1. منذ مدّة ليست بالقصيرة ونفسي تراودني على الحديث عن الشيخ العَلَم عبد الرحمن بن عبد العزيز الجَلّال (ت 1434هـ 2013م)، الذي كان مِن خوّاص طلاب الشيخ ابن باز (رحمهما الله) عندما كان قاضيًا في مدينة الدلم جنوب مدينة الرياض..
سمعتُ بعضًا مِن قصصه ومواقفه مع شيخه ابن باز، وكنتُ شغوفًا بمعرفة المزيد، فيَسّر الله لي الاتصال ببعض أبناء الشيخ وأحفاده وطلّابه ومحبّيه، فدُهِشْتُ لِمَا سمعتُ وقرأتُ عن ذلك الشيخ الجليل: عن عِبَادته، وعِلْمه، وزُهْدِه، وورعه، وبَذْلِه ونَفْعِه للعامّة، وأحزنني في الوقت نفسه غيابُ هذه القَصص والمواقف والسِّيَر العظيمة عن كثير من الناس، في زمن ارتفعت فيه سِهَامُ التافهين من "مشاهير" التواصل الاجتماعي، فعمّت وطمّت وأعْمَت.. والله المستعان..
ذكَرَ لي حفيدُه الشيخُ الفاضل عبدُ الرحمن بن ناصر الجَلّال سلّمه الله بأنّ جدّه الشيخَ عبد الرحمن استقبل الشيخَ ابن باز رحمه الله عام 1357هـ 1938م في مَعيّة أهالي الدلم عندما أتى قاضيًا وهو ابنُ أربع عشرة سنة، ومكَثَ معه وملازِمًا له مِثْلَها، ثم لَحِقَ به بعد وفاة شيخه في مثلها، وهذه من الموافقات العجيبة..
ولد الشيخ رحمه الله في عام 1343هـ 1925م، ونشأ في بيت عِلْم وتديُّن، فوالده كان حافظًا للقرآن ويعمل في الحسبة، ووالدته مُحَفِّظة للقرآن، فلا غرابةَ أن يحفظ الشيخُ القرآنَ قبل سِنّ البلوغ، فالبيتُ المعَطّرُ بالطِّيب تفوح من أهله الرائحة الزاكية..
عاش رحمه الله تسعين عامًا قضاها فيما نحسب في العلم، والإمامة، والدعوة، وإصلاح ذات البين، ورعاية مصالح الناس والشفاعة لهم، وقد عمل في قطاع التعليم، وقطاع الحسبة، ورئاسة الجمعية الخيرية، ومجلس الدعوة والإرشاد في الدلم..
أمَّ الشيخُ بالناس قرابةَ ستين عامًا في عدد من مساجد الدلم، وكان مُحتسبًا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهو سليل عائلة توَلّت الأمر بالمعروف في الدلم 130 سنة، منذ جدّه لأمّه الشيخ عبد الله بن بخيتان، ثم والده الشيخ عبد العزيز، ثم استلم الراية مِن بعدهم حتى كَبُرَت سِنّه قبل وفاته بقليل ...(رحم الله الجميع).. اهـ
قال صهرُه الشيخُ سلمان الجدّوع وفقه الله: لقد كان الشيخ رحمه الله يتلو القرآن آناء الليل وأطراف النهار، وهو مِن رُهبان الليل، فقد كان يقوم الليل يوميًا الساعة والساعتين، حتى إنّ ابنه الشيخ ناصرًا سجّل له العديد من الأشرطة لتلاوته القرآن في القيام دون أنْ يشعر به.. اهـ
ذكَرَ لي تلميذُه وقريبُه القاضي الشيخ ناصر بن محمد آل طالب سلّمه الله أنّ الشيخَ ابن جَلّال كان حسَن الصوت والتلاوة والقراءة أيضًا، فقد كان يقرأ على شيخه ابن باز رحمه الله في كتاب تفسير ابن كثير في الدرس، وكان ابن باز يأنس كثيرًا بتلاوته وحسن صوته وأدائه، وربما تأثّر الشيخ بقراءته فيبكي ويبكي طلابُه..
وعندما طُلِبَ من الشيخ ابن باز ترشيح إمامٍ للحرم في الثمانينيات الهجرية الستينيات الميلادية، رَشّحَ الشيخَ ابنَ جَلّال لذلك، فجاءت الموافقة، وكان ذلك في شهر رمضان، فقال الشيخ ابن باز له: يا شيخ عبد الرحمن! استعد! أنت الذي ستُصَلِّي بالحرم هذه الليلة.. يقول ابنُ جلال: صَعُب الأمرُ عليّ، فلا أستطيع رَدَّ شيخي وأستاذي، وأنا ليس لي رغبة في هذا الأمر، ولا أريد أنْ أترك الدّلم.. فلم أجد حِيلةً سوى الذهاب في الخَفَاء لمدينة الطائف عصرًا، فأفطرتُ المغرب هناك، ثم عدتُ إلى الدلم وتركتُهم أمامَ الأمر الواقع.. وهذا بلا ريب من زهد الشيخ وورعه رحمه الله..
ويقول الشيخ ابنُ طالب: للشيخ ابن جلال مَهَابة في هيئته، فهو فارع الطول، صبوح الوجه، جميل المُحيّا، وكان إذا لبِسَ عباءته الصفراء ومشى، يكاد يُصاب مَن يراه بالرهبة من طوله وجمال هيئته.. كان رحمه الله مُبصِرًا ولم يكف بصرُه إلا في آخر حياته... ومِن القَصص التي ذكَرَها لي الشيخُ رحمه الله أنّه كان مع شيخه ابن باز في مجلس الملك عبد العزيز (رحمهم الله) في عيد الأضحى بمكة المكرمة أثناءَ استقبالِه ضيوفَ الحج، وكان من ضمن الضيوف حسن البنا، فسَمِعه يقول للملك: نريد أنْ نفتح فَرْعًا للإخوان المسلمين في المملكة.. فأجابه الملك: الحمد لله، نحن في هذا البلد كلنا إخوان، وكلنا مسلمون.. وبذلك قطع الملكُ الأمرَ عليه.. وهذا من حكمة الملك وحنكته رحمه الله..اهـ.
قال لي تلميذُه الشيخ محسن المحسن وفقه الله رئيس جمعية البر بالدلم: عاشرتُ الشيخَ ابنَ جلال رحمه الله في الجمعية عشرين سنة، فلم أرَه يومًا يذمّ أحدًا أو ينتقص منه، وكان جميع العاملين متساوين عنده، سواء أكان رئيسًا أو مرؤوسًا، ولا يأتيه أحدٌ في حاجة إلا ويجد حاجته عنده.. كان رحمه الله مُحِبًّا للفقراء، عطوفًا عليهم، كالأب الحنون... وكان محلّ ثقة المسؤولين والتجار في المنطقة، وما إنْ يأتيهم خطاب منه لدعم برامج الجمعية ونشاطاتها إلا ويبادرون بالموافقة والدعم.. كان الشيخ رحمه الله يمتاز بروح الشباب والهمّة العالية رغم كِبَر سِنّه، وأستطيع أن أقول عنه: "الشيخ الذي مات شابًّا"، فهو شابٌّ في روحه، وملاطفته للشباب من تلاميذه، فقد كان يشاركهم همومَهم وأفراحَهم واهتماماتهم، وكنا نزوره قبل وفاته بأيام، فكأنّه واحدٌ منّا.. اهـ.
