ومما زاد الطين بلة انه كان يخفي نصف الجراية التي قبلها الشيخ لضمه الى باقي الاطفال على مضض وذلك بسبب فقر امه ولكونه يتيم. ولكنه لم يكن لديه اي اهتمام بالحفظ او التعلم.. وكان دائما يحاول شغل باقي الاطفال عن متابعة الشيخ وترديد الآيات وراءه الأمر الذي دفعه لطرده نهائيا
2
2
كان غريب ضعيف البنيان كسول لا يحب الحركة ولا يريد ان يشارك في جمع المحصول مع اقرانه رغم فقر امه الشديد وعدم وجود اي دخل لها فقد كانا يعيشان على الصدقات وما يبعثه لهم اهل الخير من بقايا طعام او ملابس قديمة وعندما كبر وصار سنه يسمح بالعمل مع التراحيل رفض ذلك وظل على حاله
2
2
إما جالسا على ضفة الترعة او متجولا يرازي في باقي الاطفال ويتشاجر معهم فلم يكن محبوبا باي حال وكان الجميع يتجنبه ولا يشاركونه اللعب معهم حتى ضاق بوحدته ومل من تهميشه وتجاهله فالناس يمرون من حوله لا يكاد الواحد منهم ينظر اليه او يراه كأنه والعدم سواء فخطرت له فكرة
3
3
اذا انه اثناء جلوسه الطويل الى جوار الترعة كان يلاحظ بين الحين والآخر سيدات كثر واحيانا رجال يتوافدون على مقام سيدي الحلي ويقراون الفاتحة ثم يشعلون شموعا ويضعون نذورا واحيانا تدخل بعض النساء الى داخل المقام وتغيب بعض الوقت قبل ان تخرج قافلة الى حيث اتت. فنزع سعفة من نخلة
4
4
وذهب امام المقام يكنس بها التراب ويرش الماء حوله.. مما اثار دهشة الناس وتعجبوا من امره.. فلم يعهدوا عليه ان يعمل عملا نافعا ابدا.. وعندما ساله الحاج على الحلي حفيد الشيخ صاحب المقام وحامل مفتاحه قال له انه رأى رويا اتاه فيها سيدى الحلي وطلب منه فعل ذلك
5
5
و فرح بهذا على الحلي وعده معجزة من معجزات جده واخذ يحكي للناس كيف ان جده ولي الله قد جعل من هذا العاطل خادما له لولا انه تضايق بعد ذلك من ان بعض الزوار يقدمون لغريب نصيبا من الطعام او الفاكهة فحذرهم من تقديم اي اموال له بدلا من وضعها في صندوق النذور وادعى ان تلك اوامر جده
6
6
الذي اتاه في المنام واخبره ان المال يفسد غريب وان تقديم اي مال له حرام ويغضب الشيخ.. ومع ذلك استمر غريب في كنس الارض وتنظيفها حول المقام ورشها بالماء لما رآه من اعجاب في عين المارة وما ناله من طعام وفاكهة وان كان يحمل في داخله حقدا على على الحلي الذي كان واثقا انه دجال
7
7
وانه لم ير جده في المنام كما ادعى ليحرمه من الصدقات والنذور والعطايا وكان ينتهي من الكنس والتنظيف ويجلس بالقرب من المقام الذي يقع في احد اطراف القرية وبالقرب منه بيت اقرب للعش (الخص) منه لكونه بيتا فهو في جزء صغير منه مبني بالطين اما بقيته فمن فروع الاشجار وسعف النخيل
8
8
كان هذا هو بيت الشحات الذي يسكن فيه مع زوجته هدية وابنتهم الخرساء التي لا يعرف اسمها فالكل يشيرون لها بلقب الخرسا ولا يذكر احد اسما لها غير ذلك. والشحات ليس متسولا بل هذا هو اسمه ولكنه يعمل مع التراحيل فيخرج من بعد الفجر ولا يعود قبل أذان العشاء.. ولكنه لاحظ ان عوض خال هدية
9
9
يحضر يوميا بعد صلاة الظهر ومعه خبز وشئ من طعام فيظل حتى قبل اذان العصر ليغادر بيت الشحات عند ذلك فقال في نفسه "صحيح الخال والد، ليتني لي خال مثله ياتينا بالغذاء انا وامي كل يوم" وبينما هو غارق في افكاره سمع همسا وبكاءا من سيدة تقف على نافذة المقام وتبكي متوسلة
10
10
كانت السيدة غريبة ليست من القرية وهذا شئ عادي فكثير من النساء يفدن من قرى مجاورة.. وكانت تبكي متوسلة وتهمس "وحياة النبي لا تساعدني يا سيدي الحلي انا هتطلق لو مخلفتش وحماتي مبهدلاني وجوزي مبقاش طايقني.. ساعدني يا سيدي وندر عليا وزتين والله باربيهم من دلوقتي" ولكن فجاة
11
11
ظهر على الحلي وقال لها انتي جايه عشان الحمل؟ قالتله اه انت سيدي على الحلي انا عارفاك.. ابوس ايدك تشفع لي عند سيدي الحلي "وفعلا همت بتقبيل يده فسحبها وهو يستغفر الله.. وقال لها الى طالبة بركة الحمل بتدخل تنام جنب المقام وتطلب البركة مش من بره عالشباك" قالت له "الباب مقفول"
12
12
قال لها " انا هفتحه واسيبه موارب تدخلي وتقفلي وراكي " فقالت له "حاضر اعمل اي حاجة بس انول المراد" فقال لها "هتنولي.. سيدك الحلي سره باتع" انكمش غريب في مكانه وكتم انفاسه حتى لا يلاحظ احد وجوده ملتصقا بالجدار في جانب المقام، وفتح على الحلي الباب ودخلت السيدة واغلقته خلفها
13
13
وساد الصمت فلم يعد غريب يسمع صوتا.. فدار حول المقام ونظر من النافذة فلم ير او يسمع شيئا فذهب الى الباب والتصق به يسترق السمع ووجد فيه شقا صغيرا فنظر منه.. كانت السيدة نائمة بجوار المقام على فرش يبدو انه معد لذلك ووجهها للمقام وقد امسكت بطرفه واخذت تهمس بما تريد
14
14
وفي خفة نام على الحلي من خلفها واحتضنها من ظهرها فالتفتت له وحاولت التخلص منه وهي تقول "ايه ده.. بتعمل ايه ؟"و لم يستغرق الامر طويلا حتى استسلمت له وكاد غريب ان يجن وفكر في ان يطرق الباب عليهم.. ولكنه فكر قليلا.. اذ ماذا سيستفيد لو فضح على الحلي؟ اليس الافضل ان يبتزه!!
