1بدوت وكأني قد سددت باب الفرصة الثانية التي يمكن ان تحصل فيها شروط استئناف الامة لدروها اعني في فرصة استراتيجية في التعامل مع التقاطب المقبل مختلفة عن استراتيجتها في التقاطب السابق. ذلك أني في الحالتين الممكنتين:1-نجاح الغرب في تفكيك البريكس2-أو عدم نجاحه فإن فتات الأمة لن ينجبر
2-فالانجبار شبه مستحيل لأن المجموعات الخمس-الهلال والخليج والقرنان والنيل والمغرب-كلها في حالة يرثى لها من حيث علاقاتها بعضها بالبعض إذ هي في وضع اقرب إلى الحرب الأهلية منها للوحدة ضمن كل جماعة وبين الجماعات: الجامعة ماتت منذ حروب الخليج ثم حروب الربيع وما قد يتلوها بعد الطوفان.
3-صحيح أن الحرب الأهلية الحامية لا توجد حاليا إلا في السودان وفي اليمن وفي ليبيا. لكنها لم تبق باردة بين المغرب والجزائر وكانت تبقى سخنة في الخليج لأن الصلح الحالي هش وقد يستأنف إذا تحققت الطريق الهندية الإسرائلية المارة بالإمارات والسعودية إلى غزة إذا دام لاقدر الله حصارها عربيا
4-علي أن اثبت علة فشل استراتيجية التعامل مع التقاطب السابق -بين الغرب والسوفيات-فقد نتج عن استرتيجية العرب كل الحروب التي هزم فيها الغرب لأن الحرب الاهلية بين توابع الغرب وتوابع السوفياتقدمت على انتهاز فرصة انشغال القطبين بما بينهما لتوحيد العرب وبناء قوة مستقلة كما فعل الهندمثلا
5 فالهند استطاع خلال ما يسمى بعدم الانحياز تحقيق اهم هدفين هما سر تحوله إلى قوة عظمى ومصر التي صحبته في عدم الانحياز خسرت هدفين كان يمكن ان تحققهما. فالهند انهى وحدة باكستان وبنجلادش ووحد الهنود غير المسلمين في الهند واخذ من روسيا والغرب في آن ما يمكن لمصر ان تحصل عليه: شرط الردع
6 أم مصر فخسرت فرصة توحيد العرب لما اعتمدت كذبة الثورة الاشتراكية -وهي اكبر كذبة عندما من يعلم حال مصر في نصف القرن الذي حكمها الانقلاب العسكري-فاسست للحرب بين التقدمية الاشتراكية الوهمية والرجعية الاسلامية فكانت كل الحروف العربية العربية مشرقا ومغربا في المجموعات الخمس.
7 والاخطر من ذلك كله هو توطيد خرافة القوميات التي هي ثمرة الجامعات الامريكية والتبشير الصهيوني المسيحي في لبنان والشرق خاصة لأن القومية العربية كان يمكن ان تموت كدعوة لو لم يتبناها بعد الناصر بعد البعث ثم جنون القذافي فكانت مع الطائفية الصفوية صاعق الحربين وخاصة بعد الخميينة
8 والخمينية ما كانت ليكون لها ما حصلت عليه من دور احيا الفتنة الكبرى لتعاضد فتنة القوميات التي صارت تعتبر المرجعية الواحدة في مقاومات التحرير في كل الاقليم تتحول إلى اتهام الإسلام بكونه ايديولوجيا عربية لا تختلف عن الاستعمار الغربي لغير العرب
9 واذكر أن سر الخلاف بين أحد الداعين لتكوين حزب قومي وطلبه مني المشاركة في المشروع -رغم اننا كنا صديقين-هو انه لم يفهم أن هذه الدعوة في المغرب العربي تعني تفجير الجزائر والمغرب وتونس ولييبا والتخلي عما يوحدهم اي المرجعية الحضارية الإسلامية المتعالية على القوميات في حروب التحرير
10 فلا شيء اسهم في تفتيت الجماعات الخمس في جامعة "المحميات العربية"" اكثر من القومية وخاصة بعد ان اضيفت إليها الطائفية: ويكفي لفهم ذلك فهم علة كون الدستور الذي اعدته امريكا للعراق بني على هذين الصاعقين اللذين قضيا عليه وقد لا يخرج منها سالما كما لم يعد لكلمة مغرب عربي معنى
11 والمحصلة أني لست غافلا عن كون كلامي على الاستئناف والتوحيد قد يفهم منه أني غير مدرك لما عليه الأمر فأكون قذافيا ادعو للوحدة الخرافية التي كان يحلم بها. ولهذه العلة ابدو وكأني يائس من اهل الأقليم ما لم يوفر التاريخ فرصة تجاوز هذه الفتن الثلاث: الكبرى والوسطى والصغرى وهي الاخطر.
