أنس الشريف
أنس الشريف

@ANSH_15

17 تغريدة 43 قراءة May 19, 2024
في ليلة السبت الماضي، الموافق للثالث من ذي القعدة لعام ١٤٤٥هـ، قدّر الله علينا وعلى أهلنا فاجعة مُحزنة، ولكنه أنزل معها من الرحمة والبشائر أضعاف ما قدّره من حزن وألم وفقد..
توفى الله حبيبة القلب، ونور العين، وملاذي من آلام الدنيا - بعد الله سبحانه -
فأخذ أمانته،، أخذ إليه أمي.
وقد كان في وفاتها عجائب، سواء قبل موتها، أو أثناءه، أو بعده..
أذكر طرفًا منها في هذه المنشورات..
إنا نحسبُ والدتي (عائشة علوان الحِمْيري) رحمها الله ولا نزكيها على الله أنها من الداعيات إلى الله وإلى ذكره والتمسك بكتابه وسنة نبيه ﷺ، والساعيات بين الإصلاح بين الناس، وبثِّ كل خير ونصيحة لا تدخر في ذلك شيئًا من وقتها أو صحتها.. وهي التي عانت طيلة حياتها من أمراض وآلام كثيرة.. لم تزدها إلا صبرًا وثباتًا، ولم تزحزحها لحظة عن السعي في طريق الدعوة والإصلاح..
فختم الله لها حياتها بما أفنت فيه عمُرها، كانت في مجلسِ ذكر وتدبّر لكتاب الله سبحانه،، مع صديقات لها نحسبهن من الخيّرات، يتدارسن ويتذاكرن، مستبشرات مطمئنات، تغشاهن الرحمة، وتحفُّهن الملائكة.
أصابها بعد ذلك المجلس المبارك ألم في صدرها, فأُخذت إلى المستشفى, وفي الطريق ألهمها الله تكرار الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم, ثم نطقت الشهادتين، وكان هذا آخر كلامها من الدنيا..
وبالوصول للمستشفى حاولوا إنعاشها ثم أعلنوا وفاتها بعد ذلك.. فتوفيت رحمها الله, بوجه مشرق مضيء، وابتسامة تعجّبَ منها كل من رآها..
ساعة الخبر..
عندما جاء خبر دخولها المستشفى، أيقظني ابن خالتي وذهب بي وأخي للمستشفى..
لم نكن نعلم أنها توفيت، وعندما وصلنا توجهنا للطوارئ فلم نجدها، فذهبنا للإنعاش، وقبل دخولي للإنعاش قال لي أحد الأقارب (أعظم الله أجرك)، قلتُ في نفسي أنني أتوهم، هل فعلا قال أعظم الله أجرك؟ لم آخذ كلامه بجدّية.. مضينا ودخلنا الإنعاش.. وإذ بذاك الوجه المشرق المضيء، تعلوه ابتسامة مرسومة رسما عجيبًا، والله لا أذكر أني رأيت لها ابتسامة بهذا الجمال طيلة حياتها..
في تلك اللحظة، ما أعلمه عن نفسي أنني لم أكن لأصبر، بل وظنّي بنفسي أنني ربما ملأت المستشفى صريخا وعويلا، ولربما جُنَّ عقلي وطار قلبي.
ولكن أتاني ثبات عجيب، وربطٌ إلهيّ، وكأنّ ثلجًا صُبّ على روحي وقلبي..
ولا أذكرُ في هذا إلا أنّ أمي كانت دائما ما تهرعُ إلى من أصابتهم مصيبة الموت، فتُصبّرهم، وتثبتهم وتواسيهم..
فجازاها الله بأن تكفّل هو بتصبيري والربط على قلبي، أنا وإخوتي، وأخواتها (خالاتي)، وجدّتي الحبيبة، التي تعجّبت منها أيّما عجب، عندما رأيت صبرها عند فقد أحبّ بناتها إليها، على قبرها شآبيب الرحمات.
بعد ذلك انطلقنا بها لمغسلة الأموات في وقت متأخر من الليل، وكان من الصعب جدا الصلاة عليها في المسجد الحرام لضيق الوقت، لكن يسر الله ذلك بفضلٍ منه وكرم .. حيث جرى تغسيلها رحمها الله بسرعة وخفة عجيبتين, كما ذكرنَ ذلك من باشرن تغسيلها..
ثم مضينا إلى المسجد الحرام ووصلنا قبل أذان الفجر بدقائق، فأدركنا ولله الحمد الصلاة عليها في بيت الله الحرام..
وفي صلاة الفجر قرأ الإمام هذه الآيات من سورة الطور، {إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي جَنَّٰتٖ وَنَعِيمٖ (17) فَٰكِهِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ وَوَقَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ عَذَابَ ٱلۡجَحِيمِ (18) كُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ هَنِيٓـَٔۢا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ تَعۡمَلُونَ (19) مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ سُرُرٖ مَّصۡفُوفَةٖۖ وَزَوَّجۡنَٰهُم بِحُورٍ عِينٖ (20) وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱتَّبَعَتۡهُمۡ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَٰنٍ أَلۡحَقۡنَا بِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَمَآ أَلَتۡنَٰهُم مِّنۡ عَمَلِهِم مِّن شَيۡءٖۚ كُلُّ ٱمۡرِيِٕۭ بِمَا كَسَبَ رَهِينٞ (21)