15
15
وهكذا ظل واقفا على الباب حتى خرج منه على الحلي فراى غريب أمامه يبتسم ابتسامة ذات مغزى ثم قال له "نقول نعيما واللا بيقولوا ايه؟ صباحية مباركة 😅" نظر له على بنظرات تقدح شررا من عينيه.. وقال له " انت بتتصنت عليا يا بن ال.." فقاطعه غريب قائلا "لا متفتكرنيش عيل صغير وحتهتني"
16
16
خرجت السيدة وقد امتقع وجهها وظهر عليها الذعر وقالت " وسعولي انا عايزة امشي " فقال لها غريب " مش هتمشي من هنا لا انتي ولا هو الا بفضيحة " فلطمت السيدة خدها وقالت " لا والنبي ابوس ايديكم انا مش حمل جرسه وفضايح " فقال له على الحلي " انت عايز ايه يا وله دلوقت " رفع غريب اصبعه وقال
17
17
"جنيه" هتف على الحلي قائلا " انت اهبل واللا مجنون؟ اجيبلك منين انا جنيه دلوقت!! " قال غريب "اتصرفوا مع بعض ماليش دعوة" فخلعت المراة قرطها من اذنيها وقالت له خد ده وبيعه وسيبني امشي،، احمر وجه علي وقال بغيظ.. ده يجيبله 3 جنيه كتير اوي كده.. فتركته المراة وقالت يبعد عني وخلاص
18
18
وولت هاربة بعيدا عنهم.. فقال له على انت مش كنت عايز جنيه؟ هات الحلق وهروح اجيبلك الجنيه.. فكر غريب قليلا فهو لا يعرف كيف ولا اين يبيع هذا الحلق فالافضل له ان يبيعه لعلي ولكنه قال له" تاخده بجنيه ونص" وبدأ فصال بينهم انتهى على ان يدفع على لغريب جنيه وربع
19
19
وعندما عاد له بالمبلغ واخذ الحلق فوجئ غريب ان على على عكس ما كان يتوقع يضحك ويلاطفه ويمزح معه.. بل انه اتفق معه على تكرار تلك التمثيلية كل مرة مادامت مربحة وتأتي بالذهب
......
نلتقي في الفصل الثاني
......
نلتقي في الفصل الثاني
حتى ان علي صار هو من يرجوها ان تمضي لحال سبيلها واضطر لضرب غريب وهو يغمزه بدعوى انه قادر على حمايتها ولكن ما ان ابتعدت حتى انهال بضرب حقيقي وموجع على غريب فقد احس انه صار عبئا عليه وأنه بذلك يخسر سمعة المكان وقد لا يأتيه احد بعد ذلك فطرده وهدده بالقتل ان نطق او حتى أشار لشئ
22
22
ونظرا لثورة علي الحقيقية والشر الظاهر في عينيه فقد خاف منه غريب فعلا واقسم انه لن ينطق بحرف حتى يكف عن ضربه فقد كاد يقتله فعلا، وهكذا عاد غريب منبوذا وحيدا. ولكنه لم ينسى هوايته في التجسس والابتزاز فكان يراقب هؤلاء الذين يتسللون بين اعواد الذره ليمارسوا الغرام المحرم
23
23
ثم يفاجئهم بالظهور فجأة اثناء ذلك ويبدأ في مساومتهم وتهديدهم ولكن ما العمل وتلك القرية فقيرة واهلها معدمون فمهما ابتز وساوم فقد يحصل على بيضة او اثنتين وربما رغيف خبز او قطعة جبن قديمة هل كل ما يستطيع الذين ابتزهم منحه اياه ليسكت.. ولكنه لعدة ايام لاحظ شيئا اثار فضوله
24
24
اذ كلما حضر خال ام الخرساء الي بيتهم تخرج الخرساء خارجه وتبقى بالخارج حتى يخرج الخال لتدخل هي.. فاخذ يحوم حولها ويحاول عقد صداقة معها ويقدم لها احيانا بيضة ورغيف خبز كانت تفرح بهما ايما فرح حتى اطمأنت له.. فسالها لماذا تخرج كلما أتى الخال الى بيتهم ولا تدخله إلا بعد انصرافه؟
25
25
فقالت له بلغة الاشارة التي صار يفهمها بعد ان صاحبها لعدة ايام. انه لا يحبها ولا يطيق رؤيتها وانه كلما رآها يضربها ويسبها فاتفقت معها امها على ان تخرج عند حضورة ثم تعود حين ينصرف واخبرته ان أبوها تقريبا لا ينفق على البيت شيئا بل ياتي لينام فقط وان الخال هو الذي ينفق عليهم
26
26
حتى المعسل الذي يدخنه ابوها بعد ان يتناول عشاءه مع كوب الشاي يحضره الخال معه لان ابوها فقير للغاية واجره من التراحيل لا يكفي لشئ.. اخذ غريب يفكر ويقول لنفسه "غريب امر هذه القرية، الكل فيها يدعي الفضيلة ويثور ويغضب لو مستها شبهة عابرة بينما تسبح فوق بحر من النجاسة والخطايا
27
27
وأسر في نفسه ان يفعل شيئا يكشف له لغز ام الخرساء وخالها.. كان سقف بيتهم من بقايا صاج خلفة جمالون قديم من ايام الانجليز فأخذ منه من اخذ حاجته وجعل منه الشحات سقفا لبيته وغطاه بسعف النخيل وجعلة مستندا على اعواد قطعها من نخلة قديمة فلما حضر الخال وخرجت الخرساء تسلل من جانب البيت
28
28
