ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

15 تغريدة 41 قراءة May 06, 2024
سائقه الخاص.. كان سببا في أن يصبح شاعرا. وحد الأغنية السعودية وساهم في صنع هويتها الحديثة، شدا بكلماته كبار المطربين، وكان له أثره العميق في صنع مشاعر السعوديين وذكرياتهم، إنه رائد الحداثة الشعرية، والأمير الذي اختار أن يكون شاعرا..
إنه الأمير الراحل بدر بن عبدالمحسن
حياكم تحت
بين أزاهير ربيع عام 1949 ولد الأمير بدر بن عبدالمحسن بن عبدالعزيز آل سعود، تحديدًا في حي الفوطة بالرياض، محفوفًا بأساطين ذلك الزمان التليد، فها هو جده الملك عبد العزيز لا يزال في الجوار يبني قواعد المجد
مع وصوله لسن المدرسة أرسله أبوه إلى مصر للدراسة، حيث أمضى سنواته الأولى في مدرسة الملكة فيكتوريا العريقة بالإسكندرية، لكن حين اشتد الخلاف السياسي بين المملكة ومصر في تلك الفترة، أعيد مجددًا إلى السعودية، تحديدًا إلى مدرسة الثغر بجدة والتي أمضى فيها ما تبقى من سنوات دراسته.
ومن القصص الطريفة التي يرويها البدر في انتقاله هذا، هي أن المدرسة أوجبت عليه النزول في الدراسة لصفين دراسيين، نظرًا لاختلاف المناهج الدراسية بين المملكة ومصر، وقد امتعض من ذلك كثيرًا حتى كاد أن يضرب عن التعليم، قبل أن تتدخل جدته وتقنعه بالاستمرار بعدما أهدته "بندقية صيد".
أما أولى الإشارات على أنه سيكون كاتبًا أو شاعرًا، هي ما اختصته به إحدى المعلمات حينما كتب موضوع تعبير أعجبها لاحتوائه على حوار وبعضٍ من عناصر القصة، حينها قالت له أنه يومًا ما سيصير كاتبًا، وبناءً على ذلك أخذت تنمي فيه جانب الكتابة.
ثاني الإشارات كانت في السادسة عشر من عمره، حينما حضر إلي بيته سائق جديد، لكنه كان سائقًا شاعرًا يلقي بين يدي البدر ما ينظمه من قصائد، فأعجب البدر بذلك المسار واهتم له، حينها ساعده السائق وشجعه ووفر له كتبا أدبية ودواوين شعرية شقت له طريقا نحو اكتشاف موهبته وملكاته.
بعد إتمامه للثانوية، أرسل البدر إلى الولايات المتحدة ومن بعدها بريطانيا من أجل استكمال دراسته لكنه لم يوفق في المواصلة، فعاد أدراجه مجددًا إلى المملكة، ومع عودته واجهه الجميع بسؤال كبير حول ماهية التخصص الجامعي الذي سيكمل فيه، وبعناد وتصميم أخبرهم أنه اختار أن يكون شاعرًا عاميًا!
رغم رفض أسرته لما انتهى إليه من اختيار، إلا أن موهبة البدر الفذة في نظم القصيد، مكنته مع الوقت من إقناع الجميع، وانكب منذ ذلك الحين يعلم ذاته، مستغلاً في هذا مكتبة والده الضخمة يقرأ منها ويلم بالشعر والأدب والتاريخ وسير الأولين، إلى أن صار ماهرًا ذا حرفة بالشعر ودروبه.
يقول الناقد السعودي إبراهيم الشتيوي في كتابه "مسارب ضوء البدر": إن شعر البدر امتاز بعمقه، وجماله الفني في الجرس والإيقاع، ودلالته على المعنى الرمزي والانفعالي، لافتاً إلى أن قصائد الراحل تمتاز بالترادف والتضاد والإيحاء والخيال، ما جعله يستطيع بلوغ ذروة الدهشة.
قبل البدر كانت الأغنية السعودية شعبية مناطقية، حيث كل أغنية تمثل منطقتها، لكن مع قصائد البدر وأسلوبه الحداثي، انتقلت الأغنية السعودية إلى طور وحدوي جديد، تعبر فيه عن مجتمع واحد ودولة واحدة، ضمن مزيج فريد يعبر عن أصالة الكلمة ويواكب ما صارت إليه هذه الأرض من وحدة وازدهار
جاءت قصائد البدر مطبوعة بنفسه ووجدانه، مفعمة بالصدق والعمق والخيال، ومن أشهر قصائده: "جرحي بخير"، و"استبد"، و"أغصان المساويك"، و"السيف"، و"سوالف الليل"، و"شعاع"، و"شاعر"، و"زمان الشح"، و"سلام"، و"الرماد"، و"ذلني الشوق"، و"ردي على الصوت"، و"السنابل"، و"ربيع الحب".
تحولت أبياته إلى كلمات أغنيات لعدد من أشهر المطربين العرب؛ من بينهم محمد عبده، وطلال مداح، وعبدالحليم حافظ، ونجاة الصغيرة، وكاظم الساهر، وعباد الجوهر، وعبد المجيد عبد الله، وصابر الرباعي، وراشد الماجد، وأنغام، وآمال ماهر، إضافة إلى عدد كبير من نجوم الغناء العربي.
أما الوطن فقد كان له في وجدان البدر موقعًا كبيرا، فسجل بكلماته حضورًا استثنائيا في كل مناسبات الوطن، فبات بذلك جزءًا لا يتجزأ من ذاكرة السعوديين، ولعل فوق هام السحب التي شدا بها محمد عبده، مثالا فائق العذوبة على مدى توغل معانيه الوطنية وحضورها في قلب كل سعودي.
نتيجة لمسيرته الشعرية، نال في عام 2019 وشاح الملك عبد العزيز الذي قدمه له الملك سلمان بن عبد العزيز، وبعدها بعام في 2021، جرى تكريمه من هيئة الأدب والنشر السعودية بجمع وطباعة أعماله كاملة، فضلا عن عديد من التكريمات التي حظي بها البدر على طول مشوار فني امتد لأكثر من خمسة عقود.
برحيله أول أمس، تطوي القصيدة السعودية الحديثة صفحة خالدة من صفحاتها الأنفس، وتستقر بوفاته في أنفس جميع السعوديين غصة مريرة، عبّر عنها الجميع برثاءات تترى إلى الآن ظهورًا على مواقع التواصل الاجتماعي، لكن عزاؤنا أنه ماثل حاضر دومًا بيننا بكلماته وقصائده الخالدة.

جاري تحميل الاقتراحات...