بسام الهويمل
بسام الهويمل

@bhoymal

21 تغريدة 55 قراءة May 02, 2024
ذكرت لكم قبل زمنٍ أنَّني أجريتُ عملية في الرأس،ثم مكثت بعدها عاما ونصف العام في البيت لم أستَطِع الخروج. أُغادر سريري إلى المكتبة،وأُفارق المكتبة إلى السرير. حياة تشبه سلوك مُسِنٍّ تأرجحت نهاياته بين الحجرة والمشراق. تسلّط علي كل شيء، الألم واعتلالات العُزلَة و الكلاب في الخارج.
هأنذا اليوم، يقول لي الطبيب:"تستطيع أن تخرج، وأن تعود إلى الحياة".
لم أفرح لِبشَارَتهِ. لم أستطع الأوبَة!
إنني الآن مثل قرد حُبِس في معمَل مدة ثلاثة أعوام،وحين انتهَت الأبحاث داخل جسده لم يستطع الرجوع إلى الجبال.
أخرجوه من القفص. تأمل السماء والضوء والبشر، فنكص مرتعبا إلى الداخل.
من حيوانٍ اجتماعي إلى(أنا)مستقِلَّة. تعرَّضت في مدة التحوّل هذه،إلى ضروب وقائع الحَظّ العاثر. كنت أستفيق من نومي وأبدأ في تكديس أكياس الرمل تحسّبًا لقذيفة من هنا أو هناك. ومع أنّني لوحت بعلبة المناديل البيضاء كاملة، كعادتي في الحياة،إلا أن ذلك لم يشفع لي. كنت أستمع أجراس الكنائس.
أنقذني الله من اختبالٍ عنيف. كنت أرتدي زيًّا كوريا لونه بيج، أو كما تسمّيه الدولة قديمًا:(شاهي على حليب)وأضَع فوق رأسي قبَّعة، نُسِجت من خوص، وأنتعِل(زبيرية)وأسير في فناء المنزل ساعة، أُخاطب ضميري. كان مظهري من بعيد يوحي بغربة روحيَّة. هيئتي تشبه هيئة هنري ميللر في عامه الثمانين.
حين أتذكر ذلك، تُشرق في بالي صورَة تولستوي حين هرب من زوجته إلى الله، قبل وفاته. كنت أُخاطب الله كما خاطبه أيوب عليه السلام. كان أيوب يُناجي الله بمجاميع رِقّة قلبه، كالهندي الذي صوّره أحدهم بجواله في ممرات الحرم، يحاور الله، كأنه أمامه، يراه!
عبودية خالصة لم يُلوّثها شِرك خفيّ.
العَتَه يهون أمام نفسي. فهي في أوّل النهار تُحدّثني أن أكون زاهدًا، وفي منتصفهِ:شيخ قبيلة، وحين يريد الليل أن يهبط، تتخلّى عن ذلك كله، وتطالب عقلي بضبط الخاطر وصيانته. ففي ساعة اقتحام الظلام الكون، أشعُرُ بآلام في عظامي، كأنما هنالك جيش نملٍ ينقل الطعام من جهة حوضي إلى أخمص قدمي!
ماذا بعد؟
بواسير، طنين أُذن، صداع، وأشياء أُخرى الله وحده يعلم بها، كان أخطرها الذي ذكرت لكم آنفاً،نفسي. تضطرني إنسانيتي أن أبتكِرها فهي غير موجود،ابتلعها ثُقب ولم يعد هناك غير السواد،سواد عنق رحم أصيب بسرطان. أو فلنقُل:سواد بطانة قولون اعتادت المليّنات. استسلمت للراحة، فتوعّكت.
قلت:ما هذا العام ونصف العام من حياتي؟
-إنه لا شيء في الأربعين سنة التي قضيتها فوق ظهر الأرض. يقضيها البشر اليوم في النوم أو وهم يتعفنون داخل سياراتهم فوق اسفلت الجسر المعلَّق. إنها ولادة جديدة. دروس. سلسلة محاضرات يُلقيها حكيم بلا ملامح. بلا لحية بيضاء، ولم يُمسك بيده عصا بُنّية.
كنت في حاجة إلى هذا التعطّل! إلى ضبط حياتي مرّة أخرى. فقد كنت سبيلًا لكل من هبّ ودبّ. لكل من لا يشكر ولا يذكر. أقطعُ من لحمي وأُعطي بلا مُقابِل.
يتصل بي أحدهم ليقول:هيا بنا، فأنطلق بسرعة الصاروخ إليه. أهملت كل شيء، كأنني مسحور أو مقيَّد. خسرَت الذي في يدي والذي كنت أتأمّله!
قيلَ لي:"كيف لو رأيت والدك أو جدك؟
لقد أفنوا حياتهم لأجل للناس. غادروا الدنيا حفاة عراة، وهبوا حياتهم إلى الناس، وإلى ذراريهم، والسعادة تغمرهم".
ماذا لو قرأ والدي أو جدّي كتاب(الأب الغني والأب الفقير)هل سيُغير كيوساكي من قناعاتهم شيء؟ لا..
فجدّي دُفن بعد مرضه في القاهرة،بالآجِل!