وتسلق حائطه حتى وصل للسقف فسار فوقه على يديه ورجليه يلتمس فتحة تمكنه من رؤية ما يحدث داخل البيت واخذ يتسمع فكان صوت الخال وام الخرساء يصله ولكنه لا يميز كلامهم حتى سكت الصوت تماما فقرر ان يحرك لوحا من الواح الصاج برفق حتى يفتح ثغرة يمكنه الرؤية من خلالها.. ولكن ما ان حركه
29
29
حتى انهار هذا الجزء من السقف وسقط مع لوح الصاج الي ارض البيت ولحقه لوح آخر شج رأسه بينما كانت ساقه قد كسرت من اثر السقوط.. فصرخت ام الخرساء واخذت تهتف "حرامي الحقونا يا ناس" واسرع الفلاحون من الغيطان المجاورة الى البيت كما اجتمع بعض المارة الذين كانوا قريبين بالصدفة
30
30
ولكن الخال صاح فيهم لا حرامي ولا حاجه يا عالم دي ولية مهبوشة.. انا كنت قايل للولا غريب يصلح حاجه في السقف ووقع بيه " واجتمع الناس ورفعوا غريب فوق حمار وذهبوا به الى حلاق الصحة الذي عالج النزيف في راسه وساقه وطلب منهم احضار المجبراتي لان ساقه كسرت وظل غريب يصرخ من الالم ويبكي
31
31
فقد استغرق حضور المجبراتي من قرية اخرى وقتا مر عليه كأنه سنوات من الالم ودفع الخال اجر المجبراتي وحلاق الصحة وحملوه الى بيت امه مرة اخرى وتركوه هناك بعد ان قام الخال باحضار بعض الطعام واعطاها بعض النقود لترعاه حتى يشفى.. اخذت ام غريب تدعو للخال بينما غريب يلعنه في سره
32
32
وقد اعتبر ان كل ما فعله الخال انما ليتستر على جريمته الفاحشة ولكن ماذا يمكنه ان يقول وهو لم يسمع او يرى شيئا ذا بال يمكن ابتزازه او فضحه به.. كانت امه تساله كل يوم لماذا يكرهك الناس الى هذا الحد؟ ماذا فعلت لهم؟ لقد فرحوا بكسرك وتمنوا موتك؟ كان ينظر لها ببلاده ويسب الناس جميعا
33
33
اربعون يوما مضت وهو حبيس البيت لا يغادره ولا ياكل الا فضلات تتسولها امه فلم يعد احد يعطف عليهم ويعطيهم دون سؤال كما كان الحال من قبل وحتى من يرثى لحال الام يتراجع عن اعطائها كرها في غريب فقد انتشر الكلام في القرية عن شره وأذاه وكانت الحكايات خيالية كلها بالطبع حتى صوروه شيطانا
34
34
وبالفعل قرر غريب ان يكون الشيطان نفسه وان ينتقم من كل هؤلاء البشر الذين لم يعطفوا عليه ولا رحموا ضعفه يوما واستطاع ان يقنع نفسه انه ضحية القدر والظروف والناس فلم تعد في قلبه ذرة من إيمان بل امتلأ حقدا وغلا وكراهية حتى لأمه المسكينة وما ان شفيت جراحه حتى خرج وقد نوى على شئ
35
35
فقد كان يحلم دائما بالهروب من هذه القرية الى المدينة الواسعة وكان يسمع ان هناك آله بخارية ضخمة تتحرك بالفحم ويسمونها القطار تمر على قرية مجاورة وان الاولاد يقذفونها بالحجارة لتهدئ من سرعتها فيتسلقونها ويركبون على سطحها لتذهب بهم الى المدينة وربما كانت تصل حتى لمصر (القاهرة)
36
36
حيث الدنيا هناك على حقيقتها.. عالم كبير لا يهتم فيه احد باسمك ولا عنوانك ولا اصلك ولا فصلك وفيها الف شارع كل شارع اكبر من قريتهم بمرات وبيوتها مبنيه فوق بعضها البعض يسكنها الناس ويصعدون اليها بسلالم عجيبة وفيها سيارات ليست كسيارة النقطة ولكنها صغيرة يركبها اثنين او اكثر
37
37
وايضا كبيرة يركبها العشرات من البشر.. انها حقا مدينة العجائب! وقد عزم ان يقوم بتلك المغامرة ويرحل من تلك القرية الى الابد.. ومشى خاوي الوفاض لا يحمل زادا ولا معه مال يعينه على اي شئ وفي الطريق الى خارج القرية لمح الخرساء خارج بيتها فتوجه ناحيتها وسالها عن الخال
38
38
فقالت له انه لم يعد ياتي بانتظام مثلما كان يفعل وانه قد يمضى اسبوعا او اثنين لا يسال عنهم ولا يحضر لهم طعاما او يعطيهم اموال.. ثم قالت له انت السبب فمنذ ذلك اليوم المشئوم الذي وقعت فيه داخل البيت وقد انقطع عنا.. فسالها لماذا هي بالخارج.. فقالت له انها جائعة وتتسول من المارة
39
39
فقال لها انه اخفى بيضا وجبنا وخبز في غيط الدرة هذا.. واشار الى غيط قريب وانه يمكنها ان تاتي وتقتسم معه كنزه.. فذهبت معه.. وعندما توغلا في الغيط هجم عليها واغتصبها ثم تركها تلعق جراحها وركض بسرعة الى بغيته
....
نلتقي في الفصل الثالث
....
