(خلوات العشاق)
هذه عيدية متأخرة للمتابعين الأكارم، وافقتْ ليلةً مُقمِرة ليَتِمَّ حسنُها، وهي أبيات نظائرُ حضرَتْني في مَن نبّأ بخبر خلوته بمحبوبته، فيها المعنى الظريف واللفظ الرائق والصور المستملحة، ليُرفِّه الإنسان عن نفسه ويتفرّج ويستقبل شوال بما هو به جميل، من بهجة النفس
هذه عيدية متأخرة للمتابعين الأكارم، وافقتْ ليلةً مُقمِرة ليَتِمَّ حسنُها، وهي أبيات نظائرُ حضرَتْني في مَن نبّأ بخبر خلوته بمحبوبته، فيها المعنى الظريف واللفظ الرائق والصور المستملحة، ليُرفِّه الإنسان عن نفسه ويتفرّج ويستقبل شوال بما هو به جميل، من بهجة النفس
وطرب الروح. ووقاني الله وإياكم شذا الثقلاء وشر الأغبياء.
فأول من نذكر في ذلك امرؤ القيس، وهو وإن لم يذكر ما جرى في خلوته فقد أبلغ! إذ قال:
فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى
بنا بطنُ حقف ذي ركام عقنقل
ثم سكت، وترك جواب (لما) ثقةً بفهم السامع. وموقعه حسن جدا، والحذف أبلغ من الذكر في
فأول من نذكر في ذلك امرؤ القيس، وهو وإن لم يذكر ما جرى في خلوته فقد أبلغ! إذ قال:
فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى
بنا بطنُ حقف ذي ركام عقنقل
ثم سكت، وترك جواب (لما) ثقةً بفهم السامع. وموقعه حسن جدا، والحذف أبلغ من الذكر في
نحو هذا. وممن تظرّف في حذف تتمة الخبر ابنُ المعتز، حيث قال:
وجاءني في قميص الليل مستترًا
يستعجل الخطو من خوف ومن حذر
فبتُّ أفرش خدي في الطريق له
ذلًّا، وأسحب أذيالي على الأثرِ
وكان ما كان مما لستُ أذكره
فظُنّ خيرًا ولا تسألْ عن الخبرِ
وجاءني في قميص الليل مستترًا
يستعجل الخطو من خوف ومن حذر
فبتُّ أفرش خدي في الطريق له
ذلًّا، وأسحب أذيالي على الأثرِ
وكان ما كان مما لستُ أذكره
فظُنّ خيرًا ولا تسألْ عن الخبرِ
وأنا يضحكني قوله: (فبت أفرش خدي في الطريق له ذلًّا)! وقوله: (مما لست أذكره) يحتمل معنيين: الأول: أنه يمتنع عن ذكره، والثاني: أنه نَسِيَه، والأول أقرب والثاني أظرف.
وقال الأخطل:
وليلةِ نجوى يَعتري أهلَها الصِّبا
سلبتُ بها رِيمًا جميلًا مسالِبُه
وقال الأخطل:
وليلةِ نجوى يَعتري أهلَها الصِّبا
سلبتُ بها رِيمًا جميلًا مسالِبُه
وبِتنا كأنَّا ضيفُ جِنٍّ بليلةٍ
يَعودُ بها القلبَ السقيمَ طبائبُه
فيا لكِ منّي هفوةً لم أَعُدْ لها
ويا لكَ قلبًا أهلكتْهُ مذاهبُه
سلبتُ: نزعتُ ثيابه. وأراد بقوله (كأنا ضيف جن) أنهما كانا خلوة نائية لا يراهما فيها إنسيّ.
وومن ذكروا أنه تعفّف في خلوته ابنُ الدمينة، إذ قال:
يَعودُ بها القلبَ السقيمَ طبائبُه
فيا لكِ منّي هفوةً لم أَعُدْ لها
ويا لكَ قلبًا أهلكتْهُ مذاهبُه
سلبتُ: نزعتُ ثيابه. وأراد بقوله (كأنا ضيف جن) أنهما كانا خلوة نائية لا يراهما فيها إنسيّ.
