عبدالله المزروع A. Almazroa
عبدالله المزروع A. Almazroa

@Arabian_Wisdom

27 تغريدة 17 قراءة Jun 06, 2024
🏮(المانوية والبيجنزية ومجانين اليوم)
في ٢١٦م ولد في بابل شخص اسمه "ماني بن فاتك" وترعرع مسيحيا ثم ادعى فيما بعد تلقيه للوحي، وأنه تلقى ذلك الوحي في عمر الثانية عشرة. وقد آمن بالمسيح نبيا وأنكر نبوة موسى، وابتكر ديانة تمزج المسيحية والمجوسية والغنوصية الباطنية Gnosticism.
١\٢٧
وسميت ديانته بالمانوية أو المانيشية، ومن عقائدها:
-الثنوية: وهي أن للكون خالقين متصارعين؛ هما النور والظلمة.
-أن النور خلق الخير، والظلمة خلقت الشر.
-أن النور خلق الأرواح، والظلمة خلقت الأجساد.
-أن لا سعادة للروح إلا بالانفصال عن الجسد، وبالتالي يدعو إلى سرعة فناء البشر.
٢\٢٧
-أن الظلمة خلقت اللحم، لذا وجب الابتعاد عن أكله والاكتفاء بالأطعمة النباتية.
وقد قُتل ماني بن فاتك على يد بهرام بن هرمز، واستمرت ديانته من بعده، وتفرعت عنها ملل ومذاهب عديدة، تسرب بعضها غربا باتجاه القارة الأوروبية، وتقلصت في الشرق مع المد الإسلامي وانتشار عقيدة التوحيد.
٣\٢٧
وسعيا مني للاختصار سآخذكم معي في قفزة زمنية طولها ألف عام، إلى القرن الثالث عشر الميلادي، وفي جنوب فرنسا تحديدا، في زمن الهيمنة الدينية للفاتيكان على أوروبا. فقد ظهرت وتنامت طائفة مسيحية بسطت نفوذها على جنوب فرنسا وقد توغلت في عقيدتها تعاليم المانوية، وقد سموا بالبيجنزية.
٤\٢٧
وقد أعلنوا عداوتهم للكنيسة الكاثوليكية واعتبروا البابا هو المسيح الدجال، وكما فعل ماني بن فاتك فإنهم أنكروا نبوة موسى، وبالتالي أحرقوا ما يسمى العهد القديم من "الكتاب المقدس".
وكسائر الغنوصيين والعرفانيين كان هؤلاء يعتقدون أنهم وحدهم يمثلون النقاء ويحملون الحقيقة دون غيرهم.
٥\٢٧
كانوا مانويين جدد، يؤمنون بأن المادة هي الشر والروح هي الخير وأن الوجود صراع بينهما.
وأن سعادة الروح هي في الخلاص من الجسد، ولذا كرهوا الزواج خشية التناسل، وشجعوا على الخنا والرذيلة إذا لم يؤدِّ إلى تناسل وإنجاب مواليد في هذا العالم المادي الشرير، وأن الإجهاض للحمل واجب.
٦\٢٧
وقد أباحوا الانتحار وآمنوا بأن أفضل وسيلة للانتحار هي الموت جوعا، كما حرموا أكل اللحم وجميع المنتجات الحيوانية في جميع الأحوال.
وقد بسطت هذه الطائفة سيطرتها على جنوب فرنسا وأخذت تتمدد شمالا، بل إن عقائدها كانت قد سبقتها في الوصول إلى شمال أوروبا، حتى شكلت تهديدا للفاتيكان.
٧\٢٧
في عام ١٢٠٩ أمر البابا إنوسنت (معنى اسمه: البريء) بحملة عسكرية كبرى للقضاء على هذه الطائفة، سميت فيما بعد "الحملة الصليبية البيجنزية" (ALBIGENSIAN CRUSADE).
وقد انطوت تلك الحملة على بشاعة ودموية استمرت عشرين عاما إلى سنة ١٢٢٩.
