د.ملاك الجهني Dr.Malak Aljuhani
د.ملاك الجهني Dr.Malak Aljuhani

@malak2j

9 تغريدة 3 قراءة May 22, 2024
وفاء بالوعد:
كنت قد وعدت بتقديم مراجعة لرواية (مصابيح أورشليم: رواية عن إدوارد سعيد) بعد العيد
والواقع أنها أقل من أن تخصص بمراجعة ضافية
لسبب محدد، ألا وهو أنها -في تقييمي الشخصي-
رواية بوزن (قشرة) في حين أن الشخصية التي تناولتها الرواية أكبر من الكتاب ومحتواه ومهارات الكاتب ومؤهلاته للكتابة في هذا المجال الذي يشتبك فيه الشخصي بالفكري بالأدبي في نسيج واحد.
وأود التذكير قبلاً بأنني قد حددت مجال الحديث عن الرواية وفقًا لمنطقة اختصاصي في الدراسات مابعد الكولونيالية ورائدها الراحل إدوراد سعيد، ولذا سيقتصر حديثي على المحتوى، ولن أتطرق إلى تقنيات السرد والمشكلات الفنية، إلا فيما يتقاطع ومجال اهتمامي.
وسأختصر تقييمي الشخصي في الآتي:
يقوم الأدب مابعد الكولونيالي على صراع السرديات، والعمل على قلب الهيمنة من خلالها، وذلك بمقابلة سردية السيِّد الشائعة بسردية موضوع السيادة، يعني مقاومة سردية المستعمِر السائدة بسردية المستعمَر المُهمَّشة، وفي رواية (مصابيح أورشليم: رواية عن إدوارد سعيد) رغم (وأكرر مؤكدة رغم) الدعاية المخاتلة المسطرة على الغلاف الخلفي للكتاب، ورغم الوعود الكبيرة التي قدمها المؤلف فيما عنون له في فاتحة كتابه بـ(التقرير الأولي) وسرده المدهش عن شخصية أيمن مقدسي وما قدمه هذا التقرير من وعود بمقاومة سردية المنتصر عبر سردية بديلة،
فقد وقع المؤلف في إخفاقين:
أولهما / إخفاقه في تقديم السردية البديلة أو سردية المهمشين والمحتلين أو المقهورين مع الأسف.
أما ثانيهما/ فإخفاقه في مقاربة فكر وحياة شخصية بطل الرواية إدوارد سعيد (مع أسف مضاعف).
فأنت أيها القارئ إن اجتهدت في البحث عن سردية (متماسكة غالبة) وسردية (متماسكة مغلوبة) فلن تجد في صفحات الرواية أيًا منهما، والسبب أن مؤلفها عوّل فيما يتصل بسردية الغالب على المعهود الذهني للقارئ يعني ببساطة معرفته المسبقة برواية المحتل.
كما أنه جرّد سردية المغلوب لا من بعدها الديني فحسب، بل من كل بعد (هوياتي) واقتصر على تسويق مهلهل لفكرة الهجنة (Hybridity) فانتهى به الأمر إلى تقديم سردية متشظية أشبه بقطع فسيفساء متناثرة حتى لا تعود تلتقط من صورة القدس عنده سوى إشارات وصفية متكررة لأمور تصادفها في مدن أخرى كالتنوع الديني والثقافي، وإشارات متكررة لضجيج الحياة في شوارع القدس المتسمة بفقدان الطابع ..
ولا أدري مالخاص في شوارع تصادف فيها ما تصادفه في أية مدينة قديمة كالدكاكين والحمالين والروائح المختلفة … الخ!
أضف لهذا ماتكرر غير مرة من وصف للقدس القديمة باجتماع التناقضات الظاهرة في شوارعها فتراها تعج بالأضداد مثلها مثل أي مدينة أخرى مرخص فيها بالبغاء فتصادف فيها مثلا شيوخ الدين والعاهرات!
ولا ينقض هذا الأمر مايقحمه المؤلف هنا وهناك من إشارات تاريخية، إن تشهد لشيء فلخلفيته الجدباء والفقيرة تاريخيا.
أضف لها هيمنة حضور شخصيات يهودية في الرواية (إستر ورفيقها) على حضور غيرها
فقد احتلت حواراتها مساحة استحوذت على أي مساحة حضور الشخصية الفلسطينية .. فكيف لرواية تدعي تقديم سردية بديلة تفسح للمنتصر وهواجسه وغرامياته وأفكاره مساحة أوسع مما تفسحه للواقعين تحت نير الاحتلال ..!
أما إدوارد سعيد المفكر المناضل المنتقص من تاريخه الفكري والنضالي، بل المنتقص حتى من أناقته السلوكية المعهودة، فقد سُطِّحَ تسطيحا غريبا وشائنًا ومهينًا في الرواية، بل يمكن اختصار دوره في الرواية في أمرين:
الأمر الأول:
اختزال زيارة سعيد للقدس في التنقل من مكان إلى مكان، ومن باص إلى آخر، وكأنه سائح عادي لا علاقة له بالأرض التي ولد فيها وحمل قضيتها معه في مختلف المحافل وتضرر وعانى لأجل آرائه حولها !
والأغرب من هذا خلو الرواية من أي حوار أو مساجلة حقيقية أو مفتعلة تصور سعيد الحقيقي أو حتى فكره أو تستحضر جانبا من إبائه الشخصي واعتداده بمواقفه بوصفه فلسطينيا ..
فسعيد الذي تضمنته رواية مصابيح أورشليم نسخة مشوهة من سعيد (التاريخي) وأقول تاريخي لأنه لم يعد بيننا، وإنما مواقفه المسجلة، وهي ما يساجل عنه ويمج هذا السرد المتهافت والزائف في آن معًا، وإن تحلى ببعض المدائح المتفرقة هنا وهناك والأشبه برش العطر على جسد غير نظيف.
الأمر الثاني:
تنفيس سعيد عن كبته الجنسي الذي التقطه المؤلف من مذكرات سعيد، وبنى عليه سيناريوهات غاية في الابتذال، ولا يرد على قولي هذا أن قراءتي هذه نابعة عن (موقف أخلاقي صرف) أي نابعة عن رفضي لحضور الجنس في الرواية لا غير،
بل (حتى على فرض تحييد الموقف الأخلاقي) من حضور الجنس في الأدب عموما، فقد قدّم المؤلف إدوارد سعيد المراهق والشاب بصور غاية في الابتذال والإثارة للاشمئزاز،
ولك أن تقارن مشاهد المؤلف وتشبيهاته المقززة عند حديثه عن مغامرات سعيد وتضمين سرده عن ذلك الرجل الأنيق سلوكيا بكلمات سوقية عامية حضرت حتى في مشاهده الأخرى عن غير سعيد لتقف بنفسك على ماذكرت.
ولو لم يكن إلا ماسطره المؤلف في روايته في أحد المشاهد عن سعيد وموقع الموسيقى في حياته بقوله:
"جلس على الأريكة ليستمع إلى موسيقى البيانو المتصالبة تصدح في الحجرة وصوت (…..)** آمال تأتيه بمونتون واحد من الحمام".
**كلمة عامية لصوت قضاء حبيبة سعيد للحاجة في دورة المياه!!
أخيرا:
لتقف على ضعف الرواية يكفيك فاتحتها وملحقاتها، فالمؤلف المتمكن لا يحتاج للتوسل بمبررات للسرد ابتداء، وبملحقات أخيرة يسدد بها ثغراته السردية، ويقدم فيها توضيحات يلملم بها شظايا سرده ..
والثلث الأخير من الكتاب كان هذه دوره، فتحت عنوان (تخطيطات وأفكار ويوميات انسيكلوبيدية للكتابة) أدى المؤلف المؤلف هذا الدور تحديدا.
وأحد تفسيراتي لإخفاقات المؤلف هو أنه قرأ عن مابعد الكولونيالية واستحضر أفكارها النظرية لكنه أخفق في بناء السرد، فالضعف عادةً يظهر عند البناء، لا عند النقض، وسبق وأن قلت: إن النقض يتم بأية وسيلة وانبثاقا عن أية رؤية كانت، أما البناء فلا يتم دون رؤية كونية متماسكة، وهي ما يفتقر إليه المؤلف المتشظي هوياتيًا وفكريًا في نظري.
ولم يبق إلا القول إنه ليؤسفني تخييب الرواية لآمالي باعتبارها أول رواية عربية عن سعيد ومن قرأ لي أو تابع أحد حواراتي أو حديثي عن سعيد يعلم أنني لست بالمنطلقة عن دوافع عاطفية، بل صرحت باختلافي مع سعيد في قضايا جوهرية لكنني لم أبخسه حقه، وكيف والله تعالى يقول: (ولا تبخسوا الناس أشياءهم).
وسعيد الذي شاهدت وقرأت ودرست، ليس سعيدا الذي صادفته في الرواية، لذا لا تعول أيها القارئ على مراجعات بعض العرب لأن بعضهم لا يكتفي بعدم قراءته لما يكتب عنه، من مؤلفات بشكل جاد ونزيه، بل تراه يجمع نفاقا وإهمالا لموضوعه، وقبل ذلك لامبالاة واحتقارا لقرائه.
(إدوارد سعيد: خارج المكان داخل الزمان)
ملاك الجهني - بودكاست جولان
يناير 2022
youtu.be

جاري تحميل الاقتراحات...