الجدل والحوار فطرة إنسانية، لكن هذه إشكالية لدى عموم المدارس الفكرية الغربية المعاصرة التي تبدأ كل شيء من الحضارة اليونانية، وكأنها اخترعت العقل، وبإهمال مريب للمصادر التي نهل منها اليونانيون الأوائل، كالحضارات المصرية والعربية والهندية والصينية، وما تلاها كالحضارة الإسلامية. /٣
وهذه الإشكالية كانت نصب عيني البروفسور بيتر آدمسون (Peter Adamson)، الذي يدرِّس حاليا في مدرسة ميونخ للفلسفات القديمة، والذي ألف "تاريخ الفلسفة من غير فجوات"، وأسس موقعا على النت بذات الاسم، وكانت "الفلسفة الإسلامية" مصب اهتمامه. /٤
historyofphilosophy.net
historyofphilosophy.net
لنعُدْ إلى موضوعنا؛ "الجدلية"، فالجدل والحوار والسؤال والجواب ليست غير سلوك فطري إنساني أساسي، لا يفتقر إلى فلسفة بعينها لتخترعه لنا.
إلا أن الفلسفة ما تسلطت على شيء فتركته على حاله، بل تظل عبر الدهور تطرق بمطارقها على المعاني الفطرية حتى تسوقها كل فلسفة إلى غاياتها المشوهة. /٥
إلا أن الفلسفة ما تسلطت على شيء فتركته على حاله، بل تظل عبر الدهور تطرق بمطارقها على المعاني الفطرية حتى تسوقها كل فلسفة إلى غاياتها المشوهة. /٥
وليس أعظم رفعة لقيمة الجدل والحوار من أن الله يسمعه من فوق سبع سماوات، {قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا} سورة المجادلة.
بل أمر به رسولَه ﷺ ،{وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} سورة النحل. /٦
بل أمر به رسولَه ﷺ ،{وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} سورة النحل. /٦
ولكن، ويا لها من "لكن"..
ولكن أخذت الماكنة الفلسفية تفعل فعلتها وتلعب لعبتها.
فبعد بعض المداعبات لمفهوم "الجدلية" من قبل عدد من الفلاسفة، ظهر في القرن السادس عشر الألماني جورج هيجل ليأخذ بهذا المفهوم الإنساني المتوارث وينفخ فيه روح الحراك السياسي، /٧
ولكن أخذت الماكنة الفلسفية تفعل فعلتها وتلعب لعبتها.
فبعد بعض المداعبات لمفهوم "الجدلية" من قبل عدد من الفلاسفة، ظهر في القرن السادس عشر الألماني جورج هيجل ليأخذ بهذا المفهوم الإنساني المتوارث وينفخ فيه روح الحراك السياسي، /٧
ويغيره عن مدلولاته المعرفية المعهودة، ليتخذ مدلولا اصطلاحيا، فيصير مفهوم الجدل ليس مجرد وسيلة للوصول إلى الحقيقة فحسب، بل آلية للتغيير الاجتماعي، باعتبار أن الجدلية وفق مفهومه كانت وستظل هي الطاقة خلف حركة التاريخ وخطوات تقدمه إلى نهايته الحتمية، هو ما يُعَبّرُ عنه .. /٨
لقد سئم ماركس وإنجلز من التقوقع النظري لأطروحات هيجل وتقديمها للفكر على الواقع.
فقررا التحول بمفهوم الجدلية من التنظير إلى حقائق الواقع المادي الملموس.
فقاما بتنزيل عناصر الجدلية (الفرضية، النقيضة، التوليف)، على الواقع الاجتماعي والاقتصادي الأوروبي، فولدت "المادية الجدلية". /١١
فقررا التحول بمفهوم الجدلية من التنظير إلى حقائق الواقع المادي الملموس.
فقاما بتنزيل عناصر الجدلية (الفرضية، النقيضة، التوليف)، على الواقع الاجتماعي والاقتصادي الأوروبي، فولدت "المادية الجدلية". /١١
تلك النبوءة المبشرة بطوفان ثورات اشتراكية تعم كوكب الأرض بلا استثناء.
