#ثريد عظيم جدا عن #الترجمان_الميورقي.
فقال له السلطان : أنت طلبت ما طلب عبد الله بن سلام من النبي ﷺ حين أسلم.
في جزيرة ميورقة ، وهي إحدى جزر البليار التي تتبع حاليًّا دولة إسبانيا ، ولد غلام اسمه إنسِلم تُورميدَا ، وكان وحيد أبويه ، وعندما بلغ السادسة أسلمه أبوه إلى أحد القساوسة ، فقرأ عليه إنسِلم الإنجيل حتى حفظ أكثر من شطره في سنتين ، ثم أخذ في تعلم لغة الإنجيل وعلم المنطق في ست سنين.
فقال له السلطان : أنت طلبت ما طلب عبد الله بن سلام من النبي ﷺ حين أسلم.
في جزيرة ميورقة ، وهي إحدى جزر البليار التي تتبع حاليًّا دولة إسبانيا ، ولد غلام اسمه إنسِلم تُورميدَا ، وكان وحيد أبويه ، وعندما بلغ السادسة أسلمه أبوه إلى أحد القساوسة ، فقرأ عليه إنسِلم الإنجيل حتى حفظ أكثر من شطره في سنتين ، ثم أخذ في تعلم لغة الإنجيل وعلم المنطق في ست سنين.
بعد ذلك ارتحل إنسِلم من ميورقة إلى مدينة لاردة ، وهي مدينة العلم عند النصارى في ذلك الوقت ، وبهذه المدينة تجتمع طلبة العلم من النصارى ، وينتهون إلى ألف رجل أو ألف وخمسمائة ، ولا يحكم فيهم إلا القسيس الذي يقرؤون عليه ؛ فقرأ فيها علم الطبيعيات ، والنجامة مدة ست سنين ، ثم تصدر فيها يقرأ الإنجيل ولغته ملازمًا لذلك مدة أربع سنين.
بعد ذلك ارتحل إنسِلم إلى مدينة بلونية ، وهي مدينة علم أيضًا ، وكانت مدينة كبيرة جدًا ، يجتمع بها كل عام من الآفاق أزيد من ألفي رجل يطلبون العلوم ولا يلبسون إلا الملف (كلحاف يلتحف به) ، جميعهم بلا استثناء ، حتى لو كان طالب العلم منهم سلطانًا أو ابن سلطان ؛ ليمتازوا بذلك عن غيرهم ، ولا يحكم فيهم إلا القسيس الذي يقرؤون عليه.
سكن إنسِلم في كنيسة لقسيس كبير السن عندهم ، كبير القدر ، اسمه : نقلاو مرتيل ، وكانت منزلته فيهم بالعلم والدين والزهد رفيعة جدًا انفرد بها في زمنه عن جميع أهل دين النصرانية ، فكانت الأسئلة في دينهم ترد عليه من الآفاق من جهة الملوك وغيرهم مع إرسال الهدايا الضخمة له ، ويرغبون بالتبرك به ، ويرجون قبول هداياهم ، ويتشرفون بذلك.
فقرأ إنسِلم على هذا القسيس علم أصول النصرانية وأحكامها ، ولم يزل يتقرب إليه بخدمته والقيام بكثير من وظائفه ، حتى جعله القسيس نقلاو من أخص خواصه ، وظل يتقرب إليه بالخدمة أكثر فأكثر ، إلى أن أعطاه القسيس نقلاو مفاتيح مسكنه ، وخزائن مأكله ومشربه ، ولم يستثن من ذلك سوى مفتاح بيت صغير بداخل مسكنه كان يخلوا فيه بنفسه ، والظاهر أنه كان بيت خزانة أمواله التي كانت تُهدى إليه ، والله أعلم.
لازم إنسِلم القسيس نقلاو مرتيل عشر سنين ، وفي يومًا ما أصاب القسيس مرض ، فتخلف عن حضور مجلس أقرانه ، وانتظره أهل المجلس وهم يتذاكرون مسائل من العلوم ، إلى أن أفضى بهم الكلام إلى قول في الإنجيل على لسان عيسى عليه السلام : (إنه يأتي من بعده نبي اسمه : "البارقليط") ، [بارقليط تعريب لكلمة "بيريكلتوس" في اللغة اليوانانية القديمة ، وتعني : الذي له حمد كثير].
فبحثوا في تعيين هذا النبي ؟ ، وقال كل واحد منهم بحسب علمه وفهمه ، فعظم بينهم في ذلك مقالهم ، وكثر جدالهم ، ثم انصرفوا من غير تحصيل فائدة في تلك المسألة.