وومن ذكروا أنه تعفّف في خلوته ابنُ الدمينة، إذ قال:
فبتنا فُوَيقَ الحيِّ لا نحن منهمُ
ولا نحن بالأعداء مختلطانِ
وبات يَقينَا ساقطَ الطلِّ والندى
من الليل، بُرْدَا يُمنةٍ عَطِرَانِ
نذودُ بذكر الله عنّا خَنَا الصِّبا
وإن كان قلبانا بنا يَرِدانِ
ونَصدُرُ عن رِيِّ العفاف وربما
نقَعْنا غليلَ الحب بالرشفانِ
ولا نحن بالأعداء مختلطانِ
وبات يَقينَا ساقطَ الطلِّ والندى
من الليل، بُرْدَا يُمنةٍ عَطِرَانِ
نذودُ بذكر الله عنّا خَنَا الصِّبا
وإن كان قلبانا بنا يَرِدانِ
ونَصدُرُ عن رِيِّ العفاف وربما
نقَعْنا غليلَ الحب بالرشفانِ
وموضع (عطران) من الأبيات، موضع الملح من الطعام! ما أحسنه وما أبرعه!
وإن عَجِبتَ من عفته كيف سامحته بالرشفة والضمة، فاعلم أن العفّة عندهم عدم مقارفة الفاحشة، أما ما دونها فلا يرون من يأتيه خرج من حدّ التعفف! وقد جعل بعضهم عمر بن أبي ربيعة من المتعفّفين.
وإن عَجِبتَ من عفته كيف سامحته بالرشفة والضمة، فاعلم أن العفّة عندهم عدم مقارفة الفاحشة، أما ما دونها فلا يرون من يأتيه خرج من حدّ التعفف! وقد جعل بعضهم عمر بن أبي ربيعة من المتعفّفين.
وعلى ذكره نذكر ما لا ينبغي أن نهمله ونحن فيما نحن فيه، وهو قوله:
فقالت وقد لانت وأفرَخَ رَوعُها:
كَلاكَ بحِفظٍ ربُّكَ المتكبِّرُ
فأنتَ أبا الخطَّابِ غيرَ مُدافَعٍ
عليّ أميرٌ ما مكثتَ مؤمَّرُ
فبِتُّ قريرَ العين أُعطِيتُ حاجتي
أُقَبِّلُ فاهَا في الخَلاءِ فأُكثِرُ
فقالت وقد لانت وأفرَخَ رَوعُها:
كَلاكَ بحِفظٍ ربُّكَ المتكبِّرُ
فأنتَ أبا الخطَّابِ غيرَ مُدافَعٍ
عليّ أميرٌ ما مكثتَ مؤمَّرُ
فبِتُّ قريرَ العين أُعطِيتُ حاجتي
أُقَبِّلُ فاهَا في الخَلاءِ فأُكثِرُ
فيا لك من ليلٍ تقاصر طُولُه
وما كان ليلي قبل ذلك يُقصِرُ
ويا لك من مَلهًى هناك ومجلسٍ
لنا لم يُكدِّرْهُ علينا مُكدِّرُ
وقد تمسّك العشّاق ببعض أقوال الفقهاء في النظر والقبلة، وأنهما من صغائر الذنوب، فأسرعوا بها إلى معشوقاتهم يتوسّلونهم إياها ويذكرون لهم ما قاله الفقهاء.
وما كان ليلي قبل ذلك يُقصِرُ
ويا لك من مَلهًى هناك ومجلسٍ
لنا لم يُكدِّرْهُ علينا مُكدِّرُ
وقد تمسّك العشّاق ببعض أقوال الفقهاء في النظر والقبلة، وأنهما من صغائر الذنوب، فأسرعوا بها إلى معشوقاتهم يتوسّلونهم إياها ويذكرون لهم ما قاله الفقهاء.
قال الهيثم: قال لي صالح بن حسّان: من أفقه الناس؟ قلتُ: اختُلِف في ذلك. قال: أفقه الناس وضّاح اليمن حيث يقول:
إذا قلتُ هاتي نوّليني تبسّمَت
وقالت: معاذَ الله مِن فعلِ ما حَرُمْ
فما ناولَتْ حتى تَضرَّعتُ عندها
وأنبأتُها ما رخّص اللهُ في اللَّمَمْ
اللمَم: صغار الذنوب.
إذا قلتُ هاتي نوّليني تبسّمَت
وقالت: معاذَ الله مِن فعلِ ما حَرُمْ
فما ناولَتْ حتى تَضرَّعتُ عندها
وأنبأتُها ما رخّص اللهُ في اللَّمَمْ
اللمَم: صغار الذنوب.
