الدراسات الدينية R.S
الدراسات الدينية R.S

@ayedh_RS

29 تغريدة 11 قراءة May 20, 2024
(موقف اليهود من الإيمان بالبعث ويوم القيامة)
ذهب كثير من الباحثين في مسألة إيمان اليهود بالبعث ويوم القيامة، إلى أن اليهود ينكرون يوم القيامة والحياة بعد الموت. وهذا الكلام ليس دقيقًا، فبين اليهود خلاف في ذلك، وإن كان أكثرهم يقرون بالبعث بعد الموت وبيوم الحساب وبالجنة والنار.
وإن كانت مفاهيمهم حول بالبعث ويوم القيامة والحياة بعد الموت وبيوم الحساب وبالجنة والنار تختلف عن مفاهيم الإسلام، كمًا وكيفًا، لكنَّهم بالجملة يؤمن بذلك، وهو من جملة العقائد التي اتفق على جملتها اليهود والمسيحيين والمسلمين.
وحينما قال ابن تيميَّة: "وكذلك التوراة، ليس فيها مِنْ ذِكْرِ اليوم الآخِرِ إِلا أُمُورٌ مُجْمَلَةٌ". وتابعه تلميذه ابن قيم الجوزيَّة فقال: "ليس في الإنجيل من صفات الله تعالى وصفات ملكوته وصفات اليوم الآخر إلا أمور مجملة، وكذلك التوراة ليس فيها من ذكر اليوم الآخر إلا أمور مجملة".
ولعل الكلام السابق الذي ذكره ابن تيميَّة وتلميذه ابن قيم الجوزيَّة مما استُفيد من ابن حزم الظاهري الذي قال: "إن التوراة التي بأيدي اليهود ليس فيها ذكر ما لنعيم الآخرة أصلاً، ولا الجزاء بعد الموت ألبتة".
ولكن هذا لا يعني نفي تقي الدين ابن تيميَّة في كلامه السبق المجمل إيمان اليهود بيوم البعث أو بيوم القيامة، بل هو يثبت ذلك لهم، حيث يقول: "وفي القرآن من ذكر المعاد وتفصيله وصفة الجنة والنار والنعيم والعذاب ما لا يوجد مثله في التوراة والإنجيل، بل التوراة ليس فيها تصريح بذكر المعاد=
وعامة ما فيها من الوعد والوعيد، فهو في الدنيا كالوعد بالرزق والنصر والعاقبة والوعيد بالقحط والأمراض، والأعداء. وإن كان ذكر المعاد موجوداً في غير التوراة من النبوات، ولهذا كان أهل الكتاب يقرون بالمعاد، وقيام القيامة الكبرى،=
وقد قيل: إن ذلك مذكور في التوراة أيضاً، لكن لم يبسط كما بسط في غير التوراة".
وقال ابن تيمية في الجواب الصحيح: "فإن المسلمين واليهود والنصارى متفقون على أن في الكتب الإلهية الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، وأنه أرسل إلى الخلق رسلا من البشر، وأنه أوجب العدل وحرم الظلم والفواحش والشرك، وأمثال ذلك من الشرائع الكلية، وأن فيها الوعد بالثواب والوعيد بالعقاب،=
بل هم متفقون على الإيمان باليوم الآخر، وقد تنازعوا في بعض معانيها، واختلفوا في تفسير ذلك".
وإنما كانت هناك بعض الطوائف منهم تنكر ذلك، ومن أشهر فرق اليهود التي تنكر يوم القيامة ويوم البعث فرقة الصدوقيين، فقد جاء في إنجيل متى: ("فِي ذلِكَ الْيَوْمِ جَاءَ إِلَيْهِ [إلى المسيح] صَدُّوقِيُّونَ، الَّذِينَ يَقُولُونَ لَيْسَ قِيَامَةٌ، فَسَأَلُوهُ".
فأجابهم المسيح: (فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: تَضِلُّونَ إِذْ لاَ تَعْرِفُونَ الْكُتُبَ وَلاَ قُوَّةَ اللهِ...وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ قِيَامَةِ الأَمْوَاتِ، أَفَمَا قَرَأْتُمْ مَا قِيلَ لَكُمْ مِنْ قِبَلِ اللهِ). واستشهد عليهم بما جاء في كتب الأنبياء القديمة.
ويتحدث الدكتور عبد الوهاب المسيري -الذي ينطلق كثيرًا من أسس البحث الغربي التاريخاني- عن تطور اعتقاد اليهود حول الإيمان بالقيامة والبعث والجزاء وعلاقة بالدنيا، وكيف اكتسبه اليهود من الأمم الوثنية، فيقول "وقد تطور الفكر الأخروي اليهودي على يد الأنبياء، =
وظهر كل من عاموس وهوشع مع بداية حكم الملوك، فطور الأول فكرة يوم الرب، بحيث تحولت إلى فكرة يوم الحساب، وهو مفهوم أكثر عالمية وأخلاقية إذ أنه اليوم الذي سيحاسب فيه الإله اليهود وغير اليهود.
وقد تعمق المفهوم الأخروي، إذ يشير عاموس إلى تغيرات ستدخل على الطبيعة مثل كسوف الشمس، وقد استخدمها بشكل مجازي، ولكنها مع هذا فسرت حرفياً ثم أصبحت عنصراً ثابتاً في الفكر الأخروي منذ ذلك التاريخ".
