اشراف اون لاين
اشراف اون لاين

@ashrafonlin

7 تغريدة 29 قراءة May 01, 2024
مخلاف عثّر او المخلاف السليماني حكام عثر من موالي بنيي مخزوم
دراسات في تاريخ الجزيرة العربية الكتاب الخامس الجزيرة العربية من قيام الدولة العباسية حتى نهاية القرن الرابع الهجري 0 الجزء الأول ) مخلاف عثر في القرنين الثالث والرابع الهجريين (التاسع والعاشر للميلاد) أحمد بن عمر الزيلعي قسم الآثار والمتاحف – جامعة الملك سعود مخلاف عثّر او المخلاف السليماني (حالياً منطقة جازان) من المناطق المجهولة في المصادر التاريخية وخصوصاً في القرون الخمسة الأولى للهجرة النبوية الشريفة، وستظل كذلك مادام الباحثون والدارسون يتهيبون ابحث فيها، ويتحاشون المساس بماضيها والغوص في مجاهل تاريخها، وما كان لها من أهمية حضارية، وأدار تاريخية على المستويين المحلي والإقليمي وخصوصاً علاقتها مع كل من مكة المكرمة واليمن، ولعلها لا تكون مجازفة من الباحث حينما يقدم على موضوع شائك كهذا للمشاركة في ندوة تاريخية مهمة لها حضورها العالمي المميز، لولا أنه على أمل أن يغطي البحث عند تمامه فترة تاريخية مجهولة من فترات تاريخ مخلاف عثر أو المخلاف السليماني بعد أن لأطلقت عليه هذه التسمية الأخيرة فيما بعد، واشتهر بها فما هو مخلاف عثر هذا . وأين موقعه ؟ وما نصيبه من الذكر في المصادر العربية المتاحة، وما أهيمته التاريخية والحضارية في زمن هذه الدراسة. وللإجابة على هذه التساؤلات أو بعضها تجدرالإشارة إلى أن مدينة عثّر ومخلافها المسمى باسمها والمنسوب إليه (مخلاف عثّر) لم يكن لهما – في حدود علمي – نصيب كبير من الذكر في المصادر التاريخية والجغرافية المتاحة في القرنين الثالث والرابع الهجريين/ التاسع والعاشر للميلاد، وما ذكر عنهما – وهي إشارات محدودة جداً – يمكن توظيفه في أربعة سياقات : أولها ورود عثَّر في الشعر الجاهلي على أنها مأسدة أي كثيرة الأسود يقول عروة بن الورد ( ت نحو 30 ق. هـ / 594م). تبغاني الأعداء إما إلى دم وإما عراض الساعدين مصدرا يظل الإباء ساقطاً فوق متنة له العدوة القصوى إذ القرن أصحرا كأن خوات الرعد رز زئيره من اللاء يسكن الغريف بعثرا ويقول آخر : ليث بعثر صطاد الرجال إذا ما الليث كذب عن أقرانه صدقا ويقول ابن مقبل ( تميم بني أبيَّ ت ز نحو 37هـ/657م) : جلوساً بها الشم العجاف كأنهم أسود بترج أو أسود بعتودا وعتود جزء من مخلاف عثر كما سيأتي بعد. يتضح من هذا الوصف الشعري لموقع عثر أنه كان قبيل بعثة النبي  في صدر الإسلام غابات تثير فيها الأسود، وهو ما يتعارض مع اكتشاف دلائل أثرية على استيطان حضري قديم في موقع مدينة عثر يسبق الإسلام بقرون عديدة، ومن المحتمل أن المقصود بالأمكنة التي تكثر فيها الأسود من إقليم عثر، هي تلك التي تمثل الظهير الداخلي لمدينة عثر نفسها كونها معروفة حتى اليوم بغاباتها الكثيفة وعطائها النباتي الغزير، وخصوصاً في وادي بيش الذي تقع مدينة عثر في غربية تقريباً. ويؤيد هذا الاحتمال قول الهمذاني : " وإلى جازة عثر تنسب الأسود التي يقال لها أسود عثر وأسود عتود" ؟ ومعروف أن الحازة هي المقصودة هنا بكثرة الأسود، وهي تعني حتى اليوم في عرف الأهالي المحليين الأرض التي بين السهل والجبل، أي تلك التي أطلقنا عليها سابقاً ظهير مدينة عثر، أو امتدادها الداخلي في أودية كل من صبيا وبيش وعتود وما وما حولها. ويلحظ من الأبيات السابقة ورود عثر بتضعيف الثاء ، وهو ما يتفق معه ورودها في معظم المصادر المتاحة إلا ان هناك من الشعراء منت يوردها بالتخفيف أي بسكون الثاء (عَثْر) من ذلك قول عمرو بن زيد أخي بني عوف : جلوساً بها الشم العجاف