سمعتُ بعضًا مِن قصصه ومواقفه مع شيخه ابن باز، وكنتُ شغوفًا بمعرفة المزيد، فيَسّر الله لي الاتصال ببعض أبناء الشيخ وأحفاده وطلّابه ومحبّيه، فدُهِشْتُ لِمَا سمعتُ وقرأتُ عن ذلك الشيخ الجليل: عن عِبَادته، وعِلْمه، وزُهْدِه، وورعه، وبَذْلِه ونَفْعِه للعامّة، وأحزنني في الوقت نفسه غيابُ هذه القَصص والمواقف والسِّيَر العظيمة عن كثير من الناس، في زمن ارتفعت فيه سِهَامُ التافهين من "مشاهير" التواصل الاجتماعي، فعمّت وطمّت وأعْمَت.. والله المستعان..
ذكَرَ لي حفيدُه الشيخُ الفاضل عبدُ الرحمن بن ناصر الجَلّال سلّمه الله بأنّ جدّه الشيخَ عبد الرحمن استقبل الشيخَ ابن باز رحمه الله عام 1357هـ 1938م في مَعيّة أهالي الدلم عندما أتى قاضيًا وهو ابنُ أربع عشرة سنة، ومكَثَ معه وملازِمًا له مِثْلَها، ثم لَحِقَ به بعد وفاة شيخه في مثلها، وهذه من الموافقات العجيبة..
ولد الشيخ رحمه الله في عام 1343هـ 1925م، ونشأ في بيت عِلْم وتديُّن، فوالده كان حافظًا للقرآن ويعمل في الحسبة، ووالدته مُحَفِّظة للقرآن، فلا غرابةَ أن يحفظ الشيخُ القرآنَ قبل سِنّ البلوغ، فالبيتُ المعَطّرُ بالطِّيب تفوح من أهله الرائحة الزاكية..
عاش رحمه الله تسعين عامًا قضاها فيما نحسب في العلم، والإمامة، والدعوة، وإصلاح ذات البين، ورعاية مصالح الناس والشفاعة لهم، وقد عمل في قطاع التعليم، وقطاع الحسبة، ورئاسة الجمعية الخيرية، ومجلس الدعوة والإرشاد في الدلم..
أمَّ الشيخُ بالناس قرابةَ ستين عامًا في عدد من مساجد الدلم، وكان مُحتسبًا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهو سليل عائلة توَلّت الأمر بالمعروف في الدلم 130 سنة، منذ جدّه لأمّه الشيخ عبد الله بن بخيتان، ثم والده الشيخ عبد العزيز، ثم استلم الراية مِن بعدهم حتى كَبُرَت سِنّه قبل وفاته بقليل ...(رحم الله الجميع).. اهـ
قال صهرُه الشيخُ سلمان الجدّوع وفقه الله: لقد كان الشيخ رحمه الله يتلو القرآن آناء الليل وأطراف النهار، وهو مِن رُهبان الليل، فقد كان يقوم الليل يوميًا الساعة والساعتين، حتى إنّ ابنه الشيخ ناصرًا سجّل له العديد من الأشرطة لتلاوته القرآن في القيام دون أنْ يشعر به.. اهـ
ذكَرَ لي تلميذُه وقريبُه القاضي الشيخ ناصر بن محمد آل طالب سلّمه الله أنّ الشيخَ ابن جَلّال كان حسَن الصوت والتلاوة والقراءة أيضًا، فقد كان يقرأ على شيخه ابن باز رحمه الله في كتاب تفسير ابن كثير في الدرس، وكان ابن باز يأنس كثيرًا بتلاوته وحسن صوته وأدائه، وربما تأثّر الشيخ بقراءته فيبكي ويبكي طلابُه..
وعندما طُلِبَ من الشيخ ابن باز ترشيح إمامٍ للحرم في الثمانينيات الهجرية الستينيات الميلادية، رَشّحَ الشيخَ ابنَ جَلّال لذلك، فجاءت الموافقة، وكان ذلك في شهر رمضان، فقال الشيخ ابن باز له: يا شيخ عبد الرحمن! استعد! أنت الذي ستُصَلِّي بالحرم هذه الليلة.. يقول ابنُ جلال: صَعُب الأمرُ عليّ، فلا أستطيع رَدَّ شيخي وأستاذي، وأنا ليس لي رغبة في هذا الأمر، ولا أريد أنْ أترك الدّلم.. فلم أجد حِيلةً سوى الذهاب في الخَفَاء لمدينة الطائف عصرًا، فأفطرتُ المغرب هناك، ثم عدتُ إلى الدلم وتركتُهم أمامَ الأمر الواقع.. وهذا بلا ريب من زهد الشيخ وورعه رحمه الله..
ويقول الشيخ ابنُ طالب: للشيخ ابن جلال مَهَابة في هيئته، فهو فارع الطول، صبوح الوجه، جميل المُحيّا، وكان إذا لبِسَ عباءته الصفراء ومشى، يكاد يُصاب مَن يراه بالرهبة من طوله وجمال هيئته.. كان رحمه الله مُبصِرًا ولم يكف بصرُه إلا في آخر حياته... ومِن القَصص التي ذكَرَها لي الشيخُ رحمه الله أنّه كان مع شيخه ابن باز في مجلس الملك عبد العزيز (رحمهم الله) في عيد الأضحى بمكة المكرمة أثناءَ استقبالِه ضيوفَ الحج، وكان من ضمن الضيوف حسن البنا، فسَمِعه يقول للملك: نريد أنْ نفتح فَرْعًا للإخوان المسلمين في المملكة.. فأجابه الملك: الحمد لله، نحن في هذا البلد كلنا إخوان، وكلنا مسلمون.. وبذلك قطع الملكُ الأمرَ عليه.. وهذا من حكمة الملك وحنكته رحمه الله..اهـ.
قال لي تلميذُه الشيخ محسن المحسن وفقه الله رئيس جمعية البر بالدلم: عاشرتُ الشيخَ ابنَ جلال رحمه الله في الجمعية عشرين سنة، فلم أرَه يومًا يذمّ أحدًا أو ينتقص منه، وكان جميع العاملين متساوين عنده، سواء أكان رئيسًا أو مرؤوسًا، ولا يأتيه أحدٌ في حاجة إلا ويجد حاجته عنده.. كان رحمه الله مُحِبًّا للفقراء، عطوفًا عليهم، كالأب الحنون... وكان محلّ ثقة المسؤولين والتجار في المنطقة، وما إنْ يأتيهم خطاب منه لدعم برامج الجمعية ونشاطاتها إلا ويبادرون بالموافقة والدعم.. كان الشيخ رحمه الله يمتاز بروح الشباب والهمّة العالية رغم كِبَر سِنّه، وأستطيع أن أقول عنه: "الشيخ الذي مات شابًّا"، فهو شابٌّ في روحه، وملاطفته للشباب من تلاميذه، فقد كان يشاركهم همومَهم وأفراحَهم واهتماماتهم، وكنا نزوره قبل وفاته بأيام، فكأنّه واحدٌ منّا.. اهـ.
