عقلسي
عقلسي

@Mr_3QL

27 تغريدة 32 قراءة Jun 02, 2024
[يُسر الهدم والنقد، عُسر البناء والابتداء: كتابات يوسف سمرين أنموذجا]
مِن المؤلفين مَن يتغذى على موائد غيره البنائية، ترى في عامة كتاباته التسلق على أكتاف الآخرين.
وبسطاء القراء، يُعلون الناقد على المنقود.
لسان حالهم -وأحيانا مقالهم-: الناقد قدرَ على نبش أخطاء عند المنقود؛ فلا بد أنه أعلم وأفهم.
لا سيما إذا دعّم الناقد نقده بالسخرية ونبرات الاستعلاء.
ولأنهم بسطاء، حديثو عهد بالقراءة، بَلْهَ التأليف والكتابة، لا يدرون يُسر هذا النوع من الكتابات.
فلنبادل أحد أصحاب هذا الجنس من التآليف، المعاملةَ، بتصفح أكبر يتامى أطروحاته البنائية، ولا ننسى أن نزينها بجملة من التفكه والتعالي.
1- عسل بالبصل:
فقرة بنكهة البصل المحلى بالعسل، تحتار من أين تبدأ بالكلام عليها:
أ- يتوهم أن مخالفة ابن تيمية لتقريرات المتكلمين في إثبات حدوث الذوات بطريق حلول الحوادث فيها، يستلزم المخالفة في تنزيه الله عما يوجب النقص والحدوث.
ب- يخلط بين أصل التنزيه عن سمات الحدث، والخلاف في تعيين سمات الحدث؛ فيظن نزاع ابن تيمية للمتكلمين في الثاني هو نزاع في الأصل.
ومع أن البراءة من هذا الخلط لا تفتقر إلا لذكاء متوسط هو شرط إقحام النفس في هذه العلوم، إلا أن ابن تيمية نفسه قد ساعد البلداء بالتصريح.
فهل يؤلف كتابا في مذهب ابن تيمية من لم يقرأ لابن تيمية؟
ويبدو أن الرجل قد أدرك عدم تحرر هذه المسائل في عقله، فاختار رمي جملة في الحاشية ظنها ستسعفه، فصارت دليلا على تجشمه ما لم يفهمه.
ولنا أن نسأل بعد ذلك:
قد خصصتَ فصلا في كتاب فلسفي عنونته "تطور مواقف ابن تيمية"، ثم اكتفيت بهذا النص؛ فإن كان النص محتملا عندك ألا يكون شاهدا على التطور الفلسفي (وهو كذلك)، فما بديلك؟
لا بديل عنده؛ فانقلب شاهد فصله، أن صار شاهدا آخر على ضعف اطلاعه على مؤلفات من ألّف في مذهبه.
ج- أقحمَ مسألة تسلسل حوادث لا بداية لها، على نحوٍ تنتفض منه أجساد القارئين خجلا؛ إذ ذِكرها بلا مناسبة من شيم مبتدئي العلوم العقلية، وعلامة على أصحاب المسألة الواحدة.
2- قلة الاطلاع:
وشواهدها كثيرة، سبق ذكر بعضها؛ فمن ذلك أيضًا:
أ- من النصوص الذائعة عند صغار القراء للتراث التيمي، بل المكتفين بالقراءة "عنه" لا "له"، نص أبان فيه بكور اشتغاله بالمباحث العقلية.
لكن سمرين غفل عنه، فتصور سلم واقع القراءة التيمية كسلم التوجيهات النظرية لمريدي الطلب: إحكام العلوم الشرعية، ثم القراءة الفلسفية.
ب- تفسير التشبيه في حديث الرؤية، أنه تشبيه للرؤية بالرؤية، هو عند سمرين من ابتكارات المتأخرين، لعله ابن رجب.
تعبير يذكرني بتعبيرات المثقفين في مؤلفاتهم: الشوكاني (تـ1250هـ) قال التواتر يفيد العلم.
الدالة على تطفلهم.
لا أفهم هذا الأسلوب منه إلا كذلك؛ إذ دعك من ورودها عن المتقدمين، فما موجب إغفال الاستشهاد بنصوص من يؤلف عنه (ابن تيمية) لا سيما مع وجودها في صغار مؤلفاته كالتدمرية (ص: 78) ؟
ج- يا شباب، أما علمتم أن التقابل بين الجسمانيات والروحانيات، قد ورد في كتابات الرازي؟
اعلُ في الإسناد على الأقل، ومثل بفيلسوف حقيقي كابن سينا:
"وإذا كانت الموجودات بالقسمة الكلية إما روحانية وإما جسمانية..." (تسع رسائل في الحكمة والطبيعيات ص: 137).
ولئلا تضطر إلى التنبيه بحاشية أن الرازي قالها في سياق تقرير طريقة غيره.
لكن أعذرك؛ فضعف الاطلاع، من موجبات الاضطرار.
3- المكنسة:
"ويقال: هو (الفروع لابن مفلح) ‌مِكْنَسَةُ ‌المذهب"