وعندما رجع إنسِلم إلى القسيس نقلاو ، سأله القسيس : ما الذي كان عندكم اليوم من البحث في غيبتي عنكم ؟ فأخبره باختلاف القوم في اسم البارقليط ، وأن فلانًا قد أجاب بكذا ، وأجاب فلان بكذا ، وسرد له أجوبتهم.
فقال له : وبماذا أجبت أنت ؟ فقال : بجواب القاضي فلان في تفسيره الإنجيل ؛ فقال له : ما قَصَّرتَ وقَرُبتَ ، وفلان أخطأ ، وكاد فلان أن يُقارب ، ولكن الحق خلاف هذا كله ، لأن تفسير هذا الاسم الشريف لا يعلمه إلا العلماء الراسخون في العلم ، وأنتم لم يحصل لكم من العلم إلا القليل ؛
فبادر إنسِلم إلى قدميه يقبلهما ، وقال له : يا سيدي قد علمت أني ارتحلت إليك من بلد بعيد ، ولي في خدمتك عشر سنين ، حَصَّلتُ عنك فيها من العلوم جملة لا أحصيها ، فلعل من جميل إحسانكم أن تمنوا عليَّ بمعرفة هذا الاسم ؛
فبكى القسيس وقال له : يا بني ، والله أنت لَتَعُزّ علىَّ كثيرًا من أجل خدمتك لي ، وانقطاعك إليَّ ، في معرفة هذا الاسم الشريف فائدة عظيمة ، ولكني أخاف عليك أن يظهر ذلك عليك ، فتقتلك عامة النصارى في الحين ، فأقسم إنسِلم إليه أنه لا يتكلم بشيء مما يسره إليه ؛
فقال له : يا بني إني سألتك في أول قدومك عَلَيَّ من بلدك ، وهل هو قريب من المسلمين ؟ وهل يغزونكم أو تغزونهم لأختبر ما عندك من المنافرة للإسلام ، فاعلم يا ولدي أن البارقليط هو اسم من أسماء نبيهم "مُحَمَّد" ؛
قال إنسِلم : يا سيدي وما تقول في دين هؤلاء النصارى ؟ فقال له : يا بني لو أن النصارى أقاموا على دين عيسى الأول لكانوا على دين الله ، لأن عيسى وجميع الأنبياء دينهم دين الله ، ولكن بدلوا وكفروا ؛ فقال له : يا سيدي وكيف الخلاص من هذا الأمر ؟ فقال : بالدخول في دين الإسلام ، فقال إنسِلم له : وهل ينجو الداخل فيه ؟ قال : نعم ينجو في الدنيا والآخرة ؛
فقال إنسِلم : يا سيدي إن العاقل لا يختار لنفسه إلا أفضل ما يعلم ، فإذا علمت فضل دين الإسلام فما يمنعك منه ؟
فقال : يا بني إن الله لم يطلعني على حقيقة ما أخبرتك به من فضل الإسلام وشرف نبي أهل الإسلام إلا بعد كبر سني ، ووهن جسمي ، ولا عذر لنا فيه بل هو حجة الله علينا قائمة ، ولو هداني الله لذلك وأنا في سنك لتركت كل شيء ، ودخلت في دين الحق ، وحب الدنيا رأس كل خطيئة ، وأنت ترى ما أنا فيه عند النصارى من رفعة الجاه والعزة والترف ، وكثرة عَرَضِ الدنيا ، ولو أني ظهر عليَّ شيء من الميل إلى دين الإسلام لقتلتني العامة في أسرع وقت ؛
وهب أني نجوت منهم ، وخَلُصتُ إلى المسلمين ، فأقول لهم : إني جئتكم مسلمًا ، فيقولون لي : قد نفعت نفسك بنفسك بالدخول في دين الحق ، فلا تَمُنَّ علينا بدخولك في دين خلَّصت نفسك به من عذاب الله ، فأبقى بينهم شيخًا كبيرًا فقيرًا ابن تسعين سنة ، لا أفقه لسانهم ، ولا يعرفون حقي ، فأموت بينهم جوعًا ؛
فقال له : يا سيدي أفتدلني أن أمشي إلى بلاد المسلمين وأدخل في دينهم ؟ فقال : إن كنت عاقلًا طالبًا للنجاة فبادر إلى ذلك تحصل لك الدنيا والآخرة معًا ، ولكن يا بني هذا أمر لم يحضره معنا أحد ، فاكتمه بغاية جهدك ، وإن ظهر عليك شيء منه قتلتك العامة ، ولا أقدر على نفعك ، ولا ينفعك أن تنقل ذلك عني ،
فإني أجحده (أي : سأكذبك) ، وقولي مُصَدَّقٌ عليك ، وقولك غير مُصَدَّق عَلَيَّ ، وأنا بريء من ذلك إن فُهتَ بشيء من هذا ؛ فقال : يا سيدي أعوذ بالله من سريان الوهم لهذا ؛ ثم عاهده بما يرضيه.
