ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

25 تغريدة 27 قراءة Apr 07, 2024
"حلقة الوصل بين البشر والقرود"
هكذا وصفتها صحيفة نيويورك تايمز
عرفها الأمريكيون بأنها "أبشع امرأة في العالم"، بينما أطلقت عليها السينما لقب "المرأة القرد".
من هي؟
وما القصة؟
ولماذا لم تدفن إلا بعد قرن ونصف من وفاتها؟
حياكم تحت
في عام 1834 بالتحديد في ولاية سينالوا بالمكسيك، ولدت طفلة لأسرة بدائية، تنتمي في الأغلب للسكان الأصليين، حازت هذه الطفلة اسم جوليا باسترانا، قبل أن تموت عنها أمها في وقت مبكر من حياتها، لتتقاذفها منذ ذلك الحين أمواج العبودية العاتية، حيث وجدت نفسها مستعبدة في منزل سيد أبيض
إنه منزل بيدرو سانشيز، حاكم سينالوا، والذي عاشت فيه سنوات حياتها الأولى كخادمة أو مستعبدة، وقد عزز تمسك السيد سانشيز بها، ما عليه جوليا من هيئة مختلفة نادرة، مثيرة لتندر العنصريين البيض، ومتوافقة مع أهوائهم حينذاك في ازدراء السكان الأصليين وربطهم بأجناس حيوانية بعيدة عن البشر.
لكن بحلول عام 1854 تخلت أسرة سانشيز عن جوليا، فاشتراها منهم فرانسيسكو سيبولفيدا، مسؤول الجمارك في مدينة ماساتلان المكسيكية، حيث رأى في هيئتها كنزا دفينا يمكن أن يجني من خلاله الكثير من الأموال، إذا ما انتقل بها إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما كان
سافر سيبولفِدا مع جوليا إلى نيو أورليانز على متن سفينة إس إس أوريزابا، حيث قدم نفسه بصفته " الوصي" عليها، بعد أن تم تعيينه كما يزعم من قبل والديها بالتبني في المكسيك، وفور وصوله بدأ في عقد مقابلات مع عديد من دور السيرك، يعرض فيها عليهم شراء خدمات جوليا واستخدامها في عروضهم.
بعد عام من وصولها، وانطلاقا من مدينة نيويورك بدأت جوليا أولى عروضها، تحت إدارة جيه دبليو بيتش، حيث استقبلتها الجماهير بمزيج قاسٍ من العنصرية والسحر، لقد أثارت فيهم الانتباه وأحدثت ضجة وفضول لا مثيل لهما في جميع أنحاء الغرب الأوسط وشمال ولاية نيويورك ونيو إنجلاند.
بعد وقت وجيز غزت إعلانات عروض جوليا باسترانا جميع الصحف، وأضحى جدول عملها مرهقاً بشكل لا يصدق، فكانت إما في السيرك تُقدم عروضها، وإن لم تكن كذلك فوقتها الآخر طوال اليوم مقطوع لصالح الزوار الذين يأتون لمشاهدتها والتطلع عن قرب إلى ذلك "الوحش المخيف" التي تملأ صوره الجرائد.
خلال نفس الفترة اهتم الأطباء والعلماء بفحص جوليا،منهم الدكتور أليكس موت، والذي قال عنها "إنها امرأة مثالية - مخلوق عقلاني، شديد الذكاء، يتمتع بالكلام الذي لم يمتلكه أي وحش من قبل.
لذلك فهي هجينة، وأتت ربما نتيجة تزاوج بين إنسان وبين غوريلا. إنها في المجمل الكائن الأكثر استثنائية"
تناغمت هذه الافتراضات التي جردت جوليا من إنسانيتها وقررت أنها مخلوق هجين، مع صدور كتاب أصل الأنواع لداروين عام 1959، ذلك الكتاب الذي أحدث ضجة علمية ومجتمعية كبيرة حينذاك، بوضعه افتراض مفاده أن الإنسان انحدر من سلف مشترك مع كائنات أخرى.
لم يمض كثير وقت حتى سيطرت افتراضات داروين على الأجواء العلمية وصارت مُسلّمة يؤمن بها معظم المجتمع العلمي الغربي، والذي سخر جهوده من أجل إثبات صحتها عبر عديد من الوسائل المعملية والعينية، من بينها العثور على بشر مختلفين مثل جوليا وتقديمهم على أنهم حلقة الوصل بين البشر وإنسان الغاب
في هذا الإطار يصفها عالم الحيوان فرانسيس باكلاند: "عيناها سوداء جاحظة، ولها رموش طويلة وكثيفة، لقد كانت ملامحها ببساطة "بشعة للغاية" بسبب كثرة الشعر الذي ينمو على جبهتها، ولحيتها السوداء لكن في الوقت ذاته كان قوامها أنثويا جميلًا ورشيقًا للغاية، وقدمها صغيرة وكاحلها ملتف"
جوليا التي كانت تبلغ من العمر حينذاك 23 عاماً توسعت عروضها لتشمل جميع الولايات الأمريكية، قبل أن تعبر المحيط لتجول كذلك في شتى أنحاء أوروبا، لكن هذه المرة ليست رفقة مديرها بيتش، وإنما رفقة زوجها الذي أحبته ثيودور لينت، والذي رأت فيه طوق إنقاذ لها من كل تلك القسوة العارمة حولها.
