع، وكان الوالد رحمه الله يَترددّ راجِلًا إلى الجامع، وكان يَبْقى فيه بين المغرب والعشاء، حيث يأتيه بعض (أخويا) الملك عبد العزيز رحمه الله، ويجلسون معه ويُقَدِّمون له القهوة والتمر، ويأنسون بحديثه وتذكيره ووعظه، ومنهم: عبد العزيز بن طايع الدوسري رحمه الله..
يضيف الشيخ عبد الله: بَقِي الوالد على هذه الحال، يذهب على رجليه للجامع، إلى حين تخرّجي من الثانوية، فاشترى لي سيارة مستعملة بسبعة آلاف ريال، فكنتُ بعدها أذهب به إلى الجامع بالسيارة..
يقول الشيخ عبد الله: لم يكن جامع المربّع قريبًا من منزلنا، فقد كان في أقصى جنوب حي المربّع، وكان الوالد رحمه الله يَترددّ راجِلًا إلى الجامع، وكان يَبْقى فيه بين المغرب والعشاء، حيث يأتيه بعض (أخويا) الملك عبد العزيز رحمه الله، ويجلسون معه ويُقَدِّمون له القهوة والتمر، ويأنسون بحديثه وتذكيره ووعظه، ومنهم: عبد العزيز بن طايع الدوسري رحمه الله..
يضيف الشيخ عبد الله: بَقِي الوالد على هذه الحال، يذهب على رجليه للجامع، إلى حين تخرّجي من الثانوية، فاشترى لي سيارة مستعملة بسبعة آلاف ريال، فكنتُ بعدها أذهب به إلى الجامع بالسيارة..
12. قلتُ: جمَعني مجلسٌ قبل سنوات أيام كنتُ طالبًا في الجامعة بالشيخ خالد الشريمي وفقه الله (القارئ المعروف)، وكان لطيفَ المعشر ودودًا.. فأخذ يسأل ويتعرّف على الحاضرين، فعندما عَلِم أني من عائلة (الفالح)، سألني: هل تعرف الشيخ سعد الفالح؟ فقلتُ: نعم، هو مِن أعمامي.. قال: لقد درّسني في معهد إمام الدعوة بالرياض، وكان رحمه الله حازمًا في تدريسه حريصًا على الطلاب وتعليمهم وكان شديدًا في ذلك.. ثم أثنى عليه كثيرًا وعلى ديانته وورعه وعدالته بين الطلاب..
...
كان والدي عبد الله - رحمه الله - كثيرَ الزيارة للعمّ سعد، ويحكي لي دائمًا عن زهده وورعه وإعراضه عن الدنيا والزهد عمّا في أيدي الناس، وعدم حُبّه أنْ يذكره أحدٌ أو يُطْرِيه، بل يسعى دائمًا إلى خُمُول ذِكْرِه وكبْتِ جوانح نفسه، وكان يقول لي: "عمّك سعد، لو أراد الدنيا لفُتِحَتْ عليه أبوابُها من كل جهة، ولأصبح من الأثرياء في زمن استغلّ فيه كثير من الناس الفرصةَ في قربهم من المسؤولين، والطّفرةَ التي عَمّت آنذاك فأثْرَوا وتَجِرُوا، وتغيّرت أحوالُهم غِنىً وأموالًا، لكنّ الدنيا لم تكن تُمثِّل له شيئًا، فقد جعلَ الآخرة نصب عينيه، فاشتغل بها عن حطام زائل..
ومن اللطائف التي ذكرها لي والدي عن الشيخ سعد (رحمهما الله)، ما قاله: العمُّ سعد صَموت قليل الكلام، وعليه هيبةُ أهل العلم وخشوعهم، لكنّه تظهر لَطَافتُه في بعض المواقف.. فقد كنتُ عنده مرّةً فأتى أحدُ أحفاده الصغار، يشكو من ضيق حذائه (كنادر) الجديد على رجليه، فقال الشيخ:"ليه وأنا أبوك! رجليك مهيب معك يوم تروحون للسوق!!" .. يقول والدي: فضحكتُ، وابتسم الشيخ رحمه الله..
...
كان والدي عبد الله - رحمه الله - كثيرَ الزيارة للعمّ سعد، ويحكي لي دائمًا عن زهده وورعه وإعراضه عن الدنيا والزهد عمّا في أيدي الناس، وعدم حُبّه أنْ يذكره أحدٌ أو يُطْرِيه، بل يسعى دائمًا إلى خُمُول ذِكْرِه وكبْتِ جوانح نفسه، وكان يقول لي: "عمّك سعد، لو أراد الدنيا لفُتِحَتْ عليه أبوابُها من كل جهة، ولأصبح من الأثرياء في زمن استغلّ فيه كثير من الناس الفرصةَ في قربهم من المسؤولين، والطّفرةَ التي عَمّت آنذاك فأثْرَوا وتَجِرُوا، وتغيّرت أحوالُهم غِنىً وأموالًا، لكنّ الدنيا لم تكن تُمثِّل له شيئًا، فقد جعلَ الآخرة نصب عينيه، فاشتغل بها عن حطام زائل..
ومن اللطائف التي ذكرها لي والدي عن الشيخ سعد (رحمهما الله)، ما قاله: العمُّ سعد صَموت قليل الكلام، وعليه هيبةُ أهل العلم وخشوعهم، لكنّه تظهر لَطَافتُه في بعض المواقف.. فقد كنتُ عنده مرّةً فأتى أحدُ أحفاده الصغار، يشكو من ضيق حذائه (كنادر) الجديد على رجليه، فقال الشيخ:"ليه وأنا أبوك! رجليك مهيب معك يوم تروحون للسوق!!" .. يقول والدي: فضحكتُ، وابتسم الشيخ رحمه الله..