2. يقول تلميذُه الشيخُ سعد بن غنيم سَلّمه الله: لقد كنتُ مُتعلّقًا جدًّا بالشيخ رحمه الله، حتى إنّ والدي كان يُداعبني بحضرة الشيخ فيُسمِّيني "سعد بن جَلّال"، لكثرة ما يرى تعلّقي بالشيخ رحمه الله... لقد كان تعامل الشيخ معي ومع تلاميذه وخاصّتِهِ ضَرْبًا من الخيال، وعجَبًا من العَجَب، فقد عَمِلْتُ معه ولازمتُه عشر سنين وأنا أصغر سِنًا من أصغر أبنائه، وعَمِلتُ تحت رئاسته في هيئة الأمر بالمعروف، فما أشعرني يوماً بأنني دونه في شيء، وما أنّبنِي ولا عنّفنِي، لا أنا ولا غيري من الزملاء... الشيخ رحمه الله كان من بقية السلف في هذا الزمان، ومن نوادر الرجال الذين اجتمعت لهم خصال يندر أن تجتمع في شخص: مِن علو الهمة، وتواضع النفس، وكرم اليد، وبذل العلم، وكثرة العبادة، وخدمة الناس وقضاء مصالحهم وشؤونهم، وحلّ مشكلاتهم ومنازعاتهم.. أمّا عبادتُه فحدّث ولا حرج، ومِن ذلك تَعلُّقُه بمكة المكرمة، فقد كان يذهب قبل رمضان في كل عام، ويبقى الشّهر كلّه ولا يعود إلا يوم العيد، ويوزّع زكاته وصدقاته هناك، واستمرّ على ذلك أكثر من أربعين عامًا... صَلّيتُ مرةً بجواره في المسجد الحرام قبل صلاة العصر، فصلّيت ركعتين تحية المسجد وجلست، فالتفتَ إليّ الشيخ رحمه الله بأدبه المعهود وقال: رحم الله امرءًا صلّى قبل العصر أربعًا.. فاستحييتُ وقمتُ فصلّيتُ ركعتين أخريين.. كنتُ أنظر للشيخ رحمه الله وهو يُصَلّي التراويح والقيام على طولها في الحرم، رغم كِبَر سِنّه وتعب رجليه، فكنتُ أستحيي منه عندما أشعر بالتعب، وأقول له: يا شيخ لو تُصلّي على الكرسي أريح لك، فيقول: وأين أذهب من قوله ﷺ:( أقربُ مَا يَكونُ العبْدُ مِن ربِّهِ وَهَو ساجدٌ)، فكيف أسجد على الأرض وأنا على الكرسي..
لقد سافرتُ كثيرًا مع الشيخ وبِتْنا سَويًّا في مكان واحد، فكان أقلَّنا نومًا، وأوّلَنا استيقاظًا، وكنّا كثيرًا ما ننام وهو يُصَلّي، ثم لا نستيقظ إلا على صوتِ قراءته وصلاته في تهجُّده.. خدَمَ الشيخُ رحمه الله بلاده ومجتمعه في عمله الوظيفي ما يزيد على ستين سنة، فهو منذ أنْ جاوز الخامسة عشرة ابتدأ عملَه في الإمامة والتدريس، وبعد ذلك عمل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر رئيسًا، وكان مولدُه في عيد الأضحى عام 1343هـ أي أنه قد التحق بالعمل الحكومي في عام 1360هـ تقريبًا، فله في العمل الوظيفي ما يقارب سِتًّا وستين سنة، ولا أعلم - على حدّ علمي – أحدًا خدمَ هذه المدة الطويلة...
كان الشيخُ يُطالِب لنا نحن منسوبي الهيئة بالمراتب الوظيفية العُليا، ولا يطلب لنفسه، حتى إنّ هذه المراتب المطلوبة لنا أعلى من مرتبته التي كان عليها، ولم أرَه يومًا يُفرّط في ضياع حقوق موظفيه، فكثيراً ما كان يُلِحّ ويلقي بثقله لترقية موظف أو مكافأته، مما بعث الثقة والارتياح في نفوس مرؤوسيه، حتى إنّي سمعتُ بأذني وكنتُ معه في إحدى مراجعاته أحدَ كبار موظفي الرئاسة يخاطبه ويتمنّى لو كان موظفًا ومرؤوسًا عند الشيخ ليحظى بهذه العناية..
ويضيف الشيخ ابن غنيم: أستطيع أنْ أصف الشيخ ابن جلال بأنّه نسخة أخرى في الخُلُق والكَرم، ومحبة نفع الناس، وسلامة الصدر، وطيب النفس والتواضع من شيخه الشيخ ابن باز (رحمهما الله)، ولا عجب فقد لازمه مدة أربعة عشر عامًا منذ أن بلغ عمره أربع عشرة سنة من عام 1357هـ حتى 1371هـ، ثم استمر بعد ذلك في الاتصال به، والنهل من معينه مدةً تزيد على ثلاث وستين سنة..
لقد كانت أساريرُ شيخنا ابن جلّال تنفتح عندما نطلب منه الحديثَ عن شيخه ابن باز، فربّما تحَدَّثَ عنه الساعات الطوال دون كلل أو ملل، ولا ملامةَ عليه في ذلك، فهو شيخه ومُربّيه وصاحب الفضل عليه، وقد سار على نهجه وطريقته في بذل نفسه للعلم والدعوة وتلمّس حاجات الناس والشفاعة فيهم.. ومن ذلك أنّ امرأةً كان بها عيب خَلْقي، فلم يتقدّم لها أحد للزواج بها، فبلغ أمرُها للشيخ ابن جلال، وقيل له: لعلك يا شيخ تشفع لها لمَن يشتري لها بيتًا تسكُنُه، وربّما يرغّبُ ذلك في الزواج منها، فكتب إلى شيخه ابن باز (رحمهما الله) يستشفع عنده، فكتب ابن باز للملك فهد رحمه الله، فاشترى لها بيتًا بخمسمئة ألف ريال، فكان ذلك فرَجَاً لها.... ومن القصص العجيبة أنّ شيخنا ابنَ جلال رأى في المنام رجُلًا يَعْرِفُه تُوفّي منذ فترة، فقال له في المنام: "يا شيخ تعطيني خمسة آلاف ريال"، فردّ الشيخ: "أنت ميّت! فكيف أعطيك خمسة آلاف ريال"، فقال:"يا شيخ! هذا فلان يطلبني هذا المبلغ لعلك تعطيه".. فلما جاء من الغد سأل الشيخ ابنُ جلال عن هذا الرجل ودعاه، وقال له: هل تطلب فلانًا مبلغ خمسة آلاف، فقال: نعم.. فأعطاه المبلغ... وهذه القصة من الغرائب، فالشيخ رحمه الله شَفَع للأحياء والأموات..
ولابن جلّال قصة مع الملك خالد رحمه الله، فقد استشار الملكُ الشيخَ راشد بن خنين في اختيار إمام يُصلّي به، فأراد ابن خنين أنْ يجعل ابنَ جلال أمام الأمر الواقع، فأقام وليمةً لجَمْعٍ من العلماء ودعا ابنَ جلال.. وفي ختام الوليمة قال الشيخُ ابن خنين: سنذهب للسلام على الملك خالد، فعندما ذهبوا للسلام عليه، وجاء دور ابن جلال للسلام على الملك، بادر ابنُ خنين وقال: هذا الشيخُ ابنُ جلال الذي طلبتَه ليكون إمامًا لك، فسلّم عليه الملك ودعا له، فأُحْرِج الشيخُ وأُسْقِطَ في يده، فما كان مِن حِلٍّ إلا أنْ صلّى بالملك الفَرْضَ التالي، ثم خرج دون أن يشعر به أحد وعاد لمدينته الدلم...اهـ
لقد سافرتُ كثيرًا مع الشيخ وبِتْنا سَويًّا في مكان واحد، فكان أقلَّنا نومًا، وأوّلَنا استيقاظًا، وكنّا كثيرًا ما ننام وهو يُصَلّي، ثم لا نستيقظ إلا على صوتِ قراءته وصلاته في تهجُّده.. خدَمَ الشيخُ رحمه الله بلاده ومجتمعه في عمله الوظيفي ما يزيد على ستين سنة، فهو منذ أنْ جاوز الخامسة عشرة ابتدأ عملَه في الإمامة والتدريس، وبعد ذلك عمل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر رئيسًا، وكان مولدُه في عيد الأضحى عام 1343هـ أي أنه قد التحق بالعمل الحكومي في عام 1360هـ تقريبًا، فله في العمل الوظيفي ما يقارب سِتًّا وستين سنة، ولا أعلم - على حدّ علمي – أحدًا خدمَ هذه المدة الطويلة...