نلتقي في الفصل الثالث
يتسلقونه كأنه عمل روتيني يمارسونه كل يوم وتلك حقيقية فمنهم طلبة ومنهم عمال ومهنيين وحرفيين يذهبون يوميا الى حيث يريدون بهذه الطريقة، ثم انه لا سبيل امامه للتراجع فسوف تجتمع القرية على قتله والتمثيل بجثته بعد فعلته مع الخرساء لا حبا فيها ولكن بغضا له وانتقاما منه
42
42
وهكذا استجمع قوته وشجاعته كلها وقفز على القطار محاولا تسلقه مثل الباقين ولكنه ما ان تعلقت يده بالسطح حتى فلتت قدمه وكاد يقع تحت عجلات القطار لولا ان شخصا ما سند قدمه من نافذة القطار وهو يقول "كنت عارف انك غشيم وهتقع ياحمار يابن الحمار، حد يشد ايده يا جدعان يالي فوق"
43
43
وانضم للرجل عددا من الناس يحملون غريب من ساقيه وفخذيه ويدفعونه الى اعلى بينما تطوع احدهم بجذبه من يده وآخر من ياقة جلبابه حتى صعد على سطح القطار واخذوا يلعنون ابوه وامه واجداده اجمعين ويقولون له "احنا ناقصين عطلة يخرب بيت ابوك حد يطلع عشان يسطح من نص عربية القطر ياحمار"
43
43
فجأة خطر على عقل غريب ان يبدي لهم انه اخرس حتى لا يساله احد عن شئ ولا يضطر للرد فصاح فيهم " ابه ابا ابه " فضحكوا جميعا وقالوا له " واخرس كمان؟ يخرب بيت ابوك طب رايح فين بعاهتك دي " وما هي الا دقائق حتى نسيه الجميع والتهى كل منهم في شانه واهتم بهمومه
44
44
وقد اجلسوه في منتصف سطح القطار حتى لا يقع فلم يمر وقت طويل حتى شعر بالأمان وأخذ يتطلع الى الغيطان حوله والاشجار التي تمر مسرعة بينما القطار يمخر عباب الارض بينها و بينما يسير ينشد ركاب السطح " ياوابور يا مولع حط الفحم وبقول لك ولع حط الفحم "فاذا اقترب من قرية انشدوا
45
45
"اوعى البعبع مستنيك، راح يتغدى ويفطر بيك" فيبطئ القطار واذا لم يبطئ كفاية امطره اطفال القرية بالحجارة فيبطئ جدا وفهم من حديث الناس حوله ان هذه الكلمات التي ينشدونها هي شيفرة يفهمها السائق حيث لم تكن المزلقانات متوفرة في اغلب القرى فكان انشاد "حط الفحم" يعني ان يجري بسرعته
46
46
اما انشاد " اوعى البعبع مستنيك " يعني انه مقبل على قرية يعبر الناس فيها بين جانبيها فعليه ان يتمهل والا قذفه الاولاد بالحجارة، وبالطبع كلما ابطأ في سيره ستجد اناسا من اهل السطح ينزلون بعد ان وصلوا لمحل اشغالهم او آخرين يصعدون ليذهبوا الى اشغالهم بينما كان هناك رجل اربعيني
47
47
كان قد اشعل موقدا صغيرا (سبرتاية) لعمل الشاي واخذ يشربه كأنه جالس في مصطبة بيته وهو يؤكد للناس ان الحكومة لا يمكن ان تمنع التسطيح على القطارات لأن ركاب السطح هم ادلة السائق على مواضع الخطر والامان وهم ايضا من موقعهم فوق السطح يرون على مسافة ابعد مما يراها السائق فيحذرونه
48
48
من اي اخطار او عقبات في طريقة.. وفجاة التفت الى غريب وساله الى اين انت ذاهب.. فقال له غريب "ابه ابا ابا" فأخذ يحاول فهم قصده بالاشارة حتى قال احدهم انه يقصد مصر.. فقال الرجل لا اياك ان تستمر لمحطة مصر فسوف يقبضون عليك.. انزل في قليوب واكمل طريقك بالاوتوبيس او اي طريقة ولو مشي
49
49
ثم اوصى احد المرافقين ان يدله عند الوصول لقليوب لينزل ثم فك منديله واخرج منه خبزا وجبنا وهكذا فعل معظم الآخرين وكان غريب يكاد يهلك جوعا فلما لاحظ الرجل انه لا يحمل طعاما اعطاه نصيبا مما معه وهكذا فعل من حوله حتى صار ما وضع امامه من طعام اكثر من ايهم فاكل واستغرق في نوم طويل
50
50
فجاه وجد. رفيق رحلته الذي اوصاه الرجل بتبيهه للنزول ييقظه من ثباته الطويل وهو يصيح فيه " اصحى يابني كل ده نوم؟ هننزل خلاص " فاستيقظ وهم بالنزول ولكنه وجد القطار مازال يتحرك وان كان ابطأ كثيرا فخاف من النزول واشار لرفيقه انه لن ينزل والقطار يتحرك فقال له الشاب انه لن يقف تماما
51
51
الا في المحطة وفي هذه الحالة ربما يقبض عليه البوليس. فرفض رفضا قاطعا ان يحاول النزول اثناء تحرك القطار مما دعا الشاب ان يتركه ويقفز هو فلم يعد على سطح القطار غيره وعندما وصل القطار الى المحطة شاهد فعلا بعض افراد الشرطة واقفين يراقبون نزول الركاب وصعودهم فزحف الى منتصف السطح
52
52
حتى لا يرونه وانتظر حتى تحرك القطار مرة اخرى ولكن الى القاهرة فظل منبطحا على وجهه حتى توقف القطار تماما وفي محطة مصر فوجئ ان المكان يمتلئ بعدد كبير من رجال الشرطة اكبر من هؤلاء الذين كانوا في المحطة السابقة بكثير فزحف مرة اخرى ولكن كان احد المخبرين قد لمحه واشار اليه فصعد
53
53
احد الجنود وقبض عليه واقتاده الى نقطة الشرطة حيث كان احد الضباط هناك فساله عن اسمه ومن اين جاء فاستمر في ادعاءه الخرس واخذ الضابط يستجوبه ليعرف من اين جاء وما محل اقامته وهو يشير باشارات مبهمة الى ان قال احد الواقفين انه من السيدة زينب. ولا احد يعلم كيف استنتج هذا ولكنه اراد
54
54
ان ينهي الموقف بادعاء الذكاء على ما يبدو فأمر الضابط بترحيله الى قسم السيدة زينب وهو ما حدث بالفعل وتم تسليمه هناك حيث اخذت بصماته واودع حجز القسم وهناك استقبله شخص ما واخذ يساله عن هويته وفيما جاء فلما رآه اخرس ضربه فتدخل شاب يبدو انه له سلطة في الحجز وسب هذا الذي ضرب غريب
55
55
وكاد ان يضربه واخذ غريب واجلسه ونبه على الجميع الا يؤذيه احد. كان هذا الشاب يدعى سيد الحرامي وهو لص ونشال لكنه يحكم الزنزانة ويحقق الانضباط فيها ولا يرضى بأذية احد دون ذنب وان كان يبطش بمن يخالفه بطشا شديدا فكان الجميع يخافونه ويعملون لغضبه الف حساب والغريب انه عندما اذن الظهر
56
56
فقد توضأ ووقف يصلي.. مما اثار دهشة غريب فكيف يكون لصا كما يقولون ويصلي بهذا الخشوع.. وبعد قليل اتت زيارات بالطعام وبالطبع لم يسال عن غريب احد فدعاه للاكل معه وبعدها امر بتوسعة المكان لينام الولد فالاعياء والتعب باديان على وجهه، وفي المساء حضر رئيس المباحث واستعرض المحجوزين
57
57
واخذ ينظر حوله بدهشة واعجاب شديدين فياله من عالم سحري عجيب تجوب فيه السيارات بأنواعها الشوارع فمنها من تجره الحمير ومنها ما هو عجيب يركبه واحد او اثنين ويسير دون ان تجره دواب او يشعل فحما كالقطار ومنها ما هو كبير جدا اكبر من اي بيت في القرية يحتشد فيه الركاب حشدا
59
59
وقد انبهر بالترام اكثر من اي شئ آخر واخذ يتأمله ويتامل ركابه كانه يرى اعجب العجائب واخذ ينظر للمباني وللناس الذين يطلون من شرفاتها كأنه ينظر لجان او ملائكة ليسوا بشرا عاديين واندهش ان الكل يمضي الى حال سبيله غير مبال بوجود غريب بينهم فلا احد يساله عن شئ وكانهم لا يرونه
60
60
وفجاة حدثت جلبه في المكان وراي الناس يتدافعون نحو المسجد حتى ان بعض الجالسين يتحدثون على الرصيف المقابل قد تركوا حديثهم واسرع كل منهم كانه يسابق اقرانه نحو هدف محدد فاتجه نحو هذا الذي يتزاحمون حوله وكانت سيدة ومعها رجلين يقفون على عربة كارو عليها صندق كبير
61
61
ويخرجون ارغفة تحتوى على طعام على ما يبدو ويوزعونها على المارة فزاحم الجميع حتى وصل الى حيث تقف المراة التي نظرت اليه وناولته رغيفا ما ان فتحه حتى كاد يصعق فهو يحتوي على ارز وقطعتي لحم كبيرتين.. فانفلت من بين الناس بكنزه وجلس على الرصيف وبدا يأكل ولاول مرة في حياته....(لحما)!!