كأنهم أسود بترج أو أسود بعتودا وصلنا إلى عثر وفي دار وائل بها ليل منا سادة وأسود ومنه شعر الأحوص قوله : ألمت بعثر من قباء تزورنا وأنا قباء للمزاور من عثر أما السياق الثاني في تناول مدينة عثر من قبل المصادر الجغرافية فيتمثل في كونها محطة من محطات طريق الحج والتجارة اليمني الساحلي الذي يأتي من عدن مقارباً لساحل البحر الأحمر، ومجتازاً لعدد كبير من محطات الطريق إلى الشعيبة فجدة، ثم شرقاً إلى مكة المكرمة، وهذا الطريق يتصل حضرموت الساحلي، وكذلك طريق عمان الذي يسلك ساحل البحر العربي عبر حضرموت على عدن. وممن ذكرها في السياق من الجغرافيين العرب الحربي (ت 385هـ/898م) جاعلاً إياها على طريق الحج والتجارة اليمني الساحلي إلى مكة المكرمة، ومحدداً مساره على عثر بقوله :" ومن جازان إلى بيش إلى عثر ومن عثر إلى ضنكان"ويبدو التشويش واضحاً في نص الحربي، إذ أن بيش وعثر اسمان لموقع واحد تقريباً، فالاسم الأول يطلق على الوادي، او على الامتداد الداخلي للمكان، والثاني يطلق على الساحل أي على مدينة عثر الساحلية أما ابن خرداذية ( في حدود300هـ/912-913م) فيضع عثر على مسار الطريق نفسه، ولكنه تجاهل ذكر كل من جازان وبيش، وهو محق في ذلك لأن جازان الساحل أي مدينة جازان
الساحلة المعروفة اليوم لم تكن معروفة في زمان ابن خرداذبة ن وسابقه : إبراهيم بن إسحاق الحربي لأن بيش وعثر هما – كما ذكرنا للتو – شيء واحد على أساس أن مدينة عثر هي ساحل بيش، وهذا ما يقرره اليعقوبي ( ت284هـ/897م9 الذي كان معاصراً في بعض سني حياته لابن خرداذبة من أن " عثر ساحل بيش" ، على ان قدامه بن جعفر البغدادي (320هـ/932م) الذي يجئ بعد سابقيه في هذا السياق، يبدو أنه أكثر فهماً منهما ، بجغرافية المكان، فهو وإن اتفق معهما فيما أورد عن كسار الطريق إلى عثر جيئة وذهاباً إلا أنه يضع العرض ثم جاز على طريق الجادة المخاليف، ومن أراد الساحل أخذ من عثر إلى مرسى ضنكان، ثم مرسى حلي إلى السرين، ويتضح من قول قدامه " قم جاز على طريق الجادة المخاليف" أي الجادة السلطانية التي تسلكها القافلة الرئيسية، وهي ما يعبر عنها هنا بالمخاليف أي حيث الاتساع العمراني والزراعي لتهامة اليمن، ثم المخلاف عصر، ومنهما إلى مكة المكرمة، ويتضح من نص قدامه أيضاً ويتفق معه سابقه: ابن خرداذبة في التمييز بين ضنكان الداخلية ، وضنكان الساحلية حينما أضافا الأخيرة إلى كلمة " مرسى" أي " مرسى ضنكان" تمييزا لها عن الأولى التي هي معدن ذهب معروف في تلك الناحية، وهما بذلك يزيلان اللبس الوارد في معلومات سابقيهما : الحربي من حيث ذكره لضنكان فقط دون إضافة، وهو ما يتبادر على الذهن من أن المقصود هي ضنكان الداخل التي فيها معدن الذهب المذكور للتو، والتي هي أكثر شهرة من الأولى، وأقرب إلى طريق الجادة السلطانية من طريق الساحل، موضوع هذا السياق، أما البكري ( ت 478هـ/1094م) فيربط عثر بالسرين التي تقع بدورها على طريق الحج والتجارة الساحلي إلى مكة المكرمة، وتمثل إحدى محطاته الرئيسية ثم يذكر أنها ( أي عثر) على مسيرة عشرة أيام من السرين يسير الراكب في اتجاه الجنوب، وهي مسافة تقترب من المسافة الحقيقية إذا قدرنا أن المرحلة في حدود 40 كيلو متراً بقياسات العصر الحالي. والسياق الثالث يتناول عثر بوصفها مدينة ساحلية عامرة، وسوقاً تجارياً مزدهراً من ذلك ما يصفه بها الهمذاني ( ت بعد 344/955-956م) من أنها "سوق عظيم" وصفها المقدسي ( ت 380هـ/990م) بأنها "مدينة كبيرة طيبة مذكورة؛ لأنها قصبة الناحية، وفرضة صنعاء وصعدة، وبها سوق حسن وجامع عامر ، أما الحميري ( ت 727هـ/1327م) فأبعد النجعة حينما ذهب بعثر إلى ساحل عمان، وحينما صحف ( هو أو الناسخ) ثاءها بتاء مثناة فوقية "عثْر" بدلاً من رسمها الحقيق بالثاء المثلثة "عثر" ويصفها بأنها " مدينة واسعة ..