كان الشيخُ يُطالِب لنا نحن منسوبي الهيئة بالمراتب الوظيفية العُليا، ولا يطلب لنفسه، حتى إنّ هذه المراتب المطلوبة لنا أعلى من مرتبته التي كان عليها، ولم أرَه يومًا يُفرّط في ضياع حقوق موظفيه، فكثيراً ما كان يُلِحّ ويلقي بثقله لترقية موظف أو مكافأته، مما بعث الثقة والارتياح في نفوس مرؤوسيه، حتى إنّي سمعتُ بأذني وكنتُ معه في إحدى مراجعاته أحدَ كبار موظفي الرئاسة يخاطبه ويتمنّى لو كان موظفًا ومرؤوسًا عند الشيخ ليحظى بهذه العناية..
ويضيف الشيخ ابن غنيم: أستطيع أنْ أصف الشيخ ابن جلال بأنّه نسخة أخرى في الخُلُق والكَرم، ومحبة نفع الناس، وسلامة الصدر، وطيب النفس والتواضع من شيخه الشيخ ابن باز (رحمهما الله)، ولا عجب فقد لازمه مدة أربعة عشر عامًا منذ أن بلغ عمره أربع عشرة سنة من عام 1357هـ حتى 1371هـ، ثم استمر بعد ذلك في الاتصال به، والنهل من معينه مدةً تزيد على ثلاث وستين سنة..
لقد كانت أساريرُ شيخنا ابن جلّال تنفتح عندما نطلب منه الحديثَ عن شيخه ابن باز، فربّما تحَدَّثَ عنه الساعات الطوال دون كلل أو ملل، ولا ملامةَ عليه في ذلك، فهو شيخه ومُربّيه وصاحب الفضل عليه، وقد سار على نهجه وطريقته في بذل نفسه للعلم والدعوة وتلمّس حاجات الناس والشفاعة فيهم.. ومن ذلك أنّ امرأةً كان بها عيب خَلْقي، فلم يتقدّم لها أحد للزواج بها، فبلغ أمرُها للشيخ ابن جلال، وقيل له: لعلك يا شيخ تشفع لها لمَن يشتري لها بيتًا تسكُنُه، وربّما يرغّبُ ذلك في الزواج منها، فكتب إلى شيخه ابن باز (رحمهما الله) يستشفع عنده، فكتب ابن باز للملك فهد رحمه الله، فاشترى لها بيتًا بخمسمئة ألف ريال، فكان ذلك فرَجَاً لها.... ومن القصص العجيبة أنّ شيخنا ابنَ جلال رأى في المنام رجُلًا يَعْرِفُه تُوفّي منذ فترة، فقال له في المنام: "يا شيخ تعطيني خمسة آلاف ريال"، فردّ الشيخ: "أنت ميّت! فكيف أعطيك خمسة آلاف ريال"، فقال:"يا شيخ! هذا فلان يطلبني هذا المبلغ لعلك تعطيه".. فلما جاء من الغد سأل الشيخ ابنُ جلال عن هذا الرجل ودعاه، وقال له: هل تطلب فلانًا مبلغ خمسة آلاف، فقال: نعم.. فأعطاه المبلغ... وهذه القصة من الغرائب، فالشيخ رحمه الله شَفَع للأحياء والأموات..
ولابن جلّال قصة مع الملك خالد رحمه الله، فقد استشار الملكُ الشيخَ راشد بن خنين في اختيار إمام يُصلّي به، فأراد ابن خنين أنْ يجعل ابنَ جلال أمام الأمر الواقع، فأقام وليمةً لجَمْعٍ من العلماء ودعا ابنَ جلال.. وفي ختام الوليمة قال الشيخُ ابن خنين: سنذهب للسلام على الملك خالد، فعندما ذهبوا للسلام عليه، وجاء دور ابن جلال للسلام على الملك، بادر ابنُ خنين وقال: هذا الشيخُ ابنُ جلال الذي طلبتَه ليكون إمامًا لك، فسلّم عليه الملك ودعا له، فأُحْرِج الشيخُ وأُسْقِطَ في يده، فما كان مِن حِلٍّ إلا أنْ صلّى بالملك الفَرْضَ التالي، ثم خرج دون أن يشعر به أحد وعاد لمدينته الدلم...اهـ
3. ذكَرَ ابنُ الشيخِ سعدُ بن جلّال وفقه الله قصةً لطيفة حصلت له مع والده رحمه الله، وهي أنّه ذهبَ به مَرّة لمدينة الخرج لأخْذِ قيمةِ إيجار عَمَارةٍ للشيخ، فعندما وصَلَا العَمَارة، قام أصحابُ المحلّات يتسابقون لتقديم الكرسي حتى يجلس فيه، فجَلَس على أحد هذه الكراسي، ثم توالَى أصحاب المحلّات على الشيخ، فمنهم مَن يُقَدِّم قيمةَ الإيجار، وبعضُهم يَتَعْذِر منه لعدم قُدْرتِه على دَفْع المبلغ الآن، فليس عنده شيء هذا اليوم، والشيخ رحمه الله كان يَعرف أنّ بعضهم يراوغ ويتلكّأ، فكان الشيخ رحمه الله يُداعبهم ويقول:"ترى الفلوس الّي بتعطيني إيّاها بياخذها هذا وإخوانه - ويُشير إلى ابنه سعد - لكن الفلوس الّي بتقعد عندك، هي التي ستبقى لي وهو يضحك".. يقول ابنُه سعد: "وكنتُ أقول للوالد رحمه الله: كيف تريد أنْ يعطوك قيمة الإيجار وأنتَ تقول لهم هذا الكلام!".. فكان رحمه الله يبتسم وكان مُتسامحًا معهم ويُراعي ظروفهم حتى لو تأخّروا في التسديد.. اهـ.
قال لي الشيخ الدكتور محمد الفالح وفقه الله @mm2009ff: زرتُ الشيخ ابنَ جلّال رحمه الله عام 1421هـ 2001م في بلدته الدلم بصحبة بعض الزملاء، وقد سألْتُه عن نسخة كتاب ابن كثير التي كان يقرأ فيها على الشيخ ابن باز رحمه الله عندما كان قاضيًا هناك، فنادى ابنَه ناصرًا وطلب منه أن يُحْضِر النسخة، فلم أُصدِّق عينيّ عندما رأيتُها، وكأنّي في حلم، فهذه النسخة نادرة جدًا وهي طبعة المنار بمصر عام 1346هـ، التي أمر بطباعتها الملك عبد العزيز رحمه الله.. فأهداني إيّاها رحمه الله، وفَرِحْتُ بها كثيرًا؛ لأني كنتُ أبحث عنها آنذاك.. اهـ.
قال لي الشيخ الدكتور محمد الفالح وفقه الله @mm2009ff: زرتُ الشيخ ابنَ جلّال رحمه الله عام 1421هـ 2001م في بلدته الدلم بصحبة بعض الزملاء، وقد سألْتُه عن نسخة كتاب ابن كثير التي كان يقرأ فيها على الشيخ ابن باز رحمه الله عندما كان قاضيًا هناك، فنادى ابنَه ناصرًا وطلب منه أن يُحْضِر النسخة، فلم أُصدِّق عينيّ عندما رأيتُها، وكأنّي في حلم، فهذه النسخة نادرة جدًا وهي طبعة المنار بمصر عام 1346هـ، التي أمر بطباعتها الملك عبد العزيز رحمه الله.. فأهداني إيّاها رحمه الله، وفَرِحْتُ بها كثيرًا؛ لأني كنتُ أبحث عنها آنذاك.. اهـ.
