مفاهيم يجب أن توضح (4) والأخيرة:
قراءة في واقع المناطق المحررة :
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه :
5️⃣ مفهوم الصلح المحمود شرعاً :
إنّ ما يعيشه عالمنا الإسلامي عامةً وسوريا وفلسطينُ خاصّة يثبت أننا نخوض صراعاً وجودياً يقتضي إدارةً دقيقةً للمشهد .
فها هم اليهود أعلنوا قبل ساعاتٍ قليلة عن بدء عملية عسكرية على رفح سواءً أكان ذلك حقيقيا أم على وجه المناورة والضغط فإنه في كلتا الحالتين يدل على عدم الاكتراث بأرواح المسلمين وحسبنا الله ونعم الوكيل وإننا نستودعه غزّة وأهلَها
والمتابعُ لحال المحرر يجد استمرارَ حالةِ التحريض والاحتقان مع كونه قد يؤول إلى تصدعٍ كبير إن حصل - لا سمح الله - فلن يفرح به إلا مشغلوا النظام الذي يعيش الآن أسوأ حالاته فكيف بنا إن أهديناه بتنازعنا نصراً مجانياً يطيل عمره ويشحذ همته!!
إن تحريرَ مفهوم الصلح هامٌّ جداً لحالة المناطق المحررة فربما يظنّ كثيرون أن الصلح لا يَسوغُ إلا إذا أُعيدت كامل الحقوق وتم تعيين الأمثل وتحقق الأكمل، والصحيحُ أن الصلح وفق النصوص الشرعية والأمثلة التاريخية هو ما حققَ مقاصدَ الشريعة وحفظَ بيضة المسلمين وحقن دماءهم وقوّى شوكتهم أمام عدوهم حتى وإن تضمن ذلك تعيينَ المفضول وضياعَ بعض الحقوق وفواتَ بعض الأحكام وتأجيل بعض الأقْضية، فترجيح الصلح يتأتّى من إدراك حقيقة الحال والوعي بعواقب المآل وتتبع المصالح العليا للمسلمين وأما الانطلاق من مجرد إثبات الوجود أو الرغبة بعدم الانكسار أو ضغط المصالح الضيقة فلا يؤدي عادة إلا إلى مفاسد كبرى ومنكرات أعظم...
وأرى أن الاعتراضَ على دعوات الصلح وحفظِ السلم الأهلي في المحرر ورفضَ خطواتِ الإصلاح بدلا من الإعانة عليها يُذكّرنا من بعض الوجوه بمن اعترض على صلح الحسن رضي الله عنه من الشيعة بمفهومها الاصطلاحي آنذاك فهو بنظرهم قد أذل المؤمنين بتنازله لمعاوية رضي الله عنه وفرط بدماء جميع من قتل في معارك أبيه (الجمل وصفين وحتى النهروان) ووجد في حينها من اتهمه بالرضوخ لبني أمية وربما حمله المسؤولية عن كل ما جرى بعد ذلك من ظلم وعدوان...
وحقيقة الحال أن الحسن رضي الله عنه بعد أن آلت إليه الخلافة بعد أبيه نظر إلى صفِّه فرآه –على كثرته– متفرقاً وإلى صف معاوية فوجده متماسكاً، وإلى حال المسلمين فوجدهم على فتنة وفرقة وخشي أن تذهب الحرب ببقية قوة المسلمين فآثر الصلح وتنازل لأؤلئك الذين ثبتَ وَصفُهم بالسنة الصحيحة ب(الفئة الباغية) !! فكان صنيعه ممدوحاً بالنص رغم ما نزل بالمسلمين لاحقاً في قتل الحسين ظلماً رضي الله عنه وما جرى بعدها في وقعة الحرة من رزايا ومصائب...