ز بناؤها من الخشب والحشيش إلا حماماته فإنها جيدة البناء وبها مسجد جامع على الساحل ، وأكثر طعامهم الذرة، ومبلغ منافع صاحبها سبعون ألف دينار ، الجدير بالإشارة إلى أن المحقق يقول في الهامش : " أقرب الصور لها" "غفر" عند الإدريسي، ولم أجد لها هذا الوصف" – على حد قوله – على أنه يكون في حكم المؤكد أن هذا الوصف ينطبق على عثرن لقرب صورة رسم الكلمة، ولتشابه الثاء والتاء، ولأن أسلوب البناء وصنف الطعام هما السائدان في المنطقة حتى عهد ليس بالبعيد. أم السياق الرابع والأخير في المصادر المذكورة فيصف عثر على أنها ناحية جليلة ، او أنها عمل من أعمال مكة المكرمة، او مخلاف من مخاليفها، والمدلول الجغرافي في جميع هذه الأوصاف واحد، إذ أن الناحية والعمل والمخلاف بمعنى واحد على أساس أن عثر كانت مركزاً إدارياً يتبعها عدد من الأودية والبلدان وعليها والٍ يحيى الأموال ويرفعها إلى وال أعلى هو هنا وإلي مكة المكرمة، او مباشرة إلى دار الخلافة العباسية ببغداد. ولعل خير من فصل في ذكر مخلاف عثر من الجغرافيين المسلمين إثنان هما : ابن حوقل (ت 367هـ/977م)، والمقدسي الذي أشرنا إلى تاريخ وفاته قبل، ومن المؤرخين واحد هو عمارة الحكمي ( ت569هـ/1174م) فابن حوقل في معرض حديثه عن حكام تهامة أو ملوكها يقول: " ويتلوه في المكنة والمقدرة ابن طرف صاحب عثر، ويشتمل ملكه على وجوه الأموال، وضروب الجبايات، ويكون الواصل إليه كنصف ما يصل إلى ولد أبي الجيش بن زياد من المال. يتلو ابن حوقل المقدسي الذي تناول مخلاف عثر أو ناحية عثر-كما يحلو له تسميتها- بقوله :"وناحية عثر ناحية جليلة، عليها سلطان برأسه، ومدنها نفيسة، ويفهم من قول المقدسي "عليها سلطان برأسه" أن حاكم عثر مستقل بشؤونها الداخلية، وكونه كذلك فلا بد أنه كان يحكمها حكماً وراثياً، وأنه ينتمي إلى أسرة كانت قد استقلت بحكمها الداخلي مع ولائها وتبعيتها لوالي مكة العباسي، أما عمارة الحكمي وهو أول من عرض من المؤرخين لمخلاف عثر بمثل هذا القدر من التفصيل، فإنه يقول :" وممن امتنع عن عمال أبي الجيش بن زياد سليمان بن طرف، صاحب عثر، وهو من ملوك تهامة ، وعمله مسيرة سبعة أيام في عرض يومين، وهو من الشرجة إلى حلي، ومبلغ ارتفاعه في السنة خمسمائة ألف دينار عثرية،
أما من حيث التبعية فإن إقليم عثر أو خلافها وبعض المصادر تسميه مخلاف بيش، والمعنى واحد – كما أوضحنا قبل- فيتبع من الناحية السياسية لإمارة مكة المكرمة، وقد استمر هذا الوضع طوال فترات ازدهاره، ثم بعد ذلك يحنما أصبح يعرف باسم المخلاف السليماني باستثناء فترات ليس هنا مجال ذكرها. مما سبق يتضح ان مسمى عثر يطلق على مدينة عثر نفسها، وعلى مخلافها الذي يمتد جنوباً من مدينة الشرجة الواقعة تقريباً على الحدود الحالية بين المملكة العربية السعودية واليمن، وشمالاً على جنوب حدود إمارة حلي حينذاك، أي إلى الحدود الجنوبية لمركز البرك (برك الغماد) الذي كان يتبع إمارة مكة المكرمة إلى أن أنضم قبل ثلاث سنوات لمنطقة عسير، ومن الغرب يمتد مخلاف عثر من البحر الأحمر إلى الأطراف الجبلية لإمارة منطقة عسير وخصوصاً من الجنوب الغربي، وهذا ما ينطبق تقريباُ على الامتداد نفسه الذي تشغله اليوم منطقة جازان ويعد هذا المخلاف من أخصب المخاليف الجنوبية لإمارة مكة المكرمة على مدى تاريخها، ومن أكثرها غني بالمحاصيل الزراعية والثروة الحيوانية ، وبه عدد من الأودية التاريخية التي تستمد سيولها من جبال السروات ، وتصب في البحر