62
62
حتى الصدقات التي كانت تاتيهم كانت بعض المش او الجبن لا اكثر إلا أنه يذكر انه اكل بيضا ذات مرة كان قد تصدق عليهم به احد الرجال عندما عاد من الحج ولكنه لم يكررها مرة أخرى ابدا.. لا يذكر غريب طعم البيض ولكنه يذكر انه كان جميلا إلا أنه بالتأكيد ليس بحلاوة طعم اللحم والارز هذا
64
64
عندما فرغ من طعامه وهو جالس على الرصيف امام مقام السيدة زينب انتبه لسيقان النساء الرائحات والغاديات أمامه فهو من مكانه هذا قريب جدا من النظر لتلك السيقان بل ان بعضها تكاد تلمس وجهه او هكذا خيل اليه وغيبته عما يدور حوله الدهشة والاعجاب بنظافة تلك السيقان ونعومة كعوبها
65
65
ويبدو ان شيطانه قد اعجبه هذا الإغواء الذي غرق فيه فأوحي للسقا ان يقف أمامه مباشرة فكانت النساء تقفن بعض الوقت لتناول كوبا من الماء البارد المحلى بالماورد الذي يحمله السقا في قربته.. مما اتاح له فرصة اكبر لتأمل هذه الحديقة الغناء من سيقان النساء حتى فاجأته ساقا كأنها لحورية
66
66
نعم انها حورية هبطت من الجنة لزيارة السيدة زينب بالتأكيد فساقها البيضاء المكتنزة باللحم والمصبوبة صبا كأنها جمارة نخلة طازجة نحتها مثال بارع ومشي بعينيه من كعبها الى منتصف فخذها الذي انحسرت عنه الملآئة التي تلفها على جلباب قصير بينما الملائة تحتضنها لتبرز مفاتنها
67
67
وبينما هي تشرب ماء السقا وقد رفع راسه ليرى ذراعها الذي اطل من جانب الملائة ليقول للرائي ان الحسن فيها قد اكتمل. إذ صرخ درويش من مجاذيب السيدة.. اوعى النداهة تضحك عليك وتسحبك من عينيك توريك حلوها ولو غطست في بحرها ما تدوق الا مرها.. ففهمت انه يقصدها وقالت له مر اما يمرر عيشتك
68
68
راجل مجنون وناقص.. فلما راي تحفزها وقد رفعت حاجبها والتقطت في حركة سريعة شبشبها صاح "حي مدد يا ست مدد" وادار ظهره لها وابتعد عنها فضحك غريب حتى استلقى على قفاه كما ضحك الذين راقبوا المشهد لكنها التفتت الى انه تقريبا ينام تحتها فقالت " وده ايه ده كمان المرمي عالارض ده"
٦٩
٦٩
ثم مضت لحال سبيلها وقد تبادل ردفيها رقصة صامته هي السحر بعينه فتبعها غريب بنظره حتى ابتعدت وانصرفت عنها الانظار فقام من مكانه واخد يتبعها حتى وقفت في مكان يقف عنده خلق كثير فوقف بينهم لا يدري فيم يقفون! إلا أن بعض الرجال قد هرولوا فجأة نحو عربة قادمة وقال احدهم" الاتوبيس اهو"
٧٠
٧٠
وقفز هؤلاء الذين سبقوا على سلمته قبل ان يقف فمنهم من دلف داخله ومنه من اكتفى بقدم واحدة على السلم المزدحم فقالت بضيق " الله يخرب بيت تلات ستات وزحمته عمره ما ييحي رايق ابدا " ثم اخترقت الزحام على السلم وتبعها غريب ودخلت بين اجساد البشر المكدسة تزيح هذا وتدفع هذه
71
71
بينما يهتف احدهم " بالراحة انتي داخله خناقه يا ست " وتهتف اخرى " ما تحاسبي ياختي هتوقعينا " بينما انحشر غريب في هذه الكتلة من اللحم البشري المتلاصق فما من انحناءة للخارج فيها الا تقابلها انحناءة للداخل كأنها تعيد تركيب نفسها بين عاشق ومعشوق، ولا يعلم غريب كيف انشقت
72
72
هذه التركيبة المحكمه عن رجل يخترق الصفوف يحمل في يده قلم وفي الاخرى لوحا من خشب عليه دفاتر اوراق صغيرة فيأخذ من الركاب نقودا ويعطيهم احدى هذه الاوراق بعد ان يضع عليها علامة بالقلم فلما وصل لغريب قال له "تذاكر" فلم يفهم غريب قصده فقال له " معاك تذكرة " فرد غريب " ابه ابا "
٧٣
٧٣
فقال له انت اخرس كمان وعمل حركة باصبعيه ترمز للفلوس فلم يفهمها غريب ايضا، فدفعة امامه وهو يقول له غور في داهية انزل وجذبه من يده ليتجه به نحو الباب فقالت امراة " ياخويا حرام عليك خلي ف قلبك رحمة هتنزله عشان معوش " وقال اخر " يعني هي متجيش الا على الغلبان ما تسيبه وخلاص"
74
74
سمع السائق ما يقوله الركاب فاوقف الاتوبيس وصاح "خلاص سيبه يا محمود"فتركة الكمساري بينما يكاد يختنق من ضغط تلك الكتل البشرية عليه ويحاول عبثا اختراقها ليصل الى تلك المراة التي صعد خلفها فقط ليقف بجوارها فلم تتعد احلامه وخيالاته سوى ذلك ولكن ظهر عملاق ضخم الجثة تبرز عضلات زراعيه
75
75
ووقف خلفها مباشرة والتصق فيها بكل جسده بينما تحاول هي احكام الملائة على جسمها وتغطي راسها وذراعيها فلما شعرت بهذا الذي يكاد يغتصبها في هذا الزحام نظرت له شذرا فتجاهل نظرتها واخذ ينظر حوله تارة وفي سقف الاوتوبيس تارة اخرى وبينما غريب يحاول شق هذا السد الذي يحول بينه وبينها
76
76