لقد كان الثناء النبوي على صنيع الحسن لأنه حقن الدماء بعد حروب طويلة خسرت الأمة فيها من خيرةِ رجالها ولأن هذا الصلح حقّقَ الاستقرار لالتقاط الأنفاس وبناءِ الدولة الإسلامية مع كون ذلك خالطته مفاسدُ في وقت لاحق ولأن الجهود تحولت من الصراعات بين المسلمين الى عودة راية الجهاد وفتح البلاد ودخول الناس في دين الله أفواجاً.
روى البخاري أن الحسن بن عليٍّ استقبل معاوِيةَ بِكتائبَ أمْثالِ الجبالِ ،فقال عمرُو بْن العاص : إنِّي لأَرى كتائِبَ لاَ تُوَلِّي حتى تَقْتُلَ أقْرانَهَا ،فقالَ لَهُ معاويةُ -وكان واللَّهِ خيرَ الرجُلين -: أيْ عمْرُو ! إِنْ قَتَلَ هَؤُلاَءِ هَؤُلاَءِ وَهَؤُلاَءِ هَؤُلاَءِ مَنْ لِي بِأُمُورِ الناسِ،مَنْ لِي بنسائهِمْ،مَنْ لِي بِضيعَتِهِمْ !
فبعثَ إليهِ رجلين من قريشٍ من بني عبدِ شمسٍ : عبدَ الرحمن بن سمرةَ ، وعبدَ اللَّهِ بنَ عامرِ بن كريزٍ ، فقالَ : اذهبا إلى هذا الرجل فاعرضا عليه وقولا له،واطلبا إليه.فأَتياهُ فدخلا عليهِ فتكلّما وقالا لهُ فطلبا إليْهِ فقال لهما الحسنُ :إنَا بَنُو عَبْدِ المطَّلِبِ قدْ أصبنا منْ هذا المالِ ،وإِنَّ هذهِ الأُمةَ قدْ عاثتْ فِي دمائها .قالا : فإِنَهُ يعْرض عليْك كذا وكذا ويطلبُ إليكَ ويَسألُكَ.قالَ :فَمن لي بهذا ؟ قالا : نحن لك بِه . فما سألهما شيئا إلا قالا: نحن لك بِه ، فصالَحَهُ ،فقالَ الحسن : ولقَدْ سمعْتُ أبا بكْرةَ يقولُ : رأيتُ رسول الله صلى على المنبرِ - والحسنُ بنُ عليٍّ إلى جنبه - وهوَ يقبِلُ على النَّاسِ مرةً، وعليهِ أخرى ويقولُ: ( إنَّ ابني هذا سيِّدٌ ، ولعلَّ اللَّهَ أنْ يُصْلِحَ به بين فئتين عظيمتينِ من المُسلمينَ ).
قراءة في واقع المناطق المحررة :
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه :
5️⃣ مفهوم الصلح المحمود شرعاً :
إنّ ما يعيشه عالمنا الإسلامي عامةً وسوريا وفلسطينُ خاصّة يثبت أننا نخوض صراعاً وجودياً يقتضي إدارةً دقيقةً للمشهد .
فها هم اليهود أعلنوا قبل ساعاتٍ قليلة عن بدء عملية عسكرية على رفح سواءً أكان ذلك حقيقيا أم على وجه المناورة والضغط فإنه في كلتا الحالتين يدل على عدم الاكتراث بأرواح المسلمين وحسبنا الله ونعم الوكيل وإننا نستودعه غزّة وأهلَها
والمتابعُ لحال المحرر يجد استمرارَ حالةِ التحريض والاحتقان مع كونه قد يؤول إلى تصدعٍ كبير إن حصل - لا سمح الله - فلن يفرح به إلا مشغلوا النظام الذي يعيش الآن أسوأ حالاته فكيف بنا إن أهديناه بتنازعنا نصراً مجانياً يطيل عمره ويشحذ همته!!