الأحمر تاركة من الطينة الرسوبية الغنية التي تجود فيها الزراعة، وينتشر حولها الاستيطان البشري مما جعل مخلاف عثر في زمانه ، او منطقة جازان حالياً من أكثر مناطق المملكة العربية السعودية كثافة بالسكان، ومن هذه الأودية من ضمد، ووادي جازان ، ووادي خلب، ووادي يتمه، ووادي ريم، ووادي عتود، ووادي بيش، ووادي صبيا، ووادي ضمد ، ووادي جازان ، ووادي خلب، وبمخلاف عثر عدد من المدن التاريخية بعضها لا يزال قائماً ، وبعضها مندثر فمن المدن التاريخية العامرة بها حتى الآن : جازان ، العاصمة الإدارية للمنطقة، وأبو عريش، وضمد ، وصبيا، وبيش، المشهورة بمنجم ذهب ، بالإضافة إلى مدينة عثر نفسها عاصمة الإقليم، فقد كانت مدينة عثر من أكير مدن الساحلة التهامية ازدهاراً بوصفها محطة من محطات طريق الحج والتجارة الساحلي بين الحجاز واليمن، وعاصمة لإقليم يمتاز بالخصب ، وبالكثافة السكانية والرعوية، وميناء نشطاً في تجارة مع مواني اليمن الواقعة إلى الجنوب منه، ومع مواني الحجاز الواقعة إلى الشمال منه، فضلاً عن المواني المقابلة له مما يلي البر الحبشي، كما أنها كانت دار ضرب للسكة ينسب إليها واحد من أشهر الدنانير المضروبة في جزيرة العرب، ذلك هو الدينار العثري الذي كانت دار تحسب به مقادير عشور اليمن، وبعض أقاليم الجزيرة العربية الأخرى، وكذلك مختلف الجبايات التي كان يجري تقاضيها بالدينار العثري في نطاق تداوله، أما مدينة عثر فهي الآن في حكم المندثر، ولم يبق منها إلا تلول أثرية تقع على ساحل البحر الأحمر بالقرب من قرية قوز الجعافرة التي أصبحت في الوقت الحاضر علماً على كامل المكان بما ي ذلك موقع عثر نفسها، وتقع قرية القوز أو قوز الجعافرة على بعد حوالي 30 كيلومتراً إلى الشمال الغربي من مدينة صبيا المعروفة، أما عثر فتقع على بعد حوالي ثلاثة كيلومترات إلى الغرب من قرية القوز المذكورة، وهي خالية تماماً من أبو سكني، وتبلغ مساحة موقعها حوالي 2 × 1 كم، وهي كما أسلفنا – عبارة عن تلول مرتفعة تطل على الساحل مباشرة وينتشر فوق سطحها العديد من الكسر الفخارية المتنوعة، وبعضه يعود إلى عصور ما قبل الإسلام ومعظمه يعود إلى العصور الإسلامية بما في ذلك وجود بعض نماذج من الخزف ذي البريق المعدني الذي يعود إلى العور العباسية، وينتشر حول الموقع عدد من الآبار القديمة المطورة كشف السيل في إحدى السنتين عن ثلاثين بئراً منها مما يدل على أهمية المكان واتساعه وكثافة سكانه وأنعامه على حين ازدهاره. لقي موقع عثر الأثري اهتماماً ملحوظاً من قبل الإدارة العامة للآثار والمتاحف بوزارة المعارف 0 حالياً وكالة الآثار والمتاحف) من حيث قيامها بمسحة عام 1400هـ/1980م تحت مسمى القوز (217هـ/108) المطل على مضيق يسمى رأس طرفة، وهو ميناء به مرسى طبيعي في تلك الجهة، ثم قامت الإدارة نفسها في عام 1404هـ/1984م بإجراء حفرية في موقع عثر ما لبثت نتائجها أن نشرت في مجلة أطلال في العام 1405هـ/1985م، وكشفت تلك الحفريات عن نتائج في غاية الأهمية ليست مما يندرج تحت موضوع هذا البحث. الوضع السياسي لعثر ومخلافها : أما الوضع السياسي لعثر في القرنين الثالث والرابع الهجريين التاسع والعاشر للميلاد فهو من أهم المشكلات التي يواجهها الباحثون لا من ندرة المعلومات ولا من حيث وضعها في سياق تاريخي منطقي، وذلك فيما يتعلق بالقليل والقليل جداً منها مما يمكن أن يعد إرهاصات أولى لتراي مخلاف عثر السياسي في هذين القرنين اللذين من المحتمل أن مخلاف عثر شهد خلالهما حكم أسر محلية استقلت بالشؤون الداخلية للمخلاف معه بقائها مرتبطة بالخلافة العباسية وبولاتها المباشرين على مكة المكرمة حينذاك.