وقد سبّب ذلك بأن ماركس حصر نظريته في الطبقية الاقتصادية فقط. ولألا يقع في ذات الزلل فقط أمعن ماركوزه في التنقيب في المجتمع الأمريكي سعيا "لاكتشاف" تلك الطبقية الخفية، التي لا تقدر بثمن في إطار تأجيج الصراع. /١٤
وقد سبّب ذلك بأن ماركس حصر نظريته في الطبقية الاقتصادية فقط. ولألا يقع في ذات الزلل فقط أمعن ماركوزه في التنقيب في المجتمع الأمريكي سعيا "لاكتشاف" تلك الطبقية الخفية، التي لا تقدر بثمن في إطار تأجيج الصراع. /١٤
فخرج ماركوزه "بكشوفاته" حول طبقيات لون البشرة وطبقيات الميل الجنسي، والتي تشكل مصادر جديدة للحطب الذي يغذي نيران"نظرية الجدلية".
ثم تفضل ماركوزه بهدية نفيسة لجميع الماركسيين، بل لجميع حركات الطغيان والقمع والاستبداد. تمثلت تلك الهدية في تعديل إضافي أجراه على "نظرية الجدلية"./١٥
ثم تفضل ماركوزه بهدية نفيسة لجميع الماركسيين، بل لجميع حركات الطغيان والقمع والاستبداد. تمثلت تلك الهدية في تعديل إضافي أجراه على "نظرية الجدلية"./١٥
حيث قام في مقاله الشهير "التسامح القمعي" عام 1969 بالتأسيس لقاعدة مبتكرة ظالمة لعينة ألبسها ثياب التبرير الأخلاقي المزيف.
وخلاصة تلك القاعدة هي أن الماركسي يملك التفوق الأخلاقي على الآخرين، وبالتالي فإن التسامح لا ينبغي أن يكون حقا نقيا مطلقا للجميع، /١٦
وخلاصة تلك القاعدة هي أن الماركسي يملك التفوق الأخلاقي على الآخرين، وبالتالي فإن التسامح لا ينبغي أن يكون حقا نقيا مطلقا للجميع، /١٦
ووفقا لهذا المنظور فقد قامت القوى اليسارية الماركسية بتجنيد المنظمات الإسلاموية الإخونجية وعلى رأسها (CAIR) وتفريعاتها باعتبارها تمثل "أقلية مضطهدة".
وجميع هذه "الأقليات" اللونية والجنسية والعرقية.. إلى آخره، ثمثل "النقيضة"، التي يسعون في تأجيج الصراع بينها وبين… /٢٠
وجميع هذه "الأقليات" اللونية والجنسية والعرقية.. إلى آخره، ثمثل "النقيضة"، التي يسعون في تأجيج الصراع بينها وبين… /٢٠
"الفرضية" التي هي الوضع السائد، في سبيل إنتاج "التوليف" وهي الثورة وانهيار النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
ألا تتعجبون كيف أن ذلك المعنى الفطري البريء الإيجابي لـ "الجدل"، تحول لمصطلح أيديولوجي حركي ثوري قمعي يقتضي أن التقدم لن يكون إلا بالعنف والدماء وقمع الرأي الآخر. /٢١
ألا تتعجبون كيف أن ذلك المعنى الفطري البريء الإيجابي لـ "الجدل"، تحول لمصطلح أيديولوجي حركي ثوري قمعي يقتضي أن التقدم لن يكون إلا بالعنف والدماء وقمع الرأي الآخر. /٢١
وفي ضوء ذلك التطور البشع في المفاهيم نتفهم مدى الاصطفاف والقمعية غير المهنية لمنظومة وسائل الإعلام اليسارية الأمريكية بل والغربية أجمع، وكذلك المواقع المعلوماتية ومنصات التواصل الاجتماعي وشدة رقابتها وحظرها للمخالف وحصرها لمبدأ حرية التعبير والجدل والحوار على حملة أيديولجيتها./٢٢
وبالتالي فإن التوليف الذي يسعى إليه أربابهم اليساريون الغربيون هو الانهيار السياسي والاقتصادي والاجتماعي للمنطقة.
هذه هي المادية الجدلية، وهذه حقيقتها. وكفانا في بعض بلادنا العربية تدريسا لها بمدارسنا بكل سذاجة وتنظير سطحي غافل عن حقيقة الفظائع التطبيقية.
youtu.be
هذه هي المادية الجدلية، وهذه حقيقتها. وكفانا في بعض بلادنا العربية تدريسا لها بمدارسنا بكل سذاجة وتنظير سطحي غافل عن حقيقة الفظائع التطبيقية.
youtu.be
جاري تحميل الاقتراحات...