إن تحريرَ مفهوم الصلح هامٌّ جداً لحالة المناطق المحررة فربما يظنّ كثيرون أن الصلح لا يَسوغُ إلا إذا أُعيدت كامل الحقوق وتم تعيين الأمثل وتحقق الأكمل، والصحيحُ أن الصلح وفق النصوص الشرعية والأمثلة التاريخية هو ما حققَ مقاصدَ الشريعة وحفظَ بيضة المسلمين وحقن دماءهم وقوّى شوكتهم أمام عدوهم حتى وإن تضمن ذلك تعيينَ المفضول وضياعَ بعض الحقوق وفواتَ بعض الأحكام وتأجيل بعض الأقْضية، فترجيح الصلح يتأتّى من إدراك حقيقة الحال والوعي بعواقب المآل وتتبع المصالح العليا للمسلمين وأما الانطلاق من مجرد إثبات الوجود أو الرغبة بعدم الانكسار أو ضغط المصالح الضيقة فلا يؤدي عادة إلا إلى مفاسد كبرى ومنكرات أعظم...
وأرى أن الاعتراضَ على دعوات الصلح وحفظِ السلم الأهلي في المحرر ورفضَ خطواتِ الإصلاح بدلا من الإعانة عليها يُذكّرنا من بعض الوجوه بمن اعترض على صلح الحسن رضي الله عنه من الشيعة بمفهومها الاصطلاحي آنذاك فهو بنظرهم قد أذل المؤمنين بتنازله لمعاوية رضي الله عنه وفرط بدماء جميع من قتل في معارك أبيه (الجمل وصفين وحتى النهروان) ووجد في حينها من اتهمه بالرضوخ لبني أمية وربما حمله المسؤولية عن كل ما جرى بعد ذلك من ظلم وعدوان...
وحقيقة الحال أن الحسن رضي الله عنه بعد أن آلت إليه الخلافة بعد أبيه نظر إلى صفِّه فرآه –على كثرته– متفرقاً وإلى صف معاوية فوجده متماسكاً، وإلى حال المسلمين فوجدهم على فتنة وفرقة وخشي أن تذهب الحرب ببقية قوة المسلمين فآثر الصلح وتنازل لأؤلئك الذين ثبتَ وَصفُهم بالسنة الصحيحة ب(الفئة الباغية) !! فكان صنيعه ممدوحاً بالنص رغم ما نزل بالمسلمين لاحقاً في قتل الحسين ظلماً رضي الله عنه وما جرى بعدها في وقعة الحرة من رزايا ومصائب...
لقد كان الثناء النبوي على صنيع الحسن لأنه حقن الدماء بعد حروب طويلة خسرت الأمة فيها من خيرةِ رجالها ولأن هذا الصلح حقّقَ الاستقرار لالتقاط الأنفاس وبناءِ الدولة الإسلامية مع كون ذلك خالطته مفاسدُ في وقت لاحق ولأن الجهود تحولت من الصراعات بين المسلمين الى عودة راية الجهاد وفتح البلاد ودخول الناس في دين الله أفواجاً.
روى البخاري أن الحسن بن عليٍّ استقبل معاوِيةَ بِكتائبَ أمْثالِ الجبالِ ،فقال عمرُو بْن العاص : إنِّي لأَرى كتائِبَ لاَ تُوَلِّي حتى تَقْتُلَ أقْرانَهَا ،فقالَ لَهُ معاويةُ -وكان واللَّهِ خيرَ الرجُلين -: أيْ عمْرُو ! إِنْ قَتَلَ هَؤُلاَءِ هَؤُلاَءِ وَهَؤُلاَءِ هَؤُلاَءِ مَنْ لِي بِأُمُورِ الناسِ،مَنْ لِي بنسائهِمْ،مَنْ لِي بِضيعَتِهِمْ !