ولعل أول الإشارات الواضحة والدالة على هوية حكام عثر في تلك الفترة ما وصلنا عن طريق الهمداني الذي يذكر في مكان من كتابه صفة جزيرة العرب بأن حكام هذا المخلاف هم موالي قريش، دون أن يوضح إلى أي من قريش ينتمي أولئك الموالي؟ ولكنه في مكان آخر من الكتاب نفسه يقرر صراحة بأن " ملوكه من بني مخزوم ومن عبيدها". وبالرجوع إلى الولاة العباسيين من بني مخزوم الذين ولوا أمور الولاية الأم وهي مكة المكرمة يتضح أن ألو من وليها منهم في منتصف القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي هو عيسى بن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن عبد الحميد بن عبدالله بن عمرو بن حفص بن المغيرة المخزومي، وقد وليها للخليفة المعتز بالله العباسي 0ت255هـ/869م) ، واستمرت ولايته على مكة (متصلة أو منفصلة) من سنة 251-254هـ/865-868م، أما الرجل الثاني الذي ولي مكة من بني مخزوم فهو أبو عيسى محمد بن يحيى بن محمد بن عبد الوهاب بن سليمان المخزومي، وكان الذي ولاه إياها الخليفة العباسي المعتمد على الله أحمد بن جعفر المتوكل( ت 279هـ/830م) ثم ما لبث الخليفة المعتمد أن عزل أبا عيسى هذا بابن عمه أبي المغيرة محمد بن عيسى بن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم المخزومي، ولد أمير مكة المذكور أعلاه والذي ذكرنا للتو أنه وليها في زمن الخليفة المعتز بالله، ويبدو أن أبا عيسى هذا امتنع من تسليم مكة لابن عمه المغيرة فأقتتل الاثنان فقتل أبو المغيرة أباب عيسى ودخل مكة – كما تذكر المصادر- ورأسه بين يديه ، وقد ولي مكة فترة امتدد إلى سنة 268هـ/882م وربما إلى أبعد من ذلك. وعلى الرغم من ولاية بني مخزوم لمكة المكرمة حوالي عقدين من الزمن فإن المصادر التاريخية المتاحة لم تذكر أنهم أرسلوا ولاة من جانبهم، أو نواباً لهم على مخلاف عثر طوال حكمهم لمكة، غير أن هناك إشارة يتيمة يوردها ابن حزم (356هـ/967م) بقوله" وبنو طرف الذين ولوا بعض جهات اليمن هم موالي عيسى بن محمد والد أبي المغيرة). ومن هنا يستطيع الباحث أن يمسك بأول خيوط الحقيقة الدالة على حكام عثر من موالي بنيي مخزوم ويستطيع كذلك الاستدلال على هوية هؤلاء الموالي وهم "بنو طرف" الذين كانوا ذوي قرابة قريبة من جهة الأمهات لبني مخزوم، ولاة مكة المشار غليهم آنفاً جد بني طرف المذكورين ليس مولي لعيسى المخزومي والي مكة في عهد المعتز، وحسب وإنما هو صهره أي أخو زوجته وأم ولوده، أبي المغيرة محمد بن عيسى، وذلك طبقاً لما يذكره ابن خزم الذي يقرر هذه الحقيقة بقوله:" وكان طرف مولى عيسى وجد أبي المغيرة لأمه، وابنه الحسن بن طرف خال أبي المغيرة"، إذاً فهم أصهار عيسى، وأخوال والده أبي المغيرة محمد بن عيسى الذي ذكرنا للتو أنه ولي مكة للخليفة العباسي المعتمد على الله، فليس من المستبعد أن يكون بنو طرف الذي نقدر أنه أول من تولى منهم حكم مخلاف عثر، كما نقدر أن الحكم استمر وراثياً في عقبة على الرغم من انتهاء ولاية أسيادهم بني مخزوم لمكة بل أن حكم هؤلاء الموالي المخزوميين المدعوين بني طرف ربما استمر في عثر حتى نهاية هذه الفترة أي إلى أواخر القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي. ويعزز هذا الاحتمال عدد من الأدلة التاريخية بعضها مستقى من المصادر الأدبية القليلة المتاحة، والآخر مما كشف عنه بعض حكام عثر المنقوشة على ما