4. للشيخ ابن جلّال مع شيخه ابن باز (رحمهما الله) مواقف لا تُنسى، ومن ذلك ما ذكرَه رحمه الله عن لقائه الأول بالشيخ عندما أتى قاضيًا للدلم عام 1357هـ 1938م، وكان عمر ابن باز حينها 27 عامًا، وهو ابن 14 عامًا... يقول: جاء الشيخ ابن باز قبل العصر في الخميس الثاني من شهر شعبان عام 1357هـ في سيارة حكوميّة، فاتّجه إلى الجامع المجاور لقصر الإمارة فورًا وصلّى ركعتين، وهذا تطبيق للسنة، فكان سفر الشيخ يوم الخميس وبدأ بالصلاة بالمسجد كما كان يفعل النبي ﷺ، وعندما خرجَ من المسجد إذْ بأمير البلد ناصر بن سليمان الناصر رحمه الله يستقبله ما بين المسجد والقصر، فسَلّم على الشيخ ورحّب به ودعاه لتناول القهوة، فأجابه الشيخ رحمه الله فلمّا جلس الشيخ أخذ يسأل عن كلّ الحاضرين فردًا فردًا وسؤالهم عن أحوالهم ... ثم ألقى كلمة بدأها بالحمد والثناء على الله، والصلاة والسلام على رسوله، ثمّ حَلَفَ ثلاثًا أنّه لا يرغب في القضاء ولا يُحِبّه، وإنما الذي حمَلَه على الموافقة على ذلك هو أمر الله سبحانه وأمر رسوله ﷺ بالسمع والطاعة لولاة الأمور، ثم بدأ ينصح الناس ويرشدهم ..
من تلك اللحظة بدأت علاقة التلميذ بأستاذه، علاقة ابن جلّال بابن باز (رحمهما الله)...
يقول الشيخ ابن جلال رحمه الله: لم يكن للقضاء مَحكمة في وقت مجيء الشيخ ابن باز، بل كان القاضي يَحْكُم في بيته أو السوق، فالشيخ كان يقضي أول أمره في بيته، وبعد مدة اشترى بيتًا مما يليه، فقسّمه وهيّأه ليكون مَحكمة، فجعل مجلسًا للقضاء، ومجلسًا لانتظار الرجال، وآخر للنساء، ووضع فُرجةً بينه وبين النساء وهنّ في مكانِهنّ ليسمع منهنّ، والشيخ رحمه الله هو أول مَن وضع السجلات للقضاء في الدلم: سجلات للإنهاء، وسجلات للأوقاف، وسجلات لتركة الأموات.. وكان للشيخ مساعدون وكُتّاب، ومنهم: الشيخ عبد الله المسعري، والشيخ صالح بن حسين العلي العراقي، والشيخ راشد بن خنين (رحمهم الله)..
لم يكن عمل الشيخ رحمه الله مُقتصرًا على القضاء، بل بدأ بالدروس العلمية في الجامع، فكان يُدرِّس بعد الفجر المتون القصيرة: ثلاثة الأصول، والأجرومية، وكتاب التوحيد، والأربعين النووية، وكان الشيخ يناقش الطلاب ويُدارسهم..
ثم تأتي الدفعة الثانية من الطلاب في المتون المطوّلة: زاد المقنع، وألفية ابن مالك، وبلوغ المرام، والبخاري، ومسلم، والترمذي، وتفسير ابن جرير، ويستمر حتى الضحى، ثم يأخذ طلابَه معه إلى بيته لتناول القهوة والتمر - والتمر شحيح في ذلك الوقت-، وكان هذا الأمر يوميًّا، حيث يُكْمِل الشيخُ الدرسَ مع طلابه في بيته، إثر ذلك يذهب للمحكمة إلى الظهر، ثم يجلس في المسجد للناس حينًا، وبعد العصر درس، وقبل المغرب يذهب الشيخ إلى بعض البساتين القريبة، ويُحْضِرُ له بعضُ طلابه عددًا من الجرائد والمجلّات ويقرؤونها عليه، حيث يتابع الشيخُ أحوالَ الناس في البلد، والمسلمين في الخارج، وبعد المغرب درس الرّحبية في الفرائض، وبعد أذان العشاء كنتُ أقرأ عليه في تفسير ابن كثير، والشيخ يشرح ويتضرع ويخشع أحيانًا، وبعد صلاة العشاء يرجع لبيته ليحضّر لدروس الغد ويُراجعها..
كان يَدْرُس عند الشيخ رحمه الله عددٌ كبير من الطلبة من داخل المملكة وخارجها، فمنهم فلسطينيّون، ومصريون، وسودانيون، ويمنيون، وكان الشيخ يستأجر غرفاً لهم، ويضع بعضهم في حجرات المسجد، كما طلب من الملك عبد العزيز رحمه الله معونة مالية لهؤلاء الطلاب فوافق الملك، كما وجّه الشيخ ببناء رباط في الإمارة ليكون سكنًا لهم..
ومن أبرز طلاب الشيخ آنذاك: راشد بن خنين، وعبد الله بن قعود، وعبد الرحمن البراك، وصالح بن هليل، ومحمد بن سليمان، ومحمد بن زيد، وأحمد العمري..
ويقول ابن جلال رحمه الله: أول مدرسة نظامية افتُتِحَتْ في الدلم كانت بجهد وسَعْي من الشيخ ابن باز رحمه الله ولها قصة، حيث حَجّ الشيخ عام 1367هـ 1948م، والتقى بالملك سعود رحمه الله وكان وقتها أميرًا ووليًّا للعهد، وقال له: نرغب في فتح مدرسة في الدلم، فما كان من الأمير إلا أنْ رَحّبَ بذلك، وأمَرَ فورًا مدير المعارف آنذاك الشيخ محمد بن مانع رحمه الله، وقال له: هذا الشيخ ابن باز يرغب في فتح مدرسة، افتح عندهم مدرسة في الدلم، ولا تتعرّض لشيء من أنظمتها أو تعيين المعلمين فيها، كلُّ ما يطلبه الشيخ نَفّذْه، فهو مَن يختار الهيئة التعليمية فيها.. فافتتح الشيخُ المدرسةَ وعيّن فيها أحدَ طلابه من الفلسطينيين مديرًا وهو محمود ياسين، وعين الشيخ راشد بن خنين وكيلًا، وأنا وبعض طلاب الشيخ للتدريس، واستمرت المدرسةُ تحت رعايته وإشرافه، وكان يزورها باستمرار ويلتقي بالطلاب ويسألهم ويختبر معلوماتهم.. مع الإشارة إلى أنّ التعليم النظامي آنذاك كان مُحَارَبًا من عامّة الناس ولا يرغبون فيه، إلا أنّ الشيخ تحمّل ذلك واجتهد لفتح المدرسة، وكانت سُنّةً حسنة في البلد..
من تلك اللحظة بدأت علاقة التلميذ بأستاذه، علاقة ابن جلّال بابن باز (رحمهما الله)...
