عِزْ | EZ
عِزْ | EZ

@i_6ks

25 تغريدة 4 قراءة Apr 16, 2024
مراقب السماء vs الطائر المعسول
إعتدت منذ طفولتي أن أراقب السماء وأتأمل جمالها في كلّ صباح، وأتأمل الطيور فيها بحركاتها ورغبتها العميقة في اللهو والطيران ولطالما حلمت أن أكون طائرًا يحلّق أينما يريد..
ولعلّ طوال فترة مراقبتي لها زُرِع في داخلي شيئًا من الخيال الواسع وحب الفضاء✨
اعتدت الذهاب دائمًا لحديقة بها أشجار عديدة، وأفرُع العنب التي تحيطني من كل مكان، وشجر الرمان القزم الجميل، وأشجارٌ شاهقة لا أعلم ماهي ولكنّي أستمتع بمشاهدتها
أجلس هناك على كرسيٍ خشبي قديم يدوي الصنع يتسع لشخصين، كنت أجلس وبجواري نفسي وأفكاري لاغير
ولكن ليس هذا بيت القصيد…)
في يومٍ من الأيام وبينما كنت أتجول في أحد مناطق الجنوب الذي أحب وأراقب السماء كعادتي على كرسيِّ الخشبي المفضل، شدني طائر غريب على غصنٍ من شجرة الرمان أراه للمرة الأولى في حياتي، طائرٌ أبيض وعلى رأسه ريشٌ شديد السواد تلعب الريح به من شدة نعومته أكاد أُحِسُ بنعومة ريشه بين أناملي…
ومالفتني أكثر هو تلك الريشة السوداء التي قد توسطت في خده الأيسر، كان طائرًا شديد الجمال ما رأت عيناي كجماله قط يومًا..! كأن الله أوجد الجمال فقط ليكون تعبيرًا لهذا الطائر، فُتِنت به حتى أصبحت أراقبه يوميًا وأراقب جلّ حركاته وعيناي يملؤها الحب والعجب…
حبي للطائر لم يكن لجماله فقط إنما حتى لشخصيته بين أقرانه من الطيور، كان يفرض قوته في المكان ولكن امتاز بهدوءه في نفس الوقت..
هو يعلم أنه مُلفت وجميل جدًا ولكن لم أره يومًا يكترث لمن يتأمله في عبوره وذهابه وطيرانه، كان يتسلطن في حديقته ولا يهتم لمن هم حوله، يُحلق حيثما يريد
أصبحتُ أرتاد المكان مرةً تلو الأخرى وأجلس على مقعدي القديم المهترئ بالرغم أنه ليس لي هناك أي حاجة، حتى أني لا أحب الرمان ولا تستهويني فكرة قطف شيء منه من على الشجرة، ولكن إعجابي بهذا الطائر يُرغم قدماي بالتحرك والذهاب دون شعور أو حتى تفكير…
أستمر في النظر إليه فأراقبه لساعات طِوال، وأكتب كلّ ملاحظاتي عنه؛ متى يستيقظ، ومن يزعجه من الطيور الأخرى، أعدّ الساعات فِي غُدُوُّهِ وَرَوَاحِهِ، وماذا يحب أن يأكل؛ أُريد أن أدْرسه وأعْلمه، جلّ ما يمكنني أن أقوله لكم أني قد أحببته فأحببت معرفة كل ما فيه…
ومع مرور الأيام بدء هذا الطائر يشعر بمراقبتي له وكثرة قدومي ومشاهدته وتأمله، وجلبي لكل مايحبه من طعام، وبحثي المستمر عنه إن أطال الغياب، يطير حولي فيهبط لثوانٍ معدودة على الجانب الآخر من الكرسي الخاص بي وكأنه متعجب لماذا يجلس هذا الشخص على الكرسي الخشبي القديم الممتلئ بالمسامير
