نقد التقليد: أبو البركات البغدادي روجر بيكون وابن تيميَّة وفريدريك نيتشه!
من الملاحظات المهمة التي أشار إليها الفيلسوف أبو البركات البغدادي -بعد أن عرض معتقد الفلاسفة الإسلاميين المتعلق بالعالم وصدور الأشياء عن العلة الأولى- مشكلة التقليد والتسليم والمتبعة لديهم دون تدقيق.
من الملاحظات المهمة التي أشار إليها الفيلسوف أبو البركات البغدادي -بعد أن عرض معتقد الفلاسفة الإسلاميين المتعلق بالعالم وصدور الأشياء عن العلة الأولى- مشكلة التقليد والتسليم والمتبعة لديهم دون تدقيق.
والدارس لتلك العقائد الفلسفية يدرك أنها تصورات وضعية خرافية، تواطأ عليها كثير من الفلاسفة وتلقوها كالوحي المقدس، مع العلم أن ها عارية عن الدليل الشرعي والعقلي معًا، ومع غرابتها وسذاجتها وخلوها من البرهان إلا أنهم تلقوها بالقبول والتسليم.
يقول أبو البركات البغدادي: "وهذا الذي نُقِلَ عن شيعة أرسطو، وما خالفهم عليه مخالف ولا اعترض فيه معترض، وهو بالأخبار النقليَّة أشبه منه بالأنظار العقليَّة". وهذا حق، فإن نظرية الفيض نقل ومتابعة بحت ليس عليها دليل عقلي، ومع ذلك اعتبروها من أسس الفلسفة المتعلقة بعلاقة العالم بالله!
وقد إشار ابن تيميَّة إلى أن معظم الفلاسفة من جملة المقلدة الذين لا يختلفون عن معظم رجال الدين -وغيرهم- في هذا الجانب، مع زعمهم تقديس العقل والنظر والتحرر وغير ذلك. لكنهم إذا قال أرسطو شيئًا يخالف العلم التطبيقي الذي يرون نتائجه بأعينهم، فإنهم غالبًا ما ينحازون إلى معلمهم الأول!
يقول ابن تيميَّة: "تجدهم عند التحقيق مقلدين لأئمتهم فيما يقولون إنه من العقليات المعلومة بصريح العقل، فنجد أتباع أرسطو يتبعونه فيما ذكره من المنطقيات والطبيعيات مع أن كثيراً منهم قد يرى بعقله نقيض ما قاله أرسطو، وتجده لحسن ظنه به يتوقف في مخالفته أو ينسب النقص في الفهم إلى نفسه".
وهذه حقيقة تشمل كثيرًا من الفلاسفة، فحين يصطدم علمه ومعرفته بما يخالف معلمه، تجده ينحاز للثاني! فابن سينا -مثلاً- حين يصطدم بكلام شيخه أرسطو ومناقضته لكلام الأطباء الذين ابن سينا نفسه منهم بل هو من أبرعهم، نجده ينحاز كثيرًا إلى معلمه الأول، مع إقراره بأن الأطباء يقول خلاف ذلك!
ولهذا قال عنه روجر بيكون (١٢٩٢م): "ابن سينا، إمام مقلدي أرسطو وشراحه". وينتقد روجر بيكون ابن سينا في تسليمه لمعلمه أرسطو فيما يعلمه هو في الطب، فيقول: "لكن ابن سينا يقول إنه على الرغم من أن رأي الأطباء هو الأكثر وضوحًا…إلا أن رأي الفيلسوف أي أرسطو هو الأصدق"!
ويستمر التقليد والتسليم عند الفلاسفة في أوروبا حتى في عصور النهضة، فقد سلموا بما قرره معلمهم الأول أرسطو، حين أكَّد على أن الأرص ثابتة، وأن العالم السماوي (ما فوق عالم الأرض=عالم الكون والفساد) عالم إلهيٌّ كاملٌ مثاليٌّ خالٍ من العيوب. لقد كان كلامه واقعيًا في غاية القداسة لديهم.
وحين جاء العالم غاليليو، وشكك في عقيدة أرسطو من خلال ملاحظاته العلمية المبنية على التلسكوب الخاص به، مثَّلَ ذلك تحديًا عظيماً للنظرة الأرسطية السائدة بين تلاميذه الفلاسفة، فكان أول من هاجمه -وقبل الكنيسة الكاثوليكية- الفلاسفة، وشنوا عليه حملة شديدة لأنه تجرأ وشكك في كلام أرسطو!
وفي العصر الحديث، انتقد فريدريك نيتشه الفلاسفة من هذه الحديثية أيضًا، ونبَّه إلى أهمية الحذر من آرائهم، التي كثيرًا ما تتابعوا فيها على الخطأ، والأشد أن لديهم -كما يقول نيتشه- حساسية مفرطة تجاه النقد الموجه إليهم، فهم "يعترضون بشدة على المس، حتى لو من بعيد، بمشكلة صدقيتهم".
وينتقدهم فريدريك نيتشه في أن آراءهم الفلسفية في الحقيقة: "تأكيد اعتباطي، وفكرة غريبة، وحدس، وغالبًا هي أمنية غالية جدًا..يدافعون عنها بحجج اخترعوها…كلهم محامون، وغالبًا مدافعون مراوغون عن أحكام مسبقة، والمُعَمَّدة من قبلهم على أنَّها حقائق".
جاري تحميل الاقتراحات...