يقول الشيخ ابن جلال رحمه الله: لم يكن للقضاء مَحكمة في وقت مجيء الشيخ ابن باز، بل كان القاضي يَحْكُم في بيته أو السوق، فالشيخ كان يقضي أول أمره في بيته، وبعد مدة اشترى بيتًا مما يليه، فقسّمه وهيّأه ليكون مَحكمة، فجعل مجلسًا للقضاء، ومجلسًا لانتظار الرجال، وآخر للنساء، ووضع فُرجةً بينه وبين النساء وهنّ في مكانِهنّ ليسمع منهنّ، والشيخ رحمه الله هو أول مَن وضع السجلات للقضاء في الدلم: سجلات للإنهاء، وسجلات للأوقاف، وسجلات لتركة الأموات.. وكان للشيخ مساعدون وكُتّاب، ومنهم: الشيخ عبد الله المسعري، والشيخ صالح بن حسين العلي العراقي، والشيخ راشد بن خنين (رحمهم الله)..
لم يكن عمل الشيخ رحمه الله مُقتصرًا على القضاء، بل بدأ بالدروس العلمية في الجامع، فكان يُدرِّس بعد الفجر المتون القصيرة: ثلاثة الأصول، والأجرومية، وكتاب التوحيد، والأربعين النووية، وكان الشيخ يناقش الطلاب ويُدارسهم..
ثم تأتي الدفعة الثانية من الطلاب في المتون المطوّلة: زاد المقنع، وألفية ابن مالك، وبلوغ المرام، والبخاري، ومسلم، والترمذي، وتفسير ابن جرير، ويستمر حتى الضحى، ثم يأخذ طلابَه معه إلى بيته لتناول القهوة والتمر - والتمر شحيح في ذلك الوقت-، وكان هذا الأمر يوميًّا، حيث يُكْمِل الشيخُ الدرسَ مع طلابه في بيته، إثر ذلك يذهب للمحكمة إلى الظهر، ثم يجلس في المسجد للناس حينًا، وبعد العصر درس، وقبل المغرب يذهب الشيخ إلى بعض البساتين القريبة، ويُحْضِرُ له بعضُ طلابه عددًا من الجرائد والمجلّات ويقرؤونها عليه، حيث يتابع الشيخُ أحوالَ الناس في البلد، والمسلمين في الخارج، وبعد المغرب درس الرّحبية في الفرائض، وبعد أذان العشاء كنتُ أقرأ عليه في تفسير ابن كثير، والشيخ يشرح ويتضرع ويخشع أحيانًا، وبعد صلاة العشاء يرجع لبيته ليحضّر لدروس الغد ويُراجعها..
كان يَدْرُس عند الشيخ رحمه الله عددٌ كبير من الطلبة من داخل المملكة وخارجها، فمنهم فلسطينيّون، ومصريون، وسودانيون، ويمنيون، وكان الشيخ يستأجر غرفاً لهم، ويضع بعضهم في حجرات المسجد، كما طلب من الملك عبد العزيز رحمه الله معونة مالية لهؤلاء الطلاب فوافق الملك، كما وجّه الشيخ ببناء رباط في الإمارة ليكون سكنًا لهم..
ومن أبرز طلاب الشيخ آنذاك: راشد بن خنين، وعبد الله بن قعود، وعبد الرحمن البراك، وصالح بن هليل، ومحمد بن سليمان، ومحمد بن زيد، وأحمد العمري..
ويقول ابن جلال رحمه الله: أول مدرسة نظامية افتُتِحَتْ في الدلم كانت بجهد وسَعْي من الشيخ ابن باز رحمه الله ولها قصة، حيث حَجّ الشيخ عام 1367هـ 1948م، والتقى بالملك سعود رحمه الله وكان وقتها أميرًا ووليًّا للعهد، وقال له: نرغب في فتح مدرسة في الدلم، فما كان من الأمير إلا أنْ رَحّبَ بذلك، وأمَرَ فورًا مدير المعارف آنذاك الشيخ محمد بن مانع رحمه الله، وقال له: هذا الشيخ ابن باز يرغب في فتح مدرسة، افتح عندهم مدرسة في الدلم، ولا تتعرّض لشيء من أنظمتها أو تعيين المعلمين فيها، كلُّ ما يطلبه الشيخ نَفّذْه، فهو مَن يختار الهيئة التعليمية فيها.. فافتتح الشيخُ المدرسةَ وعيّن فيها أحدَ طلابه من الفلسطينيين مديرًا وهو محمود ياسين، وعين الشيخ راشد بن خنين وكيلًا، وأنا وبعض طلاب الشيخ للتدريس، واستمرت المدرسةُ تحت رعايته وإشرافه، وكان يزورها باستمرار ويلتقي بالطلاب ويسألهم ويختبر معلوماتهم.. مع الإشارة إلى أنّ التعليم النظامي آنذاك كان مُحَارَبًا من عامّة الناس ولا يرغبون فيه، إلا أنّ الشيخ تحمّل ذلك واجتهد لفتح المدرسة، وكانت سُنّةً حسنة في البلد..
5. ويضيف الشيخ رحمه الله: في وقت الشيخ ابن باز لم يكن في الدلم إلا الإمارة فقط، فليس فيها بلدية، ولا شرطة، ولا مكاتب رسمية، وكان رحمه الله مَفزعًا للناس في أمور حياتهم الدنيوية والمعيشية، لذا كان يساعدهم بالرأي والتوجيه وحثّ الناس لعملٍ ما إذا اقتضت الحاجة، ومن ذلك أنه رحمه الله كان يُشجّع الناس على الزراعة، ويساعدهم على جلب المكائن الزراعية من خلال مخاطبة الجهات المختصة، ومساعدتهم في فتح الطرق وتوسيعها، وكان رحمه الله عندما هاجمت السيول الدلم في سنة من السنوات، أمر الناس بالخروج بالمساحي والمحافر لوضع تصريف للسيل خشية ضرره على أهل البلد، وقد خرج الشيخ معهم، فتفاعل أهل البلد كلهم وخرجوا معه، ووضعوا مسارًا يُخفّف من ضرر السيل، وعندما هبّ الجراد مرةً وأكَلَ المزروعات والمحاصيل، حثّ الشيخُ الناس للخروج لمواجهته، بحفر خنادق صغيرة لدفن الجراد فيها، وخرج معهم تشجيعًا لهم..
كان ابن باز رحمه الله باذلًا نفسه في التوجيه والإرشاد والنصح لعامة الناس، ويستغل كل فرصة في هذا الشأن.. ومِن ذلك أنّه أمر بنصب كرسي من الطين في سوق الدلم، وكان رحمه الله يأتيه ضحى يوميْ الاثنين والخميس، وهما يومان يجتمع في السوق كثيرٌ من الناس من الحاضرة والبادية ومن القرى المحيطة بالدلم، فيجلس الرجال على حِدَة والنساء على حِدَة، وكان الشيخ يلقي عليهم كلمة ويستمع لأسئلتهم ويجيب عليها..
كان رحمه الله كثير الشفاعة للناس، فكل مَن أتاه في حاجة كتب، حتى إنّ أحد المسؤولين تضايق من هذا الأمر، فأرسل رجلًا للشيخ يقول له: أُرْسِلْتَ للدلم قاضيًا، فلعلك تقتصر على القضاء لمَن يأتيك في الخصومة، أما بقية حاجات الناس التي أتعبتَ نفسك فيها وأشغلتَ وقتك بها، فلا حاجة لك بذلك.. فردّ الشيخ على المسؤول بلطف وقال: أما الشفاعة وحاجات الناس فأنا أعملُها وقصدي الأول حديث النبي ﷺ (اشفعوا تؤجروا)، فإن حصلتِ الإجابة لِمَا طلبْتُ، فخير لي ولمَن أجاب، أما القضاء فليس مُقتصرًا على الفصل في المنازعات التي ربما تكون في شاة أو بعير ونحوها، بل مِن أهم أعماله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإصلاح، والدعوة إلى الله، وقضاء مصالح المسلمين، والشفاعة فيها... فلما بلغ المسؤولَ ردُّ الشيخ دعا له ورضي بقوله، وتعهّد بإجابة شفاعاته وطلباته، ووعد بتنفيذها قدر الإمكان، ومشاركة الشيخ في الأجر إن شاء الله..