وصلنا من الدنانير الذهبية المضروبة في مدينة عثر نفسها، وبصورة خاصة تلك الدنانير التي ضربت في القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي. فأما الأدلة التاريخية المستقاة من المصادر الأدبية فهي تنحصر في بعض الكتب الجغرافية والتاريخية المعاصرة لتلك الفترة، وهذه الكنب وعلى الرغم من قلتها- فإنها تحتفظ بذكر حكام عثر في فترات تكاد تكون متصلة في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري/النصف الثاني من العاشر الميلادي، إلا انها لا تذكر أيا منهم بالاسم، وإنما تطلق عليهن اوصافاً منها: " بنو طرف" و "موالي بن مخزوم"، و"العبيد" هكذا مجردين من أي إضافة. فممن نعتهم ببني طرف ابن حزم، ثم عاصره ابن حوقل، وقد اشرنا إلى ذلك من قبل. أما الهمداني فيسمي حكام عثر او ملوكها – كما قدمنا- " بني مخزوم وعبيدهم" وبنعتهم صاحب سيرا لإمام المنصور بالله القاسم بني علي العياني وهو من رجال القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي بنعت "العبدين" في أكثر من موضع من السيرة، ويبدو ان هذين العبدين كانا يحكمان مخلاف عثر بالمشاركة، كما يبدو إنهما كانا أهل قوة ومنعة وبأس شديد حتى أن الإمام العياني نفسه لم يجرؤ على غزو ديارهما من الوهلة الأولى حيث تذكر السيرة أن الأشراف بني أبي الطيب الحسنيين وفدوا عليه في سنة 389هـ/999م وطالبوا منه العون والمساعدة في توليهم تهامة وإقصاء العبدين من حكمها كما أن الإمام نفسه كان يضمر من النوايا المتكررة للإمام تجاه غزو ديار العبدين – كما تسميها السيرة – فإنه لم تكن لديه العزيمة الكافية على وضع نواياه تلك موضع التنفيذ،
وإنه لم يجد استجابة مشجعة من رعاياه حينما خاطبهم في هذا الشأن وإنما ردوا عليه بكتبهم طالبين منه أن يمهلهم بعض الوقت لإصلاح خيولهم وركابهم وعددهم؛ لكونهم عادوا للتو من سفرهم في غزو نجران فعدل الإمام على مضض عن غزوه لعثر في سنة 390هـ/1000م وعوضاً عن ذلك كتب قصيدة بعثها إلى رجاله رفق كتبهم التي أرسلها إليه طلباً لإمهالهم بعض الوقت .. مما جاء في تلك القصيدة : أما أجبتم دعوتي فتأهبوا لهبوطبيش منزل العبدان هذا لنا حول نهم بأرضهم وتعوق عنه عوائق الحدثان لو لا دناه الناكثين وغدرهم ودبيبهم بالمكر والبهتان ما تم للعبدين ما حظيا به من حوز ما ملكا من البلدان أما الأدلة التاريخية المستقاة من المسكوكات المضروبة في عثر فتنحصر كذلك في القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي وتحديداص في عهود الخلفاء الراشدين المطيع لله (334-974م) والطائع لله (363-381-هـ/974-991م) والقادر بالله (381-422هـ/991-1031م) . ويبدو أن أمراء عثر حققوا خلال هذه الفترة قدراً ملحوظاً من الاستقلال عن ولاة مكة خولهم سك أسمائهم جنباً إلى جنب مع الخلفاء العباسيين وهو تقليد لا يخول إلا لكبار الولاة في الولايات الرئيسية، وليس في الأقاليم الصغيرة التابعة لتلك الولايات. ونتيجة لسك أسماء أمرا عثر على الدينار المنسوب إلى بلدهم ( دينا عثر أو الدينار العثري) أمكن العثور على أسماء ستة منهم تقبلوا على حكم المخلاف حوالي ثمانية وأربعين عاماً امتدت من سنة 346-394/957-1004م، وأول هؤلاء الأمراء أبوعلي محمد بن القاسم الذي وجد اسمه ممهواً على احد عشر ديناراً مؤرخة بين سنتي 346هـ و 359هـ/957-970م. أي ان حكمه لمخلاف عثر امتد من خلال النقود