دون جدوى وقد وقف يائسا متحسرا كان هذا العملاق سرق منه حقه فيها، اذ لاحظ ان رجل آخر قد التصق بسيدة ممتلئة تحاول الفكاك منه دون جدوى فكلما تحركت يمنة او يسرى احتكت فيه اكثر.. وكاد غريب ان يقع مع باقي الركاب بعد ان كبح السائق الفرامل فجأة لسبب غير معلوم وفي هذه الاثناء احتكت يده
77
77
بيد هذا الرجل الذي يلتصق بالسيدة السمينة فانغكت ساعة يده وقبض عليها غريب ووضعها بسرعة في جيبه ولما كان وقوف الاوتوبيس المفاجئ قد خلخل الكتلة البشرية ففتح ثغرة استطاع ان ينفذ منها الى حيث تقف جمارة النخل التي اغوته ليتبعها في هذا الزحام المميت ولكن ظل العملاق حائلا بينه وبينها
78
78
فوقف يراقب احتكاكه بها بحسرة وهو يتمنى لو قتله ليفوز بمكانه والغريب انه لاحظ عيونا اخرى من الركاب تراقب ما يحدث دون مبالاة او ربما بمتعة خفية وفجاة صرخت السيدة السمينة واخذت تسب الرجل صاحب الساعة التي اقتنصها منه دون قصد وهو منشغل بالتحرش بها.. اوقف السائق الاتوبيس
79
79
وتساءل الناس عن سبب صراخ السيدة التي قالت ان الرجل "الناقص ابن الكلب" حاول ان يرفع عنها فستانها وكان الرجل في هذه الاثناء قد ابتعد عنها وصار بينه وبينها عده ركاب فقال رجل كان خلفها" قصدك مين انا مقربتلكيش " فقالت له " مش انت " واشارت على صاحب الساعة " وقالت هو ابن الكلب ده"
٨٠
٨٠
فقال لها " انا بعيد عنك انت هترمي بلا عليه ليه " وقال رجل ايوه الراجل واقف بعيد عنك من ساعة ما ركب وانا شايفه " وقال آخر " متقرفوناش بقى عالصبح مش ناقصين عطلة.. اطلع يا اسطى ورانا اشغال " وقالت سيدة " حبك الشرف دلوقت دي كلها محطة واللا اتنين ايه محن الحريم ده "
٨١
٨١
فقال لها الكمساري يا ست انتي مش عايزين مشاكل خدي تمن التذكرة اهو واركبي اتوبيس تاني " فقالت سيده ما التاني زي الاولاني الي مش عاجبها تبقى تاخد تاكس " ولعنتهم السيدة جميعا وقررت ان تنزل من الاوتوبيس فاخذت تشق الزحام بينما لم ترحمها رغم ذلك الايادي والاصابع.. كل هذا حدث
82
82
بينما صاحبنا العملاق منهمك في اداء مهمته ولكن غريب كان قد استغل انشغال الناس بحكاية الست السمينة ودفع محفظة العملاق برفق لتبرز من جببه الخلفي وسحبها بخفة ووضعها في جيبه ثم تحرك ليبتعد قليلا ويراقب ما يحدث ويبدو ان العملاق قد شجعه سكوت جمارة النخل هذه فقرر ان يفك
ازرار بنطاله
83
ازرار بنطاله
83
ونزعت السيدة من منديل راسها شيئا.. لاحظ غريب انه دبوس طويل من دباببس الشعر ثم وقفت وقد تدلت يدها الى جانبها.. وفجاة صرخ العملاق " آه يابنت الكلب " وكان غريب في زاوية يستطيع منها رؤية ما فعلته فقد طعنته بالدبوس في اعز ما يملك وهنا ضحك غريب بهيستيريا وضحك بعض الواقفين
84
84
الذين كانوا يراقبون ما يحدث واستطاع العملاق ان يواري سؤته بصعوبة بينما اسرعت السيدة بالنزول عند اول الموسكي وانطلق الاوتوبيس في طريقه الى الدراسة مرورا بالازهر والحسين ولكن غريب لم يلحق بها بسبب الزحام ومع ذلك ظل لا يتمالك نفسه من الضحك وكلما ضحك ضحك باقي الركاب
85
85
فاغتاظ العملاق وهاج هياجا شديدا وهجم على غريب واوسعه ضربا حتى شج رأسه وكاد ان يقتله وتركه غارقا في دمه وقفز من الاوتبيس فنقله الناس وهو غارق في دمه الى مستشفى الحسين والقوه في ممر الاستقبال وتركوه وهو يكاد يحتضر
86
نلتقي في الفصل الخامس
86
نلتقي في الفصل الخامس
فاخذت تصيح في زملائها " حرام عليكم سايبين الواد سايح في دمه ومحدش سائل فيه عشان معوش حد! " وقالت له " تعالى ادخلك يابني " فلما مسكت يده صرخ متالما فقالت " ده باين دراعة مكسور.. حرام عليكم يا كفرة " ونادت احد العمال الذي نقله على كرسي الى عيادة العظام وهناك اوقفوا النزيف
88
88
النازل من انفه وجبسوا له ذراعه ولما خرج نادت عليه حنه وسالته عن عنوانه واين يقيم.. كان غريب قد تخلى عن خرسه المفتعل اثناء معالجته فاجابها انه قدم اليوم فقط من قريتة الواقعة في محافظة بعيدة وانه لا يعرف احد.. فقالت ولكن لماذا اتيت وحدك وماذا ستفعل وكيف تمضي هكذا بملابسك الممزقة
89
89
فلما لم تجد عنده اجابة قالت له انه بمجرد خروجه بهذا الشكل سيقبض عليه اما تحري او تسول وسيتعرض للمشاكل ثم سالته هل معك اي نقود؟ فاخرج المحفظة التي سرقها من العملاق الذي ضربه والتقط منها الاوراق التي تبدو كعملة لا يعرفها وكانت ثلاث اوراق كبيرة، فلما راتها حنه اتسعت عيناها دهشة
90
90
وقالت له حط الفلوس في جيبك.. انت جبت منين كل ده؟ فكر بسرعة وقال لها ان هذا كل ما تركته امه قبل ان تموت.. فاشفقت عليه حنة حتى كادت ان تبكي ثم طلبت من الجلوس وان يعطيها ورقة واحدة من الاوراق التي معه فاعطاها لها.. فقالت له " انتظرني هنا ولا تتحرك ولا تكلم احد "