ذكَرَ الشيخُ ابن جلّال رحمه الله بعض مواقفه مع شيخه أثناء الطلب، ومن ذلك رحلات الشيخ مع طلابه، حيث خرج بهم مرّة لنزهة في مكان قريب من الدلم على أقدامهم، ومعهم حمار وضعوا عليه أغراضهم، فلما شارفت النزهة على النهاية وقبل غروب الشمس، جاءهم سحاب عظيم، وبدأت السماء تبرق وتهطل، فرجعوا على أرجلهم بعد أن أظلمت السماء عليهم، فيمشون تارة على ضوء البرق، ويقفون حين تُظلم عليهم، حتى إنّ ابن خنين رحمه الله كان يداعبهم ويقرأ:(كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا)، يقول ابن جلال: توقّفنا ووضعنا البُسْط علينا، والمطر ينهمر من فوقنا، وبقينا على هذه الحال مدة، فقال الشيخ ابن باز: إلى متى وأنتم على هذه الحال؟! قوموا بنا نعود للبلد، فرجعنا والخوف يحيط بنا، والتعب يثقل كواهلنا، وعندما قاربْنا البلدة إذا بالسيل يقطع الطريق، وكان مكاننا قريبًا من مزرعة آل مطوع، وكانوا قد عَلِمُوا بذهابنا للمكان عندما مررنا بهم ذاهبين... فلمّا وقعت الأمطار والرياح الشديدة توقّعوا عودتنا، فصاروا يحرقون النار في جريد النخل المتساقط ويرفعونه كي نراه، فرأينا النار فتوجّهنا إليهم، ووصلناهم بعد المشقة، وكان منزل صاحب المزرعة لم يكتمل بعد، فاضطررنا للمبيت في مستودع الأعلاف، فجلس الشيخُ وتلاميذه في هذا المكان للمبيت، وكنا مُتعبين مُرهقين جدًا، فقال الشيخ لي: يا شيخ عبد الرحمن! وِرْدِك! ابدأ بوردك اليومي.. فبدأتُ أقرأ من أول سورة الأعراف، فأرفع رأسي إلى الشيخ، فتارة يبكي وتارة يُطْرِق رأسه، وتارة يسترجع .. حتى وصلتُ إلى قوله تعالى:( لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ) ... فقال لي الشيخ: حَسْبُك حَسْبُك.. فتعجّبْتُ من صبر الشيخ وجَلَده، وعدم تَرْكه للورد اليومي من القرآن حتى في مثل هذه الظروف الصعبة... بتْنا تلك الليلة في مستودع العلف حتى أصبحنا ثم دخلنا البلدة في الصباح..
ومما يذكره الشيخ ابن جلال عن شيخه أنه عزَمَ طلابه في إحدى الروضات القريبة لعدة أيام، وكان رحمه الله يُباسط طلابه ويمازحهم ويطلب منهم السباق والتريّض، وقد طلَب مرّة من الطلاب أن يَنْصِبُوا علامة، ويقول لهم: اليوم عندنا مسابقة الرمي، فمَن أصاب العلامة فله خمسة ريالات جائزة، وكانت الخمسة ريالات في ذلك الوقت مبلغًا كبيرًا.. واليوم الآخر يوم سباق بين الطلاب.. ويضيف ابن جلال أنه لم تكن سيارات في ذلك الوقت في الدلم، فطلب الشيخُ من مرجعه في الرياض سيارة كبيرة لتحمل الطلاب وأغراضهم للتنزه..
مع مباسطة الشيخ لطلابه كان لا يُضيّع رحمه الله وقتًا إلا ويستغله في القراءة، والمُدَارسة، والذّكْر، والنصح والإرشاد، وصار أهل البادية المحيطون بالمكان يأتون له لمّا علموا بوجوده يسألونه ويستفتونه ويستمعون له..
ومرّة سافر ابن جلال مع الشيخ ابن باز للرياض على الإبل، فكان الشيخ يسأل عن كل مكان يمرّون به، وما أهمّ معالمه، وكم يبعد عن الرياض، فمَا وصلوا للرياض إلا وقد عَلِمَ الشيخ رحمه الله كلّ معالم الطريق والأماكن المهمّة فيه..
كان ابن باز رحمه الله باذلًا نفسه في التوجيه والإرشاد والنصح لعامة الناس، ويستغل كل فرصة في هذا الشأن.. ومِن ذلك أنّه أمر بنصب كرسي من الطين في سوق الدلم، وكان رحمه الله يأتيه ضحى يوميْ الاثنين والخميس، وهما يومان يجتمع في السوق كثيرٌ من الناس من الحاضرة والبادية ومن القرى المحيطة بالدلم، فيجلس الرجال على حِدَة والنساء على حِدَة، وكان الشيخ يلقي عليهم كلمة ويستمع لأسئلتهم ويجيب عليها..
كان رحمه الله كثير الشفاعة للناس، فكل مَن أتاه في حاجة كتب، حتى إنّ أحد المسؤولين تضايق من هذا الأمر، فأرسل رجلًا للشيخ يقول له: أُرْسِلْتَ للدلم قاضيًا، فلعلك تقتصر على القضاء لمَن يأتيك في الخصومة، أما بقية حاجات الناس التي أتعبتَ نفسك فيها وأشغلتَ وقتك بها، فلا حاجة لك بذلك.. فردّ الشيخ على المسؤول بلطف وقال: أما الشفاعة وحاجات الناس فأنا أعملُها وقصدي الأول حديث النبي ﷺ (اشفعوا تؤجروا)، فإن حصلتِ الإجابة لِمَا طلبْتُ، فخير لي ولمَن أجاب، أما القضاء فليس مُقتصرًا على الفصل في المنازعات التي ربما تكون في شاة أو بعير ونحوها، بل مِن أهم أعماله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإصلاح، والدعوة إلى الله، وقضاء مصالح المسلمين، والشفاعة فيها... فلما بلغ المسؤولَ ردُّ الشيخ دعا له ورضي بقوله، وتعهّد بإجابة شفاعاته وطلباته، ووعد بتنفيذها قدر الإمكان، ومشاركة الشيخ في الأجر إن شاء الله..