حوالي أربعة عشر عاماً، والأمير محمد بن لاقاسم هذا يعتقد – على رأي احد الباحثين المحدثين – أنه ولد القاسم بن طرف، صاحب عثر في نهاية القرن الثامن الهجري/ مطلع القرن العاشر الميلادي، وهو الذي ورد ذكره في محاولات والي مكة التصدي لعلي بن الفضل – أحد زعيمي الدعوة الإسماعيلية باليمن حينذاك – حينما احتل زبيد، وهدد جميع التهائم بطغيانه وجبروته، ومن المعتقد أن محمداً هذا خلف والده القاسم في إمارة عثر، ولكننا لا نعرف – على وجه الدقة واليقين – كيف ومتى وصل إلى الحكم سوى ما رأيناه من فترة حكمه الموضحة على الدنانير المنسوبة إليه، ومعه ذلك فمن المحتمل انه وصل على حكم عثر قبل التاريخ بزمن ليس بالقصية، وأنه استمر في الحكم بعد عام 359هـ/970م، ذلك العام الذي يؤرخ لآخر دينار يحمل اسمه في حدود ما وصلنا من الدنانير المنسوبة غليه، على أنه كاد يكون في حكم المؤكد أن فترة حكمه لم تتجاوز سنة 368هـ/979م، وذلك لأن أكير عثر في هذا التاريخ كان ابنه الأمير أبو القاسم علي بن محمد بن القاسم لظهور اسمه على دينا فريد – في حدود ما وصل إلى علمي – يحمل التاريخ المشار إليه. أما ي خلال سنتي 373-374هـ/983-984م – في حدود ما هو متاح من دنانير عثر – فكان يجلي على كرسي الإمارة في المخلاف الأمير أبو يعفر السمو بن محمد خلفاً من أولاد محمد بن القاسم بن علي بن طرف يصل إلى سدة الحكم في مخلاف عثر. لأخيه أبي علي محمد بن القاسم، وهو ثاني ولد. وفي سنة 379هـ/989-990م كان أمير عثر الابن الثالث لمحمد بن القاسم بن علي بن طرف، ويدعى أباب محمد المعمر بن محمد طبقاً لما هو منقوش على ظهر دينار فريد منسوب إليه حتى الآن، ويبدوا أن هذا الأمير وصل إلى حكم عثر قبل هذا التاريخ، وأن ديناره هذا الذي بين أدينا هو آخر إصدار اه أثناء حكمه لأنه في سنتي 380،392هت/990،1002م كان أمير عثر شخص يدعى أبي الفرج الطرفي طبقاً لهذين الدينارين المؤرخين والمنسوبين إليه في حدود ما وصل إلى أيدينا، وتجدر الملاحظة إلى أن هذا الأمير لم يعترف بالخليفة العباسي الجديد القادر بالله (381-422/991-1031م) الذي وصل إلى الخلافة بعد عزل سلفه الخليفة الطائع لله في سنة 381هـ/991مٍ ، وإنما احتفظ باسم الخليفة المعزول على الدنانير المضروبة في عهده كما فعل غيره من حكام الدول المستقلة استقلالاً ذاتياً عن الخلافة العباسية حينذاك ومنهم السامانيوم والغزنويون وسواهم. ويلاحظ كذلك أن أبا الفرج هذا وإن كان منسوباً على بن طرف أو طرف لا يبدو أنه من أبناء محمد بن القاسم بن علي، أو من حفدته، ولا نعرف إن كانت نسبته هذه تنميه إلى بني طرف، موالي بن مخزوم، أمراء عثر، أو أنه من موالي مواليهم، ولا نستبعد هذا الاحتمال الأخير لأن النسبة بياء النسب إلى أسر الحاكمين غالباً ما تكون لمواليهم المنسوبين إليهم، والأدلة على ذلك كثيرة في التاريخ الإسلامي، فليس من المستبعد أن يكون أبو الفرج هذا مولى لبني طرف وصل إلى حكم عثر بالتغلب، أو بالوصاية على قاصر غمطه حقه في تسجيل اسمه على الدنانير العثرية مباشرة بعد سابقه، ويدعي بشري الطرفي، وأول ظهور له كان على دينار ضرب في عثر في سنة 393/1002-1003م،