12 الفتنة الكبرى معلومة ولا تحتاج إلى شرح وهي قد عادت لفاعليها التهديمية بعد مساندة الغرب للخمينية بمنطق درو الباطنية في كل حروبه على الإسلام من الصليبيات والاسترداديات والاستعماريات. النظام الطائفي ضديدا داخلي في الإسلام اهم سلاح غربي ضد الإسلام منذ الفتنة الكبرى إلى يوم يبعثون
13 نحن في تونس ادرى العرب بالأمر لأن الدولة العبيدية انتطلقت من الجزائر وخاصة تونس فاكملت من مصر ما سبقتها إليها الباطنية في الخليج ثم كان الحلف مع الصليبيين ومع المغول لإنهاء الخلافة بعد ان حاول السلاجقة اخراجها من سلطان الباطنية والطائفية التي قضت على قوتها بتزييف التاريخ
14 وذلك اهم ما اعيبه على زعماء الاخوان ومفكريهم الذين تبنوا هذا التاريخ المزيف فصارت الخلافة الأموية ممثلة للملك العضوص وغفلوا على أن قول ذلك يعني امرين كلاهما دليل جهل بالتاريخ وحمق سياسي:فلا يمكن أن تكون الخلافة التي انهت الحروب الاهلية وفتحت جل العالم أن تكون كما يصفها اعداؤها
15 والاخطر هو السذاجة التي تصوروا عليها حكم الراشدين قبل بلوغ الفتنة ذروتها في مقتل عثمان. فما كانت دولة الإسلام تنشأ لو كان الفاروق مثلا "يخدعه الخب" او لو كان الصديق قبله يتردد في استعمال القوة للمحافظة على قوة الدولة. حرب الردة كانت شرطا في تحقيق مشروع الفتح بشرطه: توحيد العرب
16 وهل كان الفاروق يعزل خالد لو لم يكن شديد الحذر من امكانية -مجرد امكانية-ان ينكص للعقلية الجاهلية فيغريه النجاح وينشق على الدولة؟ وإذن فالتاريخ السياسي لا يكفي فيه الشرعية الخلقية بل لا بد فيه من شروط الشوكة.وحدة الأمة واخراجها من الحروب الاهلية لها كلفة دفعها بنو امية.
17 وهي كلفة مضاعفة: الاولى هي افناؤهم من قبل الباطنية التي استغلت سذاجة العباسيين والثانية تشويههم التي صار يؤمن بها الاسلاميون السنة لانهم صدقوا اكاذيب التاريخ الذي دونه العباسيون. دولة الاسلام وشرطاها تحقيقه شروط المناعة المادية والروحية كلها اموية: شوكة الفتح ورمزا السيادة
18 قاستناف الفتح لم يتحقق إلا بعد اخماد الحروب الاهلية التي نتجت عن مقتل عثمان ورمزا السيادة أي تعريب لغة إدارة الدولة وتعريب عملتها من دونهما لا يمكن الكلام على دولة اسلامية ولا خصاة على نشأة حضارة تتجاوز العبادات إلى مقومي المعاملات: اي شرط التواصل علميا وشرط التبادل اقتصاديا
19 سذاجة "مفكري" الاخوان تمثلت في اعتبار بناة عزة الإسلام بزعم الحكم الخلقي والكلام على الشرعية دليل نفاق لم ار له مثيلا: فلكأن قتلة عثمان -وهو اول انقلاب ناجح ضد الشرعية-اكثر شرعية من انهاء الفتن والشروع في بناء الدولة جمعا بين الشوكة والشرعية وهما مقوما اي دولة ذات سيادة.
20 اعود الآن إلى مشكل الحاضر وما كنت لاتكلم في الماضي لو لم يكن تزييف تاريخه هو المعيق الاول للمستقبل. من يعتقد أن الصهيونية المسيحية التي صارت اداة اسرائيل والصفوية الشيعية التي صارت اداة إيران يمكن الا يكون لهما نفس مشروع الانتقام من الإسلام هو عندي رمز السذاجة أو الخيانة.
21 لذلك فلا فرق عندي بين من يحتمي باسرائيل وامريكا من إيران وروسيا ومن يحتمي بايران وروسيا من اسرائيل وامريكا: لانهم ابرعتهم "يسالون الإسلام" مغيرفة دقيق بلغة تونسية بليغة: كلهم اسهموا في الحرب عليه منذ بدايته إلى اليوم ويثأرون منه ومن سنته خاصة بصرف النظر عن اعراقهم ومذاهبهم.
22 سيرد علي بأن السياسة ليس فيها العدو الدائم والصديق الدائم. وهذا الرأي لا يمكن لصاحبه ان يكون قد فهم الانفال 60. فالعداوة لها خمسة فروع منها اثنان لا ينطبق عليهما هذا الحكم والاخيرة تتخللها جميعا. لأن الآية تتكلم على 5 انواع وليس على 3 كما يبدو لمن يغفل عن مضمرات الآية
23 فهي تتكلم على عدوكم وعدو الله وآخرون لا تعلمونهم الله يعلمهم. إذن عدوكم ليس بالضرورة عدو الله. وعدو الله ليس بالضرورة عدوكم. وإذن فيوجد من يعاديكم لأنه يعادي الله ومن يعادي الله لأنه يعاديكم فتكون هذه اربعة. والخامس المندس فيها جميعا وغالبا ما يكون ذا تقية كونه طابورا خامسا.