ذكَرَ الشيخُ ابن جلّال رحمه الله بعض مواقفه مع شيخه أثناء الطلب، ومن ذلك رحلات الشيخ مع طلابه، حيث خرج بهم مرّة لنزهة في مكان قريب من الدلم على أقدامهم، ومعهم حمار وضعوا عليه أغراضهم، فلما شارفت النزهة على النهاية وقبل غروب الشمس، جاءهم سحاب عظيم، وبدأت السماء تبرق وتهطل، فرجعوا على أرجلهم بعد أن أظلمت السماء عليهم، فيمشون تارة على ضوء البرق، ويقفون حين تُظلم عليهم، حتى إنّ ابن خنين رحمه الله كان يداعبهم ويقرأ:(كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا)، يقول ابن جلال: توقّفنا ووضعنا البُسْط علينا، والمطر ينهمر من فوقنا، وبقينا على هذه الحال مدة، فقال الشيخ ابن باز: إلى متى وأنتم على هذه الحال؟! قوموا بنا نعود للبلد، فرجعنا والخوف يحيط بنا، والتعب يثقل كواهلنا، وعندما قاربْنا البلدة إذا بالسيل يقطع الطريق، وكان مكاننا قريبًا من مزرعة آل مطوع، وكانوا قد عَلِمُوا بذهابنا للمكان عندما مررنا بهم ذاهبين... فلمّا وقعت الأمطار والرياح الشديدة توقّعوا عودتنا، فصاروا يحرقون النار في جريد النخل المتساقط ويرفعونه كي نراه، فرأينا النار فتوجّهنا إليهم، ووصلناهم بعد المشقة، وكان منزل صاحب المزرعة لم يكتمل بعد، فاضطررنا للمبيت في مستودع الأعلاف، فجلس الشيخُ وتلاميذه في هذا المكان للمبيت، وكنا مُتعبين مُرهقين جدًا، فقال الشيخ لي: يا شيخ عبد الرحمن! وِرْدِك! ابدأ بوردك اليومي.. فبدأتُ أقرأ من أول سورة الأعراف، فأرفع رأسي إلى الشيخ، فتارة يبكي وتارة يُطْرِق رأسه، وتارة يسترجع .. حتى وصلتُ إلى قوله تعالى:( لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ) ... فقال لي الشيخ: حَسْبُك حَسْبُك.. فتعجّبْتُ من صبر الشيخ وجَلَده، وعدم تَرْكه للورد اليومي من القرآن حتى في مثل هذه الظروف الصعبة... بتْنا تلك الليلة في مستودع العلف حتى أصبحنا ثم دخلنا البلدة في الصباح..
ومما يذكره الشيخ ابن جلال عن شيخه أنه عزَمَ طلابه في إحدى الروضات القريبة لعدة أيام، وكان رحمه الله يُباسط طلابه ويمازحهم ويطلب منهم السباق والتريّض، وقد طلَب مرّة من الطلاب أن يَنْصِبُوا علامة، ويقول لهم: اليوم عندنا مسابقة الرمي، فمَن أصاب العلامة فله خمسة ريالات جائزة، وكانت الخمسة ريالات في ذلك الوقت مبلغًا كبيرًا.. واليوم الآخر يوم سباق بين الطلاب.. ويضيف ابن جلال أنه لم تكن سيارات في ذلك الوقت في الدلم، فطلب الشيخُ من مرجعه في الرياض سيارة كبيرة لتحمل الطلاب وأغراضهم للتنزه..
مع مباسطة الشيخ لطلابه كان لا يُضيّع رحمه الله وقتًا إلا ويستغله في القراءة، والمُدَارسة، والذّكْر، والنصح والإرشاد، وصار أهل البادية المحيطون بالمكان يأتون له لمّا علموا بوجوده يسألونه ويستفتونه ويستمعون له..
ومرّة سافر ابن جلال مع الشيخ ابن باز للرياض على الإبل، فكان الشيخ يسأل عن كل مكان يمرّون به، وما أهمّ معالمه، وكم يبعد عن الرياض، فمَا وصلوا للرياض إلا وقد عَلِمَ الشيخ رحمه الله كلّ معالم الطريق والأماكن المهمّة فيه..
6. كان بيت الشيخ ابن باز رحمه الله في الدلم مَقصد الأمراء والوجهاء والعلماء، فكان ممّن يتردد عليه الأمير بندر بن عبد العزيز، والأمير سلمان بن محمد، والأمير سعود الكبير، والشيخ عبد الرزاق عفيفي (رحمهم الله جميعًا)، وغيرهم كثير من المشايخ وطلبة العلم من داخل المملكة وممن يزورها.. ومع كثرة الضيوف عند الشيخ، كان يواجه وضعًا ماديًّا لا يكفي، مما يضطرّه للاستدانة ممن يعرف من أهل الرياض، ولم يستدن مرةً من أهالي الدلم نظرًا لأنه قاضٍ فيها، وهذا من ورع الشيخ رحمه الله..
من المواقف التي يذكرها ابن جلال عن شيخه ابن باز(رحمهما الله) أنّه حكَم مرّة ضدّ أحد المُدّعين، فلم يُعجِبْه الحُكم ولم يرض به، فعندما خرج من المحكمة أخذ يُشنِّع على الشيخ ويتطاول عليه ويسُبّه عند الناس، وبعد مُدّة توفّي هذا الرجل، فلمّا قُدِّم للصلاة عليه تبيّن للإمام أنّه مَن كان يَسُبّ ابن باز فاعتذر عن الصلاة، وقال لجماعة المسجد قَدِّموا أحدكم للصلاة عليه، أما أنا فلا أُصلّي على رجل يَتعدّى على الشيخ، فصلّى عليه أحدهم، وكان ابن باز في الحج، ولمّا عاد بلَغه خبرُ الإمام، فغضب وكره فِعْله، وطلب من أحد طلابه أن يذهب به إلى قبر الرجل، فأخذوه وكان في مقبرة بعيدة، فصلّى عليه الشيخ ودعا له وترحّم عليه..اهـ.
- رحم الله الشيخَ ابنَ جلّال ورحم شيخه ابنَ باز رحمة واسعة، ويعلم الله أنّي تأثّرتُ كثيرًا بسيرة الشيخ ابن جلّال، وضاقت بي السّبُل كيف أعرض شيئًا منها هنا في هذه المنصّة، فالسيرة ثريّة ومليئة بالمواقف والأحداث التي تَنُوء بها منصّة كهذه، ولو استرسلتُ لكتبتُ عشرات التغريدات بل المئات عن هذه السّيَرة العطرة، التي هي قدوة ومنارة لهذا الجيل، لكن لعلّ هذه الإطلالة تُحَفِّز أبناء الشيخ وطلّابه أن يستنفروا هِمَمهم لتدبيج سيرة هذا العالِم الجليل وعلاقته بالعلامّة ابن باز رحمهما الله ففيها معين لا ينضب..
من المواقف التي يذكرها ابن جلال عن شيخه ابن باز(رحمهما الله) أنّه حكَم مرّة ضدّ أحد المُدّعين، فلم يُعجِبْه الحُكم ولم يرض به، فعندما خرج من المحكمة أخذ يُشنِّع على الشيخ ويتطاول عليه ويسُبّه عند الناس، وبعد مُدّة توفّي هذا الرجل، فلمّا قُدِّم للصلاة عليه تبيّن للإمام أنّه مَن كان يَسُبّ ابن باز فاعتذر عن الصلاة، وقال لجماعة المسجد قَدِّموا أحدكم للصلاة عليه، أما أنا فلا أُصلّي على رجل يَتعدّى على الشيخ، فصلّى عليه أحدهم، وكان ابن باز في الحج، ولمّا عاد بلَغه خبرُ الإمام، فغضب وكره فِعْله، وطلب من أحد طلابه أن يذهب به إلى قبر الرجل، فأخذوه وكان في مقبرة بعيدة، فصلّى عليه الشيخ ودعا له وترحّم عليه..اهـ.
- رحم الله الشيخَ ابنَ جلّال ورحم شيخه ابنَ باز رحمة واسعة، ويعلم الله أنّي تأثّرتُ كثيرًا بسيرة الشيخ ابن جلّال، وضاقت بي السّبُل كيف أعرض شيئًا منها هنا في هذه المنصّة، فالسيرة ثريّة ومليئة بالمواقف والأحداث التي تَنُوء بها منصّة كهذه، ولو استرسلتُ لكتبتُ عشرات التغريدات بل المئات عن هذه السّيَرة العطرة، التي هي قدوة ومنارة لهذا الجيل، لكن لعلّ هذه الإطلالة تُحَفِّز أبناء الشيخ وطلّابه أن يستنفروا هِمَمهم لتدبيج سيرة هذا العالِم الجليل وعلاقته بالعلامّة ابن باز رحمهما الله ففيها معين لا ينضب..
جاري تحميل الاقتراحات...