٨\٢٧
وقد سُئل المندوب البابوي عن كيفية التمييز بين البيجنزيين والمسيحيين عند القتال، فأجابهم قائلاً "اقتلوهم جميعًا، سيعرف الله أتباعه ".
(ملاحظة: وكأنما من تلك الفتوى البابوية استنسخ الدواعش فتواهم بتفجير الجميع لأن الأبرياء "سيُبْعَثون على نياتهم".)
٩\٢٧
ذكرت المصادر التاريخية أنه تم إبادة مليون إنسان على يد هذه الحملة الصليبية.
وسعياً في الاختصار مرة أخرى، هيا بنا نقفز إلى الأمام ٦٠٠ عام، إلى القرن التاسع عشر، حيث هنالك الأب الروحي للديانة الشيوعية الحديثة، الفيلسوف الألماني جورج هيغل.
١٠\٢٧
وكان هيغل يحمل العقيدة الغنوصية كما كان المانوية والبيجنزية، الذين كانوا يحملون تلك "الثنوية" أو الثنائية، في منظورهم إلى الوجود بأنه صراع بين الخير (الروح) وبين الشر (المادة)، ولكن هيغل عبر عن هذه الثنوية بأنها "جدلية" بين الفكرة المثالية في الذهن وبين الواقع غير المثالي.
١١\٢٧
بتبسيط أكثر، كان يؤمن بأن الفكرة المثالية تمثل المقدس، تمثل الإلٰه، والواقع غير المثالي يمثل الضد والنقيض لذلك الإلٰه.
ثم عبر عن الفكرة المثالية بأنها هي "الفرضية"، وأن الواقع غير المثالي هو "النقيض"، وأن التاريخ ليس سوى عملية مستمرة تقدمية في بلورة التوليفة بين النقيضين.
١٢\٢٧
وكل توليفة لا تتم دون معاناة (أزمة) تدفع بالواقع غير المثالي نحو التوليف مع الفكرة المثالية.
وأن لهذا التاريخ نهاية، وهي حين لا تبقى أي تناقضات بين الفكرة وبين الواقع ويصبحان شيئا واحدا، إلٰهاً واحدا.
ولقد استقى ماركس هذه العقائد مبكرا حيث كان ضمن عداد "الشباب الهيغليين"،
١٣\٢٧
لكنه نتيجة شخصيته المتغطرسة وبذخه واتكاليته على غيره في تمويل معيشته تولّد لديه حنق وغيظ تجاه العصر الصناعي الذي عاش خلاله، ولذلك قام بتطوير عقائد هيغل لتكون أكثر ملامسةً للعصر الذي يعيشه ويمقته، فجعل تلك الجدلية بين "فرضية" هي طبقة ملاك مصادر الإنتاج، و "نقيض" هم العمال.
١٤\٢٧
وأن التوليف بين هذين النقيضين يقتضي ثورة العمال على الملاك.
وهنا نقطة هامة: إن الهيغليين والماركسيين يعبرون عن "العقيدة" بمصطلح "النظرية"، فالنظرية عندهم لا تعني ما يفهمه بقية البشر، وبالتالي فإن نظرية ماركس تعد عنده عقيدة، وتوقعه لثورات تعم العالم ليس مجرد توقع بل نبوءة.
١٥\٢٧
وهنالك معلومة قد لا يعرفها الكثيرون، وهي متعلقة بأشهر كتب ماركس على الإطلاق "البيان الشيوعي".
فقد كانت مسودته بعنوان آخر مختلف يكشف حقيقة العقيدة الماركسية وهو: "الإقرار الإيماني الشيوعي" (Communist Confession of Faith).
وكان الذي أقنعه بتغيير ذلك العنوان هو رفيقه إنجلز.
١٦\٢٧
اسمحوا لي أن نقفر مرة أخرى للأمام قرابة مئتي عام، والمكان هو روما إيطاليا، حيث اجتمع عدد من متخصصي العلوم الطبيعية والتقنيين (الماركسيين) فيما سمي لاحقا بـ "نادي روما".
