عبدالله المزروع A. Almazroa
عبدالله المزروع A. Almazroa

@Arabian_Wisdom

25 تغريدة May 11, 2024
🏮"المادية الجدلية"
ما حقيقتها وجذورها؟ وكيف تحولت إلى أكبر مهدد للبشرية..
تبدأ هذه الرحلة الشيقة -وبتبسيط شديد- ، في زمنٍ سحيق إبان ذروة الحضارة اليونانية، إذ تبلور على لسان أفلاطون مبدأ أن الجدال والسؤال والجواب، وفن الحوار والاحتكاك الفكري يشكل أساس منهج الوصول للحقيقة. /١
وقد تجلى ذلك من خلال ما نقله من جدليات "شيخه" سقراط وحواراته المعتمدة على السؤال والجواب.
وهو المعنى اللغوي لمصطلح "دياليكتيك"، حيث إن "ديا" باليونانية تعني اثنين، و "لجيستي" تعني الحوار والمناقشة.
ولا يعني هذا أن الجدل مخترع يوناني، وإنما.. /٢
الجدل والحوار فطرة إنسانية، لكن هذه إشكالية لدى عموم المدارس الفكرية الغربية المعاصرة التي تبدأ كل شيء من الحضارة اليونانية، وكأنها اخترعت العقل، وبإهمال مريب للمصادر التي نهل منها اليونانيون الأوائل، كالحضارات المصرية والعربية والهندية والصينية، وما تلاها كالحضارة الإسلامية. /٣
وهذه الإشكالية كانت نصب عيني البروفسور بيتر آدمسون (Peter Adamson)، الذي يدرِّس حاليا في مدرسة ميونخ للفلسفات القديمة، والذي ألف "تاريخ الفلسفة من غير فجوات"، وأسس موقعا على النت بذات الاسم، وكانت "الفلسفة الإسلامية" مصب اهتمامه. /٤
historyofphilosophy.net
لنعُدْ إلى موضوعنا؛ "الجدلية"، فالجدل والحوار والسؤال والجواب ليست غير سلوك فطري إنساني أساسي، لا يفتقر إلى فلسفة بعينها لتخترعه لنا.
إلا أن الفلسفة ما تسلطت على شيء فتركته على حاله، بل تظل عبر الدهور تطرق بمطارقها على المعاني الفطرية حتى تسوقها كل فلسفة إلى غاياتها المشوهة. /٥
وليس أعظم رفعة لقيمة الجدل والحوار من أن الله يسمعه من فوق سبع سماوات، {قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا} سورة المجادلة.
بل أمر به رسولَه ﷺ ،{وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} سورة النحل. /٦
ولكن، ويا لها من "لكن"..
ولكن أخذت الماكنة الفلسفية تفعل فعلتها وتلعب لعبتها.
فبعد بعض المداعبات لمفهوم "الجدلية" من قبل عدد من الفلاسفة، ظهر في القرن السادس عشر الألماني جورج هيجل ليأخذ بهذا المفهوم الإنساني المتوارث وينفخ فيه روح الحراك السياسي، /٧
ويغيره عن مدلولاته المعرفية المعهودة، ليتخذ مدلولا اصطلاحيا، فيصير مفهوم الجدل ليس مجرد وسيلة للوصول إلى الحقيقة فحسب، بل آلية للتغيير الاجتماعي، باعتبار أن الجدلية وفق مفهومه كانت وستظل هي الطاقة خلف حركة التاريخ وخطوات تقدمه إلى نهايته الحتمية، هو ما يُعَبّرُ عنه .. /٨
بـ "التاريخانية" (Historicism)، المفتقرة إلى استمرار ذلك الصراع بين الأضداد الفكرية.
فكل فرضية (Thesis) تبقى دون تغيير حتى تواجهها فرضية نقيضة (Antithesis)، وهذا الصراع ينتهي إلى "توليف" (Synthesis).
وكل تغيير وتقدم هو نتيجة لهذه العناصر الثلاثة؛ الفرضية و النقيضة والتوليف، /٩
وهذا هو التفسير الجدلي للتاريخ الذي حاء به هيجل.
ثم سار على ذلك تلامذة هيجل لا سيما الشباب، وسُمو بـ "الشبان الهيجليين" (Young Hegelians).
ولقد كان من بين هؤلاء الشبان الهيجليين شاب اسمه كارل ماركس، سيشكل هو ورفيق دربه فريدريك انجلز الحلقة التالية في تطور مفهوم الجدلية. /١٠
لقد سئم ماركس وإنجلز من التقوقع النظري لأطروحات هيجل وتقديمها للفكر على الواقع.
فقررا التحول بمفهوم الجدلية من التنظير إلى حقائق الواقع المادي الملموس.
فقاما بتنزيل عناصر الجدلية (الفرضية، النقيضة، التوليف)، على الواقع الاجتماعي والاقتصادي الأوروبي، فولدت "المادية الجدلية". /١١
فأصبحت "الفرضية" وفق تنظيرهما هي طبقة ملاك مصادر الإنتاج، و"النقيضة" هي طبقة العمال، والصراع بين هذين الضدين ينتهي إلى "التوليف"، والتوليف هو ثورة العمال .
وهكذا "وبقدرة قادر" تحول معنى الجدل والحوار، كما نفهمه جميعا بكل تلقائية، إلى مفهوم الصدام والثورة والعنف والدماء. /١٢
