Monzir 𓂆 منذر
Monzir 𓂆 منذر

@MonzirBashir

18 تغريدة 41 قراءة Apr 15, 2024
#قصتي_مع_الحرب
سأحكي في هذا الثريد ما شهدته منذ اندلاع الحرب إلى أن غادرت الخرطوم وسأضع الصور التي صورتها بهاتفي فقط، هذا سرد لما حدث وكيف أثرت الحرب على حياتنا في هذه الفترة القصيرة فقط، أكتبها لنفسي أولاً وللقارئ أن يتخيل ماذا حدث لمن قضى شهوراً أو عاماً كاملاً في مناطق الحرب
استيقظت في صباح الخامس عشر من أبريل ٢٠٢٣ -قبل عيد الفطر بأيام- وعرفت من التلفاز أن معركة نشبت بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في الخرطوم. وأنا أسكن مدينة بحري شمال الخرطوم، وبعدها بقليل عرفت أن جميع الكباري التي توصل بحري-أم درمان-الخرطوم أغلقت وأن البلد في حالة
حرب، وفي غضون سويعات من بداية الاشتباك انقطع التيار الكهربائي والمياه، لم يكن أحد منا يفهم ما يحدث وكانت هناك صعوبة في تناقل الأخبار بسبب انقطاع الكهرباء وسوء الشبكة أحياناً، وكان جلُّ ما تتحدث عنه القنوات هو ما يجري في القيادة العامة ومطار الخرطوم ومطار مروي، انتهى اليوم الأول.
في اليوم الثاني خرجت لأشتري أغراضاً للمنزل ولاحظت أن رفوف البقالات التي ذهبت إليها ليست كعادتها، كان الأمر كما لو أن الناس كلهم اشتروا ما يستطيعون خوفاً من أن تطول فترة الاشتباكات، وكان أكثر شيء عليه الطلب في ذلك اليوم هو الماء. هذه الصورة التقطها في بقالة بالقرب من منزلنا وقد
أخرج كل بكتات الماء أمام البقالة لأن كل الطلب تقريباً كان عليها، ونفذت الكمية قبل صباح ذاك اليوم.
في اليوم الثالث أتاني صديقي مراسل قناتي العربية والحدث وطلب مني أن أكون مصوراً له نسبة لصعوبة إلى المصور بسبب الاشتباكات، فخرجنا وأول مكان ذهبنا إليه هو المستشفى الدولي ببحري
أول شيء رأيته عند دخولي المستشفى هو جثة، جثة مجهول والمستشفى كان بها العديد من الجثث ولا يعلمون ماذا يفعلون، وباختصار كانت المستشفى -التي أغلقت بعد وقت قصير- تحتاج لكل شيء فالماء مقطوع تماماً وهنالك نقص في الكادر والمستلزمات الطبية، وهكذا كان الحال أيضاً في المستشفيات الأخرى التي
ذهبنا إليها أو تواصلت معها عبر الهاتف، كانت المستشفيات تغلق الواحدة تلو الأخرى بسبب انقطاع المياه،
ذهبنا بعدها إلى كوبر وأثناء تصويرنا في المنطقة الصناعية سمعنا الرصاص يمر من فوقنا وعلمنا أن الحرب انتقلت إلينا في بحري، وفي الليل سمعنا مضادات الطيران من المنزل ورأينا لمعانها
في اليوم الرابع خرجنا أنا وصديقي بحثاً عن مكان نصور فيه البث المباشر ورأينا تصاعد كثيفاً للدخان من جهة سوق بحري فاتجهنا إلى السوق -والشارع خالٍ تماماً- وصورت الحريق ورأيت انتشاراً لجنود الدعم السريع قرب مكان الحريق، وسمعت بعض الناس يصرخون راكضين نحو الحريق "بضاعتنا بضاعتنا!"
بعدها ذهبنا إلى عدة أماكن للتصوير وفي الليل رأينا دخاناً يتصاعد في حينا فهرعنا إلى مصدره، وتبين لنا من الجيران ومن سألناهم عن الحريق أن قذيفة سقطت وأحدثت حريقاً في المنزل واستغرق اللهب وقتاً لإخماده، ومع نهاية ذاك اليوم كان هناك القليل فقط من البقالات تعمل وبها شح شديد في الطعام.
