رؤى وأفكار
رؤى وأفكار

@ayedhi

6 تغريدة 2 قراءة Jun 29, 2024
المثالية وهم له سطوة عنيفة على النفوس، وأصل بلاء كثير من الخلق هو اعتقادهم إمكانية تحققهم بالمثالية أو تحققها بالفعل في غيرهم، فيظلون في شقائين: شقاء تحقق كمال ومثالية سواهم، وشقاء عجزهم وحرمانهم من كمالهم الخاصة ومثاليتهم، ويظلون يراوحون طوال حياتهم بين هذا وذاك في عذاب مرير.
وأصل ذلك الداء المسمم للأرواح الاستسلام ابتداء لإمكانية تحقق الكمال للذات أو للآخرين، والوقوع أسر الظن الكاذب بأن من يتحدث حديثًا جميلاً وعذبًا في شعره وأدبه وخواطره، وتلوح فيه سيما الكمال والمثالية، فإنه بالفعل متحقق به، وهذا كله وهم زائف، فإن كل هؤلاء ليسوا مثاليين ولا كمل.
ومهما توهمت تحقق المثالية والكمال في الأشخاص لأن كتاباتهم توحي بالمثالية والكمال فأنت خاطئ وواهم، فما فيهم إلا مقصر وخاطئ، وربما يقول بعض الأحيان ما لا يفعله، ولربما فعله في حين وعجز عنه في حين آخر، وكلنا -كاتب وقارئ- ذلك الإنسان الذي ينهض ويسقط، ويرجو الإحسان وربما لا يحصل عليه.
ولهذا كان من أهم سمات العقلاء:الواقعية في نظرتهم لأنفسهم ولغيرهم، ومنهجهم في الحياة التسديد والمقاربة، والمحاولة وتكرارها، والاجتهاد بحسب الطاقة، وعدم اليأس عند حصول الكبوات، والتعلق بالله وحده قدر الإمكان، واليقين بأن البشرية من حوله قاصرة بعيدة عن المثالية والكمال.
فإذا وطنت نفسك على هذه النظرة إلى نفسك وإلى الناس، ذهبت الأوهام عن تصوراتك، وكذلك زال الهم عن قلبك، وصار تحقق التقدم في حياتك ممكنًا لأنه تقدم معقول وواقعي، ولأن الحد المطلوب منك ليس الحد المثالي ولا الكامل، فإن حزت نجاحًا فرحت وتواضعت، وإن أخفقت لم تتحطم بل عاودت النهوض من جديد.
هذه النظرة ستعلمك شيئًا مهمًا في حياتك، وهي تعلم أن تكون رحيمًا بنفسك فلا تقسو عليها طلبًا للوهم، وأيضًا رحمتك بالخلق وتفهم حياتهم وسياق كلامهم وأفعالهم، ومن ثم وضعهم في مواضعهم الواقعية، من دون غلو المثالية والكمال ولا ظلم وجفاء الإجحاف والتنقص، والنقص الذاتي لازم لك ولهم أبدًا.

جاري تحميل الاقتراحات...