91
91
لا يعلم غريب كيف ولماذا وثق في تلك السيدة بهذه السرعة واطمان لها ففعل ما امرته به. رغم انه رآها وقد خرجت من المستشفي.. ومضى وقت يقارب الساعة فبدأ يساوره الشك في ان تكون استولت على المال الذي اخذته وهو بالتاكيد مبلغ كبير لأنه لاحظ دهشتها عندما رات الاوراق معه.. واخذ يلوم نفسه
92
92
على ثقته بها ويفكر في الخروج وليحدث ما يحدث الا انه رآها مقبلة عليه وقد حملت اكياسا في يديها.. وجلست تلتقط انفاسها وتقول له لقد استاذنت من كاتب البوابة ربع ساعة فقط ولكنني غبت ساعة كاملة فانتظر حتى اطمئن انه لم تحدث نتيجة ذلك مشكلة.. وقامت بعض الوقت ثم عادت له
93
93
واخرجت من الاكياس التي عادت بها بعض الملابس الداخلية وجلباب ابيض واخذته الى حمام كان معها مفتاحة فادخلته فيه وسالته " تعرف تستحمي كويس واللا انده على تمرجي يحميك " فاشار الى ذراعه التى تم وضعها في الجبس. فقالت له " الامر لله نبقى ندفعله بريزة وخلاص " ثم نادت على عامل تعرفه
94
94
وطلبت منه ان يساعده في الحمام فلما وجدته متاففا قالت له " مش ببلاش ولا لوجه الله مانا عارفاكم.. خش معاه وهبقى اراضيك " ودخل معه الرجل وساعده على تنظيف جسده الذي كان في شدة القذارة والبسه الغيار الداخلي والجلباب الابيض وخرج معه فتهلل وجه حنة وقالت له ايوه كده والقمت الرجل نقودا
95
95
ثم اخذت غريب الى حلاق المستشفى الذي هذب شعره واعطته نقودا قائلة دول 50 قرش اخرج اتغدى من المطعم الي قدام المستشفى تطلب طاجن لحمة بالبصل وتدفعله 12 قرش.. تعرف؟ "فاومأ لها غريب بالايجاب فهو يعرف القرش والشلن والبريزة وحتى الريال ولكن لا يعرف غير ذلك. فاعطته النقود عشرون تعريفة
96
96
وقالت له دول كده بريزة ثم اعطته 5 قروش ثم شلن ثم ثلاثة اوراق فئة العشر قروش وفي كل مرة تشرح له وطلبت منه ان ينتظرها على المقهى المجاور للمطعم على ان يدفع في كوب الشاي قرشا واحدا لا اكثر وانها سوف تخرج له بعد انهاء عملها في المستشفى
97
97
لتدبر له مكانا ينام ويقيم فيه.. ونفذ غريب ما طلبته حنه بالضبط حتى خرجت له واصطحبته معها وقالت له ان ايجارات الشقق غرفة وصالة في حيها بجنيه ونصف شهريا ولكنها لا تضمن ان تجد له مكانا فورا وانه والحمد لله معه ما يكفي للاقامة اول شهر في احدى اللوكندات حتى تدبر له سكنا
98
98
ويكون قد استراح من اصابته وبعد فك الجبس عليه ان يبحث عن عمل وستبحث هي ايضا من جهتها.. وافهمته ان الورقة التي اخذتها منه هي عشرة جنيهات وانها اشترت له ملابس وحذاء باربعة جنيهات وقد اخذ منها نصف جنيه فيكون المتبقى خمسة جنيهات ونصف سوف يدفع منها ثلاث جنيهات نظير اقامة شهر
99
99
في اللوكاندة وعليه ان يحافظ على العشرون جنيها الاخري فلا يظهرها اذ ستكون باقي العشرة جنيهات كافية لمصاريفة حتى تاتي لتاخذه ليفك الجبس من على ذراعه.. كان غريب في غاية الدهشة من هذه المراة فلماذا تفعل معه كل ذلك.. ماهو المقابل؟ ان امه نفسها لم تحرص عليه بهذا الشكل ابدا
100
100
ولكنه آثر الانتظار حتى تفصح هي عن هدفها من خدمته .. كانا قد وصلا الى العتبة وهناك اتجها الى لوكاندة عرفت صاحبها ان غريب ابن اختها وقد جاء من البلد وتريد ان يقيم عنده حتى تعثر له على سكن قال لها الرجل ولكنه ليس اسمر مثلك فقالت بضيق " انت حشري ليه؟ ابوه فلاح يا سيدي"
101
101
لم تكن حنة تتخيل اي تاثير لما فعلته سيقع في قلب ووجدان غريب.. فهاهو في غرفة وحده فيها سرير.. لم يحلم ان ينام علي سرير قط.. كل احلامة كانت تنحصر في فرشة محشوة بالقش بدلا من الحصيرة التي ياكل ويجلس وينام عليها مع امه. فالقى بنفسه على السرير وعندما احس بنعومته قال " هي الجنة"
102
102
نام غريب كما لم ينام من قبل حتى صباح اليوم التالي عندما دق احدهم عليه باب الغرفة ففتح له ليجده شابا في مثل سنه تقريبا يحمل له طعام الافطار..(فول وفلافل وبيضة) شعر غريب وقتها انه ملك بلاد الانجليز نفسه وتناول افطاره بمتعة فائقة وهو يقول انه لن يتنازل عن تلك الحياة ابدا
103
103
لقد فقد غريب الرضا عن حياته الى الابد.. وخاصة عندما مرت الايام وعرف ان الشاب الذي ياتيه بالطعام وينظف غرفته لا تتجاوز يوميته العشرة قروش بل لقد اكتشف ان راتب ممرضة مثل السيدة حنة لا يتجاوز السبعة جنيهات شهريا.. فأي عمل سيبحث عنه وباي مقابل؟ وهو الذي لا يجيد عملا من الاصل!