أصبح هذا الطائر المعسول يقترب مني شيئًا فشيئًا ليتعرف علي كل يومٍ قليلًا، فوجد عندي من الحب العظيم له، شعر هذا المعسول بالأمان فأصبح يُجالسني كل يوم فيغردُ بأعذب الأصوات وأنا مستمعٌ لجمال ما يصدر منه، ستدعونني بالمجنون إن قلت لكم أني كنت أفهم تغريده وأدركه…
هو يصدح بأجمل التغاريد وأنا أتأمل جمال بياضه الممزوج بالسواد وحبة الخال التي أطلقتها على الريشة السوداء في خده، ربطتنا علاقة جميلة طويلة امتدت لفترة من الزمن، كنا نكاد روحًا واحدة ولكن في جسدين مختلفين، كنت أُبديه على نفسي في كل الأمور .. في راحته ونومه وأكله وشربه…
لم أكن أُطيق ساعات النوم لأنها تُجبرني على فراقه فقد كانت وكأنها دهر من الأيام، بطيئة هي، كنت أنام لساعات طويلة فأستيقض وأجدني لم أنم سوى ساعة أو نصف الساعة، وأُحِب ساعات لقائي به وأستلذ بها فأجلس معه ساعة جميلة وأنظر لساعتي فإذا بي قد قضيت ساعات طوال دون علمي .. وهكذا تدور أيامي
كنا قد حفظنا ساعات تلاقينا وكأنها غريزة فينا تجلبنا في ساعات الصباح الباكر وتفرقنا ساعة نومنا، لم يكن من المعتاد على أحدنا أن يتأخر في قدومه أبدًا، وإن حصل التأخير كان أحدنا يقلق ويعتريه القلق الشديد خوفًا أن يكون مكروهًا قد أصاب الآخر
بعد مدة طويلة من علاقة سندباد بياسمين -كما أسماها البعض- بدأ هذا الطائر يتأخر في مجيئه ويستعجل في رحيله، راودني الشك في نفسي إن كنت قد أخطأت أو نسيت أمرًا يهمه!!، أصبح التأخير يزيد في وقته والرحيل يزيد في سرعته..
لم يعد تغريد هذا الطائر كالمعتاد، أصبح يأتي ليُسكتني فقط ويذهب…
حاولت مرارًا أن أفهم ما يحدث معه ولكن للبشر حدود في فهم باقي المخلوقات، بدأ اللقاء يُصبح باردًا حتى جاء اليوم الذي أصبح فيه قارس البرودة كثلجة من القطب الجنوبي.
وفي يومٍ من الأيام كان الكرسي بجانبي فارغًا يعلوه الغبار..
أصابني الجنون كثيرًا فذهبت أبحث عنه وهنا كانت الصفعة!
لم أترك مكانًا لم أبحث فيه عنه، حتى الطيور التي كانت تعاركه ذهبت لها باحثًا عنه، قطعت أميالًا طويلة ودخلت من بين كل الأشجار ولم أجده، حتى قررت أن أتسلق إحدى الأشجار ليكون البحث عنه أسهل من فوق، رغم أني أُعاني من فوبيا الأماكن المرتفعة ولكن من أجل حبة الخال تموت الفوبيا...
صعدت لأعلى الشجرة والخوف يغمرني وقلبي يرتجف كأن الموت له قادم وحينما وصلت للقمة رأيت المعسول ذو حبة الخال الجميل ومعه صديق آخر يُطعمه ويستأنس معه ويصدح بأجمل التغاريد، حينها قلت في نفسي ياليت أن تلك الشجرة قد ماتت ولم تمت الفوبيا التي كانت تحاول أن تنقذني من رؤية الحقيقة المؤلمة
نزلت من على الشجرة وكأني أهوي مٌحملًا بخيبة الأمل والحزن واليأس، لم يراودني شك قط أن يأتي فيه يومٌ يغادرني دون ابداء أسباب، أو يتركني مُهمشًا مُهشمًا تذروني الرياح أينما ارتحلت..