فبعثَ إليهِ رجلين من قريشٍ من بني عبدِ شمسٍ : عبدَ الرحمن بن سمرةَ ، وعبدَ اللَّهِ بنَ عامرِ بن كريزٍ ، فقالَ : اذهبا إلى هذا الرجل فاعرضا عليه وقولا له،واطلبا إليه.فأَتياهُ فدخلا عليهِ فتكلّما وقالا لهُ فطلبا إليْهِ فقال لهما الحسنُ :إنَا بَنُو عَبْدِ المطَّلِبِ قدْ أصبنا منْ هذا المالِ ،وإِنَّ هذهِ الأُمةَ قدْ عاثتْ فِي دمائها .قالا : فإِنَهُ يعْرض عليْك كذا وكذا ويطلبُ إليكَ ويَسألُكَ.قالَ :فَمن لي بهذا ؟ قالا : نحن لك بِه . فما سألهما شيئا إلا قالا: نحن لك بِه ، فصالَحَهُ ،فقالَ الحسن : ولقَدْ سمعْتُ أبا بكْرةَ يقولُ : رأيتُ رسول الله صلى على المنبرِ - والحسنُ بنُ عليٍّ إلى جنبه - وهوَ يقبِلُ على النَّاسِ مرةً، وعليهِ أخرى ويقولُ: ( إنَّ ابني هذا سيِّدٌ ، ولعلَّ اللَّهَ أنْ يُصْلِحَ به بين فئتين عظيمتينِ من المُسلمينَ ).
إن بناءَ منظومةِ الحكم ضرورةٌ قصوى حتى أنّ توطيدها في حالة الولاية العامة قد يُقدَّم على واجبات شرعية أخرى كتعجيل القصاص والإقامة الفورية للعدل في وقائع بعينها، وقد اجتهد أمير المؤمنين علي رضي الله عنه أن يؤخر محاسبة قتلة عثمان رضي الله عنه رغم فداحة الخطب بقتل الخليفة الثالث صهر النبي ﷺ حتى أن علياً استعمل بعض من شارك في قتله على جيشه كالأشتر النخعي في حروبه التي خاضها لتوطيد أمر الخلافة..
ومن المستغرب أن يَجهَد المخالفون في سلب كافة صور الشرعية الاختيارية أو الاضطرارية عن السلطة الموجودة فيركزون على أن الفصائل بيعاتها مقيدة بالجهاد ويَجهَدون في إخراج المحرر عن صورة التغلب المعهودة عند الفقهاء وينقبون في بطون الكتب بحثاً عن فقدان شروط انعقاد الحكم للمتغلب ويغيب عن أذهانهم التحديات الكبرى التي يواجهها المحرر وأن الحال لا يسمح بتغييرات مثالية وأن استمرار الثورة ومصير الملايين من الناس وفق السنن الكونية مرتبط بوجود سلطة أياً كانت نشأتها والتجاوزات المتلبسة بها والتي لا يمكن تغييرها بضغطة زر و مع أننا نقر بأنها ليست ولاية عامة بل ولاية جزئية مقيدة بمنطقة وبأن أساسها هو بيعات فصائل على جهاد انتقلت إلى حالة تغلب جرت معه مظالم وشرور لكنها انتهت إلى منظومة حكم تحقق كثيراً من الضرورات الدينية والدنيوية بحسب المقدور عليه في ظل تكالب الأعداء على ثورتنا بل وعلى أمتنا الإسلامية، ونرى ضرورة اعتبار المرحلة الحالية للسلطة مرحلة مؤقتة بحاجة إلى العديد من الإصلاحات والتطوير بحيث تتضافر جهود السلطة ومعارضيها للوصول إلى نسختها النهائية دون أن يتم هدمها بصراع داخلي يستنزف قوتها وبالتالي يجب استحضار ذلك كله في أي حراك سيما والعالم بأسره مقبل على تحولات كبرى قد تزيد من التهديدات الوجودية لثورتنا وقد يخلق الله بها فرصاً كبرى لاتساع رقعتها وعودتها سيرتها الأولى..