104
104
عندما مر اسبوعان وحان وقت فك الجبس كانت خطة حياة غريب قد اكتملت في راسه. وعندما اصطحبته حنة لفك الجبس.. اخذ يشكرها ثم اعطاها خمس جنيهات فضربت على صدرها وقالت له بغضب" يخرب بيتك انت فاكر اني بعمل كده معاك عشان تديني فلوس؟ " ارتبك غريب وقال لها انه لا يقصد ولكنه يريد ان يشكرها
105
105
فقالت له " الشكر لله يا خويا انا لما لقيتك يتيم وتايه قلت اخدمك لوجه الله واهو هيقعدلي في عيالي انما لا عاوزة منك شكر ولا فلوس " فأخذ يعتذر لها ويطلب منها ان تسامحه حتى رق قلبها وقالت له " انت بقيت كويس من بكرة تنزل تدور على شغل، الفلوس الي معاك دي مش هتعيشك العمر كله"
106
106
هز غريب راسه وقال لها "ان شاء الله بس انا عايز انزل البلد كام يوم" فتعجبت لانها فهمت انه ليس له احد بعد امه فوافقها ولكنه قال لها انه يريد ان يبيع البيت الذي كانا يعيشان فيه.. فقالت له " خلاص استنى احاسب اللوكاندة واجيبلك باقي فلوسك " وهو ما حدث فعلا وودعها غريب
107
107
وعاد للقرية ولكن هذه المرة راكبا وقد دفع تذكرة القطار وارتدى قميصا وبنطالا كانت حنه قد اشترتهم له مع الجلباب ووضع الساعة التى سرقها في يده.. واخذ الناس ينظرون له في دهشة وهو يمشي بينهم كأنه افندي من افندية البندر.. وعلق بعضهم بسخرية وساله البعض اين كان.. فلم يرد على احد
108
108
ولم يتجه غريب الى بيت امه كما هو متوقع بل ذهب الى بيت خال الخرساء.. الذي ما ان رآه حتى قال له بغضب شديد " وليك عين تيجي لحد عندي يابن الكلب ده انا حالف لاقتلك " فضحك غريب وقال له " اهدى يا خال لا يطقلك عرق وحاسب الشرف لا يقع منك . انت فاكرني نايم ومش عارف بتروح بيت الخرسا ليه
109
109
ارتبك الخال ونظر حوله ثم قال له.. "وطي صوتك.. انت جاي ليه دلوقت".. قال غريب ضاحكا" جاي اصلح غلطتي " نظر له الخال بدهشه وساله " انت بتتكلم جد؟ " فقال غريب مش هدفع ربع جنيه مهر والماذون عليكم وهاخدها بالهدمة الي عليها.. قال له الخال متلهفا.. موافقين
110
110
قال له غريب هاخدها معايا ونسافر ومالكمش صالح بينا تاني.. قال الخال " وماله مش مراتك! انا شالله تاخدها ترميها في النيل "
وفي مساء اليوم الثاني كان غريب يمسك بيد الخرساء وقد ركبا عربة كارو اوصلتهما الى محطة القطار بعد ان ودعت امها وابيها.. وركبت معه القطار وهي تظن انها تحلم
111
وفي مساء اليوم الثاني كان غريب يمسك بيد الخرساء وقد ركبا عربة كارو اوصلتهما الى محطة القطار بعد ان ودعت امها وابيها.. وركبت معه القطار وهي تظن انها تحلم
111
فتارة تضحك وتارة تحاول ان تكلمه لتفهم اين كان ولماذا رجع ولماذا تزوجها.. وللحق كان غريب لطيفا معها صبورا عليها حتى نزلا الى محطة مصر فاصطحبها الى السيدة زينب وكانت فرحتها عارمة بهذه الزيارة حتى انها اضحكت جميع زوار المقام وهي تحدث السيدة بلسان اخرس حديثا طويلا
112
112
ومشى بها غريب في شوارع السيدة حتى استقرا جوار خرابة تقع على ناصية حارة في شارع تبدو البيوت فيه حديثة ونظيفة وهو ما اراده بالضبط.. ان يبتعد عن الطبقات الدنيا المتطفلة ويستقر هنا بين طبقة الموظفين والطبقة الوسطى.. واتجه فورا الى ماكينة اخشاب احضر منها بقايا خشب كسر
113
113
ولم يمض وقتا طويلا حتى كان هناك عشا خشبيا ملاصق للخرابة وذهب فاشترى سجادة قديمة وحصيرة ومرتبة ودخل في الكوخ مع الخرسا.. بينما الناس يروحون ويجيئون حوله دون ان يسال احد عما يفعل ولا من يكون.. وبدأ غريب يشرح للخرساء خطته التي تتلخص في انه سياخذها الى مكان مزدحم
114
114
وان بعض الرجال سيتحرشون بها ولكن عليها الا تسمح الا لمن يعطيها الاشارة بان تسمح له فتسكت او حتى تشجعه حتى يعطيها اشارة اخرى فتنزل لينزل معها بعد ان يكون سلب الرجل ما استطاع ان يسلبه منه.. الغريب انها لم تسال عن اي شئ فقط كانت تحاول ان تفهم منه بدقه ثم توافق على ما يقول
115
115
وفي اليوم التالي احضر غريب اقفاصا كبيرة فرش فوقها بعض البضائع الرخيصة كالعسلية والبمب وتلك الاشياء التي قد يحبها الاطفال وفي متناول يد افقرهم وشرح للخرساء وافهمها سعر كى سلعة ومقابلها الذي جعلها تحفظ شكله
~ نلتقي في الفصل السادس ~
~ نلتقي في الفصل السادس ~
جاري تحميل الاقتراحات...