فنزلت هذه الآيات على قلوبنا بشرى وسلوانًا..
توجهنا بعد الصلاة عليها لدفنها، حملناها على أكتافنا، وكان النعش خفيفًا مُيسرًا حملُه، حتى وصلنا إلى قبرها وواريناها الثرى.. ملأ الله قبرها نورًا، وأفسحَ لها فيه مدّ البصر.. 🤍🤲🏻
الرؤى!
إرهاصات:
- قبل عدة سنين، توفي جدّي (والد أمي) رحمه الله، وبعد ذلك بمدة، رأت أمي رؤيا، وأسرّت إلى إحدى صديقاتها المقربات أنها قد تكون أول من يلحق بأبيها، وهذا ما حصل.
- إحدى الأقارب رأى جدي رحمه الله قبل وفاة أمي بأسبوعين، ورأى نفسه في ذلك المنامِ يخبر جدي بأن هناك ضيفًا سيقدُم عليه، فظن قريبنا أنه هو المقصود (لعلّة شديدة ألمّت به) فكتمها في نفسه لئلا يحزن أهله، فتوفيت أمي وعرف أنها هي المقصودة.
- في ليلة وفاة أمي كانت خالتي نائمة، وقبل أن تستيقظ ويأتيها الخبر، رأت جدي يجيء ويروح يمينًا ويسارًا، وكأنه ينتظر أحدًا ليستقبله، فاستيقظت خالتي وعرفت بالخبر، ثم رأته لاحقًا بعد دفنها ووجهه مستبشر متهلّل، كأنه يُبشّرهم بقدوم ابنته إليه وفرحهِ بها.
أما بعد وفاتها..
فرؤيت عدة مرات في أحسن حال، رأت لها أختٌ في السودان نحسبُها من الصالحات، وكانت في أبهى صورة، في مكان جميل أخضر.
ورأتها بنات إحدى صديقاتها وهي صائمة، في مظهر بهيّ يُبشر بكل خير.
وغيرها رأى نحوًا من ذلك..
الجبرُ الحقيقي!
إن من أكبر الجبرِ ما ألقاهُ الله في ألسنة الناس بعد وفاتها، من ذكر حسنٍ، ومن دعاءٍ لها، وثناءٍ عليها، وقد قال ﷺ
"أيُّما مُسْلِمٍ شَهِدَ له أرْبَعَةٌ بخَيْرٍ أدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ، قُلْنَا: وثَلَاثَةٌ، قالَ: وثَلَاثَةٌ، قُلتُ: واثْنَانِ، قالَ: واثْنَانِ، ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنِ الوَاحِدِ".
فكيفَ وفئامٌ من الناس يدعون لها،، ويثنون عليها ويبكونها..
سخّر الله لها القريب والبعيد، القاصي والداني، يدعون لها ويثنون عليها، منهم من لم يلقَها غير مرة واحدة، ومنهم من لم يرها ولكن سمع بها، ومنهم من لم يرها ولم يسمع بها إلا بعد وفاتها فأحبّها لما رآهُ من كثير الثناء عليها وعظيم الحزن لها..
من تشريف شيخنا الحبيب سليمان الجبيلان لنا، ودعائه لها، فقد عرفت أمي زوجته في إحدى حملات الحج، ولعلّها لم تلتقِ بها بعد ذلك سوى مرة، ولكنها أحبتها، وأصرّت على أن تسافر وتأتي لتعزيتها هي وزوجها..
وجدنا بعد وفاتها هذه الورقة التي كتبتها بخطِّ يدها.
فكأنها بُشّرت بدعوات الناس لها والثناء عليها.. فهي تدعو لهم، وتسأل اللهم لهم الأجر والمثوبة.. وأن يُلحقهم بها في جنانِ رحمته، ودار كرامته..
"اللهم أيّما أمة أو عبدًا من أمة نبينا محمد ﷺ أحبني أو دعا لي فحقق إيمانه وثقّل ميزانه في الفردوس الأعلى من الجنة.
وأيما أحد اغتابني أو ظلمني أو بهتني فإني أشهدك وجميع خلقك على أني قد تركتها بك وغفرتها به.
فلأن ألقاك بالعفو خير من أن ألقاك بالخصومة.
اللهم قد عفوت ما بيني وبين خلقك أجمعين، فاعفُ ما بيني وبينك فأنت أجود وأكرم يا أرحم الراحمين. "
وقد رثيتُها ووالدي الغالي بهذه الأبيات، التي تصفُ شيئًا مما في قلوبنا لها..
رحمكِ الله يا أمي، وألحقنا بكِ في أعالي الجنان، في ظلّ الرحمن، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.. وحسن أولئك رفيقا..
تصحيح للآية ( كُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ هَنِيٓـَٔۢا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ) (19)

جاري تحميل الاقتراحات...