أسلم حُذيفة وأبوه ، وأرادا شهود بدر فصدهما المشركون ، فعن حذيفة رضي الله عنه قال : (ما منعني أن أشهدَ بدرًا إلا أني خرجتُ أنا وأبي حُسَيْل ، فأخذنا كفارُ قريشٍ ، قالوا : إنكم تريدون مُحَمَّدًا ؟ فقلنا : ما نريدُه ، ما نريدُ إلا المدينة ، فأخذوا منَّا عهدَ الله وميثاقَه لننصرفنَّ إلى المدينة ولا نُقاتل معه ، فأتينا رسول الله ﷺ فأخبرناه الخبر ، فقال : انصرفا ، نَفِي لهم بعهدِهم ، ونستعينُ اللهَ عليهم). (رواه مسلم).
ثم شهدا أُحُدًا ؛ عن عُروة بن الزُبير رضي الله عنه قال (كان أبو حُذيفة اليمان شيخًا كبيرًا ، فرفع في الآطام (الحصون) مع النساء يوم أُحُد ، فخرج يتعرض للشهادة فجاء من ناحية المشركين فابتدره المسلمون فتوشقوه (طعنوه أو خدشوه) بأسيافهم وحُذيفة يقول : أبي أبي فلا يسمعونه من شغل الحرب حتى قتلوه (وهم لا يعرفونه) ، فقال حُذيفة : يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين ، فقضى النبي ﷺ بديّته) رواه الشافعي ؛ ثم تصدَّق حُذيفة بالديَّة على المسلمين.
وفي غزوة الأحزاب ندبه رسول الله ﷺ ليأتيه بخبر العدو ؛ عن حُذَيْفَةَ رضي الله عنه قال : لَقَدْ رَأَيْتُنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الْأَحْزَابِ وَأَخَذَتْنَا رِيحٌ شَدِيدَةٌ وَقُرٌّ (البرد القارس الَّذي يجعل الإنسان يقرقر بأسنانه) ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَلَا رَجُلٌ يَأْتِينِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ جَعَلَهُ اللَّهُ مَعِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي : يُحشر مع النبي ﷺ يوم القيامة ؛ فَسَكَتْنَا فَلَمْ يُجِبْهُ مِنَّا أَحَدٌ [ كل ذلك ثلاث مرات ] ثم قال في الثالثة : (قُمْ يَا حُذَيْفَةُ فَأْتِنَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ) فَلَمْ أَجِدْ بُدًّا إِذْ دَعَانِي بِاسْمِي أَنْ أَقُومَ. (أي : بما أن النبي ﷺ عَيَّنه بالدَّعوةِ فوجَبَتْ عليه الإجابةُ) ؛ قَالَ : (اذْهَبْ فَأْتِنِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ وَلَا تَذْعَرْهُمْ عَلَيَّ) ، فَلَمَّا وَلَّيْتُ مِنْ عِنْدِهِ جَعَلْتُ كَأَنَّمَا أَمْشِي فِي حَمَّامٍ حَتَّى أَتَيْتُهُمْ (حمَّامُ مِن الحميمِ ، وهو : الماءُ الحارُّ ، والمعنى : أنَّه لم يَجدِ البَرْدَ الَّذي يَجِدُه النَّاسُ ولا مِن تلكَ الرِّيحِ الشَّديدةِ الموجودة شَيئًا).
فَرَأَيْتُ أَبَا سُفْيَانَ يَصْلِي ظَهْرَهُ بالنَّارِ (أي : يُدْفِئُ ظَهْرَه بِالنَّارِ) ، فَوَضَعْتُ سَهْمًا في كَبِدِ القَوْسِ فأرَدْتُ أَنْ أَرْمِيَهُ ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ رَسولِ اللهِ ﷺ : وَلَا تَذْعَرْهُمْ عَلَيَّ ، ولو رَمَيْتُهُ لأَصَبْتُهُ ، فَرَجَعْتُ وَأَنَا أَمْشِي في مِثْلِ الحَمَّامِ ، فَلَمَّا أَتَيْتُهُ فأخْبَرْتُهُ بخَبَرِ القَوْمِ وَفَرَغْتُ ، قُرِرْتُ (أي : أصابَه البَرْدُ الَّذي يَجِدُه النَّاسُ مرَّةً أُخرى) ، فألْبَسَنِي رَسولُ اللهِ ﷺ مِن فَضْلِ عَبَاءَةٍ (كِساءٌ يُلْبَسُ مِن فَوقِ الثِّيابِ) كَانَتْ عليه يُصَلِّي فِيهَا ، فَلَمْ أَزَلْ نَائِمًا حتَّى أَصْبَحْتُ ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ قالَ : قُمْ يا نَوْمَانُ. (رواه مسلم).
وشهد حُذيفة بن اليمان رضي الله عنه كل غزوات النبي ﷺ عدا بدر ، وشهد فتوح الشام والعراق ، فشارك في معركة اليرموك وكان أول مبشر للخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، كما شارك في معركة القادسية ، وكان سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قائد المعركة قد اختار حُذيفة بين الذين انتهى اليهم رأي الناس ليُذكرّوهم ويحرّضوهم على القتال ، وشهد حُذيفة فتح الجزيرة ، وشهد معركة نهاوند الفاصلة ، وأخذ الراية بعد مقتل النعمان بن مُقرِّن ، أمير ذلك الجيش ؛ كما كان فتح همذان والرّي والدّينور على يديه.