وما حصل سابقاً من تترسِ أقوامٍ بهيئة تحرير الشام بعد تغلبها على الفصائل واتخاذهم لها غطاء تحتمي به يحصل حالياً في الحراك الشعبي إذ أصبح الجو ملائما لكل مُغرِضٍ أن يلبس لَبوس إنكار المنكر ويستغل حالة العداء الحاصل بين الناس لتمرير أجنداته؛ وقد يتوهم الصالحون أنهم ممسكون بزمام الأمر لكن قد يتفاجؤون لاحقاً إذا انزلقت الأمور إلى المحذور بأنه ليس لهم من الأمر شيء فما دام جو الاستقطاب السلبي حاصلاً فسيوجد لا محالة من يستغله لتمرير أجندات خبيثة كما فعل قتلة عثمان في وقعة الجمل من ضرب الفريقين ببعضهما ولا يخفى أن أعداء الإسلام بعد انتفاضات الربيع العربي قد أنشؤوا العديد من الثورات المضادة التي نجح أكثرها في مسعاه واستعملوا في ذلك كل الوسائل المتاحة بما فيها خلافات الفصائل والمناهج والقوميات والشعوب فأسقطوا حكم مرسي رحمه الله وأودوا بالغنوشي ومن معه في غياهب السجون مما يقتضي من أبناء الثورة السورية أن يحذروا من المكر الكبار ويفوتوا على العدو أية ثغرة للولوج إلى ثورتهم فهذا أهم من إثبات كل طرف ثقل وجوده وصحة طريقته ولو كان ثمن ذلك فناء الثورة وانتصار العدو.
وأختم مقالتي بهذا الأثر المَهِيب عن ابن عمر رضي الله عنهما في شأن بيعة معاوية لابنه يزيد فقد أخرج البخاري في صحيحه أن معاوية رضي الله عنه وقف خطيباً في أهل المدينة قائلا : من كان يريد أن يتكلم في هذا الأمر فليطلع لنا قرنه، فلنحن أحق به منه ومن أبيه، قال حبيب بن مسلمة فقلت لعبد الله بن عمر: فهلا أجبته؟ قال عبد الله: فحللت حبوتي، وهممت أن أقول: أحق بهذا الأمر منك من قاتلك وأباك على الإسلام، فخشيت أن أقول كلمة تفرق بين الجمع، وتسفك الدم، ويحمل عني غير ذلك، فذكرت ما أعد الله في الجنان، قال حبيب: حُفِظتَ وعُصِمتَ .
والشاهد أنه كظم غيظه وأمضى أمر معاوية طاعة لله وحرصاً على اجتماع كلمة المسلمين..
اللَّهمَّ ربَّ جبريلَ وميكائيلَ وإسرافيلَ فاطرَ السَّمواتِ والأرضِ عالِمَ الغيبِ والشَّهادةِ أنتَ تحكُمُ بينَ عبادِكَ فيما كانوا فيهِ يختلِفونَ اهدنا لما اختُلِفَ فيهِ منَ الحقِّ بإذنِكَ إنَّكَ تهدي من تشاءُ إلى صِراطٍ مستقيمٍ
سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
ومن المستغرب أن يَجهَد المخالفون في سلب كافة صور الشرعية الاختيارية أو الاضطرارية عن السلطة الموجودة فيركزون على أن الفصائل بيعاتها مقيدة بالجهاد ويَجهَدون في إخراج المحرر عن صورة التغلب المعهودة عند الفقهاء وينقبون في بطون الكتب بحثاً عن فقدان شروط انعقاد الحكم للمتغلب ويغيب عن أذهانهم التحديات الكبرى التي يواجهها المحرر وأن الحال لا يسمح بتغييرات مثالية وأن استمرار الثورة ومصير الملايين من الناس وفق السنن الكونية مرتبط بوجود سلطة أياً كانت نشأتها والتجاوزات المتلبسة بها والتي لا يمكن تغييرها بضغطة زر و مع أننا نقر بأنها ليست ولاية عامة بل ولاية جزئية مقيدة بمنطقة وبأن أساسها هو بيعات فصائل على جهاد انتقلت إلى حالة تغلب جرت معه مظالم وشرور لكنها انتهت إلى منظومة حكم تحقق كثيراً من الضرورات الدينية والدنيوية بحسب المقدور عليه في ظل تكالب الأعداء على ثورتنا بل وعلى أمتنا الإسلامية، ونرى ضرورة اعتبار المرحلة الحالية للسلطة مرحلة مؤقتة بحاجة إلى العديد من الإصلاحات والتطوير بحيث تتضافر جهود السلطة ومعارضيها للوصول إلى نسختها النهائية دون أن يتم هدمها بصراع داخلي يستنزف قوتها وبالتالي يجب استحضار ذلك كله في أي حراك سيما والعالم بأسره مقبل على تحولات كبرى قد تزيد من التهديدات الوجودية لثورتنا وقد يخلق الله بها فرصاً كبرى لاتساع رقعتها وعودتها سيرتها الأولى..