ويلٌ لِمَن كان له تاريخ. سيُقال عنه في ألطَف الأحوال:"رماد نار" وفي أحلَكها:"سينتَقم منه كل مَن كان محيطًا بالشخوص القديمة".كل شيء يفنى عدى أحقاد المكارم. يورّثها القريب إلى ذريته بالتساوي كأنها تركة شرعية. هنيئًا لمن كان بُرَاز العالَم. يتنفَّس ثم يموت دون أعباء تُثقل كاهله.
دائمًا ما أرجِع إلى نقطة الصفر كل خمسة أعوام. امَّحى أثر خط البداية من عودة أقدامي المتكررة. لم يكن لي قلب يُدرك مُجرَيات الحياة، لذا كرَّرت أغلاطي. أعدتُ المشاهد ولم أكترث لصراخ مدير الإنتاج. فشلت في أن أكون كلبًا يلهث خلف كِرَة البيسبول،وينبَح متى ما أحس بالجوع يقرقر في معدته.
كنتُ مثل إنسانٍ تاه،فساقهُ قدره إلى حفلٍ كبير ممتلئ عن آخره. كلٌ له مراد،وأنا الوحيد الذي هو أطرش في الزفَّة. هذا يُريد،والآخر يطمح، والذي بعدَهُ جاء ليرفَعَ مودته بالنميمة. وأما أنا:فاقتصرَ دوري على نشر الابتسامة. كنت أجهل كل جدّية البيئة المحيطة بي،لذا،أخرجَت لي الدنيا لسانها.
كان، ولايزال،لديّ سلاح الضحك. أنا أسخر من نفسي.أبدأ بها قبل كل شيء. كنت مصدر السعادة لقلبي المنفطر. فكم ألقيتُ النُكات على هيئتي وأنسبها للغير. أحببت الشخصيات الضاحكة من أعماق روحي. لاري ديفد، بزشك زاده، دينيرو، الراوية الشرهان، وغيرهم. لكم وددت أن ألتقي بهؤلاء المعذّبين يومًا.
لديَّ سلاح آخر لا يقلّ فعالية عن السابق، ألا وهو البكاء. بكيت بمرارة. غسَلتُ بدمعي موضوعاتي العالقة أسفل رفّ الذكريات. كنت أنظر إلى نفسي في المرآة والإضاءة مغلقة، فأجد بريق دموعي تنعكس كبقايا مطر بلل الأرض.دائمًا ما تنتهي حفلات البكاء بالكتابة الهستيرية ٢٠-٣٠ورقة في ليلة الواحدة.
لم يكن بكائي أنانيًا، مُحتَجَن على نفسي. فعلى سبيل المثال:عندما أنهى لاري ديفد مسلسله الذي امتد ١٢ موسمًا ٢٠٠٠-٢٠٢٤م بكيت لفراقه. بدى الأحمق كبيرًا في السن بصورة مؤلمة. توجَّعتُ له كثيرًا، لأياديه البيضاء معي. لقد عرف كيف يُضحكني ومخلب عاهاتي مغروس في جمجمتي و باطن صدري!!
يقول لي القساة:الضعف لا يليق بالمرء. كن مثلنا كالحجارة، كلبن الحمارة. بالنسبة لي الضعف مِن مواطن الجمال الذي لم ينتبه له غير أفراد قِلَّة مِن البشرية. لقد كانت آلامي تسير أمامي تُضيء لي دربي.
ما معنى أن أدعي شيئًا ليس بداخلي؟
-هراء. لقد ولدتُ بلا عقل باطني يُملي عليّ شعور بائت.
كنت أُشاهد الكون بالذي فيه وأنا في مقاعد المُتفرّجين. شِقُّ رأسي يتوسَّد كوعي.
كانت تذكرة باهضة الثمن مِن روحي.
لكَم احتقرت الذين فوق خشبَة المسرح!
زُور.كذِب.نفاق،وجوه متعدّدة.أردية لكل فصل تمثيلي. ركض.تنافس وهمي غير شريف.خيانات.كل ذلك لأجل الوصول بأقصى سرعة إلى البالوعة الكبرى.
(فضل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب) مَن الذي روَّع هذا الرجل النبيل حتى كتب هذا العنوان البائس في القرن الرابع؟
الأوباش، تناسل السوء هم من اضطره إلى ذلك.قالوا:(العَير يُنجب جحَش).لا ذنب لهم. لدي قناعة الآن، أن نِصف البشرية سُحِقت بسببهم، لا بسبب الأمراض والحروب، أفناهم الله.
إنني مدين في هذه المدة إلى الله خالقي، ثم إلى أهلي، ثم إلى دوستويفسكي، و شوبنهاور، ونيتشه، وتشارلز بوكوفسكي، و عبدالملك الوهيبي، وحسن مفتي، و عبدالرحمن الحميدي، وعبدالله الخميس، و رياض الربيعة، ومحمد المقحم، وكل من أقبل عليَّ حين غادرتني الفانية بحذافيرها. أنتم مني وأنا منكم🤍
•أيُها القارئ الكريم:
إنني أكتب وأنشر فورًا، أعتذر لك عن هذه الفوضى والأخطاء المروّعة.
•أيُها القارئ الطيب:
-العبرة بين السطور، فتّش عنها.
أيُها القارئ الأصيل:
•في المرض خير إذا أردت.
•في الوحدة خير إذا ساءت الأزمان.
•في الناس خير ما دام الحياء.
قراءة ماتعة، تحياتي..💐

جاري تحميل الاقتراحات...