13. ومن اللطائف عن الشيخ رحمه الله أنّه كان شاعرًا، لكنّه مُقِلّ، فقد شغلَه العِلْمُ والإمامة عن ذلك، وربّما أتته بعضُ المواقف والأحداث، فحرّكت أشجانه، فتنساب منه الأبيات عذبةً رائعة، كهذه القصيدة التي رثى فيها زوجته ورفيقة دربه: أم إبراهيم نورة الرشود رحمهما الله.. ومما جاء فيها:
أحَقًّا عِبادَ اللهِ أنْ لسْتُ ناظِرًا
إلى أُمِّ إبراهيمَ يومًا مِن الدّهْرِ!
مَضَتْ زِينةُ الدنيا ونورُ ظَلامِها
إلى قَبْرِها المَوعُودِ فِي أوّلِ العُمْرِ
وظَلّتْ عُيوني تَسْكُبُ الدّمْعَ بَعْدَها
وَكَادَ فؤادي أنْ يطيرَ مِن الصّدْرِ
فيَا حُزْنِي مِن فَقْدِها بَعْدَ مَوتِها
ويا حَسْرةً كانتْ أحَرَّ مِن الجمْرِ
لَعَمْري لئِنْ أمْسَتْ رهينةَ قَبْرِها
فمَنْزلُها في الصّدرِ باقٍ مَدَى الدّهْرِ..
أحَقًّا عِبادَ اللهِ أنْ لسْتُ ناظِرًا
إلى أُمِّ إبراهيمَ يومًا مِن الدّهْرِ!
مَضَتْ زِينةُ الدنيا ونورُ ظَلامِها
إلى قَبْرِها المَوعُودِ فِي أوّلِ العُمْرِ
وظَلّتْ عُيوني تَسْكُبُ الدّمْعَ بَعْدَها
وَكَادَ فؤادي أنْ يطيرَ مِن الصّدْرِ
فيَا حُزْنِي مِن فَقْدِها بَعْدَ مَوتِها
ويا حَسْرةً كانتْ أحَرَّ مِن الجمْرِ
لَعَمْري لئِنْ أمْسَتْ رهينةَ قَبْرِها
فمَنْزلُها في الصّدرِ باقٍ مَدَى الدّهْرِ..
14. لقدّ مَدّ اللهُ في عُمر الشيخ سعد رحمه الله، فعاش طويلًا، فعند وفاته أوائل عام 1427هـ 2006م كان قريبًا من المئة عام، ونحسبه من الذين طالت أعمارهم وحسُنت أعمالُهم، وقد عاش طوال هذه السنين عفيفًا ورعًا زاهدًا عما في أيدي الناس، يقول ابنُه الشيخ عبد الله: إنّي لا أذكر الوالدَ رحمه الله - على طول حياته - سأل أحدًا شيئًا، أو طلَب مِن أحدٍ شيئًا رغم قِلّة ذات يده، فراتبُه الأساس والتقاعدي كان زهيدًا، لكنّ الله بارك فيه، فأغناه عن الناس، بل كان بيتُه مفتوحًا لأهله وأقاربه من داخل مدينة الرياض وخارجها، فقد كان البيتُ مقصدًا لجماعته وأحبابه..
...
قلتُ: هذه القصص عن الشيخ سعد وغيره تُظهِر لنا نحن جيل هذه الأيام، أنّ الزهد في الدنيا والروع ليس أمرًا خياليًّا لا نسمعه ولا نقرؤه إلا في سير السلف رحمهم الله، ففي أيامنا رجالٌ زهّاد استنّوا بطريقتهم، لكن ذلك لا يتأتّى إلا بمعرفة الله حقّ معرفته، وخشيته، والتقرّب إليه بالعبادة والطاعة، كما أنّهم عرفوا حقيقة الدنيا الزائلة حقّ المعرفة فزهدوا فيها..
كما أنّ سرد هذه القصص تُبرز لنا العلاقة الفريدة المتميزة في هذه البلاد المباركة بين ولاة الأمر والعلماء، والإحسان إليهم وتقديرهم، وهذا ظاهر منذ عهد الملك المؤسس والملوك السابقين من بعده (رحمهم الله)، إلى يومنا هذا في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان وسمو ولي عهده وفقهما الله..
- رحم الله الشيخ سعد بن إبراهيم الفالح رحمة واسعة، وجمعنا الله به وإياكم ووالدينا في مستقر رحمته..
...
قلتُ: هذه القصص عن الشيخ سعد وغيره تُظهِر لنا نحن جيل هذه الأيام، أنّ الزهد في الدنيا والروع ليس أمرًا خياليًّا لا نسمعه ولا نقرؤه إلا في سير السلف رحمهم الله، ففي أيامنا رجالٌ زهّاد استنّوا بطريقتهم، لكن ذلك لا يتأتّى إلا بمعرفة الله حقّ معرفته، وخشيته، والتقرّب إليه بالعبادة والطاعة، كما أنّهم عرفوا حقيقة الدنيا الزائلة حقّ المعرفة فزهدوا فيها..
كما أنّ سرد هذه القصص تُبرز لنا العلاقة الفريدة المتميزة في هذه البلاد المباركة بين ولاة الأمر والعلماء، والإحسان إليهم وتقديرهم، وهذا ظاهر منذ عهد الملك المؤسس والملوك السابقين من بعده (رحمهم الله)، إلى يومنا هذا في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان وسمو ولي عهده وفقهما الله..
- رحم الله الشيخ سعد بن إبراهيم الفالح رحمة واسعة، وجمعنا الله به وإياكم ووالدينا في مستقر رحمته..
مع التحية .. رتبها لو تكرمت.
@rattibha
@rattibha
جاري تحميل الاقتراحات...