وأقول: كتاب سمرين، هو مكنسة كناشته.
شعار منهجه الذي أحسن الوفاء به: لن ينجو نص وقفت عليه فأعجبني، من صبه في الكتاب.
فكانت نتيجة ذلك كثرة رصف الاقتباسات والفوائد وسط الكلام على قضايا الكتاب.
وهذه ملحوظة شكلية لا ينبغي التشاغل بها، لولا أنها طالت المعاني والمقاصد؛ فمثلا جعل نص هوكنج (1992م) مفسرا لموقف له في نص آخر (2010م).
وليس الشأن تباعد الزمان فقط، بل اختلاف السياقين، والأهم: إقراره بالنص المتقدم أن المسألة مجالها الفلسفة، إنما المأخذ هو في أهلية فلاسفة عصره.
لكن تحريف مواقف الناس وتصويرها شخصية الباعث (الفلسفة ماتت لأن الفلاسفة لم يكونوا لطفاء معي!)، وخيانة ثقة القارئين لسمرين بسمرين، الذين لن يتتبعوا اقتباساته؛ كل ذلك يهون عند سمرين في سبيل المبدأ:
هذا نص أعجبني، فلا بد أن أرميه في إحدى زوايا الكتاب.
4- نسخ لصق:
الشعر = البوطيقا
حتما هذه لم تغب عن باحث كبير بالفلسفة كصاحبنا! فلنلقي اللائمة إذن على النسخ فاللصق.
5- الاعتساف:
الغزالي يقول: "عندهم"
وسمرين يقول: "تعريف الغزالي"
كل ذلك خدمةً لتصويره أطوار علم الكلام ونشأته (والذي يؤلف فيه الآن!)
وهو تصور رجل مستقرٍ مستوعب لا شك؛ إذ تنزيه البارئ عن "سمات الحدوث" تعبير بدأ مع الغزالي تأثرا بفكرة أرسطو!
6- الرضا بسفول السند:
القارئ، سيلحظ كثرة اعتماد المؤلف على المعاصرين وأشباههم في فهمه للمذاهب، بل وانتزاع النصوص والاستشهادات من جهود غيره من الباحثين.
وخطب الثانية ليس كالأولى؛ فالاعتماد على الفهم يوقع في زلل تكرار أخطاء ينبغي أن يتنزه عنها الباحث الجاد، مبتغي الإضافة والتجديد.
أ- في سبيل إثباته تميز ابن تيمية، كرر خطأ منتشرا بين الباحثين في فهم مراد الفارابي بوحدة الفلسفة.
الوحدة عند الفارابي إما أن تعود إلى وحدة فلسفة شخصين فقط (أرسطو وأفلاطون)، أو الفلسفة التي أصابت حقائق الأشياء بما هي عليه (لأن الفلسفة "العلم بالموجودات بما هي موجودة")
وأرسطو وأفلاطون -عند الفارابي- بلغا هذه الإصابة؛ فوحدة الفلسفة -على هذا النحو- نتيجة طبيعية لعدم تعدد الحقائق.
وإذا تجاوز النظر فيلسوفين، فاختلاف آراء الفلاسفة -باطنا- عندئذٍ لا ينبغي أن يُنسب غياب اعتقاده إلى بقرة اعتلفت ورقتين، فضلا عن مشتغل بالفلسفة كالفارابي.
إذن من المعيب محاولة إثبات ذلك بتصريح من الفارابي نفسه، لكني مضطر لارتكاب هذا العيب لعلمي أن المقلدة لا يسكتها إلا ذلك:
"الأشياء التي تختلف فيها آراء الفلاسفة، منها ما هي عظيمة... مثل قولنا هل العالم أزلي أم لا؟ فإن هذا مما يختلف فيه الفلاسفة، وهو عظيم..." (المنطقيات للفارابي: 1/ 428).
ب- ارتضى نقل الشوكاني مع وجود كتب المنقول عنه؛ فأدى ذلك إلى استشهاده بنص يخالف مراده.
وأصل مقصوده موجود في مواضع أخرى من كتب أصول الفقه، لكن الرجل ‌أُتِيَ من قلة اطلاعه أو تقليده الأعمى لغيره.
خاتمة:
هذا كله بجولة سريعة على بعضٍ من كتاب واحد فقط.
وقد تعمدت اختيار كتابٍ له، فحَصَه وراجعه مئة مرة قبل أن ينشره، جزء منه هو رسالته في الماجستير التي يتباهى بنيلها جائزة في جامعته (وكأن هذه الجامعات وهيئة التدريس فيها الذين اختاروا رسالته = ليسوا متواضعي الأهلية)
فلم أرتضِ نبش منشورات عجلة شبكية، أو مواد صوتية ارتجالية، فضلا عن تحليل نبراته في تلك الصوتيات؛ هل خلت من تلعثم وارتعاد وعطسات...؟ ودلالات كل ذلك النفسية.
وربما أرجع فأزيد بالتمثيل، إن رأيت أن أضيع سويعات أخرى بماجريات سينساها الناس.

جاري تحميل الاقتراحات...