وأرسله عمر بن الخطاب رضي الله عنه في عهده ليكون واليًا له على "المدائن" ، فقرأ كتاب التوكيل الذي أرسله عمر بن الخطاب معه إلى أهل المدائن ، فقالوا : اطلب ما شئت ، فقال لهم أنّه لا حاجة له إلّا لبعض الطعام الذي يبقيه على قيد الحياة ، والقليل من التبن لحماره ، وأثناء وجوده في المدائن وصلت إليه رسالة من الخليفة عمر بن الخطاب يطلب فيها أن يأتي إلى المدينة ليلتقيه ، فخرج في الطريق إلى المدينة ، وعندما عَلِم عمر أنّ حذيفة في الطريق إليه ؛ خرج ليرى ماذا صنع في الأمانة التي كلّفه فيها على الناس ، فلمَّا رآه قادمًا بنفس الحالة التي ذهب بها اطمأنّ لذلك ، وقال : أنت أخي ، وأنا أخوك.
وحُذيفة بن اليمان هو صاحب سر رسول الله ﷺ في المنافقين ، فهو الوحيد الذي أخبره الرسول ﷺ بأسمائهم ، وسأله عمر بن الخطاب رضي الله عنه : أفي عمالي أحد من المنافقين ؟ قال : نعم ، واحد ، قال : من هو ؟ قال : لا أذكره ؛ قال حذيفة : فعزله ، كأنما دُل عليه (أي : عزل عمر بن الخطاب ذلك الرجل المنافق وكأن أحد دله عليه).
وكان عمر رضي الله عنه إذا مات رجل يسأل عن حُذيفة ، فإن حضر الصلاة عليه صلَّى عليه عمر ، وإن لم يحضر لم يصلِّي عمر.
وكان عمر رضي الله عنه إذا مات رجل يسأل عن حُذيفة ، فإن حضر الصلاة عليه صلَّى عليه عمر ، وإن لم يحضر لم يصلِّي عمر.
ويُعّد حُذيفة بن اليمان رضي الله عنه من أعلم الناس بالفتن الكائنة إلى يوم القيامة ؛ وكان رضي الله عنه يحترز لدينه ، ويحتاط لنفسه ، ويسأل عن الشر ليتقيه ؛ عن حُذَيْفَةَ رضي الله عنه قال : كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْخَيْرِ وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنْ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي. (رواه الشيخان).
وعن حُذَيْفَةَ رضي الله عنه قال : وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ النَّاسِ بِكُلِّ فِتْنَةٍ هِيَ كَائِنَةٌ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ السَّاعَةِ ، وَمَا بِي إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَسَرَّ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ شَيْئًا لَمْ يُحَدِّثْهُ غَيْرِي (أي : أنَّه ليسَ له سَبيلٌ إلى عِلمِ ذلك إلَّا بما أسَرَّه به النَّبيُّ ﷺ ولم يَتحدَّثْ بهِ إلى أحدٍ غيرِهِ ، وذلك الأمرُ الَّذي أسَرَّ به النَّبيُّ ﷺ إليه فلنْ يُحدِّثَ به ؛ لوُجوبِ كِتمانِه ؛ وإنَّما سيُخبِرُهم بما حَدَّثَ به النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في مَجلِسٍ في جَماعةٍ مِن أصحابهِ، وكان حُذَيفةُ رَضيَ اللهُ عنه حاضرًا معهم) ؛
وَلَكِنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ وَهُوَ يُحَدِّثُ مَجْلِسًا أَنَا فِيهِ عَنْ الْفِتَنِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَعُدُّ الْفِتَنَ : (مِنْهُنَّ ثَلَاثٌ لَا يَكَدْنَ يَذَرْنَ شَيْئًا (أي : إنَّ تلكَ الفِتنَ تَصِلُ وتُصِيبُ أغلَبَ أهلِ الأرضِ) ، وَمِنْهُنَّ فِتَنٌ كَرِيَاحِ الصَّيْفِ (أي : فيها بعضُ الشِّدَّةِ) مِنْهَا صِغَارٌ وَمِنْهَا كِبَارٌ) قَالَ حُذَيْفَةُ : فَذَهَبَ أُولَئِكَ الرَّهْطُ كُلُّهُمْ غَيْرِي (أي : أنَّ الصَّحابةَ الَّذين سَمِعُوا هذا الحَديثَ معه مِن رَسولِ اللهِ ﷺ ماتوا كلُّهم إلَّا هو ؛ فلذلك قال : إنِّي لأَعْلَمُ النَّاسِ بكُلِّ فِتْنَةٍ هي كَائِنَةٌ. (رواه مسلم).
وعن حُذَيْفَةَ رضي الله عنه قال : لقَدْ خَطَبَنَا النبيُّ ﷺ خُطْبَةً ، ما تَرَكَ فِيهَا شيئًا إلى قِيَامِ السَّاعَةِ إلَّا ذَكَرَهُ ، عَلِمَهُ مَن عَلِمَهُ وجَهِلَهُ مَن جَهِلَهُ ، إنْ كُنْتُ لَأَرَى الشَّيْءَ قدْ نَسِيتُ ، فأعْرِفُ ما يَعْرِفُ الرَّجُلُ إذَا غَابَ عنْه فَرَآهُ فَعَرَفَهُ (أي : أنَّه كان يَرى الشَّيءَ الَّذي كان نَسِيَه من هذه الخُطبةِ ، فإذا رآه عرَفَه وتذكَّرَه كما يَعرِفُ الرَّجلُ الرَّجلَ الَّذي كان غابَ عنه فنَسِيَ صُورتَه ، ثم إذا رآه عَرَفَه). (رواه البخاري).
ظلَّ الصحابي الجليل حُذيفة رضي الله عنه في ولاية المدائن إلى أن توفيَّ في العام لسادس والثلاثون للهجرة ، بعد استشهاد الخليفة عثمان بن عفَّان رضي الله عنه بأربعين يوم.
جاري تحميل الاقتراحات...