ثم أخذ إنسِلم في أسباب الرحلة وودع القسيس نقلاو ، فدعا له القسيس بخير ، وزوده بخمسين دينارًا ذهبًا ، ثم ركب إنسِلم البحر منصرفًا إلى بلده ميورقة فأقام بها مع والده ستة أشهر ، ثم سافر منها إلى جزيرة صقلية ، وأقام بها خمسة أشهر وهو ينتظر مركبًا يتوجه بها إلى أرض المسلمين.
فحضرت مركب متجهة إلى مدينة تونس فركب فيها ؛ ولمَّا نزل تونس ، وسمع به الذين بها من أحبار النصارى ، أتوا بمركب وحملوه معهم إلى ديارهم وصَحِبَتهُم بعض التجار الساكنين بتونس ، فأقام عندهم في ضيافتهم على أرغد عيش أربعة أشهر ، وبعد ذلك سألهم هل بدار السلطان أحد يحفظ لسان النصارى ، وكان السلطان آنذاك أبا العباس المستنصر أحمد ، فذكر له النصارى أن بدار السلطان رجلًا فاضلًا اسمه يوسف الطبيب ، وكان طبيبه ، ومن خواصه ، ففرح بذلك إنسِلم فرحًا شديدًا ،
وسأل عن مسكن هذا الطبيب ؛ ثم اجتمع به ، وذكر له سبب قدومه للدخول في الإسلام ، فَسُرَّ الطبيب بذلك سرورًا عظيمًا بأن يكون تمام هذا الخير على يديه ، ثم ركب فرسه وحمله معه لدار السلطان ، ودخل عليه فأخبره الخبر ، واستأذنه بدخول إنسِلم ، فأذن له.
وعندما دخل إنسِلم ، سأله السلطان عن عمره فقال : خمسة وثلاثون عامًا ، ثم سأله عمَّا قرأ من العلوم ، فأخبره ، فقال له : قدمت قدوم خير فأسلم على بركة الله.
فقال إنسِلم للترجمان يوسف الطبيب : قل للسلطان إنه لا يخرج أحد من دين إلا ويكثر أهله القول فيه ، والطعن فيه ، فأرغب من إحسانكم أن تبعثوا إلى الذين بحضرتكم من تجار النصارى وأحبارهم ، وتسألوهم عني وتسمعوا ما يقولون في جنابي ، وحينئذ أسلم إن شاء الله ؛ فقال له السلطان : أنت طلبت ما طلب عبد الله بن سلام من النبي ﷺ حين أسلم.
ثم أرسل إلى أحبار النصارى وبعض تجارهم ، وأدخل إنسِلم في بيت قريب من مجلسه ؛ ولمَّا دخلوا عليه قال لهم : ما تقولون في هذا القسيس الجديد الذي قدم في هذا المركب ؟
فقالوا له : هذا عالم كبير في ديننا ، وقالت علماؤنا : إنهم ما رأوا أعلى من درجته في العلم والدين في ديننا ، فقال لهم : وما تقولون فيه إذا أسلم ؟ قالوا : نعوذ بالله من ذلك ، هو ما يفعل هذا أبدًا ، فلمَّا سمع ما عند النصارى بعث إليه فحضر بين يديه ، وشهد شهادتي الحق ، فصلَّبوا على وجوههم (أي : أشاروا بعلامة الصليب مرورًا بالكتف الأيمن فالأيسر فالوسط) ، وقالوا : ما حمله على هذا إلا حب التزويج ، فإن القسيس عندنا لا يتزوج ، ثم خرجوا مكروبين محزونين.
وبعد أن أسلم إنسِلم ، سمَّى نفسه : عبد الله ، وقربه السلطان إليه ، وولَّاه قيادة البحر بالديوان ، وأجرى له راتبًا ، وبعد إتقانه اللغة العربيَّة خلال عام صار يترجم من الإيطالية والفرنسية إلى العربية ؛ كما زوجه السلطان ، واسكنه في قصر ، وعندما أنجب سمَّى ابنه : مُحَمَّد على اسم نبينا ﷺ ؛ وألفَّ كتاب للرد على النصارى سمَّاه : "تحفة الأريب في الرد على أهل الصليب". (الأريب أي : العاقل).
جاري تحميل الاقتراحات...