أذكر أنّا قضيناً يوماً أو يومين بدون ماء -في رمضان- ولحسن الحظ كان يوجد "بيبسي" في المنزل وكان هذا ماؤنا حينها.
ومنذ ذلك الوقت أكثر ما كان يلفت الانتباه هو حركة الناس داخل الأحياء ليلاً ونهاراً كباراً وصغاراً حاملين الأواني والبراميل بحثاً عن الماء، كنا نجلب الماء من بئر قريبة
ولم تكن المياه صالحة للشرب ولكن لم نجد غيرها حينها، كنا نذهب لنقف في صف الماء المكتظ بالناس، وكان بالقرب من هذه البئر ارتكاز للدعم السريع، وحدث اشتباك أدى إلى مقتل عدد من أفراد الجيش، وأذكر أن الناس كانت تفر عند سماع أصوات الرصاص القريبة جداً أو عند دخول عربات الدعم إلى الحي، ثم
تعود مجدداً لتعود لمنازلها بالماء، فخطر العطش في أيام الصيام تلك كأن أعظم من مظاهر الحرب.
وفي هذين المقطعين يقف الناس صفاً في ليلة العيد لجلب الماء من تانكر مياه، وفي هذا اليوم كانت الحرب قد انتقلت إلى حيّنا وسمعنا أصوات الرصاص وأصيب بعض المواطنون حسب شهادة أحد الأصدقاء "تحت"
وبعد هذه المقاطع بسويعات سمعناً اشتباكات عنيفة بالقرب منا وفي الصباح سمعنا الطيران الحربي يقصف واستمرت تلك المعارك طيلة الأيام التي سنمكث فيها، كان النوافذ تهتز من قوة هذه الأصوات، الوضع كان مرعباً، فقد رأينا في مواقع التواصل الأسر التي تموت كلها أو جلها بقذيفة واحدة تسقط عليهم
وفي صباح العيد سمعنا صوت الطيران الحربي وقصفه واشتباكاً بالأسلحة الخفيفة قريباً منا، لم يكن هناك مظاهر للعيد ولم يصلِّ الناس صلاة العيد إلا قلة منهم، وما زاد الأمر سوءاً غير خطر العطش والاشتباكات بين الجيش والدعم السريع هو الانفلات الأمني، ظهرت عصابات مسلحة تنهب وتسرق وتحرق
وفي ليل ذا اليوم -يوم العيد- سمعناً ضجة في الحي واتصل بنا بعض الجيران مخبراً عن دخول هذه العصابات إلى حينا فخرج كل منا إلى الشارع بما لديه من سلاح أبيض أو ناري، ثم أطلق بعض الجيران أعيرة نارية صرفت العصابات ووجهتهم إلى طريق آخر وكفانا الله شرهم.
في اليوم التالي قررنا الخروج من بحري إلى أية مكان لأن الماء الذي بقي لنا قليل وكنا نجتهد في توفيره وبلغ بنا العطش مبلغاً، ولم يعد يوجد أوانٍ نظيفة للطبخ، ولم نستحم منذ الرصاصة الأولى وحينما أتينا خارجين حدثت أعنف معركة وأعلى أصوات أسمعها في حياتي مذ خلقت إلى هذه اللحظة، فأمسكنا
عن الخروج،
نسيت أن أقول أن في ليلة العيد لم يفتح أي من المحلات في شارع المعونة أكثر شوارع المدينة اكتظاظاً، كان المنظر فاجعاً ينبئ بحِدادٍ طويل
أتى يومنا الأخير في الخرطوم، خرجنا من المنزل وسط اشتباك يدور في الحي غير آبهين به، كنا جوعى عطاشاً وقد نفذ الماء ولم نستطع صنع طعام لنا
انتظرنا هدوء الاشتباكات ولم تهدأ فخرجنا متوكلين، ورافقنا أحد الجيران وأسرته -وهم من جنسية عربية- وكانوا ينتظروننا أن نغادر ليخرجوا معنا، لأنهم لا يدرون أين يذهبون وكيف يتعاملون في ظل هذه الظروف ولا يدرون من الصديق أو العدو. فخرجنا وتركنا بيتنا معلقةً به أرواحنا وتم عام ولم نعد.

جاري تحميل الاقتراحات...