وكذلك على دينار آخر ضرب في المدينة نفسها في السنة الثانية أي في سنة 394هـ/1003-1004م وإنما بعد أن تخلص من النسبة "الطرفي" واستبدلها بنقش اسم والده إلى جانب اسمه هكذا :" بشري بن عبدالله" . فهل ما ذهبنا إليه بخصوص أبي الفرج الطرفي ينطبق على بشري هذا من حيث إن الاثنين من موالي بن طرف تغلبا على أسيادهما، واستبدا بالأمر دونهما، كما حدث مع جيرانهما موالي بن زياد في أواخر أيامهم، وهل أبو الفرج الطرفي وبشري الطرفي متعاصران وشريكان في السلطة والتسلط على أسيادهما، وكذلك في التغلب على الحكم على النحو الذي يظهر على السكة ؟ فإذا صّحت الإجابة على هذه التساؤلات بأي احتمالات لوقوعها فليس من المستبعد أن يكون الاثنان (أبو الفرج وبشري) هما العبدان المعاصران للإمام المنصور بالله القاسم بن علي العياني، والمذكوران في سيرته لهذا اللفظ كما قدمنا. ولا يتعارض ما ذكر مع حقيقة وجود سليمان بن طرف الحكمي، وتوحيده لمخلافي عثر وحكم تحت مسمى المخلاف السليماني وفقاًُ لما هو متعارف عليه في أوساط الدارسين الذين تناولوا تاريخ منطقة جازان في العقود الستة أو الخمسة الماضية- وإنما يتعارض مع التاريخ الموضوع والمتداول لذلك الحدث الكبير في بعض الدراسات الحديثة وهو عام 373هـ/983م، ذلك أن هذا التاريخ لا يسند على أدلة ثابتة في المصادر التاريخية الموثوقة، وإنما بني على آراء كانت معقولة ومقبولة ي وقتها، أما الآن فتدحضها الحقائق التي أشرنا إليها سابقاً، وبصورة خاصة تلك المستقاة من سيرة الإمام العياني، ومن المسكوكات التي ظلت تحمل أسماء بعض أمراء عثر حتى عشر التسعينات من الحكم عثر ربما جاء في وقت متأخر نسبياً عما هو متداول حتى الآن في بعض الدراسات الحديثة أي عام 373هـ/983م- كما أشرنا إلى ذلك للتو، لذلك فمن المعتقد أن ظهور سليمان بن طرف وما استتبع ذلك من أحداث ربما كان متزامناً مع مطلع القرن الخامس الهجري/ أوائل القرن الحادي عشر الميلادي، ما لم يُكشف من الأدلة التاريخية ما يخالف ذلك، وهذا ما نأمل معالجته في دراسة لاحقة إن شاء الله. نخلص مما سبق إلى أن عثر كانت من المدن الإسلامية المزدهرة خلال القرنين الثالث والرابع الهجريين/ التاسع والعاشر الميلادي، وأنها كانت محطة من المحطات الرئيسية على طريق الحج والتجارة الساحلي بين اليمن ومكة المكرمة، كما كانت عاصمة المخلاف سمي باسمها هو مخلاف عثر قبل أن يتحول اسمه إلى المخلاف السليماني في فترة لاحقة، ثم منطقة جازان في وقتنا الحاضر، وكان مخلاف عثر يمتد من الشرجة بالقرب من حدود المملكة العربية السعودية مع اليمن إلى قريب حدود غمارة حلي بن يعقوب من الجنوب (حالياً تتبع محافظة القنفذة – إمارة مكة المكرمة) . ويشتمل هذا المخلاف على عدة أودية أشهرها وادي بيش الذي هو امتداد مدينة عثر الداخلي من الشرق حتى أن بعض المصادر تسمي عثر بيشاً، ومخلافها : مخلاف بيش. ونخلص كذلك إلى أن مخلاف عثر يتبع إمارة مكة المكرمة ، وكانت تحكمه أسرة من موالي بني مخزوم القرشيين، وأن هذه الأسرة توارث أفرادها حكم المخلاف طوال فترة الدراسة، وأنها بلغت من القدرة والتمكن بحيث استطاعت ضرب دنانير ذهبية حملت أسماء بعض حكامها، وأن تلك الدنانير بلغت من الشهرة وقوة التداول والوثوق بها وبنقاوة معدنا وصدق عيارها درجة خولتها لأن تحسن بها مقادير العشور ومختلف الجبايات التي كانت تتقاضاها الخلافة العباسية من الدويلات المحلية التابعة لها، والواقعة في نطاق تداول تلك الدنانير العثرية ذات السمعة الحيدة والشهرة الواسعة في زمانها.
@rattibha مع الشكر

جاري تحميل الاقتراحات...