ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

30 تغريدة 387 قراءة May 24, 2024
بتهمة الخيانة العظمى والتجسس لصالح إسرائيل حكمت عليها مصر بالإعدام عام 1974، لكن منذ عامين تقريبا وافتنا الأخبار بوفاتها في تل أبيب عن 87 عامًا، ليس هذا فحسب بل دفنها كذلك طبقا للشريعة اليهودية!
إنها المصرية انشراح موسى
كيف استطاعت الهرب؟
وما علاقتها بـ سعيد صالح!
حياكم تحت 🌹
أخيرًا حان موعد اصطحاب أبيها لها إلى القاهرة، هي لم تعتد الخروج كثيرًا من مدينتها، لكن عُرس أحد أقاربها وفر لها هذه الفرصة المميزة، سترى القاهرة لأول مرة وستسعد بأجواء الزفاف المحببة، "هيا سنتأخر على القطار"؛ هكذا استعجلها أبيها، فهمّت مسرعة تعد نفسها للسفر.
انشراح ابنة مدينة المنيا الواقعة في صعيد مصر، ولدت لأسرة ميسورة الحال عام 1937، التحقت بالتعليم النظامي واستطاعت تجاوز تحديات المرحلة حتى حصلت على الشهادة الإعدادية عام 1951، وجدت كفايتها في التعليم عند تلك المرحلة وكأقرانها حينذاك تفرغت لمساعدة والدتها في المنزل.
القطار يدوي بصفارته المعتادة معلنًا قرب انطلاقه، فيما انشراح وأسرتها يهرعون نحوه في حبور، يجلسون في أزواج متقابلة على مقاعده الخشبية، وينتظرون انطلاقه، انطلق القطار ومعه سبحت الفتاة الجالسة جوار النافذة في خيالات محببة حول مستقبلها وما يحمله القدر لها من نصيب.
حفل زفاف كبير يضم بين جوانحه كثير من المدعوين، من ضمنهم شاب فتي يدعى إبراهيم، من اللحظة الأولى التفت إلى انشراح وظل يرقبها في انبهار، تقرب إليها وسنحت له الفرصة بالتعرف عليها، وصادف أنه يبحث عن زوجة له، على الفور تعرف على أبيها وأسرتها، وطلب منهم الزواج.
إبراهيم شاهين فلسطيني الأصل من سكان العريش المصرية الواقعة أقصى شمال سيناء، يعمل هناك محاسبا بمكتب مديرية العمل، لم توافق والدة انشراح على زواج ابنتها منه بسبب بعد المسافة بين المنيا والعريش، لكن مع إصرار الابنة تم الزواج، وانتقلت انشراح مع زوجها للعيش في مدينته الحدودية.
إبراهيم ذو طبيعة جشعة، يبحث عن الثراء بكل الطرق الممكنة، حملته طبيعته هذه إلى قبول الرشاوى، ولم يمض كثير من الوقت حتى اكتشف أمره، ففصل من عمله وحول إلى النيابة، وحكم عليه بالسجن ثلاثة أشهر، خرج بعدها ليعاني شظف العيش، بسبب جريمته وكذا ندرة العمل في مدينته الحدودية.
5 يونيو 1967 أحد أشأم الأيام في تاريخ الصراع العربي الصهيوني، حين شن الجيش الإسرائيلي هجومًا على القوات المصرية المتمركزة في سيناء، ودمر نحو 90% من سلاح الجو المصري، وزحف بقواته حتى احتل سيناء بالكامل، متوقفًا بقواته عند حدود الضفة الشرقية لقناة السويس.
أضحت العريش بعد ذلك اليوم تحت الاحتلال الصهيوني، وازداد الوضع سوءًا معيشيًا بإبراهيم وأسرته، خصوصا مع أجواء الحرب وكونه عاطلًا عن العمل منذ مدة كبيرة، ومع عدم إيجاده ما يطعم به أولاده، ذهب إلى مقر الحاكم الإسرائيلي في العريش مثل غيره، لطلب الطعام والمعونة.
كانت إسرائيل في تلك اللحظات منتشية نتيجة ما أحرزته من تقدم على كل الجبهات العربية، وكان تركيزها الأساس منصبا على المحافظة على مكتسباتها، وإحدى أهم الوسائل لتحقيق ذلك هو امتلاك معلومات أكيدة حول أعدائها، ولن يتحقق ذلك إلا بتجنيد عملاء وجواسيس والزج بهم في الداخل المصري.