وفي القرن العشرين ظهرت الحلقة التالية في مفهوم الجدلية، وذلك على يدي الماركسي هيربرت ماركوزه، وهو من مدرسة ماركسية يهودية ألمانية فرت من هتلر إلى أمريكا في أواسط القرن العشرين.
وماركوزه هذا كان ناقما على ماركس وحمّله (ككثير من الماركسيين) مسؤولية عدم تحقق النبوءة الماركسية. /١٣
تلك النبوءة المبشرة بطوفان ثورات اشتراكية تعم كوكب الأرض بلا استثناء.
وقد سبّب ذلك بأن ماركس حصر نظريته في الطبقية الاقتصادية فقط. ولألا يقع في ذات الزلل فقط أمعن ماركوزه في التنقيب في المجتمع الأمريكي سعيا "لاكتشاف" تلك الطبقية الخفية، التي لا تقدر بثمن في إطار تأجيج الصراع. /١٤
فخرج ماركوزه "بكشوفاته" حول طبقيات لون البشرة وطبقيات الميل الجنسي، والتي تشكل مصادر جديدة للحطب الذي يغذي نيران"نظرية الجدلية".
ثم تفضل ماركوزه بهدية نفيسة لجميع الماركسيين، بل لجميع حركات الطغيان والقمع والاستبداد. تمثلت تلك الهدية في تعديل إضافي أجراه على "نظرية الجدلية"./١٥
حيث قام في مقاله الشهير "التسامح القمعي" عام 1969 بالتأسيس لقاعدة مبتكرة ظالمة لعينة ألبسها ثياب التبرير الأخلاقي المزيف.
وخلاصة تلك القاعدة هي أن الماركسي يملك التفوق الأخلاقي على الآخرين، وبالتالي فإن التسامح لا ينبغي أن يكون حقا نقيا مطلقا للجميع، /١٦
بل التسامح ليس إلا بين الماركسيين وحدهم، وأن القمع واجب تجاه كل رأي آخر وأن تلك القمعية تعد مبرَّرة عدالةً وأخلاقا.
وسار على طريقة ماركوزه تلامذته الجامعيون، ومنهم بيل أيرز (Bill Ayers) الذي أسس تنظيما إرهابيا يساريا اسمه (Weathers Underground)، قام بأعمال تفجير وقتل وتخريب. /١٧
وبعد محاكمة بيل أيرز وسجنه ثم خروجه من السجن، كان "محظوظا" جدا بأن استضاف في بيته شاباً ماركسياً أسود ليعلن ذلك الشاب ترشحه في سباق مجلس شيوخ ولاية إلينوي في مجلس الإرهابي الماركسي أيرز، ذلك الشاب الذي أصبح فيما بعد رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية.
نعم، إنه باراك أوباما. /١٨
كما كان من تلامذة ماركوزه: آنجيلا ديفيس وهي من أشهر من سعت لترسيخ دعوى أن البشرة البيضاء هي عنصرية بطبيعتها.
وكمبرلي كرينشا التي أسست نظرية "التقاطعية" بين "الأقليات المضطهدة".
تلك الأفكار التي أسست ظهور حراك الووكيزم (Wokeism)، وتنظيم ماركسي ثوري سموه "حياة السود مهمة". /١٩
ووفقا لهذا المنظور فقد قامت القوى اليسارية الماركسية بتجنيد المنظمات الإسلاموية الإخونجية وعلى رأسها (CAIR) وتفريعاتها باعتبارها تمثل "أقلية مضطهدة".
وجميع هذه "الأقليات" اللونية والجنسية والعرقية.. إلى آخره، ثمثل "النقيضة"، التي يسعون في تأجيج الصراع بينها وبين… /٢٠
"الفرضية" التي هي الوضع السائد، في سبيل إنتاج "التوليف" وهي الثورة وانهيار النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
ألا تتعجبون كيف أن ذلك المعنى الفطري البريء الإيجابي لـ "الجدل"، تحول لمصطلح أيديولوجي حركي ثوري قمعي يقتضي أن التقدم لن يكون إلا بالعنف والدماء وقمع الرأي الآخر. /٢١
وفي ضوء ذلك التطور البشع في المفاهيم نتفهم مدى الاصطفاف والقمعية غير المهنية لمنظومة وسائل الإعلام اليسارية الأمريكية بل والغربية أجمع، وكذلك المواقع المعلوماتية ومنصات التواصل الاجتماعي وشدة رقابتها وحظرها للمخالف وحصرها لمبدأ حرية التعبير والجدل والحوار على حملة أيديولجيتها./٢٢
وعلى ذات هذه الخطى سارت ربيبة اليسار الغربي؛ قناة الجزيرة. وكم تتجلى "الجدلية" الماركسية ورونقها الماركوزي في شعارها؛ "الرأي والرأي الآخر". فـ"الرأي" هنا هو استقرار الدول، وهو يمثل "الفرضية"، و"الرأي الآخر" هو الحراك الثوري اليساري بأقنعته الإسلاموية، وهو يمثل "النقيضة"، /٢٣
وبالتالي فإن التوليف الذي يسعى إليه أربابهم اليساريون الغربيون هو الانهيار السياسي والاقتصادي والاجتماعي للمنطقة.
هذه هي المادية الجدلية، وهذه حقيقتها. وكفانا في بعض بلادنا العربية تدريسا لها بمدارسنا بكل سذاجة وتنظير سطحي غافل عن حقيقة الفظائع التطبيقية.
youtu.be
وختاماً
المادية الجدلية، في دقيقتين..

جاري تحميل الاقتراحات...