وما حصل سابقاً من تترسِ أقوامٍ بهيئة تحرير الشام بعد تغلبها على الفصائل واتخاذهم لها غطاء تحتمي به يحصل حالياً في الحراك الشعبي إذ أصبح الجو ملائما لكل مُغرِضٍ أن يلبس لَبوس إنكار المنكر ويستغل حالة العداء الحاصل بين الناس لتمرير أجنداته؛ وقد يتوهم الصالحون أنهم ممسكون بزمام الأمر لكن قد يتفاجؤون لاحقاً إذا انزلقت الأمور إلى المحذور بأنه ليس لهم من الأمر شيء فما دام جو الاستقطاب السلبي حاصلاً فسيوجد لا محالة من يستغله لتمرير أجندات خبيثة كما فعل قتلة عثمان في وقعة الجمل من ضرب الفريقين ببعضهما ولا يخفى أن أعداء الإسلام بعد انتفاضات الربيع العربي قد أنشؤوا العديد من الثورات المضادة التي نجح أكثرها في مسعاه واستعملوا في ذلك كل الوسائل المتاحة بما فيها خلافات الفصائل والمناهج والقوميات والشعوب فأسقطوا حكم مرسي رحمه الله وأودوا بالغنوشي ومن معه في غياهب السجون مما يقتضي من أبناء الثورة السورية أن يحذروا من المكر الكبار ويفوتوا على العدو أية ثغرة للولوج إلى ثورتهم فهذا أهم من إثبات كل طرف ثقل وجوده وصحة طريقته ولو كان ثمن ذلك فناء الثورة وانتصار العدو.
وأختم مقالتي بهذا الأثر المَهِيب عن ابن عمر رضي الله عنهما في شأن بيعة معاوية لابنه يزيد فقد أخرج البخاري في صحيحه أن معاوية رضي الله عنه وقف خطيباً في أهل المدينة قائلا : من كان يريد أن يتكلم في هذا الأمر فليطلع لنا قرنه، فلنحن أحق به منه ومن أبيه، قال حبيب بن مسلمة فقلت لعبد الله بن عمر: فهلا أجبته؟ قال عبد الله: فحللت حبوتي، وهممت أن أقول: أحق بهذا الأمر منك من قاتلك وأباك على الإسلام، فخشيت أن أقول كلمة تفرق بين الجمع، وتسفك الدم، ويحمل عني غير ذلك، فذكرت ما أعد الله في الجنان، قال حبيب: حُفِظتَ وعُصِمتَ .
والشاهد أنه كظم غيظه وأمضى أمر معاوية طاعة لله وحرصاً على اجتماع كلمة المسلمين..
اللَّهمَّ ربَّ جبريلَ وميكائيلَ وإسرافيلَ فاطرَ السَّمواتِ والأرضِ عالِمَ الغيبِ والشَّهادةِ أنتَ تحكُمُ بينَ عبادِكَ فيما كانوا فيهِ يختلِفونَ اهدنا لما اختُلِفَ فيهِ منَ الحقِّ بإذنِكَ إنَّكَ تهدي من تشاءُ إلى صِراطٍ مستقيمٍ
سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
جاري تحميل الاقتراحات...