ويتابع عبد الوهاب المسيري يقول: "وترى اليهودية الحاخامية أن الإيمان ببعث الموتى إحدى العقائد الأساسية في اليهودية، وأحد أسس الإيمان، كما ترى أن البعث بعث للروح والجسد. ولكن حتى بعد ظهور فكرة البعث بشكلها الكامل، ظهرت عدة إشكاليات من بينها زمن البعث، فالتفكير الأخروي اليهودي=
يتضمن عنصرين أحدهما زمني وهو العصر المشيحاني، والآخر لا زمني هو صيغة من صيغ آخر الأيام. كما أن علاقة البعث بيوم الحساب وجهنم والجنة لم تتحدد، وهذه أسئلة أثارها حسداي قريشقش. كما أن فكرة البعث احتفظت بكثير من العناصر الحلولية، ولذلك نجد أنها تكتسب بعداً قومياً وتظل مرتبطة بالعودة=
القومية إلى الأرض. وحتى بين هؤلاء الذين يؤمنون بفكرة البعث هناك خلاف حول من يبعث من البشر إذ قال موسى بن ميمون إن الأبرار وحدهم هم الذين سيبعثون، وذهب آخرون إلى أن كل أفراد جماعة يسرائيل سيبعثون، وقال فريق ثالث إن الجنس البشري بأسره سيبعث في آخر الأيام. وثمة بعض المفكرين من =
اليهود ينكرون حتى الآن عقيدة البعث. وتنكر اليهودية الإصلاحية فكرة أن البعث هو عودة الروح إلى الجسد وحسابها، مكتفية بتأكيد عقيدة خلود الروح. وقد تم تعديل كتاب الصلوات ليتفق مع العقائد الجديدة".
وفي الحقيقة، فإنَّ الاعتقاد بيوم القيامة وبالبعث وبالجزاء والعقاب والخلود، مع الاختلاف في كثير من المفاهيم حجمًا وكيفًا مع الإسلام، هو رأي التيار الأوسع بين اليهود.
فقد جاء في سفر إشعياء النبي:
وجاء في سفر دانيال: (وَكَثِيرُونَ مِنَ الرَّاقِدِينَ فِي تُرَابِ الأَرْضِ يَسْتَيْقِظُونَ، هؤُلاَءِ إِلَى الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ، وَهؤُلاَءِ إِلَى الْعَارِ لِلازْدِرَاءِ الأَبَدِيِّ).
ويقول الحاخام والعالم اليهودي الكبير المعروف بالجاؤون سعديا بن يوسف الفيومي، تحت عنوان (المقالة التاسعة في الثواب والعقاب في دار الآخرة): "عرفنا ربنا تبارك وتعالى أنه قد اعد زمانا المجازاة الصالحين، وفيه يفصل بينهم وبين الكافرين، وأقام لنا على ذلك الآيات والبراهين، فقبلناه.=
فينبغي أن أذكر موجبات هذا الزمان المسمى دار الآخرة من الحجج المعقولة والمكتوبة والمنقولة على الرسم الذي قدمت في صدر الكتاب من وجود الأمور النبوية في حجة العقل...إلخ".
ويقول سعديا بن يوسف الفيومي أيضًا: "أما إحياء الموتى الذي عرَّفنا ربنا أنه يكون في دار الآخرة للمجازاة؛ فذلك مما أمتنا مجمعة عليه...فلا نعلم يهوديًّا يخالف على هذه الامانة ولا يستصعب عند عقله كيف يحيى ربه الموتى أن قد صح له أنه خلق شيئًا لا من شيء فلا يجوز أن يستعسر له أن يعيد=
شيئًا من أشياء متفرقة أو متحللة. تم كتب لنا إحياء الموتى في وقت إلا وأقام لنا أنبياؤه عليه البراهين".
ويقول العالم اليهودي المعروف ابن كمونة: "واعتقدت اليهود أن ثواب الطاعة هو الخلود في نعيم الجنة والعالم الآتى؛ وعقاب المعصية هو العذاب في جهنم من غير خلود المعتقد هذه الشريعة، وإن كان عاصيًا. ولم يبين شيء من ذلك في التوراة تبيينًا مصرحًا للسبب الذي سنذكره، ولكن أحبار الأمة=
وعلماءهم ونقلة شرعهم نقلوه، وذكروا صفة الجنة وجهنم، ووصفوا النعيم والعذاب بأشد استقصاء، وأوجبوا ذكر الإيمان بإحياء الاموات في كل صلاة، وحكموا بأنه لا تصح صلاة أُخِلَّ فيها بذلك، واوجبوا ذكره ايضًا في كل يوم من غير الصلاة، وأوجبوه ايضًا عند رؤية مقابر هذه الأمة".
وذكر التلمود ما يحدث للإنسان بعد الموت، حيث يغادر هذا العالم روحه يفرغ وريده من الدم حتى أصغر أوردة في انحاء الجسم، ويبدأ بالبكاء ويصرخ، ويقوده الملك الى محكمة الموت بين الأرواح ويتقدم مرحلة بعد مرحلة إلى أن يقف أمام العدالة الالهية.
وأيضًا جاء في التلمود في (سنهدرين) إثبات إحياء الموتى والاستدلال بالتوراة على ذلك، وجاء في التلمود وصف الجنة والنار، وأنَّها مأوى الأرواح الزكية، ووصف طعامهم وشرابهم هناك.

جاري تحميل الاقتراحات...