وقال أبو الحسن المدائني: هَوِيَ بعضُ المسلمين جاريةً بمكّة، فأرادها، فامتنعتْ عليه، فقال على لسان عطاء بن أبي رباح:
سألتُ عطا المكّيَّ هل في تعانُقٍ
وقُبلةِ مُشتاقِ الفؤاد جُناحُ؟
فقال: معاذَ الله أن يُذهِبَ التُّقى
تَلاصُقُ أكبادٍ بهنّ جِراحُ
فقالت: آلله سألتَ عطاءً عن ذلك=
سألتُ عطا المكّيَّ هل في تعانُقٍ
وقُبلةِ مُشتاقِ الفؤاد جُناحُ؟
فقال: معاذَ الله أن يُذهِبَ التُّقى
تَلاصُقُ أكبادٍ بهنّ جِراحُ
فقالت: آلله سألتَ عطاءً عن ذلك=
فقال لك هذا؟! فقال: اللهمّ نعم! فزارَتْه، وجعلت تقول: إيّاك أن تتعدّى ما أفتاك به عطاء!
ومن خبر الخُبثاء اللئام في هذا خبرُ بشار بن برد في قوله:
أتَتْني الشمسُ زائرةً
ولم تكُ تَبرَحُ الفَلَكَا
تقول وقد خلوتُ بها:
تكلَّمْ واكفِنِي يَدَكَا
ومن خبر الخُبثاء اللئام في هذا خبرُ بشار بن برد في قوله:
أتَتْني الشمسُ زائرةً
ولم تكُ تَبرَحُ الفَلَكَا
تقول وقد خلوتُ بها:
تكلَّمْ واكفِنِي يَدَكَا
وتذاكر عليُّ بن الجهم يوما ومحمد بن عروس، فقال ابن الجهم: أنا أشعر الناس حيث أقول:
ألا رُبّ ليلٍ ضمّنا بعد هجعةٍ
وأدنا فؤادًا من فؤادٍ معذَّبِ
فبِتنا جميعًا لو تُراقُ زجاجةٌ
من الخمر فيما بيننا لم تَسرّبِ
أراد أنه من شدة التصاق جسدَيْهما لو سُكب بينهما خمر لم يتسرّب إلى الأرض.
ألا رُبّ ليلٍ ضمّنا بعد هجعةٍ
وأدنا فؤادًا من فؤادٍ معذَّبِ
فبِتنا جميعًا لو تُراقُ زجاجةٌ
من الخمر فيما بيننا لم تَسرّبِ
أراد أنه من شدة التصاق جسدَيْهما لو سُكب بينهما خمر لم يتسرّب إلى الأرض.
فقال له ابن عروس: قد أحسنتَ والله! ولكني أشعرُ منك حيث أقول:
حيِّ المنازلَ من نجدٍ وليلتَنا
بفَيْدَ إذ جَسَدَانَا بيننا جَسَدُ
كم رام فينا الكرى من لُطفِ مَسلَكِه
يومًا فما انفكّ لا خدٌّ ولا عَضُدُ
حيِّ المنازلَ من نجدٍ وليلتَنا
بفَيْدَ إذ جَسَدَانَا بيننا جَسَدُ
كم رام فينا الكرى من لُطفِ مَسلَكِه
يومًا فما انفكّ لا خدٌّ ولا عَضُدُ
ولم أرَ أعقلَ ولا أكمل من مِهيار الدَّيْلمي يومَ خلا، وذلك إذ قال وأحسن:
ولله نفسٌ مِن نُهاها عَذُولُها
ومِن صَونِها -يومَ العُذَيب- رقيبُها
لكل مُحبٍّ يومَ يَظفَرُ رِيبةٌ
فسَلْ خَلَواتي: هل رأتْ ما يَريبُها؟
إذا اختَلطَتْ لذّاتُ حُبٍّ بعَارِهِ
فأَنعَمُها عندي الذي لا أُصيبُها
ولله نفسٌ مِن نُهاها عَذُولُها
ومِن صَونِها -يومَ العُذَيب- رقيبُها
لكل مُحبٍّ يومَ يَظفَرُ رِيبةٌ
فسَلْ خَلَواتي: هل رأتْ ما يَريبُها؟
إذا اختَلطَتْ لذّاتُ حُبٍّ بعَارِهِ
فأَنعَمُها عندي الذي لا أُصيبُها
وروى الأصمعي عن أعرابي أنه قال: خرجتُ في ليلةٍ ظلماء، فإذا أنا بجاريةٍ كأنها عَلَمٌ، فأردتُها، فقالت: ويلك! أمَا لك زاجرٌ من عقلٍ إذا لم يكن لك ناهٍ من دين؟ فقلتُ: إيهًا والله ما يرانا إلا الكواكب! فقالت: وأين مُكَوْكِبُها؟
جاري تحميل الاقتراحات...