لقد اختارت جوليا، ثيودور لينت زوجاً لها، بعدما أظهر لها وداً ولطفا واحتراماً لم تناله من أي أحد قط، وهو ما دفعها للهروب معه بعيداً دون سابق إنذار، حيث تعرض لينت للملاحقة القانونية بداية من مدراء جوليا، لكن بإثباته زواجه منها تلاشت المخاطر، وثبت له الحق في كاملا في رفقتها.
في صيف عام 1857 بدأت جوليا رفقة زوجها جولتها الأوروبية، حيث استمرت معه في تقديم مزيد من العروض تنقلت خلالها بين كثير من المدن البريطانية مثل لندن ونيوكاسل وليفربول وباريس، ثم انتقلت بعدها إلى برلين حيث قدمت هناك عروضاً غنائية راقصة في إحدى المسرحيات الهزلية.
خلال هذه الجولات التي شملت جل العواصم الأوروبية، ظهرت باسترانا بكثرة في إعلانات الصحف، أما عروضها الراقصة فقد اتسمت برشاقة وقدرة فائقة على الأداء، أما عن صوتها الغنائي فقد كان حانيا وفريدا من نوعه، لكن توجهات الجمهور حينذاك لم تكن منشغلة بأي من هذا بقدر فضولها نحو مظهرها المختلف.
يواصل عالم الحيوان فرانسيس باكلاند الذي التقاها وفحصها، حديثه عن سماتها الشخصية قائلا: "لقد كانت تتمتع بصوت عذب، وذوق رائع في الموسيقى والرقص، وتستطيع التحدث بثلاث لغات. لقد كانت محبة للخير، وكانت تتبرع بشكل كبير للمؤسسات المحلية من دخلها".
كانت روسيا محطة جوليا الأخيرة في رحلتها الأوروبية بل في رحلة حياتها كاملة، حيث استقرت في روسيا لبعض الوقت انتظاراً لمولودها القادم، لكن القدر كان في الانتظار، حيث توفيت عام 1860 عن عامر ناهز 26 عاما، نتيجة مضاعفات الولادة وتوفي معها طفلها الناشئ والذي كان شبيها لها في الشكل.
بعد وفاتها وابنها لم يكن من زوجها لينت سوى الاستعانة بالأستاذ سوكولوف من جامعة موسكو من أجل تحنيط جسدها وجسد طفلها، طمعا من لينت في استكمال رحلة العروض وجني الأرباح، وهو ما حققه بالفعل، فقد ظل لينت يطوف بجسد جوليا وابنه في شتى معارض العالم، وبعد مماته انتقل الجسد لمشترٍ جديد.
لأكثر من مائة عام تالية تحديداً حتى عام 1976، ظلت جثتي جوليا وابنها تطوف في شتى أنحاء أوروبا وأمريكا، في المتاحف والسيرك والمتنزهات، واستقبلته الجماهير الغربية بنفس الانبهار والفضول والتندر والعنصرية، قبل أن يخفت بريق الجثة وتخزن في منشأة خاصة للتبريد في أوسلو.
وفي عام 1979 تعرض المركز الذي يحتوي الجثتين للاقتحام والتخريب، ومن ثم سرق اللصوص الجثتين، حيث ألحقوا أضرارا بجثة الطفل، وأكلت الفئران بقيته، قبل أن تتمكن الشرطة من استعادة جثة جوليا بعد أن وجدتها في سلة مهملات، حيث جرى حفظها في معهد الطب الشرعي في أوسلو.
في عام 1990 أوصى البرلمان النرويجي بدفن رفاتها، لكن وزير العلوم قرر الاحتفاظ بها حتى يتمكن العلماء من إجراء مزيد من الأبحاث عليها، وعلى مدى عقدين آخرين من الزمان ظلت الجثة حبيسة عنصرية الأوروبيين وغرورهم، قبل أن يتغير الأمر بحلول عام 2012.
حيث أثمرت جهود الفنانة والمصورة المكسيكسية أندرسون بارباتا والتي بدأتها منذ عام 2005 عن موافقة جامعة أوسلو على نقل رفات جوليا إلى المكسيك، حيث وارى جسدها الثرى في مسقط رأسها بولاية سينالوا، وذلك بعد أكثر من قرن ونصف، ظلت فيه الجثة محلاً للتطواف والتنمر الغربي والسرقة.
اهتم الفن بقصة جوليا باسترانا، حيث قدمت السينما قصة حياتها في فيلم إيطالي ضاحك بعنوان "المرأة القرد" من إنتاج عام 1964، أما المسرح الأمريكي فقدم مسرحية متعاطفة مع حياتها صدرت عام 1998، تحت اسم "التاريخ الحقيقي للحياة المأساوية لجوليا باسترانا، أبشع امرأة في العالم".
أثبت الطب الحديث أن جوليا باسترانا إنسانة وليست وحشاً، أما عن شكلها وسماتها الشكلية المختلفة فقد جاءت نتيجة مرضين نادرين عانت منهما منذ ولادتها، أحدهما فرط الشعر، والذي تسبب في تغطية وجهها وجسمها بشعر كثيف، والثاني هو تضخم اللثة، والذي أدى إلى زيادة سمك شفتيها ولثتها.
هذا هو الغرب الذي يتبجح علينا دوما بقيمه !

جاري تحميل الاقتراحات...