جُلّ ما راودني تلك اللحظة هو أن ألمس روحي وأحتضنها .. أن أسكنها واهدئ من روعتها، تلك امنيتي حينها..!
لطالما كُنت أأنس بوحدتي ومراقبتي البسيطة دون التعمق في تفاصيل المعطيات وكنت حينها أسعد البشر، لم يخطر ببالي يومًا أن يأسرني طائر بغيّ الجمال وساطي الإحساس، وهبته من جميل خصالي فوهبني سوء الوداع..
كُنت أراني كاملًا في روحي فجاءني مدعيًا كمال الروح
أصابني الشتات والضياع فما عُدت ألقى سعادتي في الحديقة الكبيرة تلك ولا مقعدي بات يتسع لي وكأن الأرض ضاقت علي بما رحُبت، غادرتني السكينة وهاجمني الخوف، هجرني النوم وسيطر الأرق على أيامي.
تبدل الهدوء في قلبي إلى معارك لم تُخمد نيرانها قط، أهان هذا الطائر قُدسية السلام في داخلي.
أيقنت حينها أنه لابد أن يستسلم الإنسان من وقتٍ لآخر، أن يستريح، أن يشاهد الحياة وهي تعبر من أمامه وكأنها شيءٌ لا يخصه ولا يعود إليه، فأزِف الرحيل حينها وتجاوزت أمره وتصالحت مع ذاتي وهذبت نفسي وأصلحت روحي المحطمة..
تركت حديقتي وهجرتها فما عاد لي هناك حاجة تقتضي بقائي، وقدماي ما عادت تقودني وتجبرني، أصبحت أنا من يقودها، أنا ربان سفينتي وأنا الشراع الذي يعلو مركبي، لا الرياح تغير مسيري ولا الأمطار من تُغرقني، تَبَدَّدَ الغَمَامُ فِي السَّمَاءِ
وأشرق الفجر في الأفق من بعد ظلامٍ عشته طويلًا..
ثم ماذا..؟
ثم انزاحت عن عيني غمامة الحب والإعجاب فصِرت أرى الحقيقة المخفية منذ زمن طويل جدًا
هو لم يكن مميزًا قط! كان أشباهه عديدون في هذا الكون الشاسع، بل أن هناك الأجمل منه الكثير..
ولكنها نفسي التي وقعت في الهوى وأحبته فبمرمج عقلي تلك الخرافة حتى لا ينزاح فكري عن غيره بتاتًا
جاءني بعد سنين عدة بعدما أدرك فعلته جاءني والندم يعتريه، ولكن بعد ماذا؟ بعد أن أدركت نفسي وانتشلتها وحيدًا من وحل غدره؟ ياهذا ماعاد الكريّ الخشبي يتسع لنا الإثنين، إما أنا أو أنا، لم يعد لتغريدك جاذبية ولا جمالك الذي رأته عيناي عاد يلفتني أصبحت عاديًا جدًا
ماتت أيام الإنغماس تلك
أدركت حينها تلك الجملة التي قرأتها سابقًا:
أن خطيئة الانسان هي ظنه بأن الكل مثله فيُعطي بغزارة حتى يصبح فارغًا من كل شيء.
فكانت هذه خطيئتي يا سادة، خطيئتي التي لن أنساها ما حييت، تلك الخطيئة التي قادتني إلى النضج وفهم المعطيات أكثر وفهم طبيعة مجريات الحياة وأين تأخذك في ظلامها
وكم هنا من شخص يشاركني الخطيئة..!
وكم من شخصٍ أحب طائرًا وهام به فكان الرحيل هو النهاية
كم من شخصٍ يعيش مرارة الرحيل المفاجئ والعذر الواهم!
صادقٌ هو من قال: عندما رحلوا وتركوا الأماكن مهجورة حينها هممت أنا بالرحيل وحملت أشيائي كلها، إلا قلبي كان أثقل من كل أمتعتي..
دمتم بود 🖊️

جاري تحميل الاقتراحات...