وكانوا يؤمنون بأنهم يحملون في أذهانهم الأفكار المثالية، لكوكب يعاني من واقع غير مثالي؛ فرضيتان نقيضتان.
١٧\٢٧
والجدلية الماركسية أوجبت التوليف بين النقيضين، مهما تطلّب ذلك التوليف من أزمات ومعاناة للبشر (سواهم).
فخرجوا بدستورهم: "حدود النمو" (١٩٧٢)، والذي صرح بضرور تقليص التعداد السكاني للبشر بأية وسيلة كانت.
وقد نعجب حينما نعلم أن مما ورد في كتاب "حدود النمو" نصوص خلاصة معناها:
١٨\٢٧
(تجب السيطرة على التعداد السكاني لذا يجب أن نتحكم في الخصوبة.. التحكم في الخصوبة عن طريق الإمدادات الغذائية. يتم التحكم في الإمدادات الغذائية عن طريق الأسمدة النيتروجينية. إذَن التحكم في الأسمدة النيتروجينية للتحكم في الإمدادات الغذائية للتحكم في الخصوبة لتقليل عدد البشر)
١٩\٢٧
وقد حظي هذا الكتاب بإعجاب وتأييد منتدى الإدارة الأوروبي، والذي دعا أعضاء نادي روما لإلقاء ورقة لدى المنتدى عام ١٩٧٢، بل قام منتدى الإدارة الاوروبي بطباعة الكتاب.
ومنتدى الإدارة الأوروبي قد اتخذ اسما آخر فيما بعد، هو المنتدى الاقتصادي العالمي.
الصورة بدأت تتضح، أليس كذلك؟
٢٠\٢٧
إذا أمعنا النظر فيما يدعو إليه المنتدى الاقتصادي وينشره على موقعه الرسمي سنرى صياغة لغوية حديثة لديانة غنوصية (باطنية) مانوية بيجنزية هيغلية ماركسية.
حيث تعم روح الغطرسة بأنهم وحدهم يمثلون النقاء ويملكون الحقيقة، وأنهم يحملون الفكرة المثالية في أذهانهم، التي تمثل الفرضية.
٢١\٢٧
وبقية البشرية يمثلون الواقع غير المثالي، "النقيض"، وأن التاريخ يدفع نحو التوليف بين النقيضين، وأن ذلك التوليف يتطلب الأزمات التي تسوق البشرية سوقاً لأجنداتهم.
فوضعوا السياسات والبرامج في سبيل تجويع البشرية (الانتحار جوعا) ، لصنع التوليف الذي ثقدَّم بلايين البشر قرابين له.
٢٢\٢٧
سواء كان بدعوى "حماية الكوكب" أو "العدالة الاجتماعية" فإن ديانتهم تفرض عليهم العمل المستمر نحو نهاية التاريخ المنشود، حينما تزول كل التناقضات ويصبح الواقع على الأرض متطابقاً مع الفكرة المثالية التي يحملونها في أذهانهم، وحينها تشرق الشيوعية على المعمورة ويصبح الإنسان إلٰها.
٢٣\٢٧
وإن كان الفاتكان قد شن حملة صليبية لإبادة البيحنزيين الذين عدوا أنفسهم "النخبة النقية" بالأمس، فقد أصبح الآن حليفا للماركسيين العولميين، الذين يعدون أنفسهم "النخبة النقية" اليوم.
وإن هؤلاء العولميين بكل هيلمانهم ليسوا سوى مجانين اليوم، وسوف يزولون كما زال مجانين الأمس.
٢٤\٢٧
وإننا والله لنراقبهم عن بعد وفي مأمن وراحة بال في بلداننا الوطنية وفي مقدمتها وطني المشرق بأنوار الإسلام والمتزين بجمال التوحيد والعابق بعطر العروبة، في ظل القيادة الرشيدة لسيدي المليك سلمان وسمو ولي عهده الأمير محمد.
نحن نراقب حال شعوب الغرب من بعيد، بشفقة عليهم.
انتهى.
٢٥\٢٧

جاري تحميل الاقتراحات...