مع كثرة تردد إبراهيم على مقر الحاكم ورغبته في أخذ تصريح من أجل زيارة أولاده الذين كانوا يدرسون في القاهرة، لاح إبراهيم في أفق ضباط الموساد كعميل محتمل يمكن تجنيده، ومع درايتهم بحالته المادية أغدقوا عليه أجولة من المساعدات، ثم في الأخير عرضوا عليه العمل معهم نظير 70 دولار شهريًا.
انا وافق الرجل على الفور، وقبض بيده على أولى النقود التي أغدقوا بها عليه، وعاد فرحًا إلى زوجته وبشرها بما ينتظره من عمل، لم تتردد انشراح للحظة عن إعلان فرحها هي الأخرى، واستعدت معه لمرحلة جديدة من حياتهما مليئة بالمال والرفاهية كما صورها لهم الجانب الصهيوني.
في اليوم التالي على الفور حضر إبراهيم وانشراح إلى مقر القائد العسكري الإسرائيلي، حيث استقلا سيارة تابعة للجيش وانطلقت بهما بعيدًا إلى وجهة غير معروفة لهما، ومع جريان الطريق أدركا أنهما في الداخل الإسرائيلي، ومع وصول السيارة إلى وجهتها تأكد لهما ذلك؛ فهما في بئر سبع.
في تلك المدينة وفي مقر تابع للموساد أجري للزوجين اختبارات لمعرفة مدى صدقهما، أتبع ذلك بتدريبات حول كيفية كتابة الرسائل السرية واستخدام أجهزة اللاسلكية، وقدمت لهما محاضرات حول القطع العسكرية المختلفة، وأطلعا على ما هو مطلوب منهما جمعه من معلومات حول الجانب المصري.
بعد اكتمال تجنيدهما، أعيد الزوجان إلى العريش، وبالتنسيق مع الصليب الأحمر وفر لهما الصهاينة تصريحًا للذهاب إلى القاهرة على أنهما من متضرري الحرب، استقبلتهم القاهرة خير استقبال ووفرت لهما سكنًا مجانيًا مؤقتًا في حي المطرية، ليس هذا فحسب بل أعادت إبراهيم إلى وظيفته السابقة.
بعد وقت قصير وفر إبراهيم لأسرته سكنًا أكثر رقيًا في حي الأميرية المشهور حينذاك على أنه سكن لكثير من ضباط الجيش، جعل أولاده الموزعين على مراحل مختلفة من التعليم يختلطون بأبناء الضباط ويصادقونهم، وعبر تلك العلاقات استطاع الزوجان حصد كثير من المعلومات حول حالة الجيش المصري.
لتبرير ثرائهم السريع عمد الزوجان إلى العمل مجال تجارة الملابس والأجهزة الكهربائية، وظل يراسلان الجانب الصهيوني بكثير من المعلومات والصور المهمة حول الجيش والمواقع العسكرية المصرية، إلى درجة أن معلوماتهم ساهمت في اغتيال الفريق عبدالمنعم رياض رئيس أركان الجيش المصري حينذاك.
خلال تلك الفترة كانوا معتادين على السفر إلى إسرائيل عبر بلاد وسيطة، وقبل حرب أكتوبر 1973 بأيام حذروا إسرائيل من ضربة مصرية وشيكة إلا أن الجانب الإسرائيلي لم يأخذ تحذيرهم بالجدية الكافية، حينها دكت مصر خط برليف وتلقت اسرائيل صفعة لم تتوقعها
لم تقطع الحرب صلة إسرائيل بعملائها بل ظلوا على اتصال بها، ومع الثقة المتزايدة بهما سلمتهم إسرائيل جهاز إرسال جديد متقدم بقيمة 800 ألف دولار، يمكنه إرسال الإشارات في غضون 12 ثانية، دربا عليه في إسرائيل، وعادا إلى الأميرية يبثان به ما يجمعونه من معلومات.
على الجانب الآخر توفر لدى المخابرات المصرية جهازًا سوفيتيًا جديدًا عرف بصائد الموجات، تمكن من اعتراض إشارات إبراهيم وانشراح، وحدد مكانهما في الأميرية، وفي فجر يوم الخامس من أغسطس عام 1974، كانت القوات على رأس السرير الذي ينام عليه إبراهيم حيث قبض عليه هو وأولاده، لكن أين الزوجة.
كانت انشراح في ذلك الوقت في روما للقاء بعض ضباط الموساد، ولدى عودتها بعد يوم واحد من القبض على زوجها وأولادها، ألقي القبض عليها، وأسدل الستار بذلك الإمساك على أخطر جاسوسين عرفتهما مصر في حقبة حرب الاستنزاف وما تلاها.
في الخامس والعشرين من نوفمبر من العام ذاته، صدر الحكم بإعدام انشراح وزوجها إبراهيم والسجن 5 سنوات لابنهما نبيل وتحويل عادل ومحمد إلى محكمة الأحداث، لم ينفذ حكم الإعدام على الزوجين بل بقيا قيد الحبس ينتظران في رعب أن يعدما في أي لحظة.
وفي خطوة مفاجئة بداية عام 1976 وبأمر من الرئيس الراحل أنور السادات أفرج عن انشراح موسى هي وأولادها ضمن صفقة لتبادل الأسرى، أما زوجها إبراهيم فلم يفرج عنه وبقي طي الحبس إلى أن نُفذ بحقه الإعدام في صباح يوم 16 يناير عام 1977.
ظلت انشراح في مصر حتى عام 1979، حتى أنها خرجت في أحد حلقات برنامج النادي الدولي لسمير صبري، مثنية على قرار السادات بالإفراج عنها، ومؤكدة أن الإفراج جاء بدافع إنساني كي ترعى أبنائها، وأنها تابت وعادت إلى الله، لكن لم يمض كثير من الوقت حتى اختفت انشراح من مصر إلى الأبد.
بعد أعوام يسيرة ظهرت انشراح في إسرائيل وقد لحق بها أبنائها الثلاثة، من بينهم عادل أصغرهم، الذي لحق بوالدته بعد أيام قليلة عبر سيناء، وذلك بمساعدة مرشد بدوي ووصل إلى قطاع غزة الذي تحتله إسرائيل، كل هذا بعد 3 أشهر فقط من توقيع إسرائيل ومصر اتفاقية السلام بينهما.
لدى وصوله بوقت يسير غيّر عادل اسمه إلى رافي بن ديفيد واعتنق اليهودية، وحذت انشراح وشقيقيه حذوه فاعتنقوا اليهودية أيضًا وغيروا أسمائهم، وباتت انشراح موسى تحمل اسم دينا بن ديفيد، كما تحول نبيل ومحمد إلى يوسي وحاييم.
بعد ذلك التاريخ بعشرة أعوام تحديدًا عام 1989، قالت انشراح أنها غير نادمة على التجسس لإسرائيل، لكنها اتهمت المسؤولين الإسرائيليين بعدم تقدير الخدمات التي قدمتها هي وعائلتها، وأضافت أنها تشعر بالمرارة بسبب وضعها الاقتصادي المزري الذي اضطرها للعمل كطاهية مقابل 500 دولار شهريا.
وواصلت انشراح اعترافاتها، قائلة أنها أقدمت وزوجها على التجسس من أجل المال، وأنهما كانا يتقاضيان شهريًا 1750 دولار فضلًا عن مكافآت أخرى كثيرة، في الوقت ذاته كانت تعيش هي وابنين لها في إسرائيل أما ابنها الثالث فقد هاجر إلى البرازيل رفقة زوجته الإسرائيلة.
لم تفوت الدراما المصرية الفرصة، حيث جسدت قصة انشرح وإبراهيم في مسلسل تلفزيوني مميز تحت اسم "السقوط في بئر سبع"، حيث لعب فيه الفنان الراحل سعيد صالح دور الزوج إبراهيم شاهين فيما جسدت الفنانة إسعاد يونس شخصية انشراح موسى.
مؤخرًا ظهر الابن رافي بن ديفيد، عادل إبراهيم شاهين سابقًا في الإعلام والصحافة، وتحدث عن كثير من ملامح قصتهم، أما الأم دينا بن ديفيد، انشراح موسى سابقًا فقد توفيت في نهاية عام 2021 عن عمر ناهز 87 عاما بمدينة تل أبيب في إسرائيل، وتم دفنها وفقا للشريعة اليهودية.

جاري تحميل الاقتراحات...