24-فالطابور الخامس الذي نجهله لتخفيه ومن يعادينا بدافع ديني يتجاوز الدوافع الدنيوية أو من تجعله الدواقع الدنيوية تذهب إلى معادات ديننا ثلاثة من الأعداء الدائمين ولا يتغير موقفهم إلا تقية وخداعا. لكننا نعرف منهم اثنين فقط لان الثالث القرآن خص بلعمه الله وحده.وهم من مفاجئات الحرب
25 اسرائيل والغرب من العداوة الدائمة. ايران وروسيا من الاعداء الدائمة. ولا يعني ذلك عدم التعايش معهما بل يعني الاستعداد الرادع الذي يقتضي التحامي الذاتي بيننا بدلا من الاحتماء بأي منهم من بعضنا البعض: وذلك سواء سقط البريكس وهو الارجح أو بقي
26 لماذا ارجح سقوط البريكس اي فقدانه القدرة على منافسة الغرب وحلفه بخلاف من يتوهم الغرب قد انتهى وان البريكس سيكون سيد العالم في التقاطب المقبل. الجواب سهل: فلنفرض الشرق قد بلغ التعادل مع الغرب فهو حينها يتفوق عليه بالديموغرافيا لكن الغرب يتفوق عليه بانجذات شعوبهم "بنمط عيشه"
27-إذا خرج منه الهند وروسيا وإيران لم يعد للبريكس ما يتفوق به اي الدموغرافيا لأن الهند تاهي الصين والشرق لم يتفوق علميا وتقنيا على الغرب وهو دونه من حيث جاذبية نمط العيش فيه: وهذه المحددات تجعل الغرب اكثر جاذبية للبشر من الشرق الحالي.
28 فغير صحيح ان الغرب اسقط السوفيات لأن كان متفوقا عليهم في التسلح او التقنية والعلوم بل السوفيات هزموا بسبب ميل شعوبهم وخاصة نخبهم إلى نمط العيش الغربي -ابن خلدون يستعمل نحلة العيش-ويكفي فتح الحدود حتى نرى وجهة الهجرة ما هي إذا اردنا قيس الجاذبية المؤثرة في التاريخ الحضاري
29 ولست ازعم ان الغرب اكثر خلقية من الشرق. فالدوفع المحركة للبشر لست خلقية فحسب بل هي ذات طبيعتين: احداهما تتعلق بشروط القيام العضوي والثانية بشروط القيام الروحي. فإذا حسبنا الاول تفقد الديموغرافيا بعض تاثيرها لأن قسمة الدخل القومي الخام على مليار ونصف ليس كقسمته على ربعهم.
30 واخيرا فإن القيام الروحي هو حرية الفرد وكرامته. فهذان البعدان يمثلان اهم عوامل الجاذبية الغربية حتى وإن لم تكن متحققة فعلياك: فأي انسان سوي يفضل حياة يكون فيها حرا وكريما على أن يعيش تحت استبداد حكم ولو حقق له بعض الرفاهية مع العبودية.بذلك يتحدد الخيار.
31 أين نحن من كل ذلك؟ ليس لها شروط القيام العضوي لأن جلنا تابع لدم الشوكة وشروط الرعاية والحماية والقلة منا لها ما يبدو ثروة وهو افقر من فقراء المسلمين في الجوهر لأن الثروة الطبيعية الهشة سواء عينا او او نقدا -هي بيد الحامي-يمنعها متى يشاء فلا قدرة لهم على حمايتها لانهم محتمون به
32 ذلك هو بيت القصيد: كيف نحمي شروط الرعاية أي الثروة من دون شوكة وشروط الحماية أي التراث من دون شرعية؟ الشوكة منعدمة بسبب التفتيت الجغرافي والشرعية منعدمة بسبب التشتيت التاريخ. وإذن فالمحميات أهلها عبيد في مهب الريح
33 وهذه الوضعية سواء انضممنا إلى القطب الغربي أو إلى القطب الشرقي في التقاطب المقبل كما فعلنا في التقاطب السابق فنحن سنقى عبيدا لمن بيدهم حماية العملاء الذين يحكموننا ونخبهم يتقاسمون مع حاميهم ثرواتنا ويهدمون تراثنا فنكون الهنود الحمر في المستقبل القريب.
34 وما يؤلمني اكثر في ذلك ليس وقوعه بل وقوعه بأيدينا: فمن يحقق ذلك لإسرائيل والغرب؟ ومن يحقق ذلك لإيران والشرق؟ الجواب مضاعف: الاول ما حصل في التقاطب السابق. فالصفان العربيان كلاهم خرج بخفي حنين من الانحيازين للغرب وللسرق\ز
35 واخيرا فإن حصيلة التقاطب الحالي ستكون اسوأ من حصيلة التقاطب السابق إذا بقينا محميات عديمة السيادة بنخب اقل ولاء من جدودنا الذين ظنوا انهم خلصونا من الاستعمار المباشر فإذا به خلق استعمارا غير مباشر من ابناء جلدتنا جعلوا مستقبلنا